الهرمنیوطیقا الدینیّة -مفتاح کلیانیّ لنصٍّ کوکبیّ-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

یعدّ استفهام النصّ المقدّس من أعلى المشاریع المعرفیّة التی یمکن أن تشتغل علیه أمَّة ما، وهو أحد أوجه الحیویّة أمام الهویّة الإسلامیَّة، ومن هنا تأتی الهرمنیوطیقا بوصفها إحدى الآلیَّات المعرفیَّة والفلسفیَّة الممکنة لتحقیق هذا الربط بین النصّ المقدّس والواقع الخارجیّ المعیش.
ومن هذا المنطلق، تقدِّم هذه المقالة بحثًا نقدیَاً وتأصیلیّاً لأصل تصوّر الشیخ محمد مجتهد شبستری بخصوص هرمنیوطیقا القرآن والسنّة من جهة المبانی التصوّریّة، ومراجعة حرکیّة صاحب النصّ المقدّس والظهور العرفیّ فی طول المقترب التأویلیّ الهرمنیوطیقیّ، بکیفیّة تسمح بالحفاظ على المصدریّة المتعالیة؛ بوصفها إحدى أهم مصادیق الجری العملیّ للنصّ المقدّس، بمعنى العمل على تقدیم مطارحة نقدیّة لما تمّ وضعه من تصوّرات، ومن ثمّ السعی  إلى إعادة بنینة النقاش بطرح تصوّر جدید فی طول العملیّة النقدیّة، وکیفیّة التعامل مع النصّ المقدّس بما هو إطار معیاریّ منفتح على تعولم جدید ناقض للانسدادات الکوکبیّة الجدیدة، أو بشکل أدقّ کیفیّة تحوّل النصّ المقدّس إلى حالة أثریّة من أجل لحظة عالمیّة جدیدة، تهدم المبانی القائمة وتعطی فسحةً أو مساحةً تصدیقیّةً للحظة عولمیّة جدیدة.
 

نقاط رئيسية

أولاً: هرمنیوطیقا القرآن والسنّة أو النقض التأصیلیّ

1. التصوّر الهرمنیوطیقیّ عند الشیخ محمد مجتهد شبستریّ

2. قراءة نقدیّة للتصوّر الهرمنیوطیقیّ عند الشیخ شبستریّ

ثانیاً: العلاقة بین صاحب النصّ والظهور العرفیّ

1. الظهور العرفیّ وسقف اللغة الدینیّة

2. الجری العملیّ العولمیّ أو الهرمنیوطیقا الأوسطیّة

الكلمات الرئيسية


الهرمنیوطیقا الدینیّة -مفتاح کلیانیّ لنصٍّ کوکبیّ-

الدکتور عبد العالی العبدونی[1]

خلاصة المقالة:

یعدّ استفهام النصّ المقدّس من أعلى المشاریع المعرفیّة التی یمکن أن تشتغل علیه أمَّة ما، وهو أحد أوجه الحیویّة أمام الهویّة الإسلامیَّة، ومن هنا تأتی الهرمنیوطیقا بوصفها إحدى الآلیَّات المعرفیَّة والفلسفیَّة الممکنة لتحقیق هذا الربط بین النصّ المقدّس والواقع الخارجیّ المعیش.

ومن هذا المنطلق، تقدِّم هذه المقالة بحثًا نقدیَاً وتأصیلیّاً لأصل تصوّر الشیخ محمد مجتهد شبستری بخصوص هرمنیوطیقا القرآن والسنّة من جهة المبانی التصوّریّة، ومراجعة حرکیّة صاحب النصّ المقدّس والظهور العرفیّ فی طول المقترب التأویلیّ الهرمنیوطیقیّ، بکیفیّة تسمح بالحفاظ على المصدریّة المتعالیة؛ بوصفها إحدى أهم مصادیق الجری العملیّ للنصّ المقدّس، بمعنى العمل على تقدیم مطارحة نقدیّة لما تمّ وضعه من تصوّرات، ومن ثمّ السعی  إلى إعادة بنینة النقاش بطرح تصوّر جدید فی طول العملیّة النقدیّة، وکیفیّة التعامل مع النصّ المقدّس بما هو إطار معیاریّ منفتح على تعولم جدید ناقض للانسدادات الکوکبیّة الجدیدة، أو بشکل أدقّ کیفیّة تحوّل النصّ المقدّس إلى حالة أثریّة من أجل لحظة عالمیّة جدیدة، تهدم المبانی القائمة وتعطی فسحةً أو مساحةً تصدیقیّةً للحظة عولمیّة جدیدة.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

          القرآن، السنّة، النصّ، الهرمنیوطیقا، الهرمنیوطیقا الدینیّة، الفهم، التأویل، الوجود، الإنسان، التاریخ، المعصوم، ...

 

مقدّمة:

لم یظهر النصّ المقدّس لکی یکون کاشفاً عن الحقائق وحسب؛ بل جاء لیتحوّل إلى مشروع حضاریّ فعلیّ على الأرض، عینه لا على التصدیقات الحقّة بقدر ما یرید مصادیقها فعلاً على الأرض، بحیث تضمن للإنسان المؤمن حیاة أکثر اعتدالاً مع الخلفیّة المیتافیزیقیّة.

ولذلک، ثمّة قراءات متکثّرة للنصّ المقدّس لا تجمد عند الأوّلیّات المعرفیّة الراسخة فی ذهن القارئ وحسب؛ بل ترتبط بأهداف القارئ نفسه، فیصیر النصّ المقدّس "حمّال أوجه" ووجهات نظر، ینفتح على العالم من خلال عملیّة استنطاقه، وتدویره مع مستلزمات الوجود الإنسانیّ، وإلا صار عبءاً معرفیّاً یقهر الحیاة الإیمانیّة تحت رزحٍ من التصوّرات الذاتیّة وتعایش تناقضیّ مع أصل المعیش.

فاستفهام النصّ المقدّس من أعلى المشاریع المعرفیّة التی یمکن أنْ تشتغل علیه أمّة ما، وهو أحد أوجه الحیویة أمام الهویّة الإسلامیّة[2].

ومن هنا، تأتی الهرمنیوطیقا بوصفها إحدى الآلیّات المعرفیّة والفلسفیّة الممکنة لتحقیق هذا الربط بین النصّ المقدّس والواقع الخارجیّ المعیش؛ إذ المعول علیه فی التأویل هو "البحث فی ثنایا النصّ عن حرکة داخلیّة تنظّم الأثر وتنسّقه، وعن طاقة هذا الأثر فی سبق ذاته أو الاندفاع خارج ذاته فی سبیل إیداع عالم هو مادّة النصّ أو شیئیّته. وهذه الحرکة المزدوجة (الدینامیّة الداخلیّة والقصدیّة البرّانیّة) تؤسّس ما یسمّیه ریکور (نشاط النصّ) أو العمل الفعلیّ للنصّ"[3]، أو تلک الفاعلیّة الواقعیّة للخطاب حول أصل التولّد الحضاریّ من جهة التأسیس، ومن جهة الإراءة لحرکة السیر الحضاریّة التفاعلیّة مع مجمل أشیاء العالم، فالنصّ المقدّس لم یأتِ إلا حاملاً لإراءة کلیّانیّة تهمّ البناء المعرفیّ العقدیّ، وکذا الفعل الحضاریّ، وإذا ما تمّ الفصل بینهما، فإنّه یتهاوى جزئیّاً فی جنبة من جنباته؛ کما فی حالة قیام التوحید العقدیّ النظریّ إلى جانب الشرک العملیّ، والتی أتى القصص القرآنیّ لیؤکّد علیها فی أکثر من موضع.

ما نودّ أن نشتغل علیه فی هذه الورقة المختصرة جدّاً، هو بحث کیفیّة التعامل مع النصّ المقدّس؛ بما هو إطار معیاریّ منفتح على تعولم جدید ناقض للانسدادات الکوکبیّة الجدیدة، أو لنکن أدقّ فی التعبیر: کیفیّة تحوّل النصّ المقدّس إلى حالة أثریّة من أجل لحظة عالمیّة جدیدة، تهدم المبانی القائمة، وتعطی فسحة أو مساحة تصدیقیّة للحظة عولمیّة جدیدة، لتکون الغائیّة الکبرى، ألا وهی "التعولم"، منطلقاً مفاهیمیّاً لإعادة استقراء النصّ المقدّس على ضوئه؛ فالقبلیّات المعرفیّة التی أکّد علیها الشیخ محمد مجتهد شبستری، والتی لا یمکن إنکارها، تأتی مطعّمة بقبلیّة غائیّة تنیر هدفیّة التعامل مع النصّ المقدّس.

ولذلک یأتی بحثنا نقدیّاً وتأصیلیّاً لأصل تصوّر الشیخ محمد مجتهد شبستری بخصوص هرمنیوطیقا القرآن والسنّة من جهة المبانی التصوّریة، ولمراجعة حرکیّة صاحب النصّ المقدّس والظهور العرفیّ فی طول المقترب التأویلیّ الهرمنیوطیقیّ بکیفیّة تسمح بالحفاظ على المصدریّة المتعالیة؛ بوصفها إحدى أهمّ مصادیق الجری العملیّ للنصّ المقدّس؛ بمعنى أنّنا لن نکتفی بمطارحة نقدیّة لما تمّ وضعه من تصوّرات، بقدر ما سوف نسعى إلى إعادة "بَنْیَنَة" نقاشنا بطرح تصوّر جدید فی طول العملیّة النقدیّة.

 

أولاً: هرمنیوطیقا القرآن والسنّة أو النقض التأصیلیّ:

1. التصوّر الهرمنیوطیقیّ عند الشیخ محمد مجتهد شبستریّ:

یرى الشیخ محمد مجتهد شبستریّ أنّ القرآن متوافرٌ على لغة تفسیریّة ونقدیّة وتاریخیّة؛ بوصفه لغة دینیّة[4]، ومع عدم الالتفات إلى هذه الحقیقة، فإنّ آثار التفسیر القرآنیّ ستکون خطیرة، وربّما تبعدنا عن الدین بقدر ما نظنّ أنّنا فی صلبه.

وعلیه، فإنّ الطریقة السلیمة للتعامل مع الکتاب الإلهیّ تتجلّى فی المنطلقات الثلاثة الآتیة:

- عدم اتّخاذ موقفٍ جزمیّ إزاء المقبولات الذهنیّة والتوقّعات المسبقة عند الرجوع إلى کلام الله، حتّى لو کانت قد خضعت لتنقیح متکامل.

- الرجوع إلى کلام الله لا یکون فاعلاً وأصیلاً إلا فی حالة یبلغ فیها الإنسان درجة من الابتهال والانقطاع؛ أی عندما یحسّ الإنسان فعلاً وواقعاً أنّ معطیات العقل والعلم البشریّ لا تفی بالإجابة على تلک القضایا التی تُعدّ الأصل والغایة فی وجوده وحیاته.

- بعد تنقیح المقبولات الذهنیّة والتوقّعات المسبقة، وتأهیل الإنسان نفسه کی یکون مستعدّاً لأیّ تحوّل أو تغییر محتمل فی ما یحمله من مسبقات، عن طریق العرض على کلام الله وبواسطته، وبعد أنْ یبلغ الإنسان حالة من الابتهال والانقطاع، یحلّ له فهم کلام الله (فهماً فی الجملة) بعنایة الله نفسه. وهذا الفهم یکون على شکل نور یقذفه الله فی الإنسان، ولیس ثمّة شیء یضمن صحّة فهم کلام الله غیر هذا[5]، فبأوّلیّات کهذه یصحّ البحث فی التفسیر، ما دام هذا الأخیر فی الحقیقة جوهر الدین وأساسه ولبه[6]، ففی الأدیان السماویّة یُنَظر إلى کلامٍ ما بوصفه ظواهر تبلغ بالإنسان معانٍ رفیعة، وذلک الکلام هو الوحی الذی یمثّل فی الواقع ظواهر کلامیّة تنتشل الإنسان من آفاقه الضیّقة، وتسمو به نحو بلوغ کلام الله تعالى. وبعبارة أخرى: تیسّر للإنسان فهم کلام الله عن طریق إنسان آخر، وهذه اللغة هی لغة التفسیر[7].

وطبعاً، هذه المقدّمات الثلاث ما هی إلا ثمرة ما خلص إلیه علماء الهرمنیوطیقا بخصوص عملیّات التفسیر وفهم النصوص؛ وهی خمس قضایا:

أ- قبلیّات المفسّر وأوّلیّاته (الدور الهرمنیوطیقیّ).

ب- میول المفسّر وتطلّعاته.

ج- استنطاق المفسّر للتاریخ.

د- تشخیص مرکز المعنى (البؤرة)، وتفسیر النصّ بصفته مجموعة تدور حول هذا المرکز.

هـ- ترجمة النصّ إلى الإطار التاریخیّ للمفسّر (إسقاطه على الظروف التاریخیّة للمفسّر)[8].

وقد عمد الشیخ شبستری إلى تجمیع هذه المرحلیّات الخمس فی ثلاث؛ مزکّیاً إیّاها بمسبقات عقدیّة إسلامیّة لازمة. ولذا؛ من المناسب الوقوف قلیلاً عند منظور الشیخ شبستری لهذه المراحل.

أ. قبلیّات المفسّر والدور الهرمنیوطیقیّ:

یرى الشیخ شبستری أنّ کلّ باحث أو محقّق یمتلک قبلیّات ومعلومات أوّلیّة عن الموضوع الذی یرید دراسته؛ سواء أکان مجال عمله خاصّاً بالتفسیر أم بشیء آخر، کما إنّ المعرفة الجدیدة المنبثقة عن عملیّات التفسیر أو عملیّات التبیین، تستند دائماً إلى قبلیّات معیّنة تبدأ باستعمال هذه القبلیّات، ولا تکون إلا بها. وهذه نقطة تکتسب أهمّیّة بالغة لمتابعة کیفیّة فهم النصوص[9].

وتتأسّس هذه القبلیّات على توسعة دائرة المطالعة، ومضاعفة المعلومات عن الموضوع؛ ما یجعل منها قبلیّات أساسیّة تدفعه إلى مزید من المطالعة، فتتضخّم القبلیّات حتّى تتقوّى الإحاطة بالموضوع[10].

ومن البیّن جدّاً أنّ هذه الحرکة تستبطن نوعاً من "الدور" و"المراجعات"؛ وهو ما نسمّیه "الدور الهرمنیوطیقیّ".

والمرحلة الثانیة اللاحقة التی تواجه الباحث، تتمثّل فی تقویم المصادر ودراستها والاقتباس منها، حیث تنطوی هذه المرحلة -أیضاً- على دور هرمنیوطیقیّ؛ لأنّ الباحث یقوم بالموازنة والمقایسة، لینتقل إلى مرحلة التألیف؛ وهو دور هرمنیوطیقیّ بامتیاز -أیضاً-؛ لأنّه، وفی هذه المرحلة، یتمّ وضع الهیکل العامّ وتغییر مواقع العناوین، بشکل یضمن بنیة النصّ وفق المنظور المتبنّى لدى الباحث.

فمجمل هذه المراحل هی نفسها مراحل فهم النصوص، فلیس "ثمّة نصٌّ یُفهَم دفعة واحدة، وبلا مقدّمة، وبدون سیر من مرحلة إلى أخرى، وتکمیل للمرحلة السابقة بفهم المرحلة اللاحقة، والمراجعات المتعدّدة، والذهاب والإیاب بین مراحل العمل المختلفة[11]، وهذا من مصادیق وجود القبلیّات.

کما إنّ ثمّة مصداقاً آخر؛ مفاده أنّ أیّ فهم لا یکون إلا جواباً عن سؤال مسبق، فأیّ سؤال لیس إلا ثمرة معرفة أوّلیّة معیّنة بدرجة معیّنة، وهذا مصداق آخر من مصادیق وجود القبلیّات عند المفسّر.

ب. میول المفسّر وتطلّعاته:

ینصّ الشیخ شبستریّ على أنّ میول المفسّر وتطلّعاته ومحفّزاته هی التی تدفعه إلى استنطاق النصّ؛ فإشارة الاستفهامات على النصّ وفهمه هی إحدى أنواع القبلیّات والمقدّمات فی عملیّة الفهم، بحیث یتحفّز الإنسان للسؤال من داخله[12].

ویکتسب تنقیحُ القبلیّات والأسئلة والمیول والتطلّعات، للانطلاق فی تفسیر النصوص الدینیّة، أهمّیّةً مضاعفةً بالقیاس إلى التنقیح اللازم لتفسیر النصوص الأخرى وشرحها؛ فالنصوص الدینیّة تتناول معنى الوجود ومصیر الإنسان، وتنقیح القبلیّات والأسئلة والمیول والتطلّعات وضبطها؛ استعداداً لتفسیر هذه النصوص المکتظة بالأسرار والتعقید. هی عملیّة فی منتهى الصعوبة والإجهاد، بحیث تحتاج إلى قابلیّات خاصّة. ولهذا؛ لم یتصدّى لتفسیر النصوص الدینیّة إلا ذوو العقلیّات الدینیّة القویّة[13].

وفی الواقع، فإنّ هذه المعطیات هی من باب المسلّمات إلى حدٍّ ما، لکنّ موضع الإشکالیّة یکمن فی هذا السؤال: ما هی ضمانتنا بأنّ میول المفسّر وتطلّعاته تطابق تطلّعات مؤلّف النصّ، وخصوصاً إذا تعلّق الأمر بنصّ دینیّ قدیم العهد؟

وهنا تأتی أهمّیّة المرحلة الثالثة؛ وهی: استنطاق التاریخ.

ج. استنطاق التاریخ:

یرى الشیخ شبستریّ أنّ القبلیّات والمیول والتطلّعات والاستفهامات؛ وحتّى الاطّلاع على تفاسیر الآخرین، کلّها تقود المفسّر إلى البحث عمّا یرید أنْ یقوله النصّ، وفی هذه المرحلة یتحتّم على المفسّر أنْ یقوم باستنطاق التاریخ والإصغاء إلیه[14]، وهذا لا یتیسّر إلا بمنهجیّة تاریخیّة تحلیلیّة دقیقة محایدة، وبالتعرّف على قواعد اللغة والحوار التی کان القدماء یستعملونها، ویسمّونها أحیاناً بـ"قواعد التفسیر"، وبالإحاطة بکلّ مباحث الألفاظ فی علم الأصول.

وقد ظهرت حدیثاً أبحاث فی أسالیب النقد التاریخیّ فتحت أبواباً واسعة أمام هذا الموضوع. وفی ما یلی یمکن الإشارة إلى عدّة نقاط أساسیّة عن الموضوع بمحوریّة سؤال "ماذا یقول النصّ؟"، لا بدّ لأیّ مفسّر من أنْ یتطرّق إلیها؛ وهی:

- التعرّف على المعنى المباشر للمفردات والجمل.

- دراسة الدور التغییریّ والتعبویّ للنصّ؛ أی البحث فی تأثیر النصّ فی مخاطبیه، ضمن شکله الخاصّ والظروف الاجتماعیّة العامّة.

- المعرفة بالقصد الجادّ لصاحب النصّ، وما هو هدفه منه؟

- التأثیر الذی یترکه النصّ؛ مع غضّ النظر عن أهداف صاحبه أو غیره من الأشخاص.

وأهمّ ما یثیره الشیخ شبستری: النقطة الثانیة؛ فالبیانات اللغویّة، ومن ضمنها الکتابات، تترک أثراً فی المتلقّی، وتلعب دوراً خطابیّاً تعبویّاً فی علاقتها معه، وهی -بطبیعة الحال- تطالب بردّة فعل من مخاطبیها، یمکن تقسیمها إلى نوعین أساسین؛ هما:

- معرفة حقیقة معیّنة (دعوة معرفیّة).

- المبادرة إلى فعل شیء محدّد أو ترک العمل بشیءٍ معیّن (الدعوة السلوکیّة).

وأهمّ أنواع الدعوة المعرفیّة: الاستفهام التقریریّ (دعوة المتلقّی إلى الإیمان)، والاستـدلال (منح رؤیة معیّنة للمخاطب)، والإخـبـار (یرمی إلى الإعلام والإنباء)، والتحذیر (تنبیه المخاطب إلى أمر أو حالـة معیّنـة)، والإیضاح (تفهیم المتلقّی)، والإیجاب (تصـدیق المخاطب). وأمّا الدعوة السلوکیّة التی ترمی إلى دفع المخاطب نحو القیام بعمل معیّن أو ترکه لعمل معیّن، فیمکن أنْ تکون إیجاباً أو تحریماً.

وکلّ هذه أدوات لفهم المعنى الذی یقصده مؤلّف النصّ، ویمکن استخدام هذه الأدوات عبر سلسلة من المواقف والأحکام.

والمسألة المهمّة -هنا- هی الملاک الدقیق فی مناط هذه المواقف ومعیارها، ودراسة منابتها وأصولها. فصحیح أنّ النصّ یفید معنًى معیّناً، لکنّ هذه الإفادة لا تصبح ممکنة إلا عندما یحدّد المفسّر مسبقاً ما بإمکان المؤلّف أنْ یقصد إیصاله من المعانی، وما لیس بإمکانه أنْ ینوی إیصاله من المعانی. وتشخیص هذه الإمکانیّات یحتاج إلى معاییر ومناطات[15].

د. تشخیص بؤرة المعنى:

یحدّد شبستریّ المراد بـ"بؤرة معنى النصّ" بوجهة النظر الرئیسة التی تدور على محورها جمیع معطیات النصّ. وعلیه، فمن المهمّ جدّاً تشخیص هذا الأساس، وفهم کلّ النصّ؛ باعتباره بناء یقوم على هذا الأساس. هذا، ولا یمکن تشخیص بؤرة المعنى بطریقة غیر ممنهجة، وبدون معاییر وأسالیب دقیقة، وأسلوب التشخیص هو "استنطاق التاریخ"، أو "الإصغاء للتاریخ" الذی أسلفنا القول فیه[16]. وهذا عین القول بوحدة النصّ؛ بوصفه کیاناً متفرّداً بمعنى عامّ تامّ، فجمیع أجزاء النصّ تُفهَم ضمن علاقتها ببؤرة معنى النصّ، وإلا بطل أنْ یکون فهماً صحیحاً للنصّ. لکنّ المعضلة التی تقف أمام علماء الهرمنیوطیقا هی: کیف یتیسّر الوصول إلى بؤرة معنى النصّ؟ وما هی الضمانات على أنّ ما وصلنا إلیه هی البؤرة ولیس شیئاً غیر ذلک؟ هذا والحال أنّ أبحاث العلماء لا زالت تتعمّق على هذا المستوى، للخلوص إلى آلیّة متّفق علیها حدّ الإجماع.

هـ. ترجمة النصّ إلى الإطار التاریخیّ الذی یعیشه المفسِّر:

تُعدّ هذه المرحلة من المسلّمات؛ إذ إنّ اختلاف الإطار التاریخیّ الذی عاشه المؤلّف عن الإطار التاریخیّ الذی یعیشه المفسِّر، یجعل من التجارب مختلفة کلّیّاً. وعلیه؛ یصبح من اللازم ترجمة النصّ بتحویله إلى الإطار التاریخیّ الذی یعیشه المفسِّر، وطبعاً هذه الترجمة ما هی إلا إحیاء للنصّ فی الإطار التاریخیّ المعیش من قِبَل المفسِّر.

ویتمثّل مفتاح فهم نصوص العصور الخالیة فی فهم تجارب البشر فی تلک العصور؛ فهو نوع من التمثّل المبدئیّ الأوّلیّ، على أساس من الموضوعیّة، من دون إثارة نقد على تلک الفترة، أو إسقاط الأفهام المعاصرة على الأفهام القدیمة فی العصور، وإلا عُدَّ هذا تحریفاً ولیس فهماً تاریخیّاً للنصّ. فمن ثمّة یکون من الضروریّ الحفاظ على البیان الأصلیّ للنصّ، وعدم ترجمته إلى الإطار التاریخیّ المعاصر فی المرحلة الأولى، وإلا شکَّل هذا الأمر سقطة هرمنیوطیقیّة یتعیّن تجاوزها، فـ"التفسیر الصحیح لا یحصل، والفهم الحقیقیّ لا یتأتّى، إلا عندما یندمج المفسّر ومخاطبوه بالنصّ، ویأخذ المعنى بالإفصاح عن نفسه. وفی حالة الإبقاء على البیان الأصلیّ للنصّ وعدم ترجمته إلى الإطار التاریخیّ المعاصر، أو فی حالة تطبیق النصّ على قبلیّات المفسّر (مع أهمّیّة هذه الأخیرة) لن یحصل الاندماج المطلوب، ولن یتّضح المعنى الخفیّ"[17].

وتبقى الضمانة الکبرى لتحقّق الفهم الصحیح للنصّ فی أیّ عصر خلا، فی اعتماد المشترک الإنسانیّ (بوصفه المنطق العامّ لإنتاج النصوص فی جمیع العصور، فهو إلى حدّ ما إجماع تناصصیّ بین الأمم)، وغربلة القبلیّات (بإخضاعها لمنطق النصّ الباطنیّ، والتوافر على مجموعة من القبلیّات المحیطة بموضوع النصّ).

هذه مجمل مقاربة الشیخ شبستریّ فی أوّلیّات الهرمنیوطیقا لمقاربة النصّ، مع تبیان معتمداته، والتی على أساسها أظهر المرحلیّات المحوریّة الثلاث المتبنّاة من قِبَله، والتی سبق لنا أن نوّهنا إلى أنّها تجمیع للمرحلیّات الخمس؛ کما أشار إلیها أساطین الفکر الهرمنیوطیقیّ. والآن نرى ضرورة الانتقال إلى الشطر الأهمّ من البحث؛ وهو إنجاز مقاربة نقدیّة للمنظور الهرمنیوطیقیّ عند شبستریّ، وکیفیّة إعماله على النصّ القرآنیّ.

2. قراءة نقدیّة للتصوّر الهرمنیوطیقیّ عند الشیخ شبستریّ:

ظلّت مقدّمات الشیخ محمد مجتهد شبستریّ فی العمومیّات، ولم یقدِّم جواباً مضبوطاً على الطریقة الهرمنیوطیقیّة التی أراد تبنّیها، إذ یتعذّر علینا تشخیص التوجّه الذی یتبنّاه، فهو تارةً یظهر لنا کما لو أنّه من أتباع المدرسة الرومانسیّة، جاعلاً من الهرمنیوطیقا ملکة مقذوفة فی قلب المؤمن (شلایرماخر)، وتارةً أخرى یظهر لنا علمیّاً صارماً جاریاً وراء التقعید لعملیّة الفهم، وبالتالی، فهو من أتباع المدرسة العلمیّة التاریخیّة (دیلثای، وهیرش)، وتارةً ثالثةً یظهر لنا من العرفانیّین الجدد المرکّزین على الذوق الکونیّ (هانس جورج غادامر). هذا التلوّن جعل من عمل شبستریّ منقوصاً، وربّما لم یعطِ الثمار المرجوّة منه؛ لأنّ من الاستحالة بمکان الجمع بین الطرحین، ولهذا نجد أنّ فیلسوفاً مثل بول ریکور -وهو من العلماء المعروفین فی الهرمنیوطیقا الحدیثة- قد وقع فی المطبّ ذاته؛ بأنْ ظلّ قابعاً فی الغموض -نوعاً ما- بخصوص نظریّته التأویلیّة التی نتجت فی الأغلب عن محاولته التلفیقیّة (طبعاً بدون حمولة قدحیّة للکلمة) لمجموع النظریّات القائمة بخصوص الهرمنیوطیقا؛ من شلایرماخر إلى غادامر.

وبناءً علیه؛ یصعب -حقیقةً- إجراء قراءة نقدیّة مقطعیّة فی الکبرى، لکنّ هذا لا یمنعنا من تحقیق المطلب فی الصغرى. فالانتقادات التی یمکن أنْ نحملها على نظریّة شبستریّ متکثّرة، یمکن إیجازها بالآتی:

أ. انعدام وضوح معالم تأثیر القبلیّات وأهمّیّتها:

إنّ التفسیر الخاطئ یظلّ خاطئاً بقطع النظر عن القبلیّات المعتبرة، ولیس بالضرورة أنْ یؤدّی تغییر القبلیّات إلى الفهم الصحیح، إلا إذا تمّ التحدّث عن قبلیّات قطعیّة مشترکة بین المفسّرین، وعن وجوب توافرها لیستقیم التفسیر، وهذا ضرب لنظریّة الهرمنیوطیقا فی الصمیم، وهو ما حاول شبستریّ الالتفاف علیه؛ لأنّ أقصى ما یریده الباحث هو تعمیق البحث بخصوص الموضوع محلّ التفسیر من دون توجیه مِنْ قِبَله. وعلى أساس البحث تتکامل القبلیّات حتّى تصل إلى موطن الإحاطة بالنصّ المراد تفسیره، وطبعاً فإنّ تکامل القبلیّات رهینٌ بالرؤى المتبنَّاة من قِبَل الباحث، فالإنثروبولوجیّ یرى أوّلویّات القبلیّات رهینة بالمساحة المکانیّة والزمانیّة لنزول النصّ؛ بخلاف الألسنیّ الذی یرهن قبلیّاته بتضارب المدارس الألسنیّة واللغویّة، والجمیع بخلاف العارف الذی یرهن قبلیّاته بالعمق الذوقیّ، مع شفّافیّة القلب؛ حتّى یتیسّر الکشف.

ومع نظریّة کهذه، تظلّ لجمیع التفاسیر مصداقیّة صحّة، وإنْ بشکل نسبیّ، من دون تفرّد إحداها بالصحّة على الإطلاق.

کما إنّها لا تقضی على إشکالیّات متعلّقة بالفهم؛ وهی أنّ القبلیّات لا یمکن أنْ تکون تقویمیّة ما لم تتّفق مع رؤیة قائمة بالذات مستقلّة؛ ما یعنی أنّ ثمّة حاکمیّة معرفیّة داخلیّة هی التی تقوم بتصفیف القبلیّات، ولیست کثرة القراءة هی التی تقوِّم القبلیّات.

فلا یمکن -مثلاً- تصحیح قبلیّة ما بمراجعة نصّ، حتّى لو کان قرآنیّاً، ما لم تتحقّق تلک القبلیّة فی الذات العارفة من جهة الحاکمیّة علیها، وإلا لظلّت تلک القبلیّة قائمة فی جمیع الأحوال، وما کان للنصّ من مدخلیّة تقویمیّة لها. وما تکثّر المذاهب الإسلامیّة إلا دلیل خارجیّ على صحّة مقولة أنّ القبلیّات تتحقّق داخل الذات العارفة، ولیس من خلال النصّ القرآنیّ.

هذا على مستوى الوجه الأوّل من النقد، وأمّا الوجه الثانی، فإنّ القول بتعدّد التفاسیر على إطلاقها من دون عقال هو نسف لملاک النصّ قطعیّ الدلالة، وغیر القابل لأیّ فهم آخر؛ بمعنى أنّ النصّ فی أجلى کمالاته یظلّ عاجزاً عن إیصال المعنى الحقیقیّ له، وهذا هدم لتصوّر الشیخ شبستریّ، لیس على مستوى جنبة تقویم القبلیّات فحسب؛ بل إنّ النصّ بکشوفاته المتکثّرة یظلّ عاجزاً -أیضاً- عن منح المعنى الحقیقیّ، وهذا مناقضٌ للأصل العقلیّ القائل باستحالة التسلسل؛ أی إنّ المعنى مهما تکاثر لا بدّ من أن یکون له حدّ معنویّ حقّ، وهذا عین ما یدفعه الشیخ شبستریّ.

إنّ المعانی تتنزّل إلى أنْ تصبح واحداً. هذا قدر حتمی، لیس للقارئ وحسب، بل للنصّ -أیضاً-، ویظلّ من حقّ الشیخ شبستریّ أن یهتمّ بالبنى المتکثّرة للمعنى، لکن لیس من حقّه أبداً أنْ یدفع إمکانیّة إیجاد المعنى المتوحّد الواصل مقام الحقیقة.

والمشروع الذی نحن بصدد الدفاع عنه، یذهب رأساً إلى الإمساک بالمعنى المتوحّد. وصحیح أنّ نسبة النجاح تختلف من قارئ إلى آخر، وذلک راجع إلى نوعیّة الاستعداد ودرجته، لکنّنا أبداً لن نجعل من النصّ جسماً مائعاً مخاتلاً یتخفّى عندما یظهر.

هذا فضلاً عن أنّ النصّ على المستوى الشرعیّ والأصولیّ یفید فی الأصل قطعیّة الدلالة، وإذا ما سلّمنا بجواز تعدّد التفاسیر بخصوصه، لکفّ عن أنْ یکون نصّاً، وتکون حقیقة الترکیز على القبلیّات ذات فائدة وثمرة فی تبیان نفسیّة المفسّر فقط، والتی ربّما تفید فی إعادة قراءة النصّ المفسَّر، لکنّ هذه الثمرة تُفقد أمام القرآن الکریم؛ لأنّ موطن الاعتبار هو حقّانیّة التفسیر، لا نفسانیّة المفسّر، فهذا مجالها الخصب؛ وهو الأدب فی أوسع أبوابه.

ب. وقوع التسلسل المؤدّی للبطلان:

فی معرض تبیانه لمراحل الهرمنیوطیقا، ختم الشیخ شبستریّ هذه المراحل بضرورة ترجمة النصّ إلى الإطار التاریخیّ للمفسّر. لکنْ حیث إنّ من المنطقیّ إخضاع الترجمة نفسها، بوصفها منتهى الفهم الأوّل، إلى فهم ثانٍ، نکون قد وقعنا فی التسلسل المؤدّی إلى بطلان النظریّة من الأساس، وتفصیل ذلک: إنّ کلّ فهم (طبعاً وفق الرؤیة الهرمنیوطیقیّة) یحتاج إلى تفسیر، ولا تتّضح دلالة النصّ على المعنى إلا فی ضوء التفسیر، بل إنّ النصّ یتکلّم بواسطة التفسیر، ویلقی بمکنوناته إلى الخارج عبر عملیّة التفسیر. إذاً، لا شکّ فی أنّ فهم هذه الترجمة یحتاج إلى تفسیر هو الآخر؛ ما یؤدّی إلى حدوث تسلسل سلبیّ مبطل، مؤدّی إلى التولّد السلبیّ للأفهام.

وحقیقة هذه المؤاخذة هی فرع من أصل معضلة القبلیّات الحاکمة على الفهم، فتفسیر النصّ، أی ترجمته فی إطار تاریخیّ، ما هو إلا إعمال للقبلیّات اللحظیّة على النصّ المفسَّر، والتفسیر یصبح فی حدّ ذاته نصّاً یحتاج إلى تفسیر لحظیّ، وهکذا إلى أنْ یضمحلّ الوجود البشریّ فی هذه النشأة.

وطبعاً، فإنّ هذا ممّا یترتّب علیه التسلسل الناقض للنظریّة، لا على مستوى انهزام القبلیّات الحاکمة فی ضبط المعنى فقط؛ بل إنّ المسیرة غیر متوقّفة حتّى على مستوى الفهم نفسه، فکلّ تفسیر بحاجة إلى تفسیر -أیضاً-[18].

ج. الخلط فی المدارک المعرفیّة:

یرجع ترکیز الشیخ شبستریّ على القبلیّات وعلى محوریّتها إلى وقوعه فی الخلط -أو ربّما إیقاعنا فی الخلط- بین المدارک المعرفیّة الأوّلیّة، والمدارک المعرفیّة الثانویّة. ومقصودنا بالمدارک المعرفیّة الأوّلیّة: المدارک المتبنّاة داخل علم معیّن، ومنها مثلاً: علوم التفسیر؛ بوصفها موضوع هذا البحث، وبین فلسفة العلم؛ أی المدارک المعرفیّة الناشئة خارج العلم، والتی ترید الحکم علیه.

فالشیخ شبستریّ یرید فی بحثه توسیع الدائرة؛ بإدخال المدارک المعرفیّة الثانویّة فی قلب المدارک المعرفیّة الأوّلیّة، وهو أمر مستحیل؛ لأنّ المدارک المعرفیّة الثانویّة لا تهتمّ بمصداق الحقّانیّة، ولا بمصداق الخطإ والصواب، بخلاف المدارک المعرفیّة الأوّلیّة التی تجد نفسها أمام هذین المحورین الهامّین.

ومن هنا، نفهم ترکیزه على تعدّد التفاسیر، وعلى ضرورة البحث بخصوص الاختلاف (لا الخطـأ والصواب) فی المبانی المعتمدة، إلا إذا صرَّح بأنّ مقاربته تتّجه کلّیّاً نحو المدارک المعرفیّة الثانویّة من دون نیّة إدخالها فی المدارک المعرفیّة الأوّلیّة، ولکنّ هذا مستحیل؛ لأنّه عین القول بالتسلسل فی الأفهام.

وصحیح أنّ شبستریّ محکوم علیه بوضع کهذا؛ لأنّ الهرمنیوطیقا أرادت لنفسها خرق الحدود، وضبط المدارک المعرفیّة الأوّلیّة من الخارج، وهو أمر غیر متیسّر إلا إذا تمّ تبنّی الأساس القائل بحاکمیّة العقل على النصّ.

لکنّ عمله یظلّ مبرّراً لسبب جوهریّ؛ وهو أنّه بصدد تصویب تفسیر القرآن الکریم، فبدلاً منْ أنْ یجعل معارف الدرجة الثانیة انعکاسیّة فی الذات العارفة، أرادها موجوداً خارجاً حاکماً على الفهم الدینیّ.

والحال أنّ هذا الأمر یظلّ غیر متیسّرٍ؛ للأسباب المعرفیّة التی أوضحناها سابقاً، فکان حریّاً به أن یعمد إلى عرض معارف الدرجة الثانیة على الذات العارفة، التی تعمد إلى تصفیتها ومَعْیَرَتها، فتکتسب أوّلیّتها داخل الأنا المتجوهرة، وتتعامل مع معارف الدرجة الأولى؛ بوصفها ممکنة لا واجبة، واعتباریّة لا أصیلة.

والحق یقال: إنّ العرفانیّین ورجال الصوفیّة یتعاملون مع هذه المدارک بالطریقة نفسها؛ یعنی أنّهم یرفعون معارفهم الدینیّة المتمعیَرة إلى مقام الملکة، فتنکشف أمامهم الأفهام الدینیّة بعنوان ما یقولون: إنّه الحقیقة؛ مطلق الحقیقة، ونحن نتّفق معهم فی المسلکیّة، لا فی النتیجة؛ ذلک أن تملّک المعارف الإنسانیّة وعرضها على الذات العارفة المنعکسة بالروح (الأنا المتجوهرة) یجعلها مدرکاً جوّانیّاً بالعرض، لکنّ أصالتها متحقّقة من القابلیّة التکوینیّة فی الروح البشریّة، فتتنزّل بذلک معارف الدرجة الأولى فی المقام الفهمیّ، بعد أنْ کانت آخذة بناصیة الحکم على الفهم من عدمه، إلا أنّنا لنْ نذهب إلى الحدّ القائل بأنّ فهمنا هو الحقّ؛ لما لهذا الحکم من إطلاقیّة لا تکفلها إلا الأنا المتجوهرة ذات الانعکاسیّة الکاملة مع الوجود الخارجیّ.

د. أزمة بؤرة معنى النصّ:

لا یکفّ الشیخ شبستریّ عن خلق إشکالیّات کثیرة بطروحاته السابقة، وأهمّها على الإطلاق: استخراج بؤرة معنى النصّ؛ إذ نجده بهذا الخصوص قد کفى نفسه عناء تبیان المسلکیّة الصحیحة والکفیلة بضمان الخلوص إلى بؤرة المعنى فی النصّ، فإنْ کان مقصوده أنّ بؤرة المعنى تُفهم من خارج النصّ (وأغلب الظنّ لیس کذلک) فهذا دور آخر یوقعنا فیه؛ لأنّ فهم النصّ یُوجب الاعتماد على خارج النصّ، وهذا عین الدور. والحال أنّ هذا لیس فهماً بقدر ما هو استقراء، أمّا إذا کان من خلال النصّ (وهذا هو الغالب)، فکیف نصل إلى البؤرة من دون اعتماد قبلیّات مختلفة، بل ومتضاربة؟ وحتّى هذا یجرّنا -أیضاً- إلى ضیاع الوصول إلى بؤرة معنى النصّ، هذا إذا سلّمنا بأنّ البؤرة فی غیر حاجة إلى فهم، أمّا والحال أنّ أیّ نصّ -بما فیه البؤرة- بحاجة إلى فهم وتفسیر، فإنّ الدور والتسلسل لن یتوقّف، فکلّ بؤرة معنى النصّ تقع للفهم والتفسیر بالمراحل نفسها؛ ما یجعلها تحتاج بدورها إلى بؤرة، وهکذا دوالیک، إلى أقصى حدود التجزیء. ومن ثمّة نفشل فی الإمساک بالبؤرة حقیقة، وطبعاً هذا کلّه وفاقاً للمنظور الهرمنیوطیقیّ.

والحال أنّ المعوّل علیه هو رسالة النصّ، ولیس بؤرته؛ بمعنى الهدفیّة المطروحة له ومنه، فیتمّ البحث واستفهام النصّ عبر هذا الطریق.

ویستلزم الترکیز على الرسالة الإحاطة بمحیط النصّ، ولیس ذات النصّ، ولذا یکون للأنا المتجوهرة القول الفصل فی استیعاب الرسالة فی أدقّ تفاصیلها، ما دام یتمّ استقراؤها واستنباط المعنى من حدود النصّ قبل أنْ تدخل جغرافیّته. وهذه أوّلیّة تهمّ محیط النصّ، لا قلبه، وتظلّ ضروریّة فی استفهامه.

هذا فی ما یهمّ کبریات نظریّة الشیخ شبستریّ، وأمّا فی ما یخصّ الصغریات، فإنّنا نجدها على التفصیل الآتی:

لقد سبق للشیخ أن نوّه بثلاث مراحل من أجل التعامل مع کلام الله سبحانه وتعالى؛ وهی:

- عدم اتخاذ موقفٍ جزمیّ إزاء المقبولات الذهنیّة والتوقّعات المسبقة عند الرجوع إلى کلام الله، حتّى لو کانت قد خضعت لتنقیح متکامل.

- الرجوع إلى کلام الله لا یکون فاعلاً وأصیلاً إلا فی حالة یبلغ فیها الإنسان درجة من الابتهال والانقطاع؛ أی عندما یحسّ الإنسان فعلاً وواقعاً بأنّ معطیات العقل والعلم البشریّ لا تفی بالإجابة عن تلک القضایا التی تُعدّ الأصل والغایة فی وجوده وحیاته.

- بعد تنقیح المقبولات الذهنیّة والتوقّعات المسبقة، وتأهیل الإنسان نفسه کی یکون مستعدّاً لأیّ تحوّل أو تغییر محتمل فی ما یحمله من مسبقات، عن طریق العرض على کلام الله وبواسطته، وبعد أن یبلغ الإنسان حالة من الابتهال والإنقطاع، یحلّ له فهم کلام الله (فهمه فی الجملة) بعنایة الله نفسه. وهذا الفهم یکون على شکل نور یقذفه الله فی الإنسان، ولیس ثمّة شیء یضمن صحّة فهم کلام الله غیر هذا.

طبعاً، سیلاحظ القارئ أنّ الشیخ قد أوقعنا فی معضلة خطیرة، هی أقصى ما یمکن أن یتصوّر من دور؛ وهی الإیمان بعدم جزمیّة القبلیّات الموجودة، مع إمکانیة تغیّرها من خلال قراءة النصّ القرآنیّ، فالملاحظ عند الشیخ شبستریّ أنّ النصّ المفسَّر هو الذی یقوم بخلق القبلیّات (التعداد الثالث)، وهذا مناقض لما أوضحناه فی کبریات نظریّته؛ وهو عین الدور الأقصى الممکن تصوّره. وهذا دون أنْ یجیبنا عن سؤال آخر؛ وهو: هل توالد القبلیّات والبَعدیّات التی تصیر فی الآن نفسه قبلیّات معدَّلة، تصل إلى نقطة الذروة أم إنّ التکامل یظلّ مستمرّاً مع توالی القراءة للنصّ المفسّر؟ وهل القول بالتکامل لا یفید إلا عدم صحّة الفهم من جهة نقص القبلیّات المتوافرة للقارئ، والتی لا تتکامل إلا مع القراءة المتکرّرة للنصّ المفسّر؟ ربّما یحمل التعداد الثالث جواباً بخصوص هذا السؤال؛ إلا أنّه بالعکس یزید فی تعمیق الخلط؛ ذلک أنّ النور المتحدَّث عنه والمقذوف فی قلب الإنسان لیس قبلیّة من القبلیّات؛ بل استعداداً للکشف، وهو غیر الفهم بالمنهج الهرمنیوطیقیّ على الأقلّ؛ لأنّ لکلّ امرئٍ أنْ یدَّعی الکشف مع تعدّد التفاسیر؛ وهذا دور آخر یضعنا أمامه هذا الطرح؛ لأنّ الکشف الربّانیّ لا یکون إلا عین النصّ، فمن أیّ وجه تتعدّد الأفهام مع تحقّق العینیّة فی النصّ إن لم نقل بانتفاء العینیّة فی النصّ؟ وهذا ما یجعل التوالد الفهمیّ راجعاً إلى تراتبیّة فی الکشف؛ وهذا تسلسل حقیقیّ مبطلٌ لطرح شبستری، فکان حریّاً به أنْ یعید النظر فی ما أسماه "النور المقذوف فی النفس البشریّة"، وأن یجری بحثاً أعمق بخصوصها؛ لأنّنا نعتقد بأنّنا لا نتحدّث إلا عن الشیء نفسه، وثمّة فارقٌ بین التشخیص والعلّیّة. فما یراه الشیخ شبستری بالنور المقذوف هو عینه الذی نعبّر عنه بـ"الأنا المتجوهرة"، وهی لیست قذفاً فی الرَوْع بقدر ما هی انعکاسٌ کلّیٌّ مع المعارف الخارجیّة، وإحداث التشخیص الأنسب من خلال المدرکات الباطنیّة.

وتجدر الإشارة إلى الفارق بین القذف فی الرَوْع وبین تجوهر الأنا معرفیّاً، فالقذف فی الرَوْع علم لدنّیّ یُوصف بالحضوریّة، وهو بسیطٌ غیر استقرائیّ بالمرّة، موصولٌ بحدّ العصمة، بخلاف الأنا المتجوهرة التی هی ثمرة جهد معرفیّ؛ مرکّبٍ واستقرائیّ، فلا هی حضوریّة ولا هی واصلة حدّ العصمة.

والنقد الثانی راجعٌ إلى القول بالانقطاع والابتهال، بوصفهما مقدّمة محوریّة للفهم تدخل فی باب المدرکات المعرفیّة الأوّلیّة، وإلى القول بالحقّانیّة؛ أی إنّ النصّ المُتَعَامَل معه نصٌّ دینیّ مقدّس حقّانیّ فی ذاته، متنزّل من عند الباری جلّ وعلا، ویجب التعامل معه على هذا الأساس. وهذه الحقیقة، وإنْ کانت مصادفة للصواب، إلا أنّها تتناقض مع المدرکات المعرفیّة الثانویّة التی لا تهتمّ بحقّانیّة النصّ؛ بل تتعامل معه تعاملها مع أیّ نصّ آخر، أدبیّاً کان أم فلسفیّاً أم غیر ذلک؛ وذلک من جهة أنّها تنظر إلى الموضوع من الخارج، فالواضح أنّ المبدأ الثانی یشکّل نسفاً للنظریّة الهرمنیوطیقیّة التی أرادها الشیخ شبستریّ، ولکنّها لا یمکن أنْ تمسّ بالبعد الهرمنیوطیقیّ الذی أسّسنا له؛ لأنّ الأنا المتجوهرة بطبیعتها سوف تقرأ الوجود مطلق الوجود قراءة حقّانیّة، ولن تقع فی المطبّ الثانویّ من سنخ المطبّ الذی وقع فیه الشیخ شبستری.

وعلیه؛ یمکن لنا أنْ نخلص إلى أنّ هرمنیوطیقیّة الشیخ شبستریّ لیست کذلک، فهی فی نظرنا لا تعتبر مجهوداً من أجل تحقیق تجدید داخل النظریّة التفسیریّة الأصولیّة، لا أقلّ ولا أکثر، فالجنبة التقدیسیّة حاضرة بشکل کبیر فی خطابه، بلا مبرّر ثانویّ، بل حتّى الملکة التفهیمیّة/ الإفهامیّة التی یرکّز علیها فی دورته التفسیریّة لها مصدر خارجیّ؛ وهو الله سبحانه تعالى. وطبعاً، فإنّ مقدّمات کهذه غیر متصوّرة داخل المنظور الهرمنیوطیقیّ؛ بالمعنى الذی ارتضاه، مضافاً إلى أنّ ثمّة مؤیّد آخر لما انتهینا إلیه؛ یتجلّى فی الانقطاعیّة والابتهال المرجوّ لتسهیل عملیّة الفهم، وسلوکات کهذه لا یمکن أن تتحقّق إلا إذا أیقن القارئ بأنّه بین یدی کتاب وجودیّ وأخرویّ فی الآن نفسه.

فالشیخ شبستریّ تستّر بمفاهیم تنقض تصوّره، حتّى إنّه لم یشذّب المفاهیم التأسیسیّة للهرمنیوطیقا؛ ما أوقعه فی ارتباک فی الطرح، دفع به إلى الانقلاب جزئیّاً على أصل النظریّة، بینما لو کان متبنّیّاً للبعد التکوینیّ فی الاستفهام، فمن المؤکّد أنّه کان سیتخطّى هذه الأزمة.

 

ثانیاً: العلاقة بین صاحب النصّ والظهور العرفیّ:

1. الظهور العرفیّ وسقف اللغة الدینیّة:

فی مقام بیان المرجعیّة العلمیّة الصلبة لفهم کتاب الله، نجد العلامة محمد حسین الطباطبائی (قده) فی مقدّمة تفسیره "المیزان فی تفسیر القرآن" یصرّح بالآتی: "وهذا هو الذی دعا الناس إلى أن لا یقتصروا على الفهم العادیّ والمصداق المأنوس به الذهن فی فهم معانی الآیات؛ کما کان غرض الاجتناب عن الخطإ والحصول على النتائج المجهولة هو الذی دعا الإنسان إلى أنْ یتمسّک بذیل البحث العلمیّ، وهو أجاز ذلک للبحث أنْ یداخل فی فهم حقائق القرآن وتشخیص مقاصده العالیة؛ وذلک على أحد وجهین، أحدهما: أنْ نبحث بحثاً علمیّاً وفلسفیّاً أو غیر ذلک عن مسألة من المسائل التی تتعرّض له الآیة حتّى نقف على الحقّ فی المسألة، ثمّ نأتی بالآیة ونحملها علیه، وهذه طریقة یرتضیها البحث النظریّ، غیر أنّ القرآن لا یرتضیها، کما عرفت. وثانیهما: أنْ نفسّر القرآن بالقرآن، ونستوضح معنى الآیة من نظیرتها بالتدبّر المندوب إلیه فی نفس القرآن، ونشخّص المصادیق ونتعرّفها بالخواص التی تعطیها الآیات... وقد قال النبی (ص): «فإذا التبست علیکم الفتن کقطع اللیل المظلم، فعلیکم بالقرآن، فإنّه شافع مشفع، وماحل مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدلیل یدلّ على خیر سبیل، وهو کتاب تفصیل وبیان وتحصیل، وهو الفصل لیس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حکمة، وباطنه علم، ظاهره أنیق، وباطنه عمیق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فیه مصابح الهدى ومنار الحکمة، ودلیل على المعروف لمن عرف النصفة، فلیرع رجل بصره، ولیبلغ الصفة نظره ینجو من عطب، ویخلص من نشب، فإنّ التفکّر حیاة قلب البصیر، کما یمشی المستنیر فی الظلمات بالنور، یحسن التخلّص ویقلّ التربّص»[19]. وقال علی (ع)، یصف القرآن على ما فی النهج: (ینطق بعضه ببعض، ویشهد بعضه على بعض)[20]. هذا هو الطریق المستقیم، والصراط السوی، الذی سلکه معلّمو القرآن وهداته صلوات الله علیهم"[21].

وبعد أنْ صرّح العلامة الطباطبائی (قده) بأنّ الفهم المتبادر العرفیّ لا یسعف فی جمیع الأحوال، أوضح بأنّ النهج السلیم هو شرح القرآن بالقرآن، وهو المنهج نفسه الذی أوضحه الشیخ ابن کثیر، لکنْ مع اختلاف کبیر؛ ذلک أنّ الشیخ ابن کثیر لا یرتضی الفهم الأوّلی من الأساس، بل حتّى یراه متفلّتاً یجب عقله بالمأثور، بخلاف العلامة الطباطبائی (قده) الذی یقرّ بحجّیّته، وإنْ کان بدویّاً غیر مفید للقطع، بل یکفل الاطمئنان للمعنى فقط. 

کما إنّ منهجیّة العلامة الطباطبائی (قده) فی تفسیر القرآن بالقرآن راجعة إلى استیضاح معنى الآیة من نظیرتها، بالتدبّر المندوب إلیه فی القرآن نفسه، وتشخیص المصادیق، والتعرّف بالخواص؛ أی خصوصیة کلّ آیة على حدة.

إذاً، فالظهور العرفیّ یظلّ هو الحاکم أولاً، ثمّ یأتی التدبّر العقلیّ فی الآیات القرآنیّة لتحدید المصداق ومعاینة الخصوصیّة حتّى یتمّ تفسیر القرآن بالقرآن، ولعلّ مقالة علی بن أبی طالب (ع) المُشار إلیها فی موطن الاحتجاج توضّح بشکل جیّد هذه المسلکیّة، فبعضه ینطق ببعض بمعنى أنّه ینسف الفهم المتبادر؛ وهو ما صرّحنا بأنّه الفهم البدویّ، فیکون القرآن مفسّراً نفسه بنفسه بالمصداق القائم فی الدرجة الأولى؛ وذلک بعد تحقّق التدبّر العقلیّ فی مجمل القرآن، ویشهد بعضه على بعض بمعنى أنّ القرآن یصحّح الفهم المتبادر من آیة قرآنیّة بآیة قرآنیّة أخرى، فمدار التدبّر العقلیّ متحقّق فی الجنبتین معاً: جنبة النطق، وجنبة الشهادة.

وطبعاً، فإنّ منهجیّة کهذه لا یتیسّر استیعابها إلا إذا علمنا بأنّ کتاب الله "له ظهر وبطن، فظاهره حکمة، وباطنه علم"، فمناط فهم الباطن هو العلم بما هو علم.

وبعد هذه المنهجیّة الصلبة تأتی الروایات والنقولات لتوضیح المعنى فی أجلى صوره، والتی تشکّل دلیلاً أو تأییداً على الخلاصة الفهمیّة، وهی فی الأعمّ الأغلب موافقة للعقل القطعیّ.

کما إنّ من موجبات منهجه أنّه یفرّق بین المفهوم والمصداق، وبالتالی، فهو لم یکنْ یخلط بین التفسیر والتطبیق، بخلاف التفسیر بالمأثور، والذی یظلّ خاضعاً لأزمة التفسیر والتطبیق المجتمعین، فلو وقف على روایة تبیّن أسباب نزول الآیة الکریمة، فإنّه مع الإشارة إلى حقیقة الجری، یرتفع إلى أعلى؛ لیفسّر الآیة الکریمة بمعناها الجامع ومفهومها الکلّیّ، وإلا بقینا أمام التطبیق دون التفسیر؛ وهو من المطبّات الکثیرة التی یقع فیها التفسیر بالمأثور، فتضیع الحکمة الإلهیّة من مناسبة النزول؛ لتصیر الواقعة هی الحاکمة على الفهم للنصّ القرآنیّ.

ویرى العلامة الطبطاطبائی (قده) أنّ تنزیل القرآن الکریم بنحو التجلّی لا التجافی، ولذا نجده قد شخّص معارفه الطولیّة، وجعل کلّاً منها فی رتبته الخاصّة، ولم یرَ أیّاً منها مانعاً من الحمل على الظاهر وحجّیّته واعتباره. وکان یعطی الأصالة فی التفسیر للظاهر، ولا یعتبر الباطن أصلاً فی تفسیر الآیة المفهومیّ؛ بل کان یدخل الباطن عن طریق حفظ ظاهرها وحجّیّته، ویسلک من ذلک الباطن إلى باطن آخر.

وأمّا فی ما یخصّ التأویل، وکیف یعتمده السید الطباطبائی (قده)؛ فهو رهین بالفهم الطولی للآیة الکریمة؛ محافظاً على ظهورها، من دون أن یتمّ تجاوزها إلى النقیض، فعملیّة التأویل عنده تعمیق نظر وإبصار فی الحکم العمیق لها[22].    

وقد ألمح الأستاذ حیدر حبّ الله إلى هذه النکتة؛ عندما أشار إلى أنّ "العلامة لم یحضر النصّ فی بحثه التفسیریّ؛ بل تعامل بروح أکادیمیّة صرفة مع تفسیر النصّ، مخضعاً عمله لقواعد التفسیر نفسها، وعندما کان یأتی للبحث الروائیّ الذی کان یعقده فی أواخر کلّ فصل تفسیریّ کان یکتفی بمجرّد عرض النصوص، من دون أن یوحی لنا بأنّه یرکّز نظره علیها کثیراً، ما لم تکن القضیة من حیث أساسها روائیّة. وانطلاقاً من ذلک لم یکن الطباطبائی (قده) لیخشى النصّ الروائیّ؛ بل کان یتعامل معه بروح فوقیّة -بالمعنى غیر السلبیّ للکلمة-، أی إنّه کان یرى هذا النصّ فی درجة تالیة منهجیّاً لما کان قد فرغ منه فی تفسیر الآیات سلفاً، ولهذا لم یکن لیتحفّظ عن الإسراع فی استبعاد نصّ روائیّ أحیاناً، أو تجاهل آخر أحیاناً أخرى؛ مبرّراً ذلک بأنّه لا یتوافق مع ما تقدّم فی تفسیر الآیة، ولم یکنْ لینظر إلى سند النصوص وتقییم تعارضها وغیر ذلک، والشاهد الأهمّ هو فصل النصّ الروائیّ التفسیریّ عن القسم التفسیریّ نفسه، وهذا یدلّل منهجیّاً على تأخّر رتبیّ للنصّ الروائیّ، وإلا لکان من الضروریّ استحضاره لدى تفسیر النصّ نفسه"[23].

غیر أنّ لدینا بعض الملاحظات بخصوص هذا التصریح؛ وهو أنّ الإشارة إلى النصّ الروائیّ بعد تفسیر الآیة الکریمة لم یکنْ من باب التوالی الرتبیّ، بقدر ما کان یکشف عن رکون العلامة إلى حاکمیّة ظاهر الآیة الکریمة، والتی لا یرى معها ضرورة للتوضیح الروائیّ؛ لأنّ إعمال النصّ الروائیّ، وخصوصاً فی ما یخصّ أسباب النزول، وجعلها رأس الفهم للآیة الکریمة، کان ممّا یعتبره العلاّمة تطبیقاً ولیس تفسیراً، وطبعاً، فإنّ اعتماداً کهذا ینسف أصل مشروع التفسیر الذی ارتضاه العلاّمة، غیر أنّه وفی جمیع الأحوال یترک لنفسه وللقارئ الکریم فرصة إجراء قراءة تطبیقیّة للآیة الکریمة؛ وذلک بمنحه الأدلّة النقلیّة التی یمکن أن یستعین بها لیطبّق الآیة الکریمة على الواقع، والتی تظلّ فی جمیع الأحوال خارج مهمّة التفسیر التی أوضحها العلاّمة فی مقدّمة کتابه. 

کما إنّ الدافع الثانی والأساس إنّما هو أنّ الأدلّة النقلیّة -على أهمّیّتها- تظلّ فی العموم ظنّیّة الورود تحمل نسبة من عدم صدورها عن المعصوم (ع)، وهذه النسبة قد تکبر وقد تتضاءل، فلم یکن لیعوّل علیها فی مقام تفسیر القرآن الکریم، مصداقاً للقاعدة الکبرویّة التی أوضحها العلامة؛ وهی أصالة البیان فی القرآن، وحاکمیّته على النصّ الروائیّ؛ ما یجعل من ظواهر القرآن مقوّمة للنصّ الروائیّ، وبالتالی لا یمکن أن تکون کاشفة للمعنى بالأولى؛ إلا من جهة التعضید، لا من جهة التأسیس للفهم.

فـ"للعلامة الطباطبائیّ فی خصوص ظواهر القرآن الکریم رأی خاصّ، یقضی باعتبارها حجّة وکاشفةً عن الواقع، ما لم تقم قرینة قطعیّة على خلافها؛ کما هو الحال فی معالجته -مثلاً- لبدایة الخِلْقة الإنسانیّة وردّ نظریّة داروین؛ والسبب فی ذلک، أی امتیاز الظواهر القرآنیّة عن مدالیل الروایات، وحجّیّة هذه الظواهر حتّى فی المجال العقدیّ والتکوینیّ، یمکن أنْ یرجع إلى:

- أصالة النصّ القرآنیّ ومرجعیّته العامّة، حتّى فی تقویم الروایات وتمییز صحیحها من سقیمها.

- مبدأ الوضوح القرآنیّ، وأنّ هذا الکتاب فی نفسه بیان ومبیّن وواضح فی دلالته ومعانیه؛ أی مبدأ تفسیر القرآن بالقرآن.

- وجود احتمال النقل بالمعنى فی کثیر من الروایات أو أغلبها؛ ما یفسح المجال لاحتمال تسرّب وعی الناقل وثقافته ومحیطه الفکریّ وطاقاته الذهنیّة إلى داخل النصّ المنقول؛ بما یحدث فیه تصرّفاً فی الألفاظ والعبارات، على خلاف الحال فی النصّ القرآنیّ؛ إذ لا ریب فی أنّها الألفاظ عینها التی أعلمها المولى سبحانه لنبیّه الکریم.

- یقینیّة صدور النصّ الکتابیّ، فی مقابل ظنّیّة صدور الروایات؛ وهو ما یحتمل أنْ تکون له علاقة -أیضاً-"[24]

لکنّ الظهور المتحدَّث عنه عند العلامة الطباطبائی (قده) لا یشمل البعد اللغویّ الدلالیّ للکلمة فقط، بل البعد الملاکیّ الحکمیّ -أیضاً-؛ وهی جنبة معرفیّة تهتمّ کثیراً بمحاولة استیعاب الحکمة من النصّ القرآنیّ؛ بمعاینة قواعد التفسیر والتأویل، مرتبطاً بالاتّصال اللغویّ وأطرافه وشروطه وقواعده وآثاره والدلالات الاستعمالیّة، وجمیعها مرتبطة بالتضمینات النظریّة والمجال المعرفیّ الذی تتمّ فیه عملیّة التثویر والاکتناز، ودائماً وفق المعول اللغویّ؛ بتوسّع مجالیّ أکبر من المقام الدلالیّ الصرف؛ وهو ما أسماه الباحث مصطفوی "الأفهوم القرآنیّ"[25]. على أنّ ذلک کلّه یبقى فی إطار العنوان الکبرویّ المسمّى تفسیراً، مع ضرورة الإشارة إلى أهمّیّة العقل فی هذا المقام.

فـ"انطلاقاً من البرهانیّة التی أکسبته إیّاها الفلسفة، ولاسیّما المتعالیة؛ اعتبر السید الطباطبائی أنّ ثمّة خللاً منهجیّاً فی التعاطی مع النصوص العقلیّة، وهذا الخلل یکمن فی أنّ حجّیّة النصّ وقیمته متفرّعة عن العقل، وبالتالی لا معنى لأنْ تکون النصوص حاکمة على العقل ونشاطه، وقد اعتبر الطباطبائی أنّ تقیید البحث الکلامیّ بموافقة الشرع تسبّب فی منع البحث الحرّ وطریقة التفکیر الاستدلالیّ"[26]، بل إنّ نهجاً کهذا هو وقوع فی الدور؛ ذلک "أنّ العقیدة التی یُراد الاستدلال علیها لا تتبع فی ثبوتها الاستدلال؛ لأنّها شرط فی ممارسة الاستدلال وإسباغ الشرعیّة علیه؛ فهی إذاً ثابتة فی المرتبة الأولى، وإلا لما کان یصلح أنْ تکون قیداً لغیرها"[27]، فتنقلب الأمور، فیصیر "الاستدلال تابعاً للعقیدة فی صحّته"، والحال أنّ العکس هو الواجب.

وطبعاً، فالترکیز على البعد الأفهومیّ فی القرآن الکریم هو عین ما أشار إلیه العلامة السید محمد حسین الحسینی الطهرانیّ (قده) بالمعانی الکلّیّة للألفاظ، حیث صرّح "ومن خصائص هذا التفسیر -أیضاً-: رعایة المعانی الکلّیّة للألفاظ الموضوعة، لا خصوص المعانی الجزئیّة الطبیعیّة والمادّیّة المأنوسة لذهن الإنسان، وکذلک تحدید موارد الجری والانطباق، وفصلها عن متن المدلول المطابقیّ للآیات"[28].

وحتّى نستجمع الموضوع جیّداً لا بأس فی إظهار الخطوط العریضة لمنهجیّة التفسیر عند العلامة؛ ذلک أنّه یعمد فی إطار تفسیره للآیة إلى سوق کلّ ما یتّصل بها من آیات، مع بیان السورة والرقم لکلّ آیة، ثمّ یستخلص المعنى الظاهر الذی دلّ علیه مجموع الآیات، کما لو کانت فی سیاق واحد؛ لأنّ المفروض أنّ مصدر القرآن واحد، وأنّه یعتمد القرائن المنفصلة تماماً کالمتصلة، ثمّ یعزّز المعنى الظاهر، ویدعمه بمنطق العقل؛ إنْ کان من الموضوعات العقلیّة، وإلا أقام الدلیل على أنّه لا یتعارض مع العقل فی شیء، فإذا تمّ هذا انتقل بالمعنى القرآنیّ إلى حیاة المجتمع، وقارن بینه وبین عقائد الناس وأفعالهم وعاداتهم، على اختلاف أدیانهم ومذاهبهم، وأثبت أنّ مَنْ خالف القرآن فی شیء من ذلک فقد تنکّر لإنسانیّته، وتجافى عن الحیاة الکریمة التی تضمن له ولمجتمعه السعادة والهناء، ثمّ یلحق المؤلّف بکلّ فصل من فصول الکتاب باباً مستقلاً یُورِد فیه طرفاً من أحادیث الرسول وأهل بیته[29]، فالانتقال من الظهور العرفیّ الدلالیّ إلى الأفهوم القرآنیّ الکریم إنما هو من جهة الإحاطة بالمعارف الکلّیّة بشاهدیّة القرآن بعضه على بعضه الآخر، وهذا کان إیضاحاً لمنهجیّة التفسیر.   

وأمّا على مستوى التأویل؛ بما هو تعمیق نظر فی الحکمة الإلهیّة، یکون العلامة الطباطبائی (قده) ملزماً باعتماد النصّ الروائیّ إلى جانب المدرکات العقلیّة والإثباتات الشهودیّة؛ لأنّه یرى بأنّ بطون القرآن تساعد على تأیید ظواهره[30]؛ وبالتالی لا تناقض بین التفسیر والتأویل بقدر ما هو تعمیق للنظر، واستیعاب أقوى وأعمق للثمار المعرفیّة والمعنویّة الموجودة فی ثنایا الآیات الکریمة. ولعلّ هذا من مصادیق الرتبیّة؛ لأنّ العلاّمة لم یکنْ ینتقل إلى التأویل إلا بعد المرور من التفسیر، فلو تیسّر للأستاذ حیدر حب الله توضیح ذلک لما وجد نفسه ملزماً بإقحام جملة "بالمعنى غیر السلبیّ للکلمة" فی موطن بیان المنهج.   

وخلاصة الکلام أنّ فهم الکتاب لا یمکن أنْ یتحقّق إلا بإجراء تدبّر عقلیّ معتبر یهمّ مقام الظهور الأوّلیّ لکلام الله، وبعدها ننتقل إلى إجراء قراءة کلّیّة للقرآن الکریم من جهة أنّ بعضه ناطق ببعض، وأنّ بعضه شاهد على بعض، فبمنهجیّة کهذه یستمرّ الفتح المعرفیّ فی أقدس النصوص وأقواها وأهمّها؛ وهو نصّ الحیاة العبادیّة إلى آخر الزمان، ویظلّ الوحی عائشاً فینا ونحن عائشون به؛ ما یعیدنا إلى بحث أصل معنى اللغة الدینیّة، وسوف ننطلق من تصوّر سماحة الشیخ شفیق جرادی، على أنْ نبدی ملاحظاتنا بخصوصه، حیث نجده یحاول أنْ یحدّد معنى للّغة؛ مستعیناً بالجرجانی فی هذا المجال: "قال الجرجانی فی تعریف اللغة: ما یعبّر بها کلّ قوم عن أغراضهم"، وما یتفرّع منه أثناء النقاش إلى قول ولفظ وصواتة وغیرها من التجلّیات الواقعیّة للغة، خالصاً إلى أنّ:

- "اللغة، وإنْ اعتمدت على الحروف والتصوّتات لبناء الکلام، ولکنّ الکلام هو صورة تمیّز بین شکل فی تأدیة المقصد وشکل آخر، وهی أیّاً کان مصدر تولّدها، فإنّما تخضع فی نهایة المطاف لما یصطلح علیه الناس: جماعات تتواضع ابتداءً على هیئة لفظیّة معیّنة، ثمّ تأتمر لاحقاً بتلک الهیئة أو الصورة التی بنتها ووضعتها.

- اللغة تحاکی مستویات متعدّدة، فهی تضبط الصریح من القول ومحکمه... کما إنّها تتعالى لتنافس النفس فی تجرّدها[31].

- اللغة بما هی دلالة معنى لا حدّ لمداها ولا منتهى؛ بینما الکلام هو اللفظ المحکوم بالکثرة المحدودة..."[32].

وقد مرّ بمساءلة کثیر من التوجّهات الفلسفیّة؛ الجرمانیّة الظاهراتیّة بخصوص اللغة والکینونة والأسطورة، وانتهى إلى النتیجة الکبرى؛ وهی أنّ ثمّة لغة الدین، وثمّة لغة الظاهرة الدینیّة، مع التمییز بینهما بمجموعة من المعاییر:

- "تتعلّق لغة الدین بالکلام الصادر عن الله سبحانه أو المنسوب إلى الله سبحانه بشکل مباشر... أمّا لغة الظاهرة الدینیّة، فإنّ الله سبحانه یصیر فصلاً من فصول الدین، ویکون "الله" موضوعاً لمحمولات تتعلّق تارةً بوجوده، وأخرى بصفاته، وثالثة بأفعاله ومقاصده.

- یمثّل الوحی فی لغة الدین موضوع الاهتمام الأساس؛ إذ یبحث عن کیفیّة تکلّم الله مع الناس، فی الوقت الذی تهتمّ لغة الظاهرة الدینیّة بالبحث عن تاریخیّة لغة الدین بوصفه ناتجاً ثقافیّاً... کما تبحث فی طریقة التداول الذی تتعاطى به الجماعة مع نظام الکلمة؛ سواء فی أعرافها العقدیّة أم السلوکیّة والطقوسیّة...

- تمثّل لغة الظاهرة الدینیّة تعبیر التجربة الدینیّة للفرد، أو الجماعة باتّساقاتها المنطقیّة الشکلیّة، أو المضمونیّة الخاصّة بالقضیة نفسها، وکونها تنطوی على سمات بشریّة وثقافیّة بحتة یشتغل عقل المنتمی على بلورتها بحسب قدراته التعبیریّة والثقافیّة الخاصّة... کما إنّها تمثّل ملامح نظام الفرق والطوائف بحسب خصوصیّاتها التفسیریّة والإخباریّة...

- تنحکم لغة الظاهرة الدینیّة إلى صیغ التصوّرات الذهنیّة المولّدة للّغة الحاکیّة عن الدین... ولذلک، فإنّها تبقى لغة تعبّر عن طبیعة فهمها للموضوع، دون أنْ تمتلک القدرة أو الحقّ فی التعبیر عن ذات الموضوع... وإنْ کانت بحسب الواقع لغة طموحة فی نیل الحقیقة والذات ودرکهما..."[33]، حیث جعل من هذه الأسس الطرق المؤدّیة إلى تعدّدیة فهم الکتب السماویة؛ وهی نتیجة ذات أصالة واقعیّة مشهودة.

ونحن سوف نعمل على مناقشة هذه الأسس، قبل أنْ ننتقل إلى البحث فی موضوع الوحی.

ومن الواضح أنّ المؤلّف یحاول أنْ یشرعن لحرکة فکریّة بدأت تتسارع بوتیرة کبیرة فی هذه الأیام، وهی تؤمن بنسبیّة فهم النصّ الدینیّ، جاعلاً نسبیّة الفهم متعلّقة بلغة الظاهرة الدینیّة، لا بلغة الدین بما هو کلام الله سبحانه وتعالى. لکنّ مشروعیّة دفاع کهذا لا یمکن أنْ تبرّر عملیّة الفصل التشریحیّ داخل النصّ الدینیّ بین لغة الدین ولغة الظاهرة الدینیّة، فالقرآن الکریم -مثلاً- هو کلام ربّانیّ صرف (لغة دین)، لکنّنا من زاویة اهتمامنا باستیعاب معانیه، وکیفیّة الوصول إلى ذلک تجعله (لغة الظاهرة الدینیّة). إنّ صراحة هذه الخلاصة تحتاج إلى کثیر من المجهود لتترسّخ فی الأذهان.

إنّ اللغة معطى معنویّ صرف، کما سبق ونوّه إلى ذلک المؤلّف، لکنّ عملیّة الفهم تحتاج إلى مقدّمات؛ کلامیّة، وصواتیّة، ودلالة استعمالیّة (التواضع الجمعیّ) وهذه آلیّات للفهم. وقد تنجح هذه الأدوات فی الفهم الجیّد، وقد توصل إلى الفهم الأتمّ، وقد تؤدّی إلى الفهم الخطإ (سوء الفهم)، ولا یمکن للآلیّات المشرحیّة أن تعطی للجثمان اللغویّ هویّة أخرى؛ بمعنى أنّ لغة الدین تظلّ واقعة تحت مطرقة الفهم وفق الآلیّات والأدوات البشریّة المتسالم علیها، والتعامل مع لغة الدین وفق هذه المنهجیّة لا یعنی استباحتها حتى نبحث لها عن قدسیّة أعلى. صحیح أنّ ما یحاول المؤلّف الخلوص إلیه هو إضفاء المشروعیّة على عملیّة الاجتهاد فی الفهم دون أن یعانی المجتهد من الهجمات الشرعیّة الشرسة، إلا أنّنا نعتقد بأنّ منح هویّتین للجسم اللغویّ نفسه: لغة دین، ولغة ظاهرة دینیّة، لن یحلّ الإشکالیّة بقدر ما یجعل من لغة الدین نفسها غیر ذات وجود فعلیّ، فتصیر عارضة على الأصل اللغویّ الأکبر؛ وهو لغة الظاهرة الدینیّة.

وهذا ما سوف نعاینه فی بحثه عن الوحی والکلمة، حیث نجد سماحة الشیخ لم یفصّل بین الاتّجاهات الثلاث الرائیة للوحی؛ فالاتّجاه الأوّل یرى فی الوحی سعیاً إلى التماثل بین الإنسان وبین سمات المتعالی، والثانی یرى فی الوحی بثّاً حیویّاً هادیاً لکلّ مواضع السکون والقلق، والثالث یرى تکییف الوحی مع کلّ واقع مستجدّ تملیه الظروف وسلطات الأمر الواقع وإملاءاته الکونیّة العالمیّة[34]؛ بل یرى مشروعیّتها متحقّقة فی عین ذاتها، ما دام الوحی بکلماته (لغة الظاهرة الدینیّة) "باباً مشرَّعاً أمام محاولات بحثیّة ومنهجیّة لتشکیل المرتکزات والمبانی المفیدة والمستفیدة، والتی تتجاوز المشکلات القائمة عند ما هو قائم، بدون أیّ تجاوز سلبیّ ومواقف مسبقة"[35].

فالسلبیّة فی التعامل مع النتاجات، بخصوص أصل الوحی، وبجمیع أنواعها، هو ما سوف یهدّد الوحی، بما هو "لغة دینیّة"، لصالح الوحی/ الکلمة، بما هو "لغة ظاهرة دینیّة".

2. الجری العملیّ العولمیّ أو الهرمنیوطیقا الأوسطیّة:

إنّ وجود مفسِّر کامل بامتیاز (وهی إحدى مصادیق العصمة)، واعتماده سقفاً فی التعامل مع الخطاب؛ ربّما سیشکِّل ضمانة من حالة التسیّب التی یمکن أنْ یقع فیها الهرمنیوطیقیّون؛ یقیناً مع إیمانهم بنسبیّة جمیع التفاسیر. والأمر نفسه ینجرّ إلى بؤرة المعنى مناط التأویل، حیث یجب أنْ نتّبع مصداق الخطاب، ونعتبره العمدة؛ وبالتالی نغوص فی الخطاب على مستوى المدارک المعرفیّة الأوّلیّة، والتی یجب تنقیحها بأدوات علمیّة معاصرة، ونبحث فیها عن الحقّانیّة من عدمها، دون الأخذ بالمدارک المعرفیّة الثانویّة؛ کما هو واقع الحال، أو بالأحرى دون الخلط فی ما بینهما؛ کما هو عند الهرمنیوطیقیّین، وذلک حتّى نتجاوز السقطات المعرفیّة التی سبق تسجیلها. وأمّا فی ما یخصّ السقطة الثالثة؛ والتی تدّعی فهمها للنصّ أکثر من مؤلّفه، فلیس لدینا حلّ بخصوصها، إلا من حیث تعقّب مراد المؤلّف فی مجموع الجسم الخطابیّ، دون أنْ نستطیع الجزم بمراده ما لم یکنْ شارح النصّ معصوماً، فمن هذه الجهة یمکن لنا الجزم بمراد صاحب النصّ ما دامت تقریرات المعصوم حجّة، فصحیح أنّ یقینیّة کهذه متحقّقة على أساس الإیمان والاعتقاد بعصمة المفسّر، ولا مصداق خارجیّ لها، ولکنّ الیقین الوجدانیّ کافٍ للوصول إلى الخلاصات المتغیّى تحصیلها؛ لأنّ الیقین -حتّى الوجدانیّ- یظلّ مغیّباً فی إطار فلسفة الهرمنیوطیقا.

إنّ مباحث الدلیل اللفظیّ، کما هو مطروح عند العلامة الشهید محمد باقر الصدر (قده)، شاملة لخصوص الدلالة التصوّریّة والدلالة التصدیقیّة الاستعمالیّة والدلالة التصدیقیّة الجدّیّة المهیمنة على غیرها من الدلالات؛ لأنّها تفید القطعیّة، وقد تصبّ فی الخانة نفسها، وإنْ باختلافات یسیرة تهمّ حجّیّة الظهور، الشیء الذی یرفضه الهرمنیوطیقیّون من الأساس؛ لأنّ الفهم الأوّلیّ اعتباطیّ خالٍ من القبلیّات المعرفیّة المرجـوّة (لأنّ القبلیّة المعتمدة فی الظهور هو العرف)، ولذلک لا ینزعون عن هذا الفهم أیّ حجّیّة ما لم یعتبروا المدرک العرفیّ قبلیّة من القبلیّات. وهذا متعسّر التصدیق؛ لأنّ القبلیّات التی یرکّزون علیها هی تلک الناتجة عن المخاضات الفکریّة والذهنیّة الواصلة حدّ العالمیّة، فَهُم -على سبیل المثال- یصرّحون بأنّ عبارة "السماء تمطر" قد تحمل معانٍ کثیرة بخلاف ظاهرها، وهذا عین الظهور العرفیّ المنقوض من قِبَلهم. ولکنّ مجمل هذه المقدّمات التصوّریة فی التأویلیّة الإسلامیّة تظلّ سلیمة فی مقام التفسیر (الفهم السطحیّ)، ولکنّها لا یمکن أنْ تُعدّ فهماً بالمعنى الدقیق للکلمة؛ إذ حتى تفسیر المعصوم (ع) یحتاج إلى آلیّة استیعاب، وإلا سقطنا فی تسلسل لا خروج منه، ولذلک یکون من الضروری تأکید البحث والتنقیب من جدید من أجل الوصول إلى المعنى المراد، وهنا یأتی دور ما نقترحه تحت مسمّى الهرمنیوطیقا الأوسطیّة. 

وما نقصده بالهرمنیوطیقا الأوسطیّة هو أکثر من التأویل الذی کان عند طائفة من القرّاء؛ إذ المدرسة "تقوم على نوع من التفکیک المضمر لبنیة النصّ، ثمّ إیجاد النظیر أو المرادف للفظ محلّ (الشبهة)، ونقله إلى سیاق آخر، حیث یستطیع اکتساب معنى آخر، ویعود إلى موضعه مجدّداً فی صورة استبدالیّة. ولا تکفی آلیّة المماثلة أنْ تتأطّر فی المجال الواحد؛ بل قد تخرج لتستدمج مختلف السیاقات -القرآن، الحدیث، أمثال العرب-؛ بل إنّ العملیّة التمثیلیّة هذه تتجاوز عالم النصوص والکلمات لتقـع على عالـم الأشیاء"[36]؛ بمعنى أنّ الواقع یکون حاکیاً عن الخطاب/النصّ، والعکس صحیح؛ ما یجعل هذا التأویل یتّفق مع البعد الاشتقاقیّ للکلمة؛ أی ردّ الأشیاء إلى أصولها.

فالتأویل، کما هو عند أنصاره، یلعب دور "مفجّر دائم لمکامن النصوص. فتثویر القرآن فی ضوء ما سلف، یجعل القرآن یعاصر کلّ الموضوعات المتجدّدة، ویکشف عن أحکامه المختلفة بعدد الإحالات الاستبدالیّة، التی لا تحصى"[37]؛ لأنّه خطاب بالضرورة منفتح على أکثر من حقبة زمانیّة، ومن جغرافیّة معرفیّة قائمة باستحکام داخلیّ؛ بردّ المتشابه إلى المحکم؛ ذلک أنّه ما دام "کلّ معنى جدید یکشفه التأویل، یکون بمنزلة إحکام لمتشابه، فإنّه یأخذ موقع الحکم النسبیّ للموضوعات المتجدّدة، وهذا یعنی أنّ الارتباط بالمورد الأوّل أمرٌ مرفوضٌ قطعاً؛ لأنّ ثمّة أکثر من نزول للنصّ. وکلّ وجه یکشف عنه التأویل"[38]، فمن الواضح أنّ التأویل یضمن حیوات کثیرة للنصّ، ویجعله معاصراً بامتیاز. والحقیقة أنّ النصّ القرآنیّ، بوصفه أکمل النصوص، یحمل فی طیّاته هذه الحیوات الکثیرة، وینتظر من یستثمره بشکل فعلیّ، "فتحمیل النصوص بعضاً من المعانی المحدّدة هو من باب التعاصر الذی تفرضه دینامیکیّة النصّ، التی هی دینامیکیّة متّصلة بحرکة الواقع ومتغیّرات الظروف"[39]. فالنصّ -والحال کذلک- یتحرّک داخل دوالیب التاریخ، ویخضع فهمه لقهریّات الزمان والمکان؛ ما یجعله نصّاً مساوقاً لحرکة المجتمع، لکنْ لا ینبغی أنْ یُفهَم من ذلک معنى التطاول والتسیّب؛ لأنّ الفهم التاریخیّ للنصّ راجعٌ ضرورة إلى رؤیة المؤلّف له، فإمّا أنّ النصّ کاشف بنفسه عن معناه قطعیّ الدلالة، وإمّا أنّه متدثّر بالظاهر، والحال أنّ المراد هو الباطن؛ ما یضع القارئ أمام ضرورة الرجوع إلى تفاسیر المعصومین (عله)؛ کشفاً للباطن أو لبواطن النصّ، وإلا اجتهد اجتهاداً من أجل استبطان النصّ واستنطاقه مستحکماً بقواطعه من محکمات؛ لکنْ -وفی أیّ حال من الأحوال- لیس له أنْ یقف عند الظاهر؛ لأنّ ذلک مخالف قطعاً لمراد مؤلّف النصّ.

وخلاصة القول أنّ البحث عن بؤرة معنى النصّ غیر متیسّر ما لم یکشف النصّ عن ذلک؛ ما یجعل عملیّة البحث عن البؤرة من دون کشف کلّیّ من النصّ ذاته، سواء بظهور معنى محکمه أم بردّ متشابهه إلى المحکم، وفق نسق تداولی أو إضاءة من مفسّر ممتاز (معصوم)، یصبح تجنّیاً على النصّ لا أقلّ ولا أکثر.

وعلیه؛ تصبح الهرمنیوطیقا الأوسطیّة التی نبحث عن تفعیلها فی هذا المقام هی الیقین بحاکمیّة صاحب النصّ على النصّ، وأنّ التفسیر لا یتمّ إلا من داخله بمصداق ظهوره الأوّلیّ، وتحقّق معناه من خلال الباطن؛ بعرض بعضه على بعضه الآخر، وبردّ متشابهه إلى محکمه؛ أی بتعقّب الدینامیّة الداخلیّة للنصّ، بوصفه وسیطاً فهمیّاً، منتجین نصّاً آیویّاً وفقاً للتخریج "الهانائی"، کما إنّ أیّ تفسیر متقیّد بهذه الضوابط یظلّ تفسیراً مشروعاً ما لم نقف على تفسیر ممتاز مؤسَّس على المعصومیّة؛ فعندها نقف أمام هذا التفسیر من جهة تحقّق المعنى فی أجلى صوره، أو أمام مقتضى عقلیّ کاسر لظهوریّة هذا النصّ، وطبعاً المقتضیات العقلیّة المتحدّث عنها لا بدّ من أنْ تکون متحقّقة من خلال إعمال العلوم الإنسانیّة والفلسفیّة والکلامیّة.

فمجموع دینامیّات النصّ -وحتّى التفسیر المعصومیّ- یظلّ لاعباً لدور وسائطیّ، ولیس هو منتهى الفهم المبحوث عنه، زهز ما یساعدنا على تعقّب الدینامیّة الداخلیّة للنصّ؛ بتعقّب مدارکه الحیویّة، وبعدها ننتقل إلى مبنى (التَمَعْیُر) لنخلص إلى المعنى الحقیقیّ.

وحتّى لا یتبادر إلى ذهن القارئ أنّ تصوّرنا ما هو إلا عملیّة نسخ للتصوّر المدرسیّ السائد، فإنّنا نحاول أنْ نبدی وجهة نظرنا التی تظلّ تفصیلیّة -تهمّ الجنبة الوسائطیّة- حاکمة على صغریّات التصوّر لا کبریاته؛ ذلک أنّ حاکمیّة صاحب النصّ، وإنْ شکّلت مبدأً، ولکنّها على المستوى التطبیقیّ الخارجیّ تضمحل لتصل إلى مقام الفهم الإنسانیّ؛ لأنّ التصوّر البشریّ مهما انضبط لا یمکن أنْ یحقّق الحاکمیّة فعلاً ما دام أنّه سوف یسقط فهمه على مراد صاحب النصّ، وهذا متحقّق خارجاً ولا یمکن نکرانه.

فأمام تعدّد الأفهام، التی تدّعی الإجماع على أنّها وفق مراد صاحب النصّ؛ وهو الشارع الحکیم، والتی تکون فی حالات کثیرة واصلة إلى حدّ التناقض والتضادّ، فهل هی حقّاً منضبطة لحاکمیّة صاحب النصّ أم إنّها أفهام بشریّة تبحث لها عن أیدیولوجیّة المطابقة لإسکات المعارض وجلب الأتباع؟

ولذا، یجب أنْ نکون مرنین فی هذا الخصوص، ونستوعب نسبیّة نسبة الحاکمیّة إلى الشارع الحکیم؛ لأنّها -وإنْ شکّلت أصلاً اعتقادیّاً لا یمکن دحضه- فإنّها، على الأقلّ وفق الفهم، تظلّ نسبیّة تدور بین الظاهر والواقع.

ولهذا نقف کثیراً على الخلط بخصوص النصّ الدینیّ، الذی قد نسلّم بقطعیّة صدوره، ولکنّه على مستوى الفهم یتکاثر إلى أفهام کثیرة تختلف وفق مسبقات المفسّر نفسه.

فالقرآن الکریم، الذی لا یمکن لأحد أن یشکل بخصوص حاکمیّة صاحب النصّ المقدّس علیه وعلى غیره من النصوص المقدّسة، یظلّ موضوع أفهام کثیرة تنطلق من الظاهر على أساس أنّه هو المحکّ الفهمیّ، ولکنّ الاختلاف یهمّ التعمیق من التسطیح، والتوسیع من التضییق إلى غیرها من مدیات النصّ، لنقل بأنّ الروایة -قطعیّة الصدور- تفسّره، فهل فهمنا لمضمون الروایة یظلّ واحداً أوحداً أم إنّه یختلف وفق المصادیق المعرفیّة المختلفة التی یرجع إلیها المفسّر عن وعی أو بدونه؟ والضائقة المعرفیّة تتّسع أکثر لتهمّ السند العقلیّ فی الفهم، فهل ما نراه نصّاً غامضاً یحتاج إلى مستقلّ عقلیّ یفسّره، یراه غیرنا کذلک؟ من المؤکّد أنّه لیس کذلک؛ ما یجعل حتّى عملیّة التفسیر العقلیّة تظلّ تراوح مکانها باحثة عن دعامة معرفیّة وعقلیّة؛ هی نفسها.

إنّ ما نحاول التقعید له هو أنّ الهرمنیوطیقا الأوسطیّة تحاول على الأقوى تخطّی الروایات والمستقّلات العقلیّة؛ لتعتمد على الدعامة المعرفیّة الجوّانیّة فی الذات العارفة، وتخطّیها هذا لا یعنی تهمیش هذه الوسائطیّات بقدر ما تعنی التعامل معها؛ بوصفها وسائطیّات لا نهایات، وهذا التجاوز یتأسّس على مقدّمة استیعاب دینامیّة النصّ (مرحلة التفسیر إنْ رأساً أم بتوسّط)، وتحقیق الانعکاسیّة الکاملة والمطلقة بین الدینامیّة والمستقبل الذاتیّ المعرفیّ المتجوهر.

فما فهم النصّ القرآنیّ، ولا فهم الروایة، ولا إعمال المستقلّ العقلیّ؛ إلا تفعیل للذات العارفة المفکّرة التی توازن بین الاستدلالات لتعمل الأولى فالأولى، وطبعاً، یتمّ العرض على البعد الفطریّ الذی یتعیّن تنقیته حتّى یصیر مرآة عاکسة بالمطلق للحقائق الخارجیّة.

وهذا المنظور هو المعوّل علیه فی فهم الروایة القائلة "من عرف نفسه عرف ربّه"[40]؛ بمعنى أنّ استدخال المعارف فی الذات العارفة وتنقیتها من الداخل یجعلها عاکسة للحقائق الخارجیّة، التی ما هی إلا تجلّیات إلهیّة، فتقترب معرفة الذات الربّانیّة نحو الکمال والمطابقة، بخلاف انعدام الانعکاس الإیجابیّ. فالروایات المفسِّرة والمستقلات العقلیّة تحتاج بدورها إلى حفر معرفیّ ینظّفها ویضعها فی مکانها المناسب من عملیّة الفهم، التی تظلّ فی جمیع الأحوال ثانویّة أمام الذات العارفة، بخلاف ما ینظر إلیها.

بل حتّى ما یسمّى بالظهور العرفیّ یظلّ غیر مساوق للحقیقة دائماً، وإلا لسقطت الاستدلالات الروائیّة الشرعیّة أو العقلیّة، فی مقام الإبانة عن المعنى. فالظهور العرفیّ هو فی أحسن الأحوال التسالم على المعنى المتبادر من عبارة معیّنة، وهذا التسالم لا یمکن أنْ یشکِّل مصداقاً مطابقاً للواقع الخارجیّ؛ لاختلاف الألسن بین القبائل أو بالأحرى بین البلدان الناطقة باللغة العربیّة.

فما یکون الظهور العرفیّ فی واقع الحال إلا استدخالاً بدویّاً للمسبق المعرفیّ لدى الذات العارفة، التی سرعان ما تنقضه أو تؤکّده من خلال أوّلیّات معرفیّة مُستَجمَعة لدیها.

فالدائرة الهرمنیوطیقیّة الأوسطیّة تقوم على أساس أنّ الذات العارفة بمسبقاتها الوجودیّة العمیقة تکون هی المبتدأ وهی المنتهى. مسبقات معرفیّة وجودیّة تتعامل مع الظهور المعنویّ البدویّ، ثمّ تنقّحه داخلیّاً لتجد لها مستندات معرفیّة ثانویّة؛ إنْ روائیّة وإن عقلیّة؛ حتّى لتذهب بالمعنى بعیداً عن المتبادر، والتی تستوطن الأداة المعرفیّة الوجودیّة للذات العارفة. وهذه المستندات لا تکون لها قوّة صارفة عن الظاهر إلا بما تسمح لها به المسبقات المعرفیّة الوجودیّة للذات العارفة.

فالدوران عِلِّیّ، والبرهان إنّیّ بین الذات والواقع فی مقام الفهم. لکنّ عملیّة التأسیس على المبانی المعرفیّة الذاتیّة الوجودیّة تستلزم عملیّة مراجعة کاملة للخریطة المعرفیّة المتعلّقة بالإنسان، من حیث هو إنسان. ولذلک یکون الحفر لازماً -أیضاً- على مستوى العلوم الإنسانیّة؛ من أجل تصفیتها؛ لکی تصل مقام المطابقة مع الحقیقة الإنسانیّة.

والحقیقة أنّ منهاجاً کهذا هو منهاج عصمتیّ؛ لأنّ المعصوم (ع) وحده الذی یعتمد على ذاته العارفة بالله لتفسیر الفهم الأکمل للنصّ وتطبیقه، وعلى رأسه النصّ القرآنیّ، فالمداخل المعرفیّة الثانویّة -من ظهور عرفیّ، وروایات (وهو مصدرها)، ومستقلات عقلیّة- ما هی إلا مقامات نسبیّة للإفهام، لا تکون مطابقة حقیقة للمعنى، ویمکن الاستدلال بالروایات على هذه الحقیقة، فالإفهام یدور مع قدرة العقول المتلقیة؛ ما یجعل حتّى الروایات حاجباً عن استیعاب النصّ فی حقیقته.

ولذا؛ لا یکون مستغرباً لو علمنا بأنّ ثمّة موجودات ممکنة تحتکر الفهم الأمثل للقرآن الکریم، ولا یمکن أنْ یحیط به غیرها، فلا الدلائل المتعارف علیها تمکّن غیرها من الوصول إلى هذا المقام، ولا حتّى الموجودات الممکنة یمکنها أنْ تُطلِعه لمن لا یستطیع علیه خبراً. فدرجات الانکشاف تدور مع القدرة الذهنیّة ودرجة الحفر العقلیّ؛ ترتّباً وترتیباً، وما سوف نعمل علیه حالاً هو إثبات أنّ عملیّة کهذه ممکنة التحقّق، عملیّاً وعلمیّاً، لممکن الموجود، لکنّها لنْ تقارب حقیقة النصّ بقدر ما سوف تقترب منه إلى قاب قوسین أو أدنى.

وتظلّ هذه العملیّة ممکنة لو حاولنا الإمساک بالخطّ المعرفیّ الناظم للقراءة المحمّدیّة للنصوص؛ لأنّه خطّ یطابق الفطرة أیّما تطابق، بل هو عین دفائن العقول التی تحدّث عنها أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) عندما قال بأنّ الله أرسل الأنبیاء (عله): "لیثیروا لهم دفائن العقول"[41]، فحرکة الأنبیاء (عله) فی التاریخ المعیش هادف إلى تطهیر جوهر العقل من الرکامات النفسیّة والغریزیّة، وعندما یتحقّق هذا الهدف یصیر المبعوث له لسان حال النبوّة، لیس فی مصادیق الممارسة فقط، بل فی فهم الآیات -أیضاً-، وعلى رأسها الآیة القرآنیّة، وهذا الاستدلال سوف نعمّق بحثه فی الفقرة المعدَّة خصیصاً للمقام الإثباتیّ.

ویبقى السؤال فی الکیفیّة العملیّة فی إزاحة الدفائن من الترسّبات التی یعیش فیها الإنسان، هنا یجب أنْ نعلم یقیناً بأنّ الحفریّات التی یجب أنْ نقوم بها، یجب أنْ تکون مقطعیّة؛ للخلوص إلى جوهر النفس الإنسانیّة، والغریزة الإنسانیّة، والحرکة الإنسانیّة فی التاریخ، والمعراج الروحی عند الإنسان بما هو هو، وهی ورشة تظلّ کبیرةً جدّاً وهامّةً فی الآن نفسه؛ حتّى تتحقّق التوطئة للظهور البشریّ الأکمل؛ فهذه العملیّة على ضخامتها تظلّ فی رأس هرم الأهمّیّة للبشریة جمعاء، والتی سوف تؤدّی بالضرورة إلى الفهم الأجلى والمطابق للواقع الخارجیّ.

والتفصیلة الثالثة التی یجب تحقّقها فی مقام إقامة هذا الفهم الأکمل تظلّ متحقّقة فی الحواریّة الوجودیّة بین القارئ والنصّ المقدّس، لا لأنّه نصّ تاریخیّ -وهو غالباً ما نقع فیه عملیّاً، عن طریق الاهتمام بالمدلولات اللغویّة فی عصر النزول-، بل لأنّه نصّ ماهویّ وجودیّ مرهون بالوجود الإنسانیّ؛ ما یجعل مرامیه لازمانیّة فی قلب الزمن، وحتّى نجلی أیّ غموض یهمّ هذه العبارة، لا بأس فی إیراد مثال بسیط: عندما نقف أمام فهم المسلمین للسماء نراهم یحصرونها فی الموجود الأزرق الذی یرتفع فوق رأسنا؛ بوصفه سقفاً، لکنْ مع تقدّم العلوم الفلکیّة أیقنّا بأنّ السماء ما هی إلا موجود دنیویّ بالمقارنة مع باقی الأفلاک، فتوسّع فهمنا إلى سقف أعلى، لکنّ هذه الحرکة الزمنیّة فی الفهم لم تؤثّر فی النصّ القرآنیّ البتّة؛ الأفهام تتبدلّ، لکنّ أصل النصّ یظلّ ثابتاً، وثبوته مخالف لحتمیّة التبدلّ الزمانیّ. وعلیه؛ فاستمرار النصّ ومحوریّته تظلّ لا زمانیّة فی قلب الزمن بهذا المعنى.

والمقام الثانی هو المقام الوحیانیّ للنصّ القرآنیّ. وهذا المقام لا یمکن التعامل معه لغویّاً تعیّنیّاً بقدر ما یتیسّر التعامل معه تعیینیّاً؛ وذلک من خلال الترکیز على إزاحة الرکام، وتثبیت الدفائن فی عین العقل؛ لتصبح متجلّیة.

ولهذا، یتعیّن علینا إعادة النظر فی فهمنا للّغة الدینیّة، فهل هی ظاهرة ألسنیّة ذات مدلولات ارتکانیّة -أی محکومة بقوانین اللغة الدنیویّة- أم هی ظاهرة روحیّة تخاطب موجوداً تکوینیّاً فی الإنسان یعجز عن التعامل معها. فمثلاً: عندما یتحدّث المرء قائلاً "أنا احترمک"، سرعان ما نفهم من کلامه المعنى المتبادر، لکنْ لو کانت هذه العبارة مزامنة لحرکة استخفافیّة، فإنّ المعنى یتغیّر لینقلب عکسه؛ وهو ما اصطلح علیه الأصولیّون بالدلالة الاستعمالیّة.

والنصّ القرآنیّ یسری علیه الأمر نفسه من زاویتین؛ هما: الزاویة اللغویّة، حیث یظلّ خاضعاً لقوانین المعرفة البشریّة، لکنّه من الزاویة التکوینیّة الملازمة له یظلّ خاضعاً لتعالیم الروح، بوصفها هی الممیّز فی الوحی للبشر، وهو ما نوّه به أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) بعلم التأویل لمجمل القرآن، فالفهم الروحی هو المحکّ الأنفسیّ للعالم الدینیّ.

والقراءة اللغویّة تعبّدیّة صرفة، وأمّا القراءة الروحیّة فهی معراج صرف لله سبحانه وتعالى، وما أُریدَ من الخَلْق إلا العروج على الأقوى، فکیف یتحقّق الفهم الروحیّ للنصّ القرآنیّ؟

الحقیقة أنّ إعمال الأدوات الحفریّة یظلّ واجباً على هذا المستوى -أیضاً-، لکنّه على مستوى أعلى یکون بحثاً فی جوهر الروح، وتعاملاً مع أدوات الفهم الروحیّة لاستنطاق القرآن استنطاقا محمّدیّاً، والتحقّق من جوهر الروح یتشخّص بالأثر والمأثور فی الروح؛ لأنّها تکوینیّاً انطباعیّة مع ما یوافقها، بخلاف العقل الذی قد تحرمه الرکامات عن تبیان الحقیقة، الروح تکوینیّاً قادرة على التفاعل مع الأثر والمأثور؛ تفاعلاً مطابقیّاً بدون مدخلیّة للمادّیّات فی هذا التأثّر الذی یظلّ جدلیّاً.

والمشکلة کلّ المشکلة تتجلّى فی الفاعلیّة الخارجیّة؛ فالإنسان الذی یمنح عقله الأسبقیّة فی الاستیعاب، یجعل الروح فی الدرجة الثانیة؛ ما یصیّر مفهوماته قابلة للدوران بین الصحّة والخطإ، أمّا لو جعل الأولویّة للروح، فمن المؤکّد أنّ الانطباع سوف یکون مطابقاً، وستتحقّق الکاشفیّة لدفائن العقل، وهو عیب فی المدماکیّة لا فی التکوین.

فحرکة الأنبیاء (عله) فی التاریخ حرکة روحیّة فی طول المادّة، والإنسان المتکامل لا یکون کذلک إلا إذا کان روحیّاً فی طول المادّة، وفی حالةٍ ما إذا قلب المسألة تظلّ تشخیصاته -حتّى الإیمانیّة- تدور بین الصحّة والخطإ؛ لأنّ الفیصل المبین قد ظلّ مغیّباً فی مقام الحکم والإحکام؛ ألا وهو الروح.

والحرکة الحفریّة الأولى التی تظلّ واجبة الاتّباع؛ هی البحث فی جوهر الإنسان. وهذا الجوهر لا یمکن إلا أنْ یکون هو الروح؛ بوصفها المائز للإنسان عن غیره من الموجودات، وکلّ مائز یظلّ جوهراً بالقوّة، وعند تنزیل البحث درجة، فسوف یتمّ البحث فی جوهر الإنسان التکوینیّ؛ لنصل إلى مقام العقل؛ للبحث فی ماهیّة العقل بما هو موجود إنسانیّ، بعدها نتنزّل درجة للبحث فی جوهر تعامل الإنسان مع الموجود الخارجیّ؛ ما سیدفعنا إلى بحث مقام الأنفسیّة، بوصفها انعکاساً کسبیّاً یدور مع التجربة، سعة وضیقاً، على مستوى التأثّر، بعدها نستقرئ حرکة الجوهر الفاعل فی التاریخ؛ حتّى نخلص إلى حرکة نبویّة فی التاریخ الإنسانیّ؛ لتتشخّص لنا وقائعیّات الفهم العمیق لمجمل الخطاب.

أولیس الوجود بما هو موجود یسبّح بحمد الله ویشکر له؟ فإذا کان الإنسان أکمل الموجودات، أفلا یکون حریّاً به تشخیص مواطن التسبیح فی الموجودات الأدنى منه مقاماً؟ صحیح أنّ الإنسان بصفته المادّیّة لا یستوعب أحوالاً کهذه، لکنْ لو کانت الروح هی صاحبة القول الفصل لاستطاع تشخیص هذه الأمور؛ بل وأبعد منها، فیصیر بصره حدیداً فی الدنیا قبل الآخرة، مع التسلیم بأنّ الحدّة تظلّ مختلفة بین النشأتین، ولیست قصص الأنبیاء (عله) بغریبة عنّا فی مفروض السؤال.

بعد أنْ أوضحنا، وبإیجاز کبیر، تصوّرنا الهرمنیوطیقیّ، لا بأس فی إیضاح کیفیّة إجراء الحفر المقطعیّ، وإعادة البحث فی مجمل الموجود الإنسانیّ؛ مادّة، وروحاً.

وحقیقة الاستعانة بالنصوص القرآنیّة لتسهیل عملیّة الحفر تظلّ منتفیة بالتمام؛ لأنّها هی نفسها تحتاج إلى فهم أکمل؛ بناءً على الحفر الذی سوف نسعى إلى القیام به، ولو بإشارة؛ لأنّ المقام یحتاج إلى تعمیق نظر أکثر. فالمعطیات العلمیّة التی توصّلنا إلیها کشفت عن أنّ حرکة الإنسان فی التاریخ هی حرکة غریزیّة فی الغالب، ترتکز على أوهام العظمة، وهی من مکوّنات الغریزة الإنسانیّة الجمعیّة، طبعاً، نقصد بالغریزة الجمعیّة تلک الغریزة الترکیبیّة من مجموعة من الغرائز البشریّة. هذه الغریزة الجمعیّة الحاکمة على حرکة الإنسان؛ بما هو هو، تجعل الفاعلیّة للقوى الشهویّة والغضبیّة هی المتحکّمة فی الحرکة، ولکنّ الإنسان، وفی إطار عیشه المشترک، یحتاج إلى تغلیب غریزته على غریزة غیره، وهذا التغلیب یحتاج إلى إعمال المکر والحیلة والإسقاط والإسفاف بتحرّکات الآخر؛ ما یجعل بعض الموجودات الإنسانیّة ترتفع إلى القوّة الوهمیّة؛ وهی القوّة التخییلیّة الکفیلة بضمان إعمال الغریزة الإنّیّة بدلاً من الغریزة الغیریّة.

والأنبیاء سلام الله علیهم ما أُرسِلوا إلا لیثیروا دفائن العقول عند الإنسان؛ ما یجعلنا نخلص، ولو على عجالة، إلى أنّ الدفائن العقلیّة هی الرباط القویّ للعقل التخیّلیّ؛ بمعنى أنّ الغریزة المتشکّلة على مستوى القوّتین الشهویّة والغضبیّة تشکّل موجوداً تکوینیّاً معیباً فی العقل؛ لیضحی تخیّلیّاً واهماً مسقطاً روح العقل تحت طمر من الرکامات الدنیویّة: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِی هُوَ أَدْنَى بِالَّذِی هُوَ خَیْرٌ}[42]، فالمبادلة درجیّة على مستوى العقل، حیث تکون الفاعلیّة للخیال والأوهام بدل الوجود الکینونیّ المطمور.

وعلیه؛ تکون حرکة الأنبیاء (عله) کامنة فی إزالة الطمر عن الوجود الکینونیّ فی مقام العقل؛ لتصبح القوّة العاقلة هی المتحکّمة لا فی الوهم (مرتع الرذائل) فقط؛ بل فی القوى الشهویّة والغضبیّة -أیضاً-، فتجدّد لها المسلکیّة الوجودیّة الأصلیّة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ}[43]، وعندما یتحقّق هذا الحفر، بإظهار الحقائق فی أجلى صورها، نکون قد یسّرنا الطریق للحفر على مستوى الروح؛ وهو جهد أنفسیّ عظیم.

فالروح غیر متیسّرة الکشف إلا بناءً على قوّة عاقلة متحکّمة فی غیرها من القوى، وعندما نقول متحکّمة، فإنّنا بالضرورة نتحدّث عن صراع بین مجموع القوى، وعلى مدار الساعة، بعدها نعود إلى الحفر الغائیّ فی القوّة العاقلة؛ لأنّ الوجود الإنسانیّ وجود هدفیّ بالضرورة، وهذه الغائیّة هی التی تشکّل مسلکاً ملکیّاً للروح.

وعندما یتمّ قطع هذه المراحل لا على مستوى الفرد وحده (ولذلک فنحن نخالف التوجّه العرفانیّ)، بل على المستوى العامّ؛ تکون مفاهیمنا للنصّ القرآنیّ قد تغیّرت بالکامل، وانفتحت على مستوى الروح.

وخلاصة ما نودّ الوصول إلیه أنّ الفهم وجدانیّ بالضرورة، ولیس لغویّاً، بل الفهم اللغویّ على أهمّیّته ما هو إلا سطح للمعنى الحقیقیّ. وبالتالی؛ لا یکون هو "المعنى"، بل یکون إطلالة لـ"المعنى"؛ ولذلک نجده نسبیّاً فی الزمان والمکان، بخلاف الفهم الروحیّ الذی یظلّ کینونیّاً لا یتغیّر أبداً؛ لأنّه استحصل على جوهر الوجود الکینونیّ، وهذا أکمل الأفهام وأقواها؛ وهو الهدف مِنْ خلق البشر.

فالتکامل یظلّ واجباً على الوجود الإنسانیّ؛ بتحقیق ترابطه مع مجمل الموجودات الأخرى على المستوى الأفقیّ، وتحقیق ترابط مع عمقه الإنسانیّ على المستوى العمودیّ.

وحتّى یکون خطابنا منضبطاً مع تصوّر بول ریکور، یمکن لنا أن نقول إنّ البعد الوجودیّ الکینونیّ فی النصّ القرآنیّ هو الشیء عینه فی النصّ اللامحدود، والذی یجب أنْ نتعامل معه ونحقّقه فی ذواتنا قبل أنْ نطبّقه على واقعنا؛ لأنّ الفهم البعید عن التطبیق یظلّ رزوخنیّة (خطابیة) تتناقض مع فلسفة الوجود نفسه.

فالفهم تغلغل للمعنى فی جوهر الروح الإنسانیّة، وما سواه إلا درجات من التفسیر المساوق للحرکة التاریخیّة؛ ولذا لا یکون مستغرباً أنْ نقف على تضارب فی التفسیر إلى حدّ التصادم؛ لأنّ المدماک التفسیریّ مدماک تاریخیّ معرفیّ سرعان ما یتبدّل بتبدّل صوامیل إعمال التفسیر.

وهنا بالضبط یکون نقضنا لتصوّر الهرمنیوطیقا الغربیّة مؤسَّساً؛ لأنّها، وفی مقام البحث عن الفهم، تکون فی الحقیقة واقعة تحت وهج التفسیر لا غیر، فالبعد التاریخیّ فی التعامل مع النصّ ما هو إلا عملیّة تفسیریّة صرفة ترید عمقاً أکثر، لکنّها مهما سمت ومهما سعت لنْ تصل إلى تکوین الفهم؛ لأنّ هذا الأخیر معیاریّ لا یداخله الزمن، ولا یغیّر من معالمه المکان.

فإنْ کنّا نبحث عن فهم النصّ القرآنیّ، فلیس من مسلکیّة إلا تعمیق النظر فی الروح، وإلا ظللنا داخل سور التفسیر فی أجلى صوره، وربّما فی أکمل صوره، لا أقلّ ولا أکثر. وعندها یصیر تصوّرنا عولمیّاً یستدخل الجنبة الإنسانیّة، بما هی مشترک عالمیّ، مرتفع عن إکراهات المکان والزمان، ومتجاوز للمحلّی بأجلى صوره؛ فالتأویلیّة الأوسطیّة إحدى الآلیّات الضروریّة للتأسیس للکلّیّ، بعیداً عن الأزمات الجغرافیّة، وهی إحدى الآلیّات الحیویّة لدخول المنظومة الفکریّة الإسلامیّة إلى صرح العالمیّة؛ لتؤثّث المشهد العالمیّ باقتدار لا یخفى.

وحتّى یتیسّر دخول العقل الإسلامیّ التأویلیّ لحظة عالمیّة جدیدة، اللحظة العالمیّة التی أضحینا نعیشها، والمنبنیة على ثقافة السوق ودیموقراطیّة التفاوض التجاری، حیث منطق الربح والخسارة هو المتغلّب فی حاکمیّة التصوّر، لم یعد أمام العقل الاقتداریّ إلا أن یبنی منظومة فکریّة متأصّلة على النصّ المقدّس؛ لإعادة ترتیب لحظة عالمیّة جدیدة وتأثیثها.

فـ"اللحظة العالمیّة" عند الباحث زکی لعایدی، والذی حاول تقدیم دراسة استدلالیّة على أنّنا بتنا نعیش ثمّة لحظة موحّدة، تقوم على أساس دیموقراطیّة السوق، حیث یقول: "إنّ اللحظة العالمیّة لیست مجرّد إضفاء طابع الشرعیّة على إیدیولوجیّة السوق، وعلى ناتجها السیاسیّ؛ أی الدیموقراطیّة، وإنّما هی تأکید على الارتباط العضویّ بینهما، إلى درجة قیام علاقة دائریّة بین السوق والتنمیة والدیموقراطیّة"[44]. وقد عرّفها بـ"اللحظة التی تتشابک فیها الآثار الجیوسیاسیّة والثقافیّة لمرحلة ما بعد الحرب الباردة، مع تسارع وتیرة العولمة الاقتصادیّة، والاجتماعیّة، والثقافیّة، فاللحظة العالمیّة لیست هی مرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ لأنّ أوروبا على الخصوص من عاشت آثارها الجیوسیاسیّة، ولا مرحلة العولمة؛ لأنّها بدأت منذ زمن لیس بالقصیر، بل هی تقاطع لهاتین السیرورتین الکبریین"[45]. هذه اللحظة تحاول أنْ تحتوی الأحداث العالمیّة ضمن معانٍ قویّة، مستقرّة ومنسجمة[46]؛ بمعنى أنّها تتحوّل إلى جهاز معرفیّ کبیر خالق للمعنى الأساس العالمیّ، بتوسّط أفکار - قیم تستطیع أن تنظّم سیر العالم، والتی تتحرّک لزوماً مع مفردة "دیموقراطیّة السوق"، حیث أضحت آلیات السوق الحرّ متحکّمة فی السیر الاقتصادیّ العالمیّ، شمالاً وجنوباً، فضلاً عن تحطّم المبانی الإیدیولوجیّة التی یمکن أنْ تقف أمام هذا التمدّد.

هذا، واللحظة العالمیّة لا یمکن أنْ تقوم إلا باستجماع ثلاثة شروط رئیسة؛ هی: الحدث، وعدم الرجعیّة، والانسجام.

ففی ما یتعلّق بالحدث؛ بما هو مقطع زمنیّ یفصل بین الـ"ما قبل" و الـ"ما بعد"، یجب أنْ یکون حاملاً لقیمة، لا لتصنیف تأریخیّ محض؛ لأنّ الـ"ما بعد" لا یکون ذا أهمّیّة إنْ لم یکنْ مشمولاً بقیمة جدیدة تُضاف إلیه بعد دخول الحدث على خطّ البتر الزمنیّ[47].

وواقعاً فإنّ "الحدث" قد عرف حراکاً وتداخلاً وتهمیشاً وفق التحوّلات الفکریّة التأریخیّة التی عرفها الغرب، فمن مقام المحوریّة فی المدرسة المنهجیّة الأسطوغرافیّة، إلى الدور المتقلّص مع مدرسة الحولیّات، إلى مرحلة التجمّد الکلّیّ مع الجیل الثانی للمدرسة، إلى أنْ ظهر التوجّه النقدیّ الذی أعاد للحدث محوریّته فی العملیّة التأریخیّة، لکنْ مع فارق أساس هو أنّه قطع مع مجمل التصوّرات السابقة، إلى أنْ وصل به الأمر إلى أنْ "لا معنى للقول بأنّ المؤرِّخ یطمح إلى استعادة الأشیاء کما وقعت، کما إنّ هدفه لیس أبداً أنْ یجعلنا نعیش الحدث السابق من جدید، وإنّما أنْ یعید ترکیب هذا الحدث، ویعید إنشاءه من خلال نظام رجعیّ، فالموضوعیّة التأریخیّة تکمن بالضبط فی نبذ ادّعاء مطابقة الماضی الأصلیّ؛ إذ إنّ عمل المؤرّخ هو بناء نسق الواقع، انطلاقاً من فضاء المعقولیّة التأریخیّة؛ ومن ثمّ فإنّ هذا العمل یهدف -قبل کلّ شیء- إلى تربیة ذات المؤرّخ؛ إذ التأریخ یصنع المؤرّخ بالقدر الذی یصنع فیه المؤرّخ التأریخ؛ بمعنى أنّ مهنة المؤرّخ تصنع فی آنٍ واحد التأریخ والمؤرّخ"[48].

إذاً فقد استعاد الحدث مکانته فی الهندسة المعرفیّة العالمیّة، وبدأت على أساسه تجری المراجعات الفکریّة، ولیس ببعید عنّا أثر حدثین على الترسیمة الاستراتیجیّة العالمیّة: حدث سقوط جدار برلین، وحدث الحادی عشر من سبتمبر، اللذین أدّیا إلى إعادة تأصیل فکرٍ إمبراطوریّ ذاتیّ التکوّن؛ ابتدائی بعد انهیار الکتلة الشرقیّة، وتدخّلی إکراهیّ بعد أحداث نیویورک وواشنطن، وهو ما بدا على أنّه واقعة مادّیّة خارجیّة ذات أثر کبیر، تؤدّی إلى انقلابٍ فی التصوّرات وفی السیاسات، ووحدها الدولة المُتَمَعْیِرَة فی التفکیر تبقى خارج الأثر التأریخیّ للوجود الدولیّ؛ ما یجعلها قابلة للدهس فی أیّ لحظة من اللحظات.

ولذلک فقد أعاد التأریخ الحدثیّ رزمة من المتحوّلات الواقعیّة إلى داخل الفاعلیّة المعرفیّة التأریخیّة، ولم یعد محکوماً بسیف الأسطوغرافیا بقدر ما جعلها تفلسفاً إنسانیّاً جدیداً یعتمدها، بوصفها أوّلیّات استدلالیّة على الفکرة.

وطبعاً فإنّ قیام الحدث، بوصفه فیصلاً زمنیّاً عن الـ"ما قبل" والـ"ما بعد" حاملاً لقیمة جدیدة للسیرورة التأریخیّة، یستلزم انضمام شرط عدم الرجعیّة؛ لأنّ الواقع أنّ الأحداث التی لا تقطع مع الـ"ما قبل" قیمیّاً لا تکون حدثاً تأسیسیّاً بالمرّة؛ وإنّما متوالیات زمنیّة تعرف تسارعاً نوعیّاً إلى حین مجیء "الحدث"، ولو أنّه عملیّاً یصعب الارتهان لهذا المعامل؛ لأنّه على الرغم من وقوع الحدث التأسیسیّ یمکن للعقل السیاسیّ فی جغرافیّات معیّنة أن یناوره؛ لکی یؤبّد المرحلة السابقة، ویتجاوز ضرباته؛ فمثلاً: فی ما یتعلّق بالموجة الدیموقراطیّة العالمیّة، التی تتأصّل على شکلیّات انتخابیّة ومضمون فکریّ محدّد المعالم، ووجود مؤسّسات وبنى سیاسیّة خادمة لهذا المشروع الانتقالیّ، نجد بأنّ بعض الأنظمة التی حاولت تجاوز معضلات هذه الموجة، قد رکّزت على شکلانیّة الانتخابات؛ بما هی إجراءات سیاسیّة، من دون إقحام ثقافتها فی قلب البنى والمؤسّسات السیاسیّة المحلّیّة.

وأمّا الشرط الثالث والضروریّ؛ فهو الانسجام، فأیّ حدث تأریخیّ لا یمکن أنْ یکون له دور عملیّ فی السیر التأریخیّ إنْ لم یقدّم رؤیة منسجمة لکلّ الحراکات الکبرى، ولیس بالضرورة وقوع ثمّة توافق فی التفاصیل.

ولذلک؛ فإنّ اللحظة العالمیّة یمکن أنْ تتحوّل إلى بارادیم جدید، لا بمعنى أنّه جهاز مساعد على اکتشاف الواقع کما هو، بل -أیضاً- من جهة "طرحه طرقاً جدیدة للفعل والتفاعل"[49]، بما هی رؤیة منسجمة، والتی یراها الباحث لعایدی متقوّمة فی إیدیولوجیّة "دیموقراطیّة السوق"، من حیث تسارع وتیرة "الخَوصصة" فی العالم أجمع، وانفتاح العقلیّة الاقتصادیّة العالمیّة على مدامیک السوق، وتحویر کلّ ذلک إلى رؤیة سیاسیّة وجیوسیاسیّة ضمن أقنوم الدیموقراطیّة والتنمیة من داخل قوانین السوق؛ بمعنى أنّ "اللحظة العالمیّة" المتقوّمة على دیموقراطیّة السوق لم تعد فقط رؤیة کاشفة عن الحراک الدولیّ؛ بل آلیّة فعل وتفاعل داخل المشهد العالمیّ، ولکنّ الباحث لا یستبعد استمرار بعض اللحظات المحلّیّة والإقلیمیّة، بوصفها لحظات مقاومة لهذه اللحظة العالمیّة، أو فی أحسن الأحوال قارئة جدیدة لها[50].

وهنا تکمن أهمّیّة إعادة الانفتاح على النصّ المقدّس، بوصفه إطاراً تأسیسیّاً جدیداً لحرکة تأریخیّة متجدّدة بالضرورة، بشکل یضمن رسم معالم عولمة إسلامیّة قائمة، لا على الندّیّة وحسب؛ بل على الحاکمیّة المعرفیّة فی أشیاء العالم. وهو یصوّب فی الآن نفسه حرکة التأریخ التی تتولّد فی العالم أجمع تحت إسفین المصلحة والمنفعة، بتَمَعْیر مفاهیمیّ ومدماکیّ فی الآن نفسه. کما إنّه مشروع أساس لدخول العقل الإسلامیّ حریم الاقتدار العولمیّ، فالنصّ المقدّس ما أتى إلا "رحمة للعالمین"؛ جمیع العالمین.



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2]  ربطنا الحیویّ بالهوویّ حتّى نؤکّد على محوریّة ارتباطهما؛ لتتشکّل لدینا منصّة حضاریّة متکاملة، فالهوویّ؛ کما یؤکّد على ذلک الفیلسوف فتحی المسکینی: هو تلک الرزمة من الخصوصیّات التی تقف بوصفها منتوجاً معیاریّاً قد یکون ارتکاسیّاً، ولا یتواءم مع حرکة التأریخ مدخولاً بهاجس الحفاظ على المکتسبات، ولو کسراً للمنابع الحیویة للمجتمع، فی حین أنّ الحیوی هو الدینامیة التی تدفع بأمّة ما إلى التحرک قدماً لبناء اقتدارها على الأرض، وحیث إنّ الحیویّ لا یستقیم دون أرضیّة ارتکاز، فقد جعلنا أرضیّته هی الهویّة التکاملیّة. ولمزید من التوسّع، یمکن مراجعة کتابات هذا الفیلسوف، وخصوصاً کتاب: "الکوجیطو المجروح أسئلة الهویة فی الفلسفیة المعاصرة"، صادر عن منشورات ضفاف والاختلاف سنة 2013م؛ و"الهویة والحرّیّة نحو أنوار جدیدة"، صادر عن دار جداول سنة 2011م.  

[3]  الزین، محمد شوقی: تأویلات وتفکیکات.. فصول فی الفکر الغربی المعاصر، ط1، بیروت، منشورات ضفاف؛ وآخرون، 1436هـ.ق/ 2015م، ص75-76.

[4]  انظر: شبستری، محمد مجتهد: مدخل إلى علم الکلام الجدید، ط1، بیروت، دار الهادی، 2000م، ص134.

[5]  انظر: شبستری، مدخل إلى علم الکلام الجدید، م.س، ص102-104.

[6]  انظر: م.ن، ص135.

[7]  انظر: م.ن، ص135.

[8]  انظر: شبستری، محمد مجتهد: "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، ترجمة: حیدر نجف، ضمن سلسلة "علم الکلام الجدید وفلسفة الدین"، إعداد: عبد الجبار الرفاعی، ط1، بیروت، دار الهادی، 2002م، ص499.

 

[9]  انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص499.

[10]  انظر: م.ن، ص502.

[11]  انظر: م.ن، ص503.

 

[12]  انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص505.

[13]  انظر: م.ن، ص507.

[14]  انظر: م.ن، ص508.

 

[15]  انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص509.

[16]  انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص510.

 [17]  م.ن، ص513.

[18]  انظر: بهشتی، أحمد: الهیرمنیوطیقا.. المقتضیات والنتائج، ص564.

[19]  العیاشی، محمد بن مسعود: تفسیر العیاشی، تحقیق: هاشم الرسولی المحلاتی، لا ط، طهران، المکتبة العلمیة الإسلامیة، 1380هـ.ق، ج1، مقدّمة فی فضل القرآن، ح1، ص1-2.

[20]  الشریف الرضی، محمد: نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ج2، الخطبة، 133، ص17.

[21]  الطباطبائی، محمد حسین: المیزان فی تفسیر القرآن، لا ط، قم المقدّسة، لا ت، ج1، ص11-12.

 [22]  انظر: مجموعة من المؤلّفین: سیرة العلامة الطباطبائی، ط1، بیروت، دار الهادی، 2000م، ص43-63. 

[23]  حب الله، حیدر: "علم الکلام عند السید محمد حسین طباطبائی.. قراءة فی جدل العقل والنصّ"، مجلة الکلمة، تصدر عن منتدى الکلمة للدراسات والأبحاث، بیروت، العدد36، 2002م، ص52.

 

[24] رحیمیان، سعید: "المدرسة التفکیکیة والمدرسة الطباطبائیة -قراءة نقدیة مقارنة-"، ترجمة: حیدر حب الله، مجلة نصوص معاصرة، تصدر عن مرکز البحوث المعاصرة، بیروت، السنة الأولى، العدد الثانی، 2005م، ص101-102.

 

[25]  انظر: مصطفوی، محمد: "الأفهوم القرآنی ونظریات تشکّل الخطاب"، مجلة الحیاة الطیبة، بیروت، العدد الثالث عشر، 2003، ص15-48.

[26]  حب الله، "علم الکلام عند السید محمد حسین طباطبائی.. قراءة فی جدل العقل والنصّ"، م.س، ص50.

[27]  الطباطبائی، محمد حسین: رسالة التشیّع فی العالم المعاصر، ترجمة: جواد علی کسار، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة أم القرى، 1418هـ.ق، ص115.

[28]  الحسینی الطهرانی، محمد حسین: الشمس الساطعة، ط1، بیروت، دار المحجة البیضاء، 1997م، ص60.

[29]  انظر: مغنیة، محمد جواد: "ثلاث خصائص لتفسیر المیزان"، ضمن کتاب رسالة التشیّع فی العالم المعاصر، ص502-503.

[30]  انظر: رحیمیان، "المدرسة التفکیکیة والمدرسة الطباطبائیة -قراءة نقدیة مقارنة-"، م.س، ص102.

[31]  انظر: جرادی، شفیق: مقاربات منهجیّة فی فلسفة الدین، ط1، بیروت، معهد المعارف الحکمیة للدراسات الدینیة والفلسفیة، 2004م، ص205-206.

[32]  جرادی، مقاربات منهجیة فی فلسفة الدین، م.س، ص207.

[33]  جرادی، مقاربات منهجیة فی فلسفة الدین، م.س، ص224.

[34]  انظر: جرادی: مقاربات منهجیة فی فلسفة الدین، م.س، ص245.

[35]  م.ن.

[36]  هانی، إدریس: محنة التراث الآخر.. النزعات العقلانیة فی الموروث الإمامی، ط1، منشورات الغدیر، 1998م، ص375.

[37]  هانی: محنة التراث الآخر.. النزعات العقلانیة فی الموروث الإمامی، م.س، ص377.

[38]  م.ن.

[39]  م.ن، ص381.

[40]  الواسطی اللیثی، علی بن محمد: عیون الحکم والمواعظ، تحقیق: حسین الحسینی البیرجندی، ط1، قم المقدّسة، دار الحدیث، 1376هـ.ق، ص430.

[41]  الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ج1، الخطبة 1، ص23.

[42]  سورة البقرة، الآیة 61.

[43]  سورة الذاریات، الآیة 56.

[44]  العایدی، زکی: "المعنى والقوة فی النظام العالمی"، ضمن کتاب "المعنى والقوة فی النظام العالمی الجدید"، إشراف: زکی العایدی، ترجمة: سوزان خلیل، بیروت، دار سینا، 1994م، ص41.

[45] Zaki Laidi : Le Temps Mondial- Enchainements, disjonctions et médiation. Les Cahiers de ceri, numéro 14, 1996, p 6.

[46] Zaki Laidi: Op cit, p 7.

[47] Zaki Laidi: Op cit, pp 17 et 18.

 [48]  ولد أباه، السید: التاریخ والحقیقة لدى میشیل فوکو، ط1، بیروت، الدار العربیة للعلوم، 1994م، ص39-40.

[49] Zaki Laidi: Op cit, p 22.

[50] Zaki Laidi: Op cit, p 30.

[1] الزین، محمد شوقی: تأویلات وتفکیکات.. فصول فی الفکر الغربی المعاصر، ط1، بیروت، منشورات ضفاف؛ وآخرون، 1436هـ.ق/ 2015م، ص75-76.
[1] انظر: شبستری، محمد مجتهد: مدخل إلى علم الکلام الجدید، ط1، بیروت، دار الهادی، 2000م، ص134.
[1] انظر: شبستری، مدخل إلى علم الکلام الجدید، م.س، ص102-104.
[1] انظر: م.ن، ص135.
[1] انظر: م.ن، ص135.
[1] انظر: شبستری، محمد مجتهد: "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص ترجمة: حیدر نجف، ضمن سلسلة "علم الکلام الجدید وفلسفة الدین"، إعداد: عبد الجبار الرفاعی، ط1، بیروت، دار الهادی، 2002م، ص499.
 
[1] انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص499.
[1] انظر: م.ن، ص502.
[1] انظر: م.ن، ص503.
 
[1] انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص م.س، ص505.
[1] انظر: م.ن، ص507.
[1] انظر: م.ن، ص508.
 
[1] انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص509.
[1] انظر: شبستری، "الهیرمنیوطیقا وملابسات فهم النص"، م.س، ص510.
 [1] م.ن، ص513.
[1] انظر: بهشتی، أحمد: الهیرمنیوطیقا.. المقتضیات والنتائج، ص564.
[1] العیاشی، محمد بن مسعود: تفسیر العیاشی، تحقیق: هاشم الرسولی المحلاتی، لا ط، طهران، المکتبة العلمیة الإسلامیة، 1380هـ.ق، ج1، مقدّمة فی فضل القرآن، ح1، ص1-2.
[1] الشریف الرضی، محمد: نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ج2، الخطبة، 133، ص17.
[1] الطباطبائی، محمد حسین: المیزان فی تفسیر القرآن، لا ط، قم المقدّسة، لا ت، ج1، ص11-12.
 [1] انظر: مجموعة من المؤلّفین: سیرة العلامة الطباطبائی، ط1، بیروت، دار الهادی، 2000م، ص43-63. 
[1] حب الله، حیدر: "علم الکلام عند السید محمد حسین طباطبائی..قراءة فی جدل العقل والنصّ"، مجلة الکلمة، تصدر عن منتدى الکلمة للدراسات والأبحاث، بیروت، العدد36، 2002م، ص52.
 
[1]رحیمیان، سعید: "المدرسة التفکیکیة والمدرسة الطباطبائیة -قراءة نقدیة مقارنة-"، ترجمة: حیدر حب الله، مجلة نصوص معاصرة، تصدر عن مرکز البحوث المعاصرة، بیروت، السنة الأولى، العدد الثانی، 2005م، ص101-102.
 
[1] انظر: مصطفوی، محمد: "الأفهوم القرآنی ونظریات تشکّل الخطاب"، مجلة الحیاة الطیبة، بیروت، العدد الثالث عشر، 2003، ص15-48.
[1] حب الله، "علم الکلام عند السید محمد حسین طباطبائی..قراءة فی جدل العقل والنصّ"، م.س، ص50.
[1] الطباطبائی، محمد حسین: رسالة التشیّع فی العالم المعاصر، ترجمة: جواد علی کسار، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة أم القرى، 1418هـ.ق، ص115.
[1] الحسینی الطهرانی، محمد حسین: الشمس الساطعة، ط1، بیروت، دار المحجة البیضاء، 1997م، ص60.
[1] انظر: مغنیة، محمد جواد: "ثلاث خصائص لتفسیر المیزان"، ضمن کتاب رسالة التشیّع فی العالم المعاصر، ص502-503.
[1] انظر: رحیمیان، "المدرسة التفکیکیة والمدرسة الطباطبائیة -قراءة نقدیة مقارنة-"، م.س، ص102.
[1] انظر: جرادی، شفیق: مقاربات منهجیّة فی فلسفة الدین، ط1، بیروت، معهد المعارف الحکمیة للدراسات الدینیة والفلسفیة، 2004م، ص205-206.
[1] جرادی، مقاربات منهجیة فی فلسفة الدین، م.س، ص207.
[1] جرادی، مقاربات منهجیة فی فلسفة الدین، م.س، ص224.
[1] انظر: جرادی: مقاربات منهجیة فی فلسفة الدین، م.س، ص245.
[1] م.ن.
[1] هانی، إدریس: محنة التراث الآخر.. النزعات العقلانیة فی الموروث الإمامی، ط1، منشورات الغدیر، 1998م، ص375.
[1] هانی: محنة التراث الآخر.. النزعات العقلانیة فی الموروث الإمامی، م.س، ص377.
[1] م.ن.
[1] م.ن، ص381.
[1] الواسطی اللیثی، علی بن محمد: عیون الحکم والمواعظ، تحقیق: حسین الحسینی البیرجندی، ط1، قم المقدّسة، دار الحدیث، 1376هـ.ق، ص430.
[1] الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ج1، الخطبة 1، ص23.
[1] سورة البقرة، الآیة 61.
[1] سورة الذاریات، الآیة 56.
[1] العایدی، زکی: "المعنى والقوة فی النظام العالمی"، ضمن کتاب "المعنى والقوة فی النظام العالمی الجدید"، إشراف: زکی العایدی، ترجمة: سوزان خلیل، بیروت، دار سینا، 1994م، ص41.
[1]Zaki Laidi : Le Temps Mondial- Enchainements, disjonctions et médiation. Les Cahiers de ceri, numéro 14, 1996, p 6.
[1]Zaki Laidi: Op cit, p 7.
[1]Zaki Laidi: Op cit,pp 17 et 18.
 [1] ولد أباه، السید: التاریخ والحقیقة لدى میشیل فوکو، ط1، بیروت، الدار العربیة للعلوم، 1994م، ص39-40.
[1]Zaki Laidi: Op cit, p 22.
[1]Zaki Laidi: Op cit, p 30.