الرؤیة الاستشرافیّة فی الواقع الإسلامیّ المعاصر -مبرّرات الحاجة إلى ثقافة الاستشراف-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

     تتوخّى هذه المقالة إبراز أهمّیّة "الرؤیة الاستشرافیّة" فی الواقع المعاصر للمسلمین، ومدى حاجاتهم إلى الثقافة الاستشرافیّة بما هی ثقافة تُجنّب صاحبها -فردًا کان أو جماعة- التعامل مع تحدّیات المستقبل بمنطق العفویّة والارتجال ورَدّ الفعل بدل الفعل، وتَمُدّه فی الآن نفسه بمقوّمات السیر الهادف نحو ذلک المستقبل والتخطیط له، وعقلنة التعامل معه بحیث یکون تعاملًا علمیا مدروسًا موجّهًا. لأجل ذلک تتوقّف المقالة أولًا عند تحدید مفهوم الاستشراف فی أبعاده المختلفة، ثمّ تبرز ثانیًا أهمّیّة استشراف المستقبل من خلال توضیح آثاره الإیجابیّة فی توجیه مسارات الفعل الحضاریّ وصناعته، من منطلق أنّ من یمتلک رؤیة استشرافیّة سدیدة یکون أقدر على ضبط واقعه الحاضر من جهة، مثلما یکون مؤهلًا، أکثر من غیره، لتحدید اتّجاهات مستقبله الذی یطمح إلیه من جهة أخرى. وتبعًا لهذا؛ استعرضت المقالة، فی مستوى ثالث، جملة من السمات الممیّزة "للعقل الاستشرافیّ"؛ وهی: الإبداع والتجدید، الارتیاد والتخطیط، التساؤل والنقد، الشمول والتعاون، المرونة والتکیّف.     تتوخّى هذه المقالة إبراز أهمّیّة "الرؤیة الاستشرافیّة" فی الواقع المعاصر للمسلمین، ومدى حاجاتهم إلى الثقافة الاستشرافیّة بما هی ثقافة تُجنّب صاحبها -فردًا کان أو جماعة- التعامل مع تحدّیات المستقبل بمنطق العفویّة والارتجال ورَدّ الفعل بدل الفعل، وتَمُدّه فی الآن نفسه بمقوّمات السیر الهادف نحو ذلک المستقبل والتخطیط له، وعقلنة التعامل معه بحیث یکون تعاملًا علمیا مدروسًا موجّهًا. لأجل ذلک تتوقّف المقالة أولًا عند تحدید مفهوم الاستشراف فی أبعاده المختلفة، ثمّ تبرز ثانیًا أهمّیّة استشراف المستقبل من خلال توضیح آثاره الإیجابیّة فی توجیه مسارات الفعل الحضاریّ وصناعته، من منطلق أنّ من یمتلک رؤیة استشرافیّة سدیدة یکون أقدر على ضبط واقعه الحاضر من جهة، مثلما یکون مؤهلًا، أکثر من غیره، لتحدید اتّجاهات مستقبله الذی یطمح إلیه من جهة أخرى. وتبعًا لهذا؛ استعرضت المقالة، فی مستوى ثالث، جملة من السمات الممیّزة "للعقل الاستشرافیّ"؛ وهی: الإبداع والتجدید، الارتیاد والتخطیط، التساؤل والنقد، الشمول والتعاون، المرونة والتکیّف.

نقاط رئيسية

أولًا: مفهوم الاستشراف وهویّته

ثانیًا: أهمّیّة استشراف المستقبل وجدواه

ثالثًا: سمات العقل الاستشرافیّ

1. الإبداع والتجدید

2. الارتیاد والتخطیط

3. التساؤل والنقد

4. المرونة والتکیّف

5. الشمول والتعاون

الكلمات الرئيسية


الرؤیة الاستشرافیّة فی الواقع الإسلامیّ المعاصر -مبرّرات الحاجة إلى ثقافة الاستشراف-

الدکتور العیاشی الدراوی[1]

خلاصة المقالة:

       تتوخّى هذه المقالة إبراز أهمّیّة "الرؤیة الاستشرافیّة" فی الواقع المعاصر للمسلمین، ومدى حاجاتهم إلى الثقافة الاستشرافیّة بما هی ثقافة تُجنّب صاحبها -فردًا کان أو جماعة- التعامل مع تحدّیات المستقبل بمنطق العفویّة والارتجال ورَدّ الفعل بدل الفعل، وتَمُدّه فی الآن نفسه بمقوّمات السیر الهادف نحو ذلک المستقبل والتخطیط له، وعقلنة التعامل معه بحیث یکون تعاملًا علمیا مدروسًا موجّهًا. لأجل ذلک تتوقّف المقالة أولًا عند تحدید مفهوم الاستشراف فی أبعاده المختلفة، ثمّ تبرز ثانیًا أهمّیّة استشراف المستقبل من خلال توضیح آثاره الإیجابیّة فی توجیه مسارات الفعل الحضاریّ وصناعته، من منطلق أنّ من یمتلک رؤیة استشرافیّة سدیدة یکون أقدر على ضبط واقعه الحاضر من جهة، مثلما یکون مؤهلًا، أکثر من غیره، لتحدید اتّجاهات مستقبله الذی یطمح إلیه من جهة أخرى. وتبعًا لهذا؛ استعرضت المقالة، فی مستوى ثالث، جملة من السمات الممیّزة "للعقل الاستشرافیّ"؛ وهی: الإبداع والتجدید، الارتیاد والتخطیط، التساؤل والنقد، الشمول والتعاون، المرونة والتکیّف.

                                           

مصطلحات مفتاحیّة:

الاستشراف، الرؤیة الاستشرافیّة، الثقافة الاستشرافیّة، العقل الاستشرافیّ، المستقبل، الدراسات المستقبلیّة، التخطیط، الإبداع، مسارات الحضارة، التنبّؤ...

 

مقدّمة:

لا یخفى أنّ استشراف المستقبل[2] أضحى فرعًا علمیًّا له أسسه ومقوّماته وجهازه المصطلحیّ ومناهجه وتیاراته ومدارسه، کما غدا الاهتمام به والانفتاح علیه یتعاظمان یومًا بعد آخر -خاصّة فی العالم المتقدّم- وذلک بالنظر إلى آثاره الإیجابیّة فی توجیه مسارات الفعل الحضاریّ وصناعته من جهة، وبالنظر إلى ارتباطه المباشر أو غیر المباشر بمختلف العلوم والمعارف التی على أساسها تُبنى نهضة الأمم، ووفقها یتمّ الإعداد للغد، من جهة أخرى.

وإذا کان العالم الغربیّ قد حقّق ما حقّق من تقدّم کبیر فی نطاق الدراسات المستقبلیّة؛ فإنّ ما یُؤسف له أنّ الثقافة العربیّة الإسلامیّة ما زال إسهامها فی هذا المجال قلیلًا، وما زال عطاؤها هزیلًا؛ وذلک یعود، فی ما یبدو، إلى سببین رئیسین؛ أوّلهما: عدم إدراک أهمّیّة الدراسات التی تستشرف المستقبل وتدرک قیمتها، وثانیهما: ما یسود من تصوّرات سلبیّة بخصوص هذا التخصّص العلمیّ؛ من کونه -مثلًا- داخلًا فی إطار الرجم بالغیب أو الخرافة والتنجیم وما شابه ذلک؛ ما یخلّف مواقف مُعرِضة عن هذا العلم إعراضًا تامًّا ومُبخِّسة إیّاه تبخیسًا غریبًا.

والحال أنّ اکتساب نظر بعید فی شتّى العلوم والقضایا أمر یُقرّه العقل وتحمده الحکمة ویوجبه الشرع، ولهذا فمن غیر اللائق أن یظلّ الفکر الإسلامیّ حبیس التحدّیات المعاصرة فقط؛ بل علیه أن یبحث لنفسه عن منهج یتجاوز به هذه المواجهة ویخرج من دائرة الانفعال إلى دائرة الفعل والتأثیر، وإعطاء المثال الحیّ لما یجب أن تکون علیه الحضارة الإنسانیة برمّتها[3].

إنّ مواقفنا اللامسؤولة إزاء هذا التحدّی الکبیر لا تتوافق إطلاقًا مع ما تدعو إلیه الرسالة الإسلامیّة، وما قدّمه القرآن الکریم والسنّة الشریفة من تصوّرات ورؤى للأمّة؛ لکی تتمثّل مکانتها الطبیعیّة، وتؤدّی دورها القیّم والوسطیّ بین الأمم. ففی العقیدة الإسلامیّة ومصادرها المعتبرة ما یکفی ضمانة لحاضر الأمّة ومستقبلها؛ ذلک أنّه من خلال مراجعة النصوص القرآنیّة واستقراء التجربة التاریخیّة لخطّ العصمة الإلهیّ فی الحیاة؛ یتبیّن أنّ الإسلام سبق جمیع النظریّات والنظم فی الدعوة إلى استشراف المستقبل استشرافًا علمیًّا مدروسًا، واستباق أحداثه ومفاجآته، والتخطیط لاحتمالاته.

من هذا المنطلق، تسعى هذه المقالة إلى تعریف مفهوم الاستشراف، وإبراز مقوّماته ومرکزاته، ثمّ بیان أهمّیّة الفکر الاستشرافیّ، ووجه الحاجة إلیه فی واقعنا المعاصر.

أولًا: مفهوم الاستشراف وهویّته:

الاستشراف فی اللغة هو تحدید النظر إلى الشیء بنحو یجعل الناظر أقوى على إدراکه واستبیانه، کأنْ یبسط الکفّ فوق الحاجب؛ کالمستظلّ من الشمس، أو ینظر إلیه من شرفة أو مکان مرتفع، أو یمدّ عنقه ویسدّد بصره نحوه؛ کلّ ذلک یفعله للإحاطة بشکل الشیء والتدقیق فی ماهیّته[4].

واصطلاحًا؛ هو النظر إلى الزمن القادم ببصر حدید ونظر ثاقب؛ بُغیة تصوّر الواقع المقبل؛ انطلاقًا من شرفة الواقع الحاضر، واستیعابًا لعِبَر الواقع الراحل[5].

وعلى هذا، فإنّ الغایة من المستقبل فی میدان الدراسات المستقبلیّة التی تستند إلى رؤیة استشرافیّة خاصّة، والدافع إلى الاهتمام به هو الرغبة فی تحدید شکله والتحکّم بزمامه. ولا یمکن أن یحصل هذا التحکّم من دون الوعی بالمستقبل؛ بوصفه واقعًا قادمًا، واستکشاف کنهه وحقیقته؛ فکما إنّ وراء الإنسان ماضیًا یحتاج إلى استیعاب، کذلک هو فی واقع (حاضر) یحتاج إلى استقراء وفهمٍ، وأمامه مستقبلٌ یتطلّب تطلّعًا واستشرافًا.

واستشراف المستقبل -کما سبقت الإشارة- لیس تنبّؤًا بالغیب، ولا هو -کما یعتقد العوام من الناس- ضرب بالکفّ أو قراءة فی فنجان، وإنّما هو علم من العلوم له مقوّماته وأسسه. وممّا لا یحتاج إلى استدلال أنّ "المستقبل لا ینشأ من فراغ، وإنّما تتحدّد معالمه وتتبلور أشکاله من خلال تطوّر قضایا الواقع، ومن خلال بزوغ أشیاء کانت جیناتها موجودة فی أرض الواقع. ومن هنا، فاستشراف المستقبل لیس رجمًا بالغیب، ولا اعتداءً على حرمات الدین. ویبدو للمسلم المتأثّر بعصور التراجع الحضاریّ والکسوف الفکریّ، والمصاب بداء التواکل -الذی انتشر لسوء الفهم المتواصل لمفهوم التوکّل الذی نصّ علیه الإسلام، وسوء استخدامه له هروبًا أو عجزًا أو توارثًا- أنّ الخوض فی ما سیکون علیه المستقبل محکوم بمقادیر الإله عزّ وجلّ ولا یجوز للعبد الخوض فیه. ومفهوم التواکل هذا جعل عدیدًا من المسلمین لا یملکون ملکة التخطیط، ولا یحسنون ترتیب الأولویّات وتحدیدها، ولا یربطون النتائج بالمقدّمات"[6].

ولیس من نافلة القول الإشارة فی هذا الإطار إلى أنّ فی الدین الإسلامی الحنیف تأکیدًا واضحًا على ضرورة العمل والاجتهاد الدنیویّ العاجل؛ لکسب مستقبل أخرویّ آجل. کما نعرف أنّ من سنن الحیاة التی سنّها الباری تعالى لهذا الکون، {ولن تجد لسنّة الله تبدیلًا}[7]، أنّ التطویر المستقبلیّ المنشود رهین بتغییر الواقع القائم، {إنّ الله لا یغیّر ما بقوم حتى یغیّروا ما بأنفسهم}[8]. ولهذا؛ فالمسلم مطالب بالجهاد والإعداد له فی مختلف المجالات والمیادین، وفی جمیع المناحی والاتّجاهات. ومن الطبیعی أنّ الإعداد قدر المستطاع فی المیدان الاقتصادیّ والاجتماعیّ والتربویّ والثقافیّ والعسکریّ -مثلًا- یقتضی معرفة القدرات والإمکانات المتاحة، وتقدیر القوّة اللازمة، واحتمالات التفاعل الموجّهة؛ وجمیع ذلک یتعلّق بدراسة بدائل المستقبل، واستشراف شکله وأبعاده، وتحدید المسارات التی تؤدّی إلى أحسن تجلّیاته؛ بعیدًا عن منطق الأحلام وأضغاثها؛ لأنّ التفکیر الحقّ فی المستقبل، والاستشراف الأمثل له، یکون منطلقًا من قراءة دقیقة للواقع؛ ولیس اهتمامًا بالمستقبل من أجل الاکتفاء بالتخمین فیه والتنبّؤ بأحداثه! وإلا فما جدوى هذا التخمین وذلک التنبّؤ إذا لم ینعکس على الواقع فیغیّره نحو الجهة المثلى؟[9]

وعلى هذا الأساس؛ یبدو أنّ من یمتلک رؤیة استشرافیّة عمیقة یکون أقدر على التحکّم فی واقعه الحاضر الذی یعیشه؛ مثلما یکون مؤهّلًا، أکثر من غیره، لتحدید مسارات مستقبله الذی یصبو إلیه. وبالتالی، فثمار النظر الاستشرافیّ تنعکس على حاضر الإنسان وواقعه المعاش قبل أن تنعکس على مستقبله المأمول؛ تخطیطًا وتنظیمًا وتوجیهًا؛ لأنّ المستقبل ما هو إلا تاریخ وواقع مقبل. ولهذا "نجد الدول المتقدّمة -اجتنابًا منها لما قد یحمله المستقبل من مفاجآت، وتحسّبًا لکلّ ما یعیق تقدّمها واستمرار قیادتها الحضاریّة- تعتمد أسلوب الإدارة بالأهداف (القائم على نظر استشرافیّ استباقیّ)، وتضع التخطیط المحکم المبنی على الاستیعاب الواعی للماضی، والاستقراء الشامل للواقع الحاضر، والاستشراف الدقیق للمستقبل"[10].

ومؤدّى هذا أنّ عملیّة استشراف المستقبل إنّما تتمّ على أساس متغیّرات الماضی والحاضر، وفی ضوء تطلّعات المستقبل. لذلک؛ نجد من یحدّد الاستشراف بکونه: "إلقاء نظرة فاحصة على المستقبل بمنظار تتکوّن عدساته من عبق تجارب الماضی، ونتائج الحاضر وثمراته، ومؤشّرات التطلّع المستقبلی"؛ أی إنّه "اجتهاد علمیّ منظّم یرمی إلى صیاغة مجموعة من التنبّؤات المشروطة التی تشمل المعالم الأساس لأوضاع مجتمعٍ ما، أو مجموعة من المجتمعات عبر مدّة زمنیّة معیّنة؛ وذلک عن طریق الترکیز على المتغیّرات التی  یمکن تعدیلها بواسطة إصدار القرارات"[11].

      وبهذا یتبیّن أنّ استشراف المستقبل لم یعد مبنیًّا على الخیال أو الحسّ المجرّد من المنهجیّة العلمیّة؛ وإنّما هو فعل قائم على أسس علمیّة، وموجّه وفق أهداف مخطَّط لها؛ استنادًا إلى أسالیب کمّیّة تعتمد على قراءة أرقام الحاضر والماضی وتأویلها، أو أسالیب کیفیّة تستنتج أدلّتها من الآراء القارئة لمجرى الأحداث ومتغیّراتها؛ لأجل الوصول إلى استکشاف (قراءة أوّلیّة) تصاغ وفقه السیاسات التحسینیّة، وتوضع فی ضوئه البرامج والخطط الاستراتیجیّة[12].

إذًا؛ فالدراسات الاستشرافیّة -وفق هذا المنظور- هی امتداد للدراسات التاریخیّة، فکلتاهما رحلة عبر الزمن الذی میّز الله تعالى فیه الإنسان عن غیره من مخلوقاته بإدراکه. وهی -أی الدراسات- تتناول بالحدیث المستقبل من خلال النظر فی الحاضر والماضی. ومن ثمّة؛ فاستشراف المستقبل لیس تنبّؤًا یقوم على الرجم بالغیب؛ وإنّما هی محاولة علمیّة تتکامل فیها الدراسات لمعرفة جوانب صورة الحاضر وتحلیلها، والتعرّف على مجرى الحرکة التاریخیّة من خلال دراسة الماضی وملاحظة سنن الکون، والانطلاق من ذلک کلّه إلى استشراف المستقبل وتشوّفه؛ وصولًا إلى طرح الرؤیة[13].

ولا شکّ فی أنّ من سمات "الرؤیة" فی هذا المجال الامتداد والانفتاح والتقلّب؛ وذلک بالنظر إلى طبیعة موضوع الاشتغال أولًا، ومجال الحرکة ثانیًا؛ فهما أقرب إلى الافتراض والاحتمال من غیرهما. ولهذا؛ نجد بعض الباحثین یقارب الدراسات المستقبلیّة والاستشرافیّة من جهة کونها "دراسة وضع معیّن بشکل مفتوح على جملة من البدائل والخیارات؛ لفحص جمیع التطوّرات، واستقراء النتائج الممکنة المترتّبة عن هذا القرار أو ذاک، على هذه التطوّرات. لهذا نتکلّم عن "مستقبلات" بصیغة الجمع فی میدان الدراسات المستقبلیّة، ولیس عن المستقبل المفرد. وتستلزم الدراسات المستقبلیّة أن یتّسم تحلیل معطیات الواقع واتّجاهات الأحداث من جهة، والطریقة المنهجیّة المتّبعة من جهة أخرى؛ بطابع الدقّة والموضوعیّة؛ إلا أنّ الغایة من هذه الأداة تکتسی صبغة معیاریّة فی جوهرها؛ إذ هی استجلاء المرامی والأهداف"[14].

ومعنى هذا أنّ الدراسات الاستشرافیّة تنحو -غالبًا- منحى مفتوحًا یعتمد التفکیر فیه على دراسة خیارات وبدائل، وتقدیم إمکانات وافتراضات یحکمها منطق الاحتمال والتوقّع المنطلقین من إحصاءات محدّدة، ومعطیات خاصّة، ومؤشّرات معیّنة.

وبذلک یتبیّن أنّ الاستشراف هو الأداة التی تحکم المستقبل، وتکمن فیه صور محتملة الشهود للمستقبل، من خلال ما یحویه من العناصر الأساسیّة للاستراتیجیّة فی الفکر المعاصر؛ هذه الاستراتیجیّة التی تعمل على تطویر الفکر والمنهج والمعرفة على نحو یسمح لها بالانتقال من مجتمع ذی أغلبیّة صامتة إلى مجتمع ذی أغلبیّة فاعلة، یُقدم على التصریح بما یعانیه، ویناقش ما یعیشه من مشاکل، ویشارک فی صیاغة برامج الإصلاح؛ أی استراتیجیّة تسمح بالانتقال من مجتمع ذی سلطة جزافیّة إلى مجتمع ذی سلطة واعیة[15].

وضمن هذا الإطار، یرى بعض الباحثین أنّ فی مقدّمة المصائب التی أصابت الأمّة الإسلامیّة فی عمق کیانها الحاضر ومعقل قواها لإعداد الغد: عدم عنایتها بالمستقبل؛ بوصفه مجال إرادة وحرّیّة لإنجاز مشروع إصلاح نهضویّ؛ حیث یُخرجها من لیلها الدامس الذی حلّ بها بعد أفول شمس العلم والعدل وأجواء الحرّیّة والأمان التی ظلّت ترفل فی ظلال مجتمعاتها حینًا من الدهر على مناهج النبوّة الخاتمة[16].

وبالجملة، فإنّ استشراف المستقبل یظلّ مجالًا إنسانیًّا تتکامل فیه المعارف وتتعدّد، هدفه تحلیل التطوّرات المستقبلیّة فی حیاة البشر وتوجیهها بطریقة عقلانیّة وموضوعیّة، تفسح مجالًا للخلق والإبداع الإنسانیّین. وهو بذلک لا یُصدر نبوءات، بل هو اجتهاد علمیّ منظّم یوظِّف المنطق والعقل والحدس والخیال فی اکتشاف العلاقات المستقبلیّة بین الأشیاء والنظم والأنساق الکلّیّة والفرعیّة، مع الاستعداد لها والتأثیر فیها. فالمستقبل -وفق هذا التصوّر- لیس شیئًا "مکتوبًا"، ولیس معطى نهائیًّا، ولکنّه فی تشکّل مستمرّ. لذا؛ ینبغی على الإنسان الإسهام فی تشکیله. وغنیٌّ عن البیان أنّ الدراسات الاستشرافیّة لا تقدّم -مطلقًا- صورة یقینیّة ومتکاملة للمستقبل، کما إنّها لا تقدّم مستقبلًا واحدًا. فالمستقبل متعدّد وغیر محدّد، کما إنّه مفتوح على تنوّع کبیر فی المستقبلات الممکنة[17].

 

ثانیًا: أهمّیّة استشراف المستقبل وجدواه:

لا شکّ فی أنّ مفهوم المستقبل قد تطوّر، کما تطوّرت النظرة إلیه مع تطوّر الفکر البشریّ والتقدّم العلمیّ؛ وذلک من نظرة ترى المستقبل "قدرًا محتومًا" لا دخل للإنسان فیه، إلى نظرة تنطلق من مبدإ الصیرورة وقدرة الحیاة على التجدّد، وترى فی المستقبل بعدًا زمنیًّا یمکن التحکّم فی صورته. فالإنسان کما قال بریجوجین (Prigogine): "لا یستطیع التکهّن بالمستقبل، ولکنّه یستطیع صناعته"[18].

لقد سمح الوضع الحالی للمعرفة الإنسانیّة -علمیًّا وتقنیًّا- بوجود قدرة هائلة للإنسان على اختیار مستقبله الجماعیّ والفردیّ؛ على حدّ سواء. فلیس ثمّة مستقبل "إلا کما نرید نحن"[19]؛ على حدّ تعبیر إدوارد کورنیش ( (Edward Cornish. وکلّ کائن حیّ کما یقول جون بول سارتر (Sartre.J.p): "یخلق مستقبله، وعلیه أن یتحمّل المسؤولیّة کاملة عن هذا الخلق"[20].

والحاصل من کلّ هذا أنّ المستقبل عالم قابل للتشکیل، ولیس شیئًا مُعدًّا سلفًا على نحو ناجز جاهز جبری؛ حیث تنعدم فیه حرّیّة الفعل والاختیار والإسهام[21]. ومن البدیهی أنّ الاهتمام بالمستقبل والعنایة به طبیعة إنسانیّة، وهو اهتمام موجود فی جمیع الثقافات والدیانات الإنسانیّة؛ ولکنّ الجدید هو:

-       سرعة حرکة التاریخ واشتداد وتیرة التغییر.

-       انفجار المعارف وتشابکها.

-        تعقّد تطوّر المشاکل التی تزداد تدخّلًا فی ما بینها؛ شیئًا فشیئًا.

-       تقلّص الزمان والمکان[22].

هذا الجدید یفرض مزید حاجة إلى علوم مستقبل أکثر دقّة، ورؤیة استشرافیّة أکثر عمقًا؛ لکی لا تفاجئنا الأحداث، وتباغتنا المستجدّات، وتصدمنا الکوارث. فالتحکّم فی المستقبل -استشرافًا وتخطیطًا- أسلم للإنسان والإنسانیّة من ولوجه صدامًا وکارثة، أو ارتیاده أسفًا وندمًا على عدم إعداد العدّة؛ لاستباق الأزمات والتهیّؤ للتحدّیات. لکنّ المتمعّن فی ما یصدر فی العالم المتقدّم -من دراسات وأبحاث فی مجال الدراسات الاستشرافیّة المستقبلیّة- من جهة، یلحظ أنّ ثمّة تطوّرًا ملحوظًا فی الکمّ والکیف. أمّا المتتبّع لما یُنتج فی العالم العربی فی هذا الباب من جهة مقابلة، فیجد أنّ الدراسات المستقبلیّة ما زالت فی بدایتها الأولى وغیر متوافقة بتاتًا مع حجم التطوّرات المهولة فی مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسیاسة وغیرها. وإنّنا ما نزال "نعانی غیابًا شبه تامّ للرؤیة المستقبلیّة الاستشرافیّة فی معظم مؤسّساتنا، وفی کثیرٍ من مظاهر حیاتنا؛ بل فی بنیة تفکیرنا أیضًا. وما العدد القلیل من الدراسات المستقبلیّة إلا تعبیر عن البؤس المعرفی الذی تعانیه تلک المؤسّسات التی لا تخرج فی معظمها عن النطاق الأکادیمیّ الضیّق، ولا تکون جزءًا من نسیج التفکیر الاجتماعی العامّ، أو من الممارسة الفعلیّة؛ سواء على المستوى المؤسّساتیّ أم على مستوى الأفراد"[23].

ومن منطلق الشعور بأهمّیّة استکشاف المستقبل فی حیاة الإنسان، وکذا فی مجال السیاسات الدولیّة ومصالح قوى الاستکبار الغربی؛ نجد هذه القوى تتهافت على تطویر هذا العلم ومحاولة احتکاره فی الدوائر الحکومیة الخاصّة ومراکز البحوث الاستراتیجیّة، والعمل على ضمّ نتائجه وتوظیفها لأغراض الهیمنة على الشعوب؛ وذلک للقدرة الهائلة التی یمتلکها هذا العلم، وفاعلیّته ولیاقته الواسعة فی تقدیم الخدمات المختلفة فی مجالات متعدّدة من حیاة الإنسان، وکذلک بالنظر إلى کفاءته فی السیطرة والتلاعب بالظواهر الاجتماعیّة والاقتصادیّة المحتملة الوقوع، مضافًا إلى الإمکانات التی یتیحها فی إعداد البدائل وإیجاد الظواهر المرغوب فیها عند الساسة، أو تجنّب العقبات التی تحول دون تحقیق النموّ والتطوّر الذی یرتئیه المخطّطون وأصحاب القرار على مستوى المستقبل العسکریّ -مثلًا-، أو التکنولوجیّ أو السیاسیّ[24]، وما شابه ذلک.

وتبعًا لهذا؛ یبدو أنّ الاهتمام بالدراسات المستقبلیّة الاستشرافیّة أصبح من الضرورات التی لا غنى عنها للدول والمجتمعات والمؤسّسات؛ أی إنّها لم تعد مجرّد ترف تأخذ به تلک الدول أو تهجره، تستوی فی ذلک الدول المتقدّمة والدول النامیة؛ بل إنّ حاجة الدول النامیة أشدّ إلیها من الدول المتقدّمة[25]. ولربّما کانت حاجة المجتمعات الإسلامیّة أکبر؛ بالنظر إلى طبیعة التحدّیات والأزمات المطروحة، وإلى حجم الخصائص التنمویّة الموجودة فی أکثر من میدان وعلى أکثر من صعید.

فلو تمکّنا من ترسیخ مبادئ علم استشراف المستقبل فی دائرة مصادر العقل المسلم المعاصر واهتماماته وقراءاته؛ لأمکن له أن ینتقل من الاهتمام المفرط بأحداث الماضی ومشکلات الحاضر فقط، إلى العنایة والانشغال بقضایا المستقبل؛ ذلک أنّ إحدى ثغرات ثقافتنا العربیّة تتجسّد فی أهمّ أبعادها فی موقفها من الزمن؛ حیث طغى علیها الماضی والحاضر؛ بینما لم یحظَ المستقبل إلا باهتمام قلیلٍ، على الرغم من أنّ معرفة المستقبل أو محاولة معرفته تمثّل أحد عناصر القوّة[26]؛ فالحرکة الدینیّة والاجتماعیّة للإنسان المسلم تستهدی بنتائجها الدنیویّة والأخرویّة، ولذا؛ کان لحاظ المستقبل من العمل الیومی للمسلمین[27].

إنّ أهمّیّة الدراسات الاستشرافیّة تتجاوز بُعدها التقنی؛ عندما تصبح ثقافة مجتمعیّة وسلوکًا عامًّا، ونمط تفکیر وأسلوب حیاة، وعندما تتّجه إلى تنمیة رأی عامّ مهتمّ بالمستقبل، وباستشارة الوعی والتفکیر المستقبلیّین؛ ما یؤدّی بالتالی إلى توسیع قاعدة المهتمّین ببناء أرکان فردوس المستقبل، لا الباکین على أطلال الفردوس المفقود.

ومن المهمّ الإشارة فی هذا المقام إلى أنّ الاهتمام المتنامی بالدراسات المستقبلیّة لا یمکن أن یتحقّق من دون تطوّر فی الوعی عند عامّة الناس؛ سواء أکان ذلک الوعی المستقبلیّ الحدیث فی وسائل الإعلام الجماهیریّ، أو نتیجة لغرسه على نحو منظّم عبر برامج التعلیم فی المدارس والجامعات ومراکز البحث[28]. ولیس من المبالغة فی شیء القول إنّ عدم استلهام مقوّمات علم الاستشراف واستثمار نتائجه فی التعاطی مع الواقع القائم والقادم على حدّ سواء لمن شأنه أن یعجل بمزید تأزیم لوضع المجتمعات العربیّة، ویقودها إلى أنفاق مظلمة؛ لأنّها تسیر على غیر هدى ولا بصیرة، فالعالم العربیّ الإسلامیّ حین یترک مجتمعاته تسیر بدون استشراف مستقبلیّ، ویدعها تخطو خطواتها المستقبلیّة على منهج الصدفة والعفویّة؛ فعلیه أن ینتظر کلّ المفاجآت التی سیلقاها فی منعطفات الطریق المستقبلیّ.

وتبعًا لهذا؛ تبدو الحاجة إلى الدراسات المستقبلیّة ملحّة بالنسبة إلى الفکر العربیّ الإسلامیّ المعاصر؛ إنْ هو أراد تخطّی التحدّیات القائمة؛ وذلک حتى لا یکون عمله مکرّرًا مرّتین؛ فإذا کان من الضروریّ الآن مجابهة التحدّیات المعاصرة، فإنّ من العبث أن تضیع جهود جدیدة فی مواجهة ثانیة لتحدّیات أخرى کان من الممکن تلافیها؛ استنادًا إلى رؤیة استباقیّة وتوظیف جیّد لأدوات الاستشراف المستقبلیّ، ولهذا یکون من الواجب على الباحثین والدارسین والمهتمّین بالفکر الإسلامیّ المعاصر وقضایاه الاشتغال -على هذا المستوى - فی اتّجاهین اثنین؛ الأوّل: یُعنى بالتحدّیات المعاصرة؛ رصدًا وتحلیلًا ومعالجةً. والثانی: یعمل على وضع منهج واضح لتجاوز التحدّیات المطروحة والانطلاق بالأمّة العربیّة الإسلامیّة نحو أداة مستقبلیّة حضاریّة رفیعة[29]، على أساس علمیّ مدروس وتخطیط موضوعیّ محکم بعید عن فلسفة الأمانی والمتمنّیات وفکر النبوءات والتکهّنات التی لا تعدو أن تکون شطحات خیالیّة لا تقدّم فکرًا ولا تغیّر واقعًا ولا تعود بفائدة نظریّة أو قیمة علمیّة.

وعلیه، فـ"من دون الاستشراف العلمیّ للمستقبل العربیّ الإسلامیّ؛ ستبقى معالجة قضایاه الکبرى معلّقة لا تخرج عن إطار التمنّیات، وستظلّ -إلى حدّ کبیر- عاجزة عن الفصل فی الخیارات المطروحة فی الساحة العربیّة؛ ومنها -على سبیل المثال- الأوضاع الراهنة فی دول ما یسمّى بالربیع العربیّ الناجمة عن سقوط أنظمة دیکتاتوریّة مستبدّة، ورثتها نظم لا تمتلک الخبرة أو الرؤیة لإدارة مراحل الانتقال، فهذه الأوضاع لم تخضع للدراسة العلمیّة لاحتمالاتها المستقبلیّة وآثارها المباشرة وغیر المباشرة، وبالتالی رسم السیاسات اللازمة لمواجهتها"[30].

إنّ استشراف المستقبل -کما سبقت الإشارة، وعلى خلاف ما یتصوّر بعضهم خطأ- لیس حلمًا جمیلًا، ولا مجرّد خیال یشتطّ به العقل هاربًا من ثقل الواقع المعاش وضغوطاته؛ وإنّما هو علم بات لازمًا للإنسان المعاصر -تحدیدًا- وملازمًا له فی مختلف مجالات الحیاة؛ تطویرًا وتوجیهًا وتأثیرًا؛ بل أضحى مظهرًا من مظاهر "حداثة" المجتمعات الراهنة، ومیزانًا لقیاس مدى تقدّمها وتطوّرها أو قوّتها وضعفها، کما صار -کذلک- مقیاسًا لضبط التوجّهات الحضاریة للأمم والشعوب وقدرتها على التفاعل مع المتغیّرات؛ إنْ فی صورتها الماثلة حاضرًا، أو المتمثّلة مستقبلًا؛ ذلک أنّ من أهمّ مبادئ الدراسات الاستشرافیّة کون المجال الذی باستطاعة الإنسان التأثیر فیه هو المستقبل بالأساس. ولذا، نجد بعض الباحثین یتحدّث عمّا یسمّى بـ "استعمار المستقبل"؛ لأنّ "العالم الإسلامی إذا لم یخطّط لمستقبله؛ فإنّه یوشک أن یُستعمَر، کما استُعمِر ماضیه وحاضره"[31].

        ومعنى هذا أنّ المستقبل لیس مجالًا للاستکشاف والاستشراف فقط؛ وإنّما هو -کذلک- مجال للتأثیر والعمل. لذا؛ فالاستشراف المستقبلیّ لا یساعد -فقط- على معرفة ملامح الزمن القادم وتصوّر الآتی؛ وإنّما یسعف -أیضًا- فی طرح السؤال: کیف نستطیع أن ننشئ مستقبلنا، وأن نخضعه لآمالنا وتطلّعاتنا وأفکارنا وعقائدنا،[32] من دون شعور بذنب الدخول إلى دائرة الغیب، أو إحساس بتأنیب ضمیر العقیدة والإیمان بالقضاء والقدر؟ والحال أنّه -کما سبق البیان- لا تعارض ولا تداخل بین علم الغیب من جانب، ومجال الدراسات المستقبلیّة من جانب آخر[33].

وضمن هذا السیاق، تجدر الإشارة إلى أنّ ترسیخ ثقافة الاستشراف فی بیئة الثقافة العربیّة الإسلامیّة الحدیثة یستلزم تحریر العقل الموصول بها ممّا علق به من أوهام وتصوّرات خاطئة -بخصوص المستقبل وقضایاه- تحوّلت مع مرور الزمن إلى ما یشبه الیقینیّات أو الثوابت التی لا تقبل أیّ تعدیل أو تحویل. وعلیه، فمن جملة الصعوبات التی تجابهها عملیّة غرس الدراسات الاستشرافیّة وتطویرها فی المجتمع العربی: "صعوبات ناجمة عن ضعف الأساس النظریّ الذی تستند إلیه هذه الدراسات فی التراث العربیّ. فالفکر العربی -فی صیغته التراثیّة الموروثة، وفی طبعاته المستجدّة، على السواء- مفتون بإعادة إنتاج الماضی أکثر ممّا هو مهتمّ بقراءة المستقبل، أو مشغول بإنتاجه وصناعته. فالتفکیر المستقبلیّ بمنهجه النقدیّ والعقلانیّ یواجه بالطبیعة بیئة ثقافیّة معادیة؛ فهو نسق علمیّ قائم على المنطق والاتّساق المعرفیّ، وهو نقیض التفکیر السلفیّ الذی یحاول بناء المستقبل على شاکلة الماضی، وإحیاء الفرادیس المفقودة، لا بناءها. وقد ترک هذا التراث بصمته الوراثیّة على ضعف حضور المستقبل فی الذهن العربیّ، ووهن القدرة على الإحساس بالتغیّرات وأثرها فی التفکیر بالمستقبل، وعلى توقّع أحداثه أو الاستعداد لمفاجآته؛ وإنْ کان ذلک لا ینفی تمامًا غیاب الرؤیة المستقبلیّة العقلانیّة فی التراث العربیّ"[34]. وخاصّة فی القرآن الکریم والسنّة النبویّة الشریفة وعند الأئمّة الأطهار؛ کما سبقت الإشارة.

لکنّ واقع الحال یقول إنّنا لو قمنا بتحلیل نمط وضعنا المضطرب ورکّزنا على حرکته المتأرجحة وإیقاعه غیر المضبوط؛ لشهدنا بشکل واضح وجلی غیاب الحسّ المستقبلیّ والحدس الإعدادیّ لمواجهة کوارث الطبیعة، وأزمات الأوضاع وتقلّبات الزمن، مع تناقضٍ بارزٍ بین القول والفعل، وغفلةٍ عن الإنجاز طیلة زمنه المبرمج، ثمّ استنفارٍ للطاقات وجمع للقوّات فی آخر اللحظات! وما یدلّ على ذلک: الارتجال المشهود فی عقد المؤتمرات، أو ارتفاع نشاط الورش عند قرب موعد التدشینات، أو التعجیل بدراسة تتطلّب شهورًا فی آخر الأوقات[35]؛ وما شابه ذلک من الأعطاب والآفات!

ولعلّ ما تقدّم یؤکّد أنّ ثقافة الدراسات الاستشرافیّة فی الوطن ستظلّ تراوح مکانها؛ إنْ لم یُعمل على إعادة تشکیل العقل العربیّ، وخلق تیار یمتلک عقلًا منهجیًّا نقدیًّا متمرّدًا على کلّ أشکال الموروثات. وعبثًا نحاول وضع رؤیة مستقبلیّة أو دراسات استشرافیّة قطریّة أو قومیّة ونحن أسرى لأنواع من الیقین السلفیّ؛ عوضًا عن إطلاق مشروعٍ فکریّ عقلانیّ قادر على أن یحرّک المیاه الآسنة، مشروع یکون بدیلًا للسلفیّة المتطلّعة إلى تحقیق طموحها المتمثّل فی إعادة الماضی، کما کان[36].

ولا بدّ من التنبیه فی هذا السیاق إلى أمر على قدر کبیر من الأهمّیّة؛ وهو ما یرتبط بالعلاقة بین الفکر الاستشرافیّ التوّاق إلى المستقبل من جهة، ومسألة التراث الموصولة بالماضی من جهة أخرى؛ وبمعنى آخر: هل یوجد نوع من التناقض والتنافی بین "المستقبلیّة" من ناحیة  و"الماضویّة" من ناحیة أخرى؛ حیث لا یقوم الفکر المستقبلیّ والنظر الاستشرافیّ إلا على أنقاض التاریخ والتراث، أم إنّ الأمر خلاف ذلک؟

قد یتصوّر بعضهم أنّ العقلیّة الاستشرافیّة تناقض أیّ شکل من أشکال الرجوع إلى التاریخ أو الانعطاف نحو الماضی؛ لذلک نجدهم یستخفّون بالتراث، ویسعون جاهدین إلى التحرّر منه تحرّرًا مطلقًا شاملًا؛ لأنّه فی نظرهم منافٍ للتقدّم والتطوّر والتحدیث. والحال أنّ الواقع على العکس من ذلک، فالعقلیّة المستقبلیّة هی التی تحرص أشدّ ما یکون الحرص على جوهر التراث، وهی المؤهّلة بالفعل للحفاظ على الأصالة ورعایتها وتنمیتها والإفادة منها؛ لتحقیق الذات والإنجاز والإبداع.

إنّ فی کلّ تراث -کائنًا ما کان- الصالح الذی یجب أن یبقى ویستمرّ، والفاسد الذی یجب أن یزول ویختفی، فهو مزیج من العناصر الإیجابیّة والسلبیّة؛ منه ما حصّله المجتمع فی أطوار الإبداع والتقدّم، ومنه ما ورثه من أطوار البدائیّة أو من عهود الانحطاط والتأخّر[37].

وإذا کان قد تبیّن أنّ الذهنیّة الاستشرافیّة هی تلک التی تعی الزمن فی أبعاده المختلفة؛ ماضیًا وحاضرًا ومستقبلًا، وتستطیع إدراک متغیّراته الإدراک السلیم؛ فیتّضح -أیضًا- أنّ هذه الذهنیّة، إنْ هی أحسنت التصوّر وأتقنت الإدراک، بإمکانها أن تتّخذ من حاجات الغد ومطالبه، ومن التطلّعات الراجحة والمطامح الحصیفة، معیارًا لتقویم التراث واستخلاص عناصره الخیّرة التی تسعف فی بناء تطلّعات الغد وطموحاته[38].

ومضافًا إلى هذا کلّه، إذا علمنا أنّ من أبرز سمات العقلیّة المستشرفة للمستقبل التعلّق بالإبداع -کما سیتّضح بعد قلیل- نظرًا إلى قیمته الأصیلة فی الحیاة الإنسانیّة عبر تاریخها الطویل، ولشأنه الخاصّ الخطیر فی المستقبل القادم؛ فلا غرو فی أن تکون هذه العقلیّة هی المؤهّلة، قبل غیرها، للسعی إلى مظاهر الإبداع فی الماضی وتحریرها وإحیائها، وأن تغدو -بالتالی- الرفیقة الصادقة والراعیة الصالحة للأصالة الحقیقیّة؛ فلا یخفى أن استخلاص الإبداع الماضی وتملّکه هما جوهر التأصّل وقوامه، والسعی إلى الإبداع فی الحاضر والمستقبل هو جوهر المستقبلیّة الصحیحة. وبهذا تلتقی المستقبلیّة والأصالة، وتثبت المستقبلیّة أنّها هی الأمینة للتراث أمانة حقیقیّة؛ فلا خوف على التراث منها، ما دامت هی التی تسعى إلى استکشافه واستخلاص جوهره وإحیائه فی الکیان الفردیّ والقومیّ والإنسانیّ؛ إحیاءً یأتی مجدّدًا لأصالته مثریًا به الحاضر والمستقبل[39] على حدّ سواء.

ولهذا؛ فلا خطر على التراث من المستقبلیّة، کما لا تعارض بین النظر إلى التراث الماضی لأجل إعادة قراءته وتأویله واستلهامه وبین النظر إلى الغد؛ تطلّعًا واستشرافًا واستکشافًا؛ ذلک أنّه لا قطائع ممکنة بین الأزمنة والعهود، کما لا مساحات فارغة على ساحة الثقافات والحضارات، فکلّ عصر وعهد مرتبط بما قبله وما بعده، موصول به، مثلما أنّ کلّ ثقافة وحضارة متأثّرة بسابقتها ومؤثّرة فی لاحقتها، على نحو ما تقتضیه العقلانیّة الاستشرافیّة.

 

ثالثًا: سمات العقل الاستشرافیّ[40]:

یُفترض فی العقل الناظر إلى المستقبل المتطلّع إلیه أن یتّصف بجملة من الخصائص والصفات التی تجعل منه فعلًا عقلًا قادرًا على الاستشراف والاستکشاف مؤهّلًا لارتیاد آفاق الزمن القادم والتأثیر فیه؛ تجدیدًا وتحسینًا، وقیادةً وتوجیهًا. ومن أهمّ تلک الخصائص:

1. الإبداع والتجدید: 

یتعیّن على العقل الاستشرافیّ أن یکون دومًا میّالًا إلى التجدّد والتجدید، توّاقًا إلى الابتکار والإبداع، قادرًا على أن یستشیر عند أصحابه هذا النوع من الجهد والعطاء والإنجاز. فبهذا، تتفتّح هذه العقلیّة، وتمارس تأثیرها؛ سواء فی الحاضر لحسن إعداد المستقبل، أو فی المستقبل لضمان سلامته وازدهاره وتقدّمه.

وفی هذا الإطار، غنی عن البیان أنّ الإمکانات الإیجابیّة والأخطار التی یتفتّق عنها عالم الغد لا محالة، ستفتح مجالًا واسعًا للتجدید والإبداع؛ بل إنّ التنافس بین المجتمعات والأمم سیجعل منها شرطًا لازمًا للبقاء والتقدّم. فالأمم التی فی میادین التقدّم هی الأمم المجدّدة المبتکرة، وإذا توقّفت تخطّاها من کان أکثر تجدّدًا وأزخر إبداعًا. وبالتالی، تصیر تلک الأمّة غیر المبدعة تابعة لغیرها، غیر مکتفیة ولا مستقلّة بذاتها؛ لکونها عاجزة عن التفاعل مع قضایا العصر، وإیجاد الأجوبة اللازمة للإشکالات المستجدّة، ولعلّ "ما قد یغیب عن أذهان بعضهم هو أنّ الأمّة لا تکون أمّة بحقّ حتّى ترقى بالجواب عن أسئلة زمانها إلى رتبة الاستقلال به؛ إذ لیس لها إلى امتلاک ناصیة هذا الزمان من سبیل إلا هذا الجواب المستقل؛ وإلا صار ملکه إلى أمّة سواها، فتُضطرّ إلى أن تجیب بما تجیب به هذه"[41].

2. الارتیاد والتخطیط:

إنّ العقل الاستشرافیّ لا یکون کذلک إلا إذا کان متّجهًا إلى الأمام؛ أی إلا إذا تمیّز بالتطلّع إلى المستقبل، وبالرغبة فی ارتیاد مجاهله. ومن هنا؛ یکون مخالفًا للعقل الرجعی المتّجه إلى الوراء المرکّز على الماضی. ولا شکّ فی أنّ الإنسان -عادة- یتصوّر الزمن خطًّا مستقیمًا یمتدّ من الماضی إلى الحاضر إلى المستقبل. فکأنّ الماضی والمستقبل مجرّد موقعین متقابلین على خطّ زمنی واحد! والحقیقة أنّهما متقابلان لا موقعًا وزمنًا فحسب؛ بل طبیعةً وجوهرًا کذلک، فالماضی قد حصل وتمّ ولیس بإمکاننا أن نفعل فیه أو نغیّره؛ وأمّا المستقبل فإنّه منفتح أمامنا، إنّه مجال الإمکان، وموئل الحرّیّة والاختیار، ومیدان العمل والإنتاج. ولهذا؛ فالعقلیّة الاستشرافیّة لا تهتمّ بما حصل وصار؛ بل بالصیرورة والمصیر، لا بما کان؛ وإنّما بما یمکن أن یکون، وبما یجب أن یکون، إنّها عقلیّة الرؤیة النافذة التی تجوب الآفاق، وترتاد المجاهل المنفسحة والاختیارات الماثلة، وتحفّز على الجهد والعمل فی سبیل تحقیقها.

إنّ العقل الحیّ الیقظ المنتج یشقّ دومًا طریقه إلى الأمام فی محاربته الدائمة للخطإ والانخداع، وفی حنینه الدائم إلى کشف الحقیقة والاهتداء بها، وفی ارتیاده الجادّ وتشوّفه الملحّ إلى الأصلح. ومن هنا؛ کان هذا التلاحم المخصّب بین العقلانیّة من جانب، وبین التطلّع والارتیاد من جانب آخر، ولهذا -أیضًا- یصیر الارتیاد توجّهًا مستقبلیًّا مخطّطًا، متسلّحًا بالعقلانیّة المتجدّدة، وبأحدث أدوات العلم؛ محاولًا ما أمکن أن یعبر إلى المستقبل من أکثر الطرق أمنًا، وبأکثر الوسائل نجاعة[42].

3. التساؤل والنقد:

وهما سمتان، مضافًا إلى کونهما من تجلّیات العقلانیّة الأصیلة الحیّة، ومن نتائجها. هما محدّدان بارزان للعقل الاستقبالیّ؛ فالعقل المتیقّظ -کما هو معلوم- یسلک دومًا سبیل الهدم والبناء؛ هدم الباطل الفاسد، وبناء الصحیح الصالح. هکذا تکوّنت المعرفة الإنسانیّة، وهکذا بُنی صرحها. والتساؤل والنقد یتّجهان صوب الموضوع للتأکّد من صحّة المعرفة الحاصلة بشأنه، وإلى الذات -أیضًا- للاطمئنان إلى أنّ الأسلوب المنتهج لتحصیل المعرفة هو أسلوب سلیم. ومن هنا؛ فإنّ الرقیّ العقلیّ یتطلّب تیقّظًا مستمرًّا فی الاتّجاهین معًا: الانتقاد الذاتیّ، والانتقاد الموضوعیّ.

ولا ریب فی أنّ میزة هذا الأمر تتعاظم بمرور الأیام وتطوّر الزمان؛ ذلک أنّ التغیّر المتسارع القائم الیوم، والذی سیشتدّ فی المستقبل، یتطلّب هدمًا سریعًا وبناءً سریعًا، ولهذا یتوجّب على العقل الاستشرافیّ أن یکون نشطًا متفطّنًا أشدّ ما یکون النشاط والتفطّن، وأن لا یستکین إلى التقلید أو للطبع؛ بل أن یخضعهما إخضاعًا متواصلًا قاسیًا للتحرّی والتساؤل والنقد والتقویم، غیر أنّ المطلوب هو الانتقاد الواعی المنضبط المسؤول، لا الانتقاد اللاعقلانیّ المتهوّر المتفلّت من جمیع الضوابط والمبادئ؛ فکما تعظم أهمّیّة الأوّل وتشتدّ الحاجة إلیه فی الحاضر والمستقبل، یرتفع خطر الثانی وتتفاقم فداحته ویعمّ شرّه[43].

4. المرونة والتکیّف:

یتحتّم على العقلیّة الاستشرافیّة أن تکون متّسمة بأکبر قدر من المرونة والتکیّف مع المستجدّات والمتغیّرات؛ ذلک أنّه لا یعقل أن یقابل التغییر المتسارع فی الأوضاع بجمود فی التفکیر ورتابة فی التنظیم، أو أن یعالج التعقّد المتنامی بعقلیّة تبسیطیّة تؤمن بأنّها بلغت الحقیقة کاملة وحازت الیقین کلّه.

لکن، ما یجب التنبیه إلیه فی هذا المضمار أنّه لا بدّ للمرونة من أن تأتی منضبطة موزونة، "فلیس المقصود أن یکون التفکیر والعمل منقادین کلّ الانقیاد لأیّ طارئ، وتابعین کلّ التبعیّة لکلّ حادث، فلا یستقرّان على وضع، ولا یثبتان على حال، ولا یتمیّزان بأیّة أصالة؛ وإنّما المقصود أن لا یتحوّل الاستقراء إلى جمود، والثبات إلى رکود، والأصالة إلى عقم وجذب، فلا جمود مجدب ولا مَیَعان فالت؛ بل مرونة منضبطة، وتکیّف متّزن، وتوافق منتظم"[44].

5. الشمول والتعاون:

إنّ الرؤیة الصادرة عن العقل الاستشرافیّ هی فی جوهرها رؤیة متعدّدة الأبعاد لا تسیر فی اتّجاه واحد ولا ترکّز على نقطة بعینها أو حدث بذاته. ولهذا؛ فإنّ من أبرز ما یمیّز العقل الاستشرافیّ شمول النظر والإدراک والعمل، وکذا القدرة على التعاون فی سبل الفکر والتنفیذ معًا، على اعتبار أنّ الأوضاع ستزداد تداخلًا وتعقّدًا وتشابکًا، وبالتالی؛ فأیّ قضیّة من القضایا فی أیّ مجتمع من المجتمعات، مهما تکن صغیرة أو محدودة؛ ستکون لها وجوه متعدّدة ونتائج کثیرة، وستشتبک اشتباکًا محکمًا مع غیرها من القضایا.

وعلیه؛ یبدو أنّ النظر إلى قضیّة ما -لإدراکها على حقیقتها، وتحسین التعاطی معها-  قد أصبح الیوم -وسیصبح أشدّ عسرًا غدًا- قائمًا على قصر النظر على وجهٍ من وجوهها، دون تناولها بمجموعها، ودون العنایة بعلاقاتها بسواها، وارتباطها بغیرها! وعلیه؛ فلا تصلح عقلیّة المستقبل إذا کانت ضیّقة محدودة؛ وإنّما تصلح بقدر ما تتّسع لتشمل بنظرها وإدراکها ومعالجتها الوجوه المترابطة والجذور المتشابکة للقضایا التی تواجهها. ومن هنا، تکون الرؤیة الاستشرافیّة ممتدّة عرفًا وعمقًا، مثلما تمتدّ طولًا وأفقًا؛ أی إنّ لها بعدًا اتّساعیًّا فی الإحاطة بالقضایا، وبعدًا عمیقًا فی النفاذ إلى جذورها؛ کما لها بعدٌ مستقبلیّ فی اکتشاف تطوّراتها واستطلاع آفاقها[45].

وغیر خاف أنّ هذا النوع من الرؤیة -بما یقوم علیه ویتطلّبه- من الصعب أن یتحقّق عند شخص بمفرده، مهما حاز من القدرات والکفاءات. ولهذا؛ فالعقلیّة المستشرفة للمستقبل هی عقلیّة التعاون والتشارک والتعاضد والتکامل؛ إنّها عقلیّة تدرک حدودها، وإنْ اتّسعت، فتدفع بصاحبها إلى طلب المشارکة؛ لأجل مزید من شمول النظر وصحّة الإدراک وسلامة المعالجة. وما یؤکّد هذا أنّ الجهد المطلوب للنجاح فی مختلف میادین الحیاة المعاصرة أصبح جماعیًّا أکثر منه فردیًّا؛ کما غدا رهینًا بما یمثّل من حشد للطاقات وتکامل للمؤهّلات وتعاون بین الأفراد وبین الهیئات.

ومن دون شکّ، فإنّ هذا الأمر سیعلو شأنه ویعظم خطره مستقبلًا؛ بسبب ازدیاد تعقّد الأوضاع وتشابکها. وبالتالی؛ فإنّ العقلیّة المنغلقة المحدودة المنعزلة المکتفیة بذاتها لن تفی بحاجات المستقبل، ولن تسایر إیقاعه وتحوّلاته[46].

 

خاتمة

إنّ استشراف المستقبل والتخطیط له هو الیوم من أبرز القضایا التی تحظى باهتمام بالغ فی کافّة أنحاء العالم المتحضّر، اقتناعًا من مُنَظّریه بأنّ التخطیط للمستقبل هو جزء من عملیّة صنعه. وإذا کان القانون الذی یحکم عالم الیوم هو قانون المنافسة؛ بما یعنیه من سعی دؤوب إلى تقویة نفوذ "الأنا"، ومقاومة نفوذ "الآخر" المنافس، وإضعاف شخصیّة "الآخر" المستضعف، استنادًا إلى ما یتیحه العلم والتقنیة على المستویین المادّیّ والفکریّ[47]؛ فإنّ الأمّة العربیّة الإسلامیّة مدعوّة الیوم -بحکم طبیعة التحدّیات التی تواجهها وحدة الأزمات التی تعیشها- أکثر من غیرها إلى استثمار ما تتیحه الدراسات المستقبلیّة من إمکانات، وما توفّره من آلیّات للتشخیص والتحلیل والنقد؛ لأجل تکوین رؤیة استشرافیّة من شأنها أن تمکّنها من الحفاظ على الخصوصیّة ومقاومة الغزو الکاسح من جهة، وتؤهّلها، من جهة ثانیة، لأنْ ترتاد المستقبل من موقع الفاعل المنافس (فکریًّا وعلمیًّا وتقنیًّا واقتصادیًّا)، ولیس من زاویة المنفعل المهزوم. فالإنجاز العملیّ مستقبلًا یُصنع فی الزمن الحاضر؛ استشرافًا وتنظیرًا وتخطیطًا. ولهذا؛ فالأمّة العاجزة عن قراءة مستقبلها فی حاضرها لن تکون قادرة - بأیّ حال من الأحوال- على صناعة هذا المستقبل والتأثیر فیه والتنافس فی مضماره.

 



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2] یسمّى کذلک التنبّؤ بالمستقبل، أو علم المستقبل، أو دراسة المستقبل، أو المستقبلة، أو علم المستقبلیّة، أو التخطیط المستقبلیّ، وغیر هذا ممّا یحیل إلى المجال نفسه.

[3] انظر: المصطفى الهند، مولای: "دور السیاق فی التأصیل للدراسات المستقبلیّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر"، ضمن کتاب "أهمّیّة اعتبار السیاق فی المجالات التشریعیّة وصلته بسلامة العمل بالأحکام"، الرباط، منشورات الرابطة المحمدیة للعلماء، 2007م، ص700.

[4] انظر: ابن منظور، جمال الدین محمد بن مکرم: لسان العرب، تعلیق وفهرسة: علی شیری، ط2، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، 1412هـ.ق/ 1992م، ج7، ص91؛ الفیروز آبادی، مجد الدین أبو طاهر محمد بن یعقوب: القاموس المحیط، ط1، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1986م، ص1065.

[5] انظر: الحصینی، عبد الرحیم: "استشراف المستقبل بین الدراسات الأکادیمیة والإشارات الإسلامیة"، مجلة صدى المهدی، تصدر عن مرکز الدراسات التخصّصیة فی الإمام المهدیّ (عج) فی النجف الأشرف، العدد20، محرّم الحرام 1432هـ.ق، ص41.

[6] انظر: بریش، محمد الجابری: "المنهج فی استشراف المستقبل عودة إلى المفهوم"، مجلة الهدى، المغرب، العدد 22، 1990م، ص41-42.

[7] سورة الأحزاب، الآیة 62.

[8] سورة الرعد، الآیة 11.

[9] انظر: بریش، "المنهج فی استشراف علوم المستقبل"، م.س، ص43.

[10] بریش، "المنهج فی استشراف علوم المستقبل"، م.س، ص42.

[11] الجابری، نیاف بن رشید؛ وآخرون: "استشراف مستقبل التعلیم بمنطقة المدینة المنورة"، مقالة منشورة على شبکة الإنترنت:

www.mohyssin.com

[12] انظر: م.ن.

[13] انظر: الدجانی، أحمد صدقی: "دراسة المستقبل برؤیة مؤمنة وسلیمة"، مجلة المسلم المعاصر، تصدر عن جمعیّة المسلم المعاصر فی مصر، العدد62، کانون الثانی 1992م، ص113.

[14] المنجرة، المهدی: الحرب الحضاریّة الأولى، ط1، المغرب، المرکز الثقافی العربی، 2005م، ص276.

[15] انظر: بریش، محمد الجابری: "تعمیق الفهم فی الفکر العربی الاستراتیجی"،  مجلة إسلامیّة المعرفة، تصدر عن المعهد العالمی للفکر الإسلامی فی بیروت، العدد9، صفر-ربیع الأوّل 1418هـ.ق/ تموز1977م، ص96.

[16] انظر: المصطفى الهند، "دور السیاق فی التأصیل للدراسات المستقبلیة"، م.س، ص702.

[17] انظر: منصور، محمد إبراهیم: "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، مجلة المستقبل العربیّ، تصدر عن مرکز دراسات الوحدة العربیّة فی بیروت، العدد416، تشرین الأوّل 2013م، ص38.

[18] جیروم، بندی: مفاتیح القرن الحادی والعشرین، ترجمة: حمادی الساحل، تونس، المجمع التونسی للعلوم والآداب والفنون، بیت الحکمة، 2003م، ص13.

The Future; Washington; DC: Translation Publishers; 1977; p312 [19] Edward Cornish ; The Study of  

[20]  Jay W. Forrester; World Dynamics; Cambridge;MA:Allen Press; 1971; p13.

[21] انظر: منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص34.

[22] انظر: بریش، "المنهج فی استشراف المستقبل عودة إلى المفهوم"، م.س، ص35.

[23] منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص49.

[24] انظر: الحصینی، "استشراف المستقبل بین الدراسات الأکادیمیّة والإشارات الإسلامیّة"، م.س، ص46.

[25] انظر: منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص39.

[26] انظر: بلکا، إلیاس: "تجدید علوم الفقه والمقاصد فی ضوء المستقبل"، مجلة التسامح، تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدینیّة فی عمان، العدد20، 2007م، ص248.

[27] انظر: المنجرة، الحرب الحضاریّة الأولى، م.س، ص169.

[28] انظر: منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص42-51.

[29] انظر: المصطفى الهند، "دور السیاق فی التأصیل للدراسات المستقبلیة"، م.س، ص106.

[30] منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص43.

[31] بلکا، "تجدید علوم الفقه والمقاصد فی ضوء المستقبل"، م.س، ص250.

[32] انظر: م.ن.

[33] نود الإشارة فی هذا النطاق إلى أنّ فی مقدّمة الأسباب الثانویّة خلف غیاب الرؤیة المستقبلیّة فی الثقافة العربیّة الإسلامّیة؛ طغیان النظرة السلبیّة إلى المستقبل، وسیطرة الموروثات، والاطمئنان لکن لا إلى الأفکار الجدیدة؛ وإنّما إلى الأفکار الجاهزة، وسیادة ثقافة القطیع وغیرها. (انظر: منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص49 وما بعدها).

[34] م.ن، ص49.

[35] انظر: بریش، "المنهج فی استشراف المستقبل (2) عودة إلى المفهوم"، مجلة الهدى، م.س، العدد22، ص47.

[36] انظر: منصور، "الدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص53.

[37] انظر: زریق، محمد: نحن والمستقبل، ط2، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 1980م، ص174.

[38] انظر: م.ن، ص175.

[39] انظر: م.ن، ص176.

[40] اعتمدنا فی صیاغة هذه السمات على: زریق، نحن والمستقبل، م.س، ص167-173.

[41] عبد الرحمن، طه: الحقّ الإسلامیّ فی الاختلاف الفکریّ، ط1، المغرب، المرکز الثقافی العربی، 2005م، ص15.

[42] انظر: عبد الرحمن، الحقّ العربی فی الاختلاف الفکری، م.س، ص169.

[43] انظر: م.ن، ص171.

[44] عبد الرحمن، الحقّ العربیّ فی الاختلاف الفکریّ، م.س، ص173.

[45] انظر: م.ن، ص171.

[46] انظر: عبد الرحمن، الحقّ العربیّ فی الاختلاف الفکریّ، م.س، ص172.

[47] انظر: الجابری، محمد عابد: المسألة الثقافیّة، ط1، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 1994م، ص41-42.

[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.
[1]یسمّى کذلک التنبّؤ بالمستقبل، أو علم المستقبل، أو دراسة المستقبل، أو المستقبلة، أو علم المستقبلیّة، أو التخطیط المستقبلیّ، وغیر هذا ممّا یحیل إلى المجال نفسه.
[1] انظر: المصطفى الهند، مولای: "دور السیاق فی التأصیل للدراسات المستقبلیّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر"، ضمن کتاب "أهمّیّة اعتبار السیاق فی المجالات التشریعیّة وصلته بسلامة العمل بالأحکام"، الرباط، منشورات الرابطة المحمدیة للعلماء، 2007م، ص700.
[1] انظر: ابن منظور، جمال الدین محمد بن مکرم: لسان العرب، تعلیق وفهرسة: علی شیری، ط2، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، 1412هـ.ق/ 1992م، ج7، ص91؛ الفیروز آبادی، مجد الدین أبو طاهر محمد بن یعقوب: القاموس المحیط، ط1، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1986م، ص1065.
[1] انظر: الحصینی، عبد الرحیم: "استشراف المستقبل بین الدراسات الأکادیمیة والإشارات الإسلامیة"، مجلة صدى المهدی، تصدر عن مرکز الدراسات التخصّصیة فی الإمام المهدیّ (عج) فی النجف الأشرف، العدد20، محرّم الحرام 1432هـ.ق، ص41.
[1] انظر: بریش، محمد الجابری: "المنهج فی استشراف المستقبل عودة إلى المفهوم"، مجلة الهدى،المغرب، العدد 22، 1990م، ص41-42.
[1]سورة الأحزاب، الآیة 62.
[1]سورة الرعد، الآیة 11.
[1] انظر: بریش، "المنهج فی استشراف علوم المستقبل"، م.س، ص43.
[1] بریش، "المنهج فی استشراف علوم المستقبل"، م.س، ص42.
[1] الجابری، نیاف بن رشید؛ وآخرون: "استشراف مستقبل التعلیم بمنطقة المدینة المنورة"، مقالة منشورة على شبکة الإنترنت:
www.mohyssin.com
[1] انظر: م.ن.
[1] انظر: الدجانی، أحمد صدقی: "دراسة المستقبل برؤیة مؤمنة وسلیمة"، مجلة المسلم المعاصر، تصدر عن جمعیّة المسلم المعاصر فی مصر، العدد62، کانون الثانی 1992م، ص113.
[1] المنجرة، المهدی: الحرب الحضاریّة الأولى، ط1، المغرب، المرکز الثقافی العربی، 2005م، ص276.
[1] انظر: بریش، محمد الجابری: "تعمیق الفهم فی الفکر العربی الاستراتیجی"،  مجلة إسلامیّة المعرفة، تصدر عن المعهد العالمی للفکر الإسلامی فی بیروت، العدد9، صفر-ربیع الأوّل 1418هـ.ق/ تموز1977م، ص96.
[1] انظر: المصطفى الهند، "دور السیاق فی التأصیل للدراسات المستقبلیة"، م.س، ص702.
[1] انظر: منصور، محمد إبراهیم:لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، مجلة المستقبل العربیّ، تصدر عن مرکز دراسات الوحدة العربیّة فی بیروت، العدد416، تشرین الأوّل 2013م، ص38.
[1] جیروم، بندی: مفاتیح القرن الحادی والعشرین، ترجمة: حمادی الساحل، تونس، المجمع التونسی للعلوم والآداب والفنون، بیت الحکمة، 2003م، ص13.
The Future; Washington; DC: Translation Publishers; 1977; p312 [1]Edward Cornish ; The Study of  
[1] Jay W. Forrester; World Dynamics; Cambridge;MA:Allen Press; 1971; p13.
[1] انظر: منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص34.
[1] انظر: بریش، "المنهج فی استشراف المستقبل عودة إلى المفهوم"، م.س، ص35.
[1] منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص49.
[1] انظر: الحصینی، "استشراف المستقبل بین الدراسات الأکادیمیّة والإشارات الإسلامیّة"، م.س، ص46.
[1] انظر: منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص39.
[1] انظر: بلکا، إلیاس:"تجدید علوم الفقه والمقاصد فی ضوء المستقبل"، مجلة التسامح، تصدر عن وزارة الأوقاف والشؤون الدینیّة فی عمان، العدد20، 2007م، ص248.
[1] انظر: المنجرة، الحرب الحضاریّة الأولى، م.س، ص169.
[1] انظر: منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص42-51.
[1] انظر: المصطفى الهند، "دور السیاق فی التأصیل للدراسات المستقبلیة"، م.س، ص106.
[1] منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص43.
[1]بلکا، "تجدید علوم الفقه والمقاصد فی ضوء المستقبل"، م.س، ص250.
[1] انظر: م.ن.
[1]نود الإشارة فی هذا النطاق إلى أنّ فی مقدّمة الأسباب الثانویّة خلف غیاب الرؤیة المستقبلیّة فی الثقافة العربیّة الإسلامّیة؛ طغیان النظرة السلبیّة إلى المستقبل، وسیطرة الموروثات، والاطمئنان لکن لا إلى الأفکار الجدیدة؛ وإنّما إلى الأفکار الجاهزة، وسیادة ثقافة القطیع وغیرها. (انظر: منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص49 وما بعدها).
[1]م.ن، ص49.
[1] انظر: بریش، "المنهج فی استشراف المستقبل (2) عودة إلى المفهوم"، مجلة الهدى، م.س، العدد22، ص47.
[1] انظر: منصور، لدراسات المستقبلیّة: ماهیّتها وأهمّیّة توطینها عربیًّا"، م.س، ص53.
[1] انظر: زریق، محمد: نحن والمستقبل، ط2، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 1980م، ص174.
[1] انظر: م.ن، ص175.
[1] انظر: م.ن، ص176.
[1]اعتمدنا فی صیاغة هذه السمات على: زریق، نحن والمستقبل، م.س، ص167-173.
[1]عبد الرحمن، طه: الحقّ الإسلامیّ فی الاختلاف الفکریّ، ط1، المغرب، المرکز الثقافی العربی، 2005م، ص15.
[1] انظر: عبد الرحمن، الحقّ العربی فی الاختلاف الفکری، م.س، ص169.
[1] انظر: م.ن، ص171.
[1]عبد الرحمن، الحقّ العربیّ فی الاختلاف الفکریّ، م.س، ص173.
[1] انظر: م.ن، ص171.
[1] انظر: عبد الرحمن، الحقّ العربیّ فی الاختلاف الفکریّ، م.س، ص172.
[1] انظر: الجابری، محمد عابد: المسألة الثقافیّة، ط1، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 1994م، ص41-42.
المجلد 15، العدد 35
نوفمبر 2016
الصفحة 17-39
  • تاريخ الاستلام: 05 أكتوبر 2015
  • تاريخ المراجعة: 16 أكتوبر 2015
  • تاريخ القبول: 20 أكتوبر 2015
  • تاريخ النشر الأول : 01 نوفمبر 2016