سقوط وقیام -قراءة فی النصوص المقدّسة (إر 50: 1-20)-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تقدّم هذه المقالة قراءة فی نماذج من النصوص المقدّسة (إر 50: 1-20)؛من خلال قراءة الأقوال النبویَّة على الأمم؛ لترسم أمامنا مصیر بابل الماضیة إلى الخراب وإسرائیل (أی یهوذا وإسرائیل معاً) التی یعید الربُّ بناءها ویُرجع الشعب إلى أرضه؛ وذلک من خلال مقارنة بین ما ورد فی کلّ من: النصَّ الإرمیائیّ فی العبریَّة (النصّ الماسوریّ)، والیونانیَّة (السبعینیَّة)، والسریانیَّة (البسیطة). والخلوص إلى أنّ مردّ الاختلاف بین هذه النصوص الثلاثة هو إفهامنا أنَّ کلمة الله لیست حرفاً جامداً میتاً، بل هی حیَّة بحیاة شعب الله.
فإذا کنَّا نؤمن بأنَّ الربَّ هو الإله الحیّ، فکلمته تکون حیَّة. فلم تنزل کلمة الله قطعة واحدة، فی لغة محدَّدة هی العبریَّة أو الیونانیَّة أو السریانیَّة أو العربیَّة... فالله الذی یضع معرفته فی القلوب یسمح للقلوب أنْ تکتبها فی زمن معیَّن وفی مکان معیَّن. وبما أنَّ البشر کتبوها، فقد صارت کلمة بشریَّة نحاول أنْ نقرأها، نشرحها، نفهمها فی الإطار الذی کُتبت فیه. ولکنْ إذا تبدّل الإطار، فلن یتطوّر المعنى؛ وإنَّما یغتنی، فیجعل الکاتب هذا النصَّ "الإلهیّ" یغذِّی المؤمنین فی أیَّامه. فشارح الکتاب المقدَّس لیس عالم آثار، بل همُّه أنْ تصبح کلمة الله حاضرة، حیَّة، فاعلة، فی هذا الآن وفی هذا المکان.
إنّ عمق النصّ لا یتبدَّل؛ لأنَّه فی الأصل وحی من الله لأحد أنبیائه. لکنَّ تطبیقه على السامعین یأخذ منحًى آخر؛ فکلمة الربّ هی هی فی الماضی والیوم وکلَّ یوم؛ لأنَّها فی النهایة شخص یسوع المسیح الذی "هو هو أمس والیوم وإلى الأبد".
 

نقاط رئيسية

أولاً: قراءة إر 50 (27): 1-20

ثانیاً: أُخِذَت بابل

ثالثاً: بنو إسرائیل وبنو یهوذا

الكلمات الرئيسية


سقوط وقیام -قراءة فی النصوص المقدّسة (إر 50: 1-20)-

المونسنیور بولس الفغالیّ

خلاصة المقالة:

تقدّم هذه المقالة قراءة فی نماذج من النصوص المقدّسة (إر 50: 1-20)؛من خلال قراءة الأقوال النبویَّة على الأمم؛ لترسم أمامنا مصیر بابل الماضیة إلى الخراب وإسرائیل (أی یهوذا وإسرائیل معاً) التی یعید الربُّ بناءها ویُرجع الشعب إلى أرضه؛ وذلک من خلال مقارنة بین ما ورد فی کلّ من: النصَّ الإرمیائیّ فی العبریَّة (النصّ الماسوریّ)، والیونانیَّة (السبعینیَّة)، والسریانیَّة (البسیطة). والخلوص إلى أنّ مردّ الاختلاف بین هذه النصوص الثلاثة هو إفهامنا أنَّ کلمة الله لیست حرفاً جامداً میتاً، بل هی حیَّة بحیاة شعب الله.

فإذا کنَّا نؤمن بأنَّ الربَّ هو الإله الحیّ، فکلمته تکون حیَّة. فلم تنزل کلمة الله قطعة واحدة، فی لغة محدَّدة هی العبریَّة أو الیونانیَّة أو السریانیَّة أو العربیَّة... فالله الذی یضع معرفته فی القلوب یسمح للقلوب أنْ تکتبها فی زمن معیَّن وفی مکان معیَّن. وبما أنَّ البشر کتبوها، فقد صارت کلمة بشریَّة نحاول أنْ نقرأها، نشرحها، نفهمها فی الإطار الذی کُتبت فیه. ولکنْ إذا تبدّل الإطار، فلن یتطوّر المعنى؛ وإنَّما یغتنی، فیجعل الکاتب هذا النصَّ "الإلهیّ" یغذِّی المؤمنین فی أیَّامه. فشارح الکتاب المقدَّس لیس عالم آثار، بل همُّه أنْ تصبح کلمة الله حاضرة، حیَّة، فاعلة، فی هذا الآن وفی هذا المکان.

إنّ عمق النصّ لا یتبدَّل؛ لأنَّه فی الأصل وحی من الله لأحد أنبیائه. لکنَّ تطبیقه على السامعین یأخذ منحًى آخر؛ فکلمة الربّ هی هی فی الماضی والیوم وکلَّ یوم؛ لأنَّها فی النهایة شخص یسوع المسیح الذی "هو هو أمس والیوم وإلى الأبد".

 

مصطلحات مفتاحیّة:

الکلمة، الربّ، الکتاب المقدّس، النصَّ الإرمیائیّ، النصّ الماسوریّ، الیونانیَّة السبعینیَّة، السریانیَّة البسیطة، بابل، إسرائیل، شعب الله، التفسیر، الفهم، ...

 

مقدِّمة:

أُذِلَّتْ حنَّةُ امرأةُ أَلْقَانَةَ (1 صم 1: 1)؛ لأنَّها کانت عاقراً، لا تحمل ثمراً لزوجها ولا لشعبها، واعتبرت حیاتها فشلاً. ولکنَّها اتَّضعت أمام الإله القدیر، بعد أنْ بکت (آ8)، وأفرغت قلبها أمام الربّ (آ15)، فاستجابَ لها صلاتها وأعطاها ابناً دعته صموئیل؛ أی اسم الله (ش م و إ ل). عندئذٍ أنشدت: "فرح قلبی بالربّ، ارتفع رأسی بالربّ... ابتهجت بخلاصک... قسیّ الجبابرة تحطَّمت والضعفاء تمنطقوا بالقوَّة. الذین شبعوا فی الماضی یعملون الآنَ لقاء أجر لیکون لهم الخبز، وأمّا الجیاع فکفاهم الربّ. العاقر ولدتْ سبعة بنین، وکثیرة البنین ذبلَتْ" (1 صم 2: 1ی). تلک هی طریقة الربّ فی العمل: "ینزل المتکبِّرین عن الکراسی ویرفع الوضعاء، یشبع الجیاع خیراً ویعید الأغنیاء فارغین"، ذاک ما قالت مریم وهی تنشد الله العظیم الذی صنع فیها أعمالاً وأیَّ أعمال! (لو 1: 52-53).

أنشدت حنَّة بعد أنْ نالت صموئیلَ الذی یرفع شعبه، ویعدُّ الطریق للملکیَّة. ومریم "عظَّمت" الربَّ الذی أعطاها أنْ تحمل مخلِّص العالم. ولماذا لا ینشد إرمیا أو أحد تلامیذه نهایة الحالة التعیسة التی یعیشها شعبه فی ذلِّ المنفى، ویعلن عدالة الله الذی یجازی کلَّ إنسان (وکلَّ شعب) بما فعل؟ أما تستحقُّ بابل أنْ تعاقَب وهی التی سحقت الشعوب والأمم، وأفرغت المدن من نخبتها الفکریَّة والروحیَّة والحربیَّة والاقتصادیَّة؛ لتبقیَ فقط شعب الأرض (ع م ه أ ر ص) ذاک المتعلِّق بالأرض، الذی یعمل من أجل المحتلّ، فیدفع الضرائب، ویسخَّر ویسخَّر بقدر ما یشاء ملک بابل. فهذا قد تعلَّم کثیراً من ملک آشور الذی سبقه إلى هذه البلاد.

انطلاقاً من إر 46، نواصل قراءة الأقوال النبویَّة على الأمم، بدءاً بمصر (ف 46)، وصولاً إلى الفلسطیِّین (ف 47)، ثمَّ إلى موآب (ف 48)، وعمون وأدوم ودمشق والعرب وعیلام (ف 49). أمّا بابل، فیکون لها فصلان کبیران (110 آیات من الشعر ومن النثر)، لکنّنا نقرأ فقط إر 50 (فی السبعینیَّة 27): 1-20 فی أربع لوحات، وذلک بعد مقدِّمة قصیرة: بابل، إسرائیل، بابل، إسرائیل.

ولکنْ قبل الدخول فی هذه المقابلة التی ترسم أمامنا مصیر بابل الماضیة إلى الخراب وإسرائیل (أی یهوذا وإسرائیل معاً) التی یعید الربُّ بناءها ویُرجع الشعب إلى أرضه، نقدِّم النصَّ الإرمیائیّ فی العبریَّة (النصّ الماسوریّ) والیونانیَّة (السبعینیَّة) والسریانیَّة (البسیطة)؛ لأنَّ الاختلاف بین هذه النصوص الثلاثة یُفهمنا أنَّ کلمة الله لیست حرفاً جامداً میتاً؛ بل هی حیَّة بحیاة شعب الله.

 

أولاً: قراءة إر 50 (27): 1-20

النصّ الماسوریّ (مس) 50

نصّ السبعینیَّة (سب) 27

النصّ السریانیّ (سر) 50

1- الکلمة التی تکلَّم یهوه على بابل إلى أرض کسدیم بید إرمیا النبیّ

کلمة کیریوس التی قال على بابل

الکلام الذی قال الربُّ على بابل وعلى أرض الکلدائیِّین بید إرمیا النبیّ

2- أخبروا فی الأمم، وارفعوا رایة، وأسمعوا، لا تخفوا، قولوا: أُخذت بابل، خزیَ بیل، انسحق مردوخ، خزیَتْ أوثانُها، انسحقت أوثانُها.

بشِّروا فی الأمم واجعلوا مسموعاً، لا تخفوا، قولوا: أُخذت بابل، خزیَ بیل، مردوخ الثابتُ الشهوانیُ أُسلم.

أخبروا فی الأمم (وأسمعوا) وارفعوا رایةَ، لا تخفوا، قولوا: أُخذت بابل، سقطَ بیل، انخفر مردوک، خزیَتْ أوثانُها، انسحقت (تحطَّمت) أصنامها.

3- لأن صعدت علیها أمَّة من الشمال؛ هی تجعل أرضَها دهشاً ولا یکون ساکن فیها من إنسان وحتَّى بهیمة، شُرّدوا (ن د و) مضوا.

لأنَّ أمَّة صعدت من الشمال، ترکض إلى الأرض لإزالتها، ولن یکون ساکنٌ فیها من إنسان ومن بهیمة.

لأن صعد علیها شعب من الشمال هو یجعل الأرض هذه خربة ولا یکون فیها ساکن من إنسان وحتَّى بهیمة. شُرّدوا (ن د و) ومضوا.

4- فی الأیَّام تلک وفی الوقت ذلک نأمة (همسة) یهوه: یأتون، بنو إسرائیل هم وبنو یهوذا معاً، سیراً وبکاء. ویهوه إلهَهم یطلبون.

فی تلک الأیَّام وفی ذلک الوقت، أبناء إسرائیل یأتون وأبناء یهوذا معاً یسیرون وباکین. ویطلبونَ کیریوس إلههم.

فی الأیَّام تلک، وفی الوقت ذلک، قائلٌ الربّ یأتون بنو إسرائیل وهم وبنو یهوذا معاً سائرون وباکون. والربَّ إلههم طالبون.

5- صهیون طریقاً یسألون، إلى هنا وجوهُهم، تعالوا فینضمُّوا (ل و ه) إلى یهوه بعهدٍ أبدٍ لا یُنسى.

یسألونَ عن الطریق بحیث یمضون إلى صهیون؛ لأنَّ هذا الطریق إلى وجههم، ویمضون ویهربون إلى الربِّ إلههم لأجل ملجإ.

على طرقات صهیون یسألونَ بوجوههم تعالوا ننضمُّ (نترافق) إلى الربّ بعهدٍ أبدٍ الذی لا یُنسى.

6- ضأناً بائدة کانوا شعبی، راعوهم (رعاتهم) أتاهوهم على جبال، ردُّوهم (مرتدُّون) من جبل إلى تلَّة، ساروا، نسوا مربضَهم.

فلا یُنسى العهد الأبدیّ. شعباً بائداً کان شعبی، رعاتهم أضاعوهم على الجبال بدَّدوهم فراحوا من جبل إلى تلٍّ ونسوا مربضهم.

مثل غنم بائدة کانوا معی، رعاتهم أضلُّوهم، وعلى الجبل بدَّدوهم، من جبل إلى تلَّة ساروا، ونسوا مربضهم (حظیرتهم).

7- کلُّ واجدیهم أکلوهم، وخصومهم قالوا: لا نأثمُ؛ لأجل أن خطئوا لیهوه، مأوى برّ ورجاء آبائهم یهوه.

کلُّ الذین وجدوهم أکلوهم. أعداؤهم قالوا: لا نترکهم وحدهم؛ لأنَّهم خطئوا إلى کیریوس ذاک الذی جمع آبائهم له مرعى برّ.

کلُّ من وجدهم أکلهم، وأعداؤهم قائلون: لا نترکهم؛ لأنَّهم خطئوا للربّ ولدارته البارَّة، ورجاء آبائهم هو الربّ.

8- اشردوا من وسط بابل ومن أرض کسدیم، اخرجوا (خرجوا) وکونوا کتیوس أمام ضأن.

اهربوا من وسط بابل ومن أرض الکلدائیِّین، اخرجوا.

اهربوا من وسط بابل ومن أرض الکلدائیِّین، اخرجوا وکونوا کتیوس أمام خراف.

9- لأنَّ ها أنا موقظ ومصعد على بابل جماعةَ أمم عظیمة من أرض الشمال، فیصطفُّون علیها من هناک تُؤخَذ. سهامُه کجبَّار مُفلح لا یعود فراغاً.

فأنا أوقظ على بابل تجمُّع الأمم من أرض الشمال فیصطفُّون علیها وهی تؤخَذ مثل سهم محارب لا یعود فارغاً.

لأنَّ ها أنا محرِّک ومصعد أنا على بابل جماعة شعوب عظیمة من أرض الشمال، فیصطفُّون علیها ومن هناک تؤخَذ. سهامه مثل رجل مفلح فلا عائد بفراغ (أو: فراغاً).

10- وتکونُ کسدیم غنیمة کلُّ مغتنیمها یشبعون، نأمة یهوه.

وتکون الکلدای سلباً: کلُّ من یسلبها یشبع.

وتکونُ أرضُ الکلدائیِّین للسلب وسالبوهم کلُّهم یشبعون، قائلٌ الربّ.

11- لأن تفرحونَ (تفرحین)، لأن تغتبطون (تغتبطین) یا ناهبی میراثی،

لأن تنتشرون (تنتشرین) کنعجة دائسة وتصهلون (وتصهلین) کمقتدرین.

لأنَّکم تفرحون وتغتبطون حین یُنهَب میراثی، لأنَّکم تهلِّلون مثل عجول فی المرعى وتدفعون العجول بقرونکم.

لأن تفرحون، لأن تغتبطون رأس میراثی، وتغتبطون مثل عجول معلوفة وترقصون مثل ذکور الغنم.

12- خزیَتْ أمُّکم جدّاً، خفرَت والدتُکم، ها آخرة أمم برِّیَّة یباس وبادیة.

أمُّکم خزیَتْ جدّاً، أمُّکم التی تحمل ازدهارکم خجلت، هی آخر الأمم؛ بادیة.

خجلت أمُّکم جدّاً، وخفرت والدتکم، ها آخرة شعوب مثل برِّیَّة خربة قفرة.

13- من سخط یهوه لا تسکن، فتکون قفراً کلُّها. کلُّ عابرٍ على بابل یدهش ویصفرُ على کلِّ ضرباتِها.

بسبب غضب کیریوس لن تُنسکن بعدُ؛ بل تکونُ قفراً وکلُّ من یمرُّ عبر بابل یدهشونَ ویصفرُون أمام ضربتها.

من سخط الربّ لا تسکن وتکونُ قفراً کلُّها. وکلُّ من یعبر على بابل یدهش ویصفرُ على ضرباتها کلِّها.

14- اصطفُّوا على بابل من حول یا کل دائسی (درک – مدرک) قوس، ارموا علیها لا تشفقون على سهم؛ لأنَّ لیهوه خطئت.

اصطفُّوا على بابل من حولها یا کلُّ من یدوس القوس، لا توفِّروا سهامکم.

اصطفُّوا على بابل کلّ الذین عارفون بالقوس، ارموا علیها لا تشفقون على السهام؛ لأنَّ للرب خطئت.

اهتفوا علیها من حول: أعطت یدها، سقطتْ أرکانها (أسسها)، هرسَتْ أسوارها؛ لأنَّ انتقام یهوه  هی، انتقموا منها، کما صنعَتْ اصنعوا لها.

سیطروا علیها، یداها ضعفنا، أسسُها سقطت، وسورها انکسر، هو انتقام من الله، انتقموا منها، کما عملَتْ اعملوا لها.

اهتفوا علیها من حوالیها: أعطت یداً، سقطتْ أسسُها، هرسَت أسوارها؛ لأنَّ مجازاة الربّ انتقِموا منها کما صنعت اصنعوا لها.

16- اقطعوا زارعاً من بابل وماسک منجل فی وقت حصاد من وجه السیف الجائر، رجل إلى شعبه یتوجَّهون، ورجل إلى أرضه یهربون.

دمّروا الزرع کلِّیّاً من بابل وماسک المنجل فی وقت الحصاد من وجه السیف الهلینیّ، فیعود کلُّ واحد إلى شعبه، ویهربُ کلُّ واحد إلى أرضه.

وأوقدوا الزارع من بابل وماسک منجل وفی وقت الحصاد من أجل السیف التعیس، رجل لشعبه یتوجَّهون، ورجل إلى أرضه یهربون.

17- شاة مشتَّتة إسرائیل، أسُدٌ طردَت الأوَّل أکله ملکُ آشور، والآخر جرفَه (هرسه) نبوخذ نصّر ملک بابل.

خروف ضائع إسرائیل، الأسُود دفعته، الأوَّل أکله ملک آشور، والآخر حطَّم ملک بابل عظامه.

شاة ضائعة إسرائیل، أسُدٌ ضیَّعتهم، الأوَّل أکله ملک آشور، وهذا الآخر قویَ علیه نبوخذ نصَّر ملک بابل.

18- لذلک هکذا قال یهوه صباؤوت إله إسرائیل: ها أنا متفقِّد (ف ق د) على ملک بابل وعلى أرضه، کما افتقدت على ملک آشور.

لذلک یقول کیریوس ها أنا أنتقم من ملک بابل وعلى أرضه کما افتقدتُ ملک آشور.

لذلک هکذا قال الربُّ القویّ إله إسرائیل ها أنا مفتقد على ملک بابل وعلى أرضه کما افتقدتُ على ملک آشور.

وأُرجعُ إسرائیلَ إلى مأواه فیرعى الکرمل وباشان، وفی جبل أفرائیم وجلعادَ تشبعُ نفسُه.

وأصلح إسرائیل إلى مرعاه فیرعى على الکرمل وفی جبل أفرائیم وفی جلعاد، فتشبع نفسه.

وأرجع إسرائیل إلى منزلهم (دارهم)، فیرعى فی الکرمل وفی متنین وفی جبل أفرائیم وفی جلعاد، وتشبع نفسه.

20- فی الأیَّام تلک وفی الوقت ذلک نأمة یهوه: یُطلَب ذنبُ إسرائیل ولیس هو، وخطایا یهوذا فلا تُوجَد؛ لأن أغفر لمن أُبقی.

فی تلک الأیَّام وفی ذلک الوقت

یطلبون ذنب إسرائیل فلا یُوجَد، وخطایا یهوذا فلا یجدون؛ لأنِّی أکون رحوماً لهم وأبقیهم.

وفی الأیَّام تلک وفی الوقت ذلک قائل الربّ القدیر یُطلَب ذنب إسرائیل ولیس هو وخطیئة یهوذا ولا تُوجَد؛ لأن أغفر للبقیَّة التی أبقیَتْ منهم.

21- وعلى أرض مراتیم أصعد.

فی الأرض یقول کیریوس.

اصعدوا على الأرض.

ما نلاحظه فی هذه المقابلة: اقتراب النصّ السریانیّ من العبرانیّ؛ فهو یکاد یکون نسخةً عن النصِّ الأصلیّ. فی آ2 نقرأ فی العبریَّة: خزی بیل (הביש)، ونقرأ فی السریانیَّة: سقط بیل (ܢܦܠ).

فی آ6، نقرأ فی العبریَّة: فعل ردّ (שובבום). وفی السریانیَّة: بدَّدوهم (ܒܕܪܘ ܐܢܘܢ).

فی آ11 نقرأ فی العبریَّة: کعجلة دائسة (דשה)؛ أی تدوس القمح. أمّا السریانیّ فقال: ܥܓܠܐ (العجلة) ܕܩܛܡܐ (المعلف)؛ أی عجلة معلوفة (أو: "فُطمَت").

فی آ14 نقرأ فی العبریّ: یا کلّ دائسی (דרכי). وفی السریانیَّة: عارفون (ܝܕܥܝܢ). ونتذکَّر فی العربیَّة فعل أدرک.

فی آ16، اقطعوا (כרתו) فی العبریَّة. وفی السریانیَّة: ܘܐܘܩܕܘ (وأوقدوا). ولهذا تحدَّث الیونانیّ عن "الزرع" sperma.

فی آ19، اعتادت البسیطة أن تترجم "باشان" הבשן بلفظ ܡܬܢܝܢ (متنین).

وفی آ20 أضاف السریانیّ على יהוה (ܡܪܝܐ، الربّ) لفظ ܚܝܠܬܢܐ (القویّ)؛ وهو ما یقابل العبریّ صباؤوت.

توافقٌ فی الألفاظ مرَّات عدیدة؛ لأنَّنا أمام لغتین سامیتین الواحدة منهما قریبة من الأخرى. وتوافقٌ فی بنیة الجملة، مع تبدیلات طفیفة من أجل إیضاح المعنى. ولکنَّ الأمر یختلف اختلافاً کبیراً فی ما یخصُّ المقابلة مع السبعینیَّة الیونانیَّة.

ففی آ1، صارت الجملة العبریَّة الطویلة (الکلمة التی تکلَّمها یهوه على بابل إلى أرض کسدیم، أو البابلیِّین، بید إرمیا النبیّ) قصیرة جداً: "کلمة الربّ الذی تکلَّم على بابل." وهی بشکل عنوان logoV kuriou on elalhsen epi babulona، وهو توسیع للأصل العبریّ الذی نقلته الیونانیَّة وکان: דבר יהוה אשר דבר אל בבל، وهی کلمة أرسلت إلى بابل epi.

وفی آ2، غابت من الیونانیَّة: "وارفعوا رایة وأسمعوا"، کما غاب: "خزیت أوثانها، انسحقت أصنامها".

وفی آ4: "نأمة یهوه" (أی: وقال الربّ)، ولا وجود لهذه العبارة فی السبعینیَّة، کما اعتبر بعضهم أنَّ عبارة "هم وبنو یهوذا معاً" نافلة. نتذکَّر هنا أنَّ الشمال راح إلى المنفى سنة 722-721، وأنَّ الجنوب (أو یهوذا) مضى سنة 587-586، أی إنّ الأوَّلین راحوا إلى آشور؛ إلى شمال بلاد الرافدین، فیما راح الآخرون إلى الجنوب؛ إلى بابل. ومن هنا، نرى أهمِّیَّة ذکر المملکتین اللتین ستعودان "معاً" יחדו: "الاثنان یصیران واحداً". ܐܟܚܕܐ: ܐܝܟ ܚܕܐ: مثل واحد. ونشیر هنا إلى إضافة فی السبعینیَّة لصفتین أعطیتا لمردوخ: aptohtoV - trujera.

وفی آ9 یقول العبریّ: "موقظ ومصعد" فیستغنی الیونانیّ عن "ومصعد"، ثمَّ قرأ العبریّ: "جماعة أمم عظیمة" (وتبعه السریانیّ). أمّا الیونانیّ، فقال: sunagwgaV eqnwn؛ ما یقابل العبریّ: קהלי גוימ: جماعات أمم.

فی آ10، استغنى الیونانیّ عن נאמ (قال الربّ).

وفی آ11، "کعجلة دائسة" (العبریّ). وفی الیونانیّ: "تهلِّلون مثل عجول فی المرعى". أضاف الیونانیّ مع السریانیّ لون الفرح والنشید ولم یکتفِ بأنْ تنتشر العجول. ونشیر هنا إلى أنَّ דשה تعنی الحشیش والکلأ، بحیث نستطیع أنْ نترجم أیضاً: عجلة الکلإ أو المرعى.

فی آ12 نقرأ "ها" أو "انظر" הנה، وقد ترک الیونانیّ هذه الأداة.

وفی آ14: "لأنَّها خطئت إلى الربّ"، وهی کذلک فی السریانیَّة، لکنّها غابت فی الیونانیَّة.

فی آ15، یتَّفق العبریّ مع السریانیّ لیقولا "هتفوا" (הריעו فی العبریَّة وفی السریانیَّة ܩܥܘ)، فلماذا قال الیونانیّ: تفوَّقوا، سیطروا katakrothsate؟ أتُرى أخذ معنًى آخر للفعل רוע؛ أی: روَّع، أساء؟ وترک الیونانیّ "من حول"، کما فی العبریّ والسریانیّ.

فی آ16، قال العبریّ: السیف الجائر، وقال السریانیّ (ܡܕܘܝܐ)؛ أی السیف التعیس. أمّا الیونانیّ فقد تحدَّث عن العالم الیونانیّ ellhnikhV؛ وهو سیف خاصّ من العالم الهلِّینیّ.

وفی آ17، ترک الیونانیّ "نبوخذ نصَّر"، کما ترک فی آ18 "یهوه صباؤوت، إله إسرائیل".

فی آ19، کان کلام عن الکرمل وباشان (العبریّ والسریانیّ صحَّح "ܡܬܢܝܢ"). أمّا الیونانیّ فما أشار إلى "باشان".

وفی آ20، ترک الیونانیّ: נאומ יהוה؛ أی: قال الربّ.

منذ عقود من الزمن والجدال قائمٌ بالنسبة إلى نصِّ السبعینیَّة، ویعتبر الأب بوغارت وباحثون عدیدون أنَّ النصَّ العبریّ الذی أُخذت عنه السبعینیَّة هو أقدم من النصّ الماسوریّ؛ فالحذف غیر معقول، وأمّا الإضافات فواضحة؛ وهی تجعل النصَّ ثقیلاً بعض المرَّات، فیخسر بعض إیقاعه. أمّا عمانوئیل طوب الأستاذ فی جامعة أورشلیم، فیشدِّد على أنَّ النصَّ الماسوریّ هو الأقدم، وأنَّ النصَّ الذی أخَذَتْ عنه السبعینیَّة أوجز الماسوریّ. ولکنْ تبقى العاطفة مسیطرة فی الموقف الثانی؛ کما  بُیِّن من محاضرة أعطیَتْ فی لوفان (بلجیکا)، حیث طلبَ المحاضرُ الأخذ بعین الاعتبار شعباً مرَّ فی "الشواء" النازیّ.

 

ثانیاً: أُخِذَت بابل:

بعد المقابلة بین النصوص، نعود إلى "الشخص" الأوَّل فی ف 50-51: بابل. یبدأ المقطع مع لفظ "کلمة" דבר. لها شخصیَّتها؛ وکأنَّها استقلَّت عن إرمیا. وهذا ما نکتشفه فی ف 36. ما کان باستطاعة إرمیا أنْ یأتی إلى الهیکل ویُلقی کلامه. ما هذا النبیّ الذی یحمل الکلمة -التی هی فی أحشائه مثل نار مضطرمة- لا یستطیع أنْ یعلنها. فمتى کان النبیّ یسکت! ماذا حصل؟ دعا الربُّ إرمیا لأنْ یکتب فی درْجٍ ما یرید أنْ یوصله إلى الشعب. فی مرحلة أولى، قرأ باروک ما کُتب فی الدرج على الشعب ثمَّ على العظماء. ولکن "أفلتت" الکلمة من ید باروخ، وهو الذی لا یستطیع أنْ یمضی إلى الملک، وقرأها "یهودیّ فی أذنَی الملک".

هذه الکلمة یرسلها الله ولا تعود إلیه؛ إلاَّ بعد أن تُتمّ ما أرسلت فیه. فی هذا المجال نقرأ إش 55: 10-11: "کما ینزل المطر والثلج من السماء ولا یرجعان إلى هناک، بل یرویان الأرض ویجعلانها تلد وتُنبتُ وتعطی زرعاً للزرع وخبزاً للأکل، هکذا تکون کلمتی التی تخرج من فمی؛ هی لا ترجع إلیَّ فارغة، بل تعمل ما أُمرت به وتنجح فی ما أرسلتها له"، فالکلمة التی أرسلت إلى بابل لا تخضع للنبیّ، بل النبیُّ یخضع لها.

"الکلمة" شخص یتکلَّم، ونحن، أبناء العهد الجدید، نرى -هنا- إشارة إلى من هو الکلمة: یسوع المسیح. وهی تمضی "إلى" بابل، "إلى" أرض الکلدائیِّین؛ فبابل سوف تسمع، والأرض أیضاً. بابل تلک المدینة العریقة وذات التاریخ الطویل، وصلت إلى الذروة الحربیَّة فی إثر الآشوریِّین الذین تفکَّکت دولتهم سنة 628ق.م. وأعلن نبوفلاسر نفسه ملکاً. وخلَفَه ابنُه نبوخذ نصَّر (604-562) الذی انتصر على المصریِّین سنة 605 فی کرکمیش، فانفتحت أمامه الطریق إلى الشرق الأدنى؛ وصولاً إلى مصر. وامتدَّ العنفوان حتَّى سنة 539 حتَّى أتى کورش الفارسیّ إلى بابل ودخلها مسالماً. ولکنَّها ثارت سنة 486-485، فهدمَتْ أسوارها وسُلبت معابدها ونهبت، فأضحت قاعاً صفصفاً. تلک هی الصورة التی رسمها إرمیا أو أحد تلامیذه.

لقد بدت هذه الکلمة مثل "درج" حملها النبیُّ وأوصلها، لا إلى بابل فقط؛ بل إلى بلاد الکلدای، التی دُعیَتْ "کسدیم"؛ ربَّما بالنسبة إلى القبائل الکاسیَّة التی نزلت من جبال زاغروس، وامتدَّ حکمها من القرن الثامن عشر ق.م. حتَّى إنلیل -نادین- أخی (1157-1155). أمّا کلدای، فهی تلک الرقعة الجغرافیَّة الواسعة التی أقام فیها الکلدائیُّون، وهم شعب سامٍ عرفوا حیاة البداوة قبل أن یقیموا إلى الجنوب من بابلونیا.

قولان یتوجَّهان إلى بابل. الأوَّل (50: 2-3) یتحدَّث عن بابل، عن بیل ومردوک وسائر الأصنام. کلُّ هذا یصبح کلا شیء.

2       أَخبِروا فی الشعوب

أسمِعوا وارفعوا رایة

أسمعوا ولا تُخفوا

قولوا:

أُخذَتْ بابل، خزیَ بیل

انسحق مردوک

انکشفت أوثانها

انسحقت أصنامها.

3       صعدت علیها أمَّة،

(صعدت) من الشمال

جعلت أرضها دهشاً

فلا یکونُ ساکنٌ فیها

من الناس والبهائم،

تشرَّدوا ومضوا.

أخبروا، أعلموا الناس، أسمعوا الجمیع، لا تخفوا الخبر. ومع السبعینیَّة: بشِّروا، احملوا بشرى حلوة. هذا ما یجب أن یعرفه الشعب الذی ذاق الأمرَّین من البابلیِّین. ها هو العقاب آتٍ بحیث لا یبقى شیء من هذه المدینة التی ترفَّعت، تکبَّرت على الله، فصارت الجنائن المعلَّقة فیها إحدى عجائب الدنیا السبع. ومَن الذی قام بهذا العمل الجمیل؟ الذین "جُعلوا" مثل قطیع غنم من المدن التی احتلَّها البابلیُّون.

"أخذَتْ"، کأنَّه ما أراد أن یحدِّد "الملک" الذی أخذها. نحن نعرف من التاریخ من احتلَّ بابل ومن دمَّرها، ولکنَّ صیغة المجهول تدلُّ فی النهایة على الله. أَخذتُ المدن، فأُخذت، دَمَّرتُ، فدُمِّرت.

واعتبر الکلدائیُّون أنَّ آلهتهم أقوى من الربِّ الإله: "بیل" أوَّلاً. فی العبریَّة בל بیل هو السیِّد، بینما هو فی اللغة الأکادیَّة یقابل بعل الذی عُرف لدى السامیِّین منذ الألف الثالث ق.م. وذُکر فی إر 51: 44 ("أعاقب بیل فی بابل")، وفی إش 46: 1 ("جثا بیل، انحنى نبو...")؛ با 6: 40 (أو: رسالة إرمیا: "إذا رأوا أبکم یقدِّمونه إلى الإله بال، أو بیل، ویطلبون منه أن یعید إلیه النطق")؛ دا 14 (بال والتنِّین). أُعطیَ اسم "بیل" لعدد من الآلهة، مثل نبو وغیره. ولکنَّه أعطی بشکل خاصّ لمردوک، کما هو الأمر هنا، فی موازاة شعریَّة: "خزی بیل، انسحق مردوک".

"م ر د ک" فی الماسوریّ: םרדכ Merodak، وفی الیونانیَّة marodac، وفی السریانیَّة ܡܪܘܕܟ، هو الإله السامیّ فی بابل، ومنذ حمورابی الإله الوطنیّ فی بابلونیا کلِّها، فی القرن الثامن عشر. هو إله الآلهة، والملک على جمیع الآلهة، وقد کتب معنى اسمِه بشکل نصف إدیوغرافیّ dAMAR.UTU؛ أی عجل الشمس. هو سیِّد المعارف السحریَّة، وقد نال فی ملحمة الخلق خمسین اسماً فی تعداد صفاته. لا یُذکر اسمُه فی العهد القدیم سوى مرَّة واحدة، هنا. ولکنْ فی حصار أورشلیم وسقوطها سنة 587-586 یُشار إلى أنَّه أقوى من یهوه، الربِّ الإله؛ لأنَّه احتلَّ مدینته، ودمَّر هیکله، وقتل کهنته. وهذا ما جعل حزقیال الربَّ یخرج من المدینة قبل أن تسقط، وینتظر الماضین إلى المنفى على الجبل الشرقیّ لکی یرافقهم (10: 1ی)، على أن یعود مع العائدین (43: 1) بعد أن یکون دُمِّر مردوک.

نتذکّر -هنا- أنَّ العبرانیِّین هزئوا من مردوک وشوَّهوا اسمه، فصار "نمرود" أی ذاک المتمرِّد الذی حاول أن یطال الله بسهامه، وقد یکون ذلک أساس بنائه لمدینة بابل وبرجها، للوصول إلى السماء وإلى عرش الله.

وتُذکر الأوثان עצביה، ثمَّ الأصنام גלולה. أمّا اللفظ الأوَّل فهو یرتبط بالتعب والوجع؛ وخصوصاً بالغضب. وأمّا الثانی، فهو یدلُّ على شیءٍ محتقر، وفی النهایة على الخراء، وهو لفظ نقرأه مراراً عند حزقیال: "أطرح قتلاک أمام أصنامک" (6: 4)، "سألقی جثثکم أمام أصنامکم" (آ5)، "تتحطَّم أصنامکم" (آ6)، "وراء أصنامهم" (آ9). "یکون قتلاهم بین أصنامهم" (آ13أ)، "بخوراً یرضی أصنامهم" (آ13ب).

وقد قرأنا هنا فعلین הבישו؛ أی خزیت، ثمَّ חתו؛ أی انسحقت، وفی السبعینیَّة نعرف أنَّ بیل ومردوخ "سلِّما" إلى الفاتح، فهو یحوِّل الذهب والفضَّة إلى آنیة أخرى.

وما الذی حصل؟ "أمَّة" أو "شعب"؟ هو حصار للمدینة مع فعل "صعد" لیکونَ المحتلّ على مستوى الأسوار. ومن أین هو آتٍ؟ من الشمال. إذا نظرنا إلى الجغرافیا، فالعدوُّ الآتی على بابل، أی الفرس، یأتی من الجنوب الشرقیّ؛ ولهذا، فعبارة "الشمال" هی بشکل استعارة، استعملت بشکل خاصّ بالنسبة إلى أورشلیم. فنتذکَّر بدایة نبوءة إرمیا، وما رأى ذاک النبیّ، حیث قال له الربّ: "ماذا أنت راءٍ؟" فأجاب إرمیا: "إنِّی أرى قدراً... ووجهها من جهة الشمال". فقال الربّ: "من الشمال ینفتح الشرُّ على کلِّ سکَّان الأرض". (إر 1: 13-14). فکما أتى "الخراب" على أورشلیم من "الشمال"؛ کذلک یکون وضعُ بابل، والنتیجة أنّ الخراب لا یُبقی "إنساناً ولا حیواناً".

ذاک کان القول الأوَّل الموجَّه إلى بابل، سواء أسمعت أم لم تسمع، إلاَّ أنَّ العائشین فی المنفى البابلیّ أو الذین لبثوا فی أورشلیم سوف "یرون" بعیونهم، أنَّ ذاک الذی خلَّص آباءهم من عبودیَّة مصر، سوف یخلِّصهم من عبودیَّة بابل، سواء فی المنفى، حیث المسبیُّون یشتغلون فی الحقول لفائدة أسیادهم، أم فی أرض الربِّ مع الجزیة التی یؤدُّون.

والقول الثانی (50: 8-16) یدعو الناس إلى الهرب لما سیحصل لتلک "الأمّ" التی اعتادت أنْ تطعم أولادها، غضبَ الربُّ علیها لأنَّها خطئت، وهو الربُّ یدعو علیها الأعداء؛ بحیث یصنعون بها کما هی صنعت بالأضعف منها. وبما أنَّ بابل دُمِّرت یستطیع الشعوب التی سباها البابلیُّون أنْ یعودوا إلى بلدانهم.

"اهربوا" (آ8). حین راح المنفیُّون من أورشلیم کانوا مثل قطیع، وها هو دور سکَّان بابل. بدا العدوّ وکأنَّه کان نائماً، فأیقظه الربُّ وأصعده. لا شعب واحد هجم على بابل؛ بل شعوب عدیدة. فالمندائیُّون والفرس وشعوب أخرى احتلُّوا بابل سنة 539، بحیث تأمَّنت عودة المسبیِّین إلى مدنهم، ومنهم شعب یهوذا الذین عادوا إلى فلسطین ورمَّموا المذبح بانتظار الهیکل والمدینة.

یا للغنیمة الوافرة! فهذه المدینة التی سَلبت المدن والبلدان، جاء من یسلبها. على مستوى التاریخ، نستطیع أن نقرأ الأخبار و(الکرونیکات) التی وصلت إلى العالم الیونانیّ. ولکنّ "الکلمة" تدعو الناس لیصلوا إلى السبب الأوَّل. وهذا واضح منذ بدایة هذا المقطع مع صیغة المتکلِّم المفرد: أنا "أوقظ"، أنا "أُصعد". بدا الله مثل قائدٍ حربیّ یقود "جنوده" لکی "یصطفُّوا" للهجوم. ویُذکر "سخط" קצף الربّ، والنتیجة: الخراب والدمار. وهکذا یرى المارُّون، فیتأمَّلون ویفهمون نهایة کلِّ مدن الکبریاء التی زرعت الظلم والموت والنار فی کلِّ مکان. وینتهی هذا المقطع:

آ15     اهتفوا علیها، (دوروا) حوالیها       

رفعت یدها (استسلمت)

أساساتها سقطت

أسوارها دُمِّرت

هی نقمة الربّ

انتقموا منها

وکما فعلت افعلوا بها.

آ16     اقطعوا الزارع من بابل

وماسک المنجل فی الحصاد.

أمام السیف الذی لا یرحم

یرجع کلُّ واحد إلى شعبه

وکلُّ واحد یهرب إلى أرضه.

قصیدتان قصیرتان، "فالکلمة" تتحدَّث إلى بابل، وتکون قصائد أخرى مع رثاء خاصّ ببابل (51: 20)، کما اعتدنا أنْ نقرأ عند حزقیال بالنسبة إلى صور، وفی سفر الرؤیا بالنسبة إلى روما.

 

ثالثاً: بنو إسرائیل وبنو یهوذا:

فی إر 50-51 نحن أمام "دبتیکا" (diptyque)، کما یقال فی اللیتورجیا: کلُّ درفة تقابلها درفة. وکما قرأنا مقطعین حول بابل، نقرأ مقطعین -أیضاً- حول شعب الله.

أمّا المقطع الأوَّل (50: 4-7) فیصوِّر وضع العائدین من المنفى فی حالة یُرثى لها.

4       فی تلک الأیَّام وفی ذلک الزمان

یقول الربّ

یأتی بنو إسرائیل وبنو یهوذا

معاً یسیرون سیراً ویبکون

ویطلبون الربَّ إلههم

5       یسألون عن طریق صهیون

ووجوههم إلى هناک

یأتون وینضمُّون إلى الربّ

بعهد أبدیّ لا یُنسى.

6       کان شعبی خرافاً ضالَّة

رعاتُهم أضلُّوهم

وأتاهوهم فی الجبال

فساروا من جبل إلى تلَّة

وما تذکَّروا حظیرتهم.

7       کلُّ الذین وجدوهم أکلوهم

وکان مبغضوهم یقولون:

"نحن ما أذنبنا (فی ما فعلنا)

لأنَّهم أخطؤوا إلى الربّ

مسکن البرّ ورجاء آبائهم

هو الربّ.

من یستطیع أن یتکلَّم عن تلک الأیَّام؟ الله وحده. فهو سیِّد الزمان. وفی هذا الوقت عینه. هو محدَّد فی قلب الربّ. یکفی المؤمن أنْ یجعل ثقته بذاک الذی فعل، والذی یفعل الیوم وکلَّ یوم. أوَّل معجزة: المملکتان معاً: إسرائیل ویهوذا، السامرة وأورشلیم. منذ الانقسام، بعد وفاة سلیمان، کانت الحرب متواصلة بین الجنوب والشمال؛ أخوان عدوَّان. وکان الواحد یستند على الجار؛ لیقهر أخاه، ویقدِّم له الهدایا؛ کما فعل آسا (یهوذا) (1 مل 15: 16ی) الذی استنجد بملک أرام على بعشا؛ ملک إسرائیل.

کم حلمَ الشعبان! قال إرمیا: "وفی تلک الأیَّام ینضمُّ بیت یهوذا إلى بیت إسرائیل ویجیئون معاً من أرض الشمال (أی أرض المنفى) إلى الأرض التی امتلکها آباؤهم" (3: 18). وقال إشعیا فی المعنى عینه: "ویرفع الربُّ رایة فی الأمم لیجمع حولها المنفیِّین من بنی إسرائیل والمشتَّتین من بیت یهوذا فی أربعة أطراف الأرض. فیزول حسد إسرائیل وتضمحلّ عداوة یهوذا، فلا إسرائیل تحسد یهوذا ولا یهوذا تعادی إسرائیل" (إش 11: 12-13).

"معاً یسیرون"، لا فی الفرح، بل فی البکاء؛ لأنَّهم أضاعوا الربَّ، وخصوصاً أضاعوا الطریق التی توصلهم إلى صهیون، إلى المدینة المقدَّسة، إلى أورشلیم. ها هم عادوا إلى الربّ، فهموا أنَّ الأصنام لیست بشیء، وأنَّ التحالفات والمعاهدات مع سائر الأمم خیانة للربّ. عن هذا الوضع تحدَّث النبیّ (3: 21):

صوتٌ سُمع من الروابی

بکاء تضرُّع من بنی إسرائیل

ولو تعرفون السبب! لا طلب المطر، ولا الانتصار على العدوّ؛ بل وَعَوا حالهم:

لأنَّهم حادوا عن طریقهم

ونسوا الربَّ إلههم.

طریقهم رسمها الربُّ لهم منذ عهد سیناء. أخذوا طریقاً أخرى، أو طرقاً، ولهذا قیل: "تشتَّتوا". راح کلُّ واحد فی طریقه، وحتَّى فی "سیاساتهم" لم یلبثوا "معاً" ܐܟܚܕܐ: کأنَّهم واحد، وراء قائد واحد، فی مسیرة البرِّیَّة، کان قائدهم واحداً؛ وهو الربُّ الذی أرسل لهم موسى، ورافقهم بالغمام فی النهار، وبالنار فی اللیل. حادوا عن هذه الطریق، فتاهوا فی البرِّیَّة. والأسوأ من هذا: "نسوا الربّ". نتخیَّل أنّهم تعلَّقوا بعالم بابل وآشور ونینوى؛ تلک الحضارات الکبیرة والغنیَّة، وبأعیاد الإله آشور والإله مردوک، بتلک التماثیل، الزهور، الاحتفالات الملکیَّة الرائعة، ومن ثمّ "نسوا". ومع أنّهم رأوه، فقد نسوا وجهه، ضاع وجهه بین وجوه الأصنام الکثیرة فی بابل وفی أماکن أخرى؛ ولهذا کان النداء:

ارجعوا أیُّها البنون الشاردون

فیغفر لکم الربُّ شرورَکم (آ22أ)

          وکم تمنَّى النبیُّ جواباً مثل هذا:

ها نحن نأتی إلیک

فأنتَ الربُّ إلهنا (آ22ب)

"ویسألون". ولماذا السؤال؟ یکفی أن یوجِّه المؤمنون نظرهم. یکفی أن یمیلوا عن الأصنام؛ لیجدوا أنَّ الربَّ ینتظرهم، وما أحلاهم "ینضمُّون" إلیه، کما الخراف حول راعیها. کان عهد فی سیناء، فنُقض أکثر من مرَّة. والعهد مع داود ونسله راح فی عالم الغیبوبة، فلم یبقَ ملک ولا عاصمة؛ ضیاع تامّ. إذاً لا بدَّ من عهد آخر، متجدِّد، فیه یجعل المؤمنون ثقتهم التامَّة بالله.

وضع تعیس کان: خِرافٌ ضالَّة، وما اکتفى الرعاة بأنْ یهملوهم؛ بل "أضلُّوهم"، فما عادوا یعرفون کیف الوصول إلى "الحظیرة"، إلى حیث یربضون، یرتاحون، ویکونون بمنأى من الوحوش الضاریة. تاهوا فی البرِّیَّة وأتت الوحوش، أی الأعداء من نوع خاصّ، "وأکلوهم". ذاک ما یقول المزمور: "إذا هاجمنی أهل السوء، أعدائی والذین یضایقوننی؛ لیأکلوا لحمی کالوحوش، لیمزِّقونی" (27: 2).

وحین فعل "الوحوش" ما فعلوا، لم یؤنِّبهم ضمیرهم؛ فالربُّ راضٍ عمَّا نفعل. وبما أنَّهم خطئوا إلى ربِّهم، فنحن نعاقبهم؛ بل الربُّ أرسلنا لنکون "قضیب غضبه"؛ نحن لسنا مخطئین. عندئذٍ ینادیهم النبیّ، أو "الکلمة": "تطلَّعوا إلى الربّ، ذاک الذی وضع فیه الآباء رجاءهم، فافعلوا مثلهم، وتابعوا النشید: إذا هجم الأعداء، فهم یعثرون ویسقطون، إذا اصطفَّ جیش، لا یخاف قلبی. إذا قامت حرب فأنا أبقى مطمئنّاً" (مز 27: 2ب-3). وماذا یتمنَّى هذا الذی یعیش بالتعاسة ویرى نفسه فی عالم ظالم؟ "أن یقیم فی بیت الربّ" (آ4).

وأمّا القصیدة الثانیة (50: 17-20) إلى إسرائیل ویهوذا، فتذکر ملک آشوریا دون أن تسمِّیه. أمّا نحن، فنعرفه من سفر الملوک الثانی (ف 17): شلمنصَّر ثمَّ سرجون الثانی، ثمَّ تذکر نبوخذ نصَّر البابلیّ الذی حاصر أورشلیم أکثر من مرَّة، وخصوصاً سنة 587-586. وعد الربّ برجوع مملکة إسرائیل إلى جبال أفرائیم، حیث تقیم أکبر قبائل الشمال، فتماهى مع إسرائیل، فالربُّ ینسى خطایا شعبه فی الجنوب وفی الشمال، فهو "الربُّ الربّ، إله رحیم حنون، بطیء عن الغضب وکثیر المراحم واللطف. یحفظ الرحمة لألوف الأجیال، ویغفر الإثم والمعصیة والخطیئة" (خر 34: 6-7). ذاک ما یکتشفه شعبه بعد الذی حصل لهم فی زمن المنفى. وها نحن نقرأ إر 50: 17-20.

17      إسرائیل شاة ضائعة

الأسُود أضلَّتهم

تقدَّم ملک آشور فأکله

ونبوخذ نصَّر، ملک بابل

حطَّم له (أی یهوذا) عظامه.

18      لذلک، هکذا قال:

یهوه صباؤوت، إله إسرائیل

سأعاقب بشدَّة

ملک بابل وأرضه

کما عاقبتُ ملک آشور

19      وأعید إسرائیل إلى مراعیهم

فیرعى فی الکرمل وباشان

وفی جبل أفرائیم

وفی جلعاد تشبع نفسُه

20      فی تلک الأیَّام وفی ذلک الزمان

یقول الربّ

یُطلَب ذنب إسرائیل

ولکنَّه زال

وخطایا یهوذا

ولا تجدونها

لأنِّی أغفر

للباقین فی الحیاة.

نعود -هنا- إلى موضوع الخراف، کما إلى موضوع الوحوش؛ فالأسود هم هنا، ونحن نعرف أنَّ أبواب الآشوریِّین تستقبل الآتین مع أسد إلى الیمین وآخر إلى الشمال، إسرائیل "شاة" שה فی العبریَّة، وفی السریانیَّة: ܢܩܝܐ، فالأنثى من "أم" أو "بنت" تدلُّ على الشعب. أمّا الصفة التی ترافقها فهی "ضائعة" ܛܥܝܬܐ فی السریانیَّة، وکذلک فی الیونانیَّة planomenon. أمّا فی العبریَّة فنقرأ פזורה من פזר؛ أی شتَّت. قد نکون أمام صیغة الجمع: خراف مشتَّتة؛ ما یعنی أنَّها ضالَّة.

وفی السریانیَّة، الأسُود "أضلَّت بهم" ܐܛܥܝܘ. وفی العبریَّة: "ردّتهم أو طاردتهم הדיחו". وفی الیونانیَّة: دفعتهم exwsan. وعلى أیِّ حال، فقد طُرد الخراف من حمایة الربّ؛ فهی إشارة إلى المنفى الآشوریّ والمنفى البابلیّ. ماذا فعل ملک آشور؟ "أکل" الشعب. وملک بابل؟ "جرفه"، حطَّم عظامه. وأمّا السریانیّ (ܥܫܢ) فخفَّف المعنى: کان شدیداً علیه.

فالعقاب ینتظر هذین الملکین؛ بل إنَّ ملک آشور "أکله" ملک بابل، وهذا ما عرف به إرمیا؛ وهو العائش فی نهایة القرن السابع وبدایة السادس. ویبقى ملک بابل، ولن یکون مصیره أفضل من مصیر آشور פקד: افتقد، عاقب، جازى الشرّ بالشرّ.

إذا أراد الربُّ أن یخلِّص الضعفاء، ینبغی أوَّلاً أن یزیل الظلم عنهم. ولکن بما أنَّ الظالمین یبدون کالوحوش، لا یتخلَّون عن فریستهم بطیبة خاطر؛ ینبغی على الله أن "یحطِّم" هؤلاء الأقویاء. وبعد ذلک، یرجع الربُّ، فیعید بناء شعبه فی أرضه. هی أرض جبلیَّة فیها المراعی: "الکرمل"؛ أی الحدیقة والبستان. جبل یطلُّ على البحر، و"باشان" یشیر إلى الخصب؛ حیث یَسمن القطیع. قال عنه المزمور: "جبل باشان یا جبل الشموخ! جبل باشان یا جبل الأعالی" (68: 16). اشتهر بمراعیه فقال فیه سفر التثنیة: "وزبدة البقر ولبن الغنم وشحم الخراف وکباش باشان" (32: 14). وکیف ینسى النبیّ "جبل أفرائیم" الذی یشکِّل فی فلسطین العمود الفقریّ. أمّا هناک فکانت قبیلة أفرائیم کبرى قبائل إسرائیل، وهی تنتهی عند حدود العائدین فی "جلعاد"، الواقع إلى ضفَّة الأردنّ الشمالیَّة، وتنتهی آ19 مع فعل "شبع"، کما انتهت أیَّام الجوع فی زمن العبودیَّة؛ کلُّ خیرات الربِّ تُعطى للذین وجدوا أخیراً "الطریق إلى صهیون".

ونعود -هنا- إلى بدایة المقطع الأوَّل الموجَّه إلى إسرائیل (50: 4): تحدید الأیَّام والوقت، عند ذلک یأتی الربّ. هؤلاء مضوا إلى المنفى، واعتبروا أنَّهم نالوا ما نالوا بسبب خطایاهم. وبما أنَّ الربَّ حضر؛ ینبغی على کلِّ إنسان أنْ یُقرَّ بذنوبه وخطایاه. قیل له: "حادوا عن الطریق" (إر 3: 22)؛ لا! هم فی الطریق؛ یسیرون وراء الربِّ راعیهم. والأسود؟ لا مکان للأسود؛ بل الربُّ یکون ذاک الأسد، فنقرأ فی هو 11: 10: "یسیرون وراء الربّ، وهو یزأر کالأسد. یزأر فیُسرع البنون إلیَّ من جهة البحر. من مصر یسرعون إلیَّ کالعصافیر، ومن أرض آشور کالحمام، فأعیدهم إلى بیوتهم، أنا الربّ".

ولکنّ الأمم تقول: نحن رأینا "ذنب إسرائیل" و"خطایا یهوذا"، تعالوا، أتوا وتحقَّقوا، لم یجدوا شیئاً، ما الذی حصل؟ غفران الله فعل فعله وما ترک أثراً؛ فالربُّ لا "یرقِّع"، بل یخلق کلَّ مرَّة یرحم، کما قال المزمور: "قلباً نقیّاً أخلق فیَّ یا الله، وروحاً مستقیماً جدِّدْ فی أحشائی" (51: 12).

"ذنب إسرائیل"؟ איננו: "لیس هو" لا وجود له. ܠܝܬܘܗܝ (فی السریانیَّة). "خطایا یهوذا"؟ ابحثوا، فلن تجدوها (םצא). قال العبریّ والسریانیّ: الله غفر. وتحدَّث الیونانیّ عن الرحمة واللطف ilewV. هو سرُّ الغفران، لا بسبب استحقاقاتنا؛ بل لأنَّ الربَّ هو أبٌ وأمّ، هو العطاء المجَّانیّ، والذی غفرانه یسبق کلَّ ما یصدر من الإنسان.

وهکذا جاء النصّ الذی قرأناه: عقاب القویّ ومساعدة الضعیف. وعلى أیِّ حال، لا یحابی الله الضعیف؛ اهتمَّ بالمنفیِّین فی بابل، لا الآتین من إسرائیل ویهوذا فقط، بل من جمیع الشعوب التی عرفت العنف الهاجم "من الشمال"، وسیکون لنا خبر یونان مع التوبة والغفران، ومصر نفسها سوف تصرخ من الضیق، فیخلِّصها الربّ.

 

خاتمة:

إذا کنَّا نؤمن بأنَّ الربَّ هو الإله الحیّ، فکلمته تکون حیَّة. فإنْ عجزت کلمته جعلناه "صنماً" فی أعلى السماء، أو ملکاً من ملوک هذا الزمان. لا شیء یبدِّله، لا شیء یفرحه أو یحزنه. لا! لم تنزل کلمة الله قطعة واحدة مثل جبل الثلج! فی لغة محدَّدة هی العبریَّة أو الیونانیَّة أو السریانیَّة أو العربیَّة، اعتبر العبرانیُّون أنَّ نصَّ التوراة لا یمکن ترجمته. والسریان قالوا إنَّ الله تحدَّث مع آدم بلغتهم، واعتبر الیونان أنَّ السبعینیَّة لا تتبدَّل، فلبثوا یرفضون -حتَّى منتصف القرن العشرین- أنْ یُقرأ الکتاب المقدَّس على الشعب إلاَّ فی هذه اللغة التی لا یفهمها الناس. وکذا نقول على الأرمن الذین لا یزالون متعلِّقین بنصِّ کتابیّ، بیبلیّ، یعود إلى القرن الرابع، وقد أرادوا أنْ یطبعوه کما هو فی القرن العشرین.

أمّا الکتاب المقدَّس، فی العمق، فلا یمکن أنْ یکون قلعة مغلقة ندور حولها ولا نجرؤ على الدخول إلیها؛ فالله الذی یضع معرفته فی القلوب یسمح للقلوب أنْ تکتبها فی زمن معیَّن وفی مکان معیَّن. وبما أنَّ البشر کتبوها، فقد صارت کلمة بشریَّة نحاول أنْ نقرأها، نشرحها، نفهمها فی الإطار الذی کُتبت فیه. ولکنْ إذا تبدَّل الإطار فالمعنى لنْ یتطوَّر؛ إنَّما یغتنی، فیجعل الکاتب هذا النصَّ "الإلهیّ" یغذِّی المؤمنین فی أیَّامه؛ فشارح الکتاب المقدَّس لیس عالم آثار، بل همُّه أنْ تصبح کلمة الله حاضرة، حیَّة، فاعلة، فی هذا الآن وفی هذا المکان.

فی هذه الروح قدَّمنا هذا النصَّ الإرمیائیّ؛ وهو فی الأصل توجَّهٌ إلى مملکة إسرائیل التی سقطت بید الآشوریِّین سنة 722-721، حیث دُمِّرت العاصمة ومات من مات، وراح الناس إلى السبی فی عملیَّة تبدیل السکَّان بحیث تموت روح الثورة فی الشعوب. تبعثر سکَّان مملکة إسرائیل فی العراق الحالی، ولاسیَّما فی الشمال، وأتى محلَّهم من بابل وکوت وحماة. کما أتى العویدون والسفروالیمییُّون (1 مل 17: 30ی). ولکنّ ما فعله الآشوریُّون لسکَّان الشرق، أتى منْ یفعل فیهم الأمر عینه؛ ففی سنة 614 أتى المیدایُّون على مدینة آشور، فسلبوا ونهبوا وقتلوا. وسنة 612 سقطت نینوى بید البابلیِّین والمیدایِّین. وإذا کانت آشور قد استطاعت أنْ تخرج من کبوتها سریعاً، فإنَّ نینوى ستبقى خراباً وتتحوَّل بعد أجیال إلى قریة صغیرة.

عن سقوط نینوى عاصمة الإمبراطوریَّة الآشوریَّة تحدَّث ناحوم ورثاها. فجاء من یبشِّر یهوذا بالسلام الآتی ویدعوها إلى العید (1: 15). وتحدَّث إرمیا عن الآشوریِّین، وما حصل لهم کان فی أیَّامه؛ فذکر آشوریا مرَّتین هنا (50: 17-18) وما عاد یذکرها، کما لم یذکر آشور مرَّة واحدة، وهذا یعنی أنَّ خبر سقوط الآشوریِّین صار قدیماً، ولا بدَّ من تأوین النصّ بالنسبة إلى مملکة یهوذا التی جاءها البابلیُّون.

هنا یأتی دور تلامیذ إرمیا الذین رأوا دمار بابل، فتحدَّثوا عنه، وتطلَّعوا إلى خلاص شعبهم الذی لا ینحصر فی یهوذا؛ بل یضمُّ أهل المملکتین الذین مضوا إلى المنفى الآشوریّ والبابلیّ. قد یکونون استعادوا ما کتبه إرمیا وطبّقوه على وضعهم وأعادوا الأمل إلى الشعب.

وإرمیا نفسه عرف نسخة قصیرة نُقلت إلى الیونانیَّة، ثمَّ نسخة طویلة هی التی ثبَّتها الماسوریُّون؛ بحیث وصلت إلینا فی القرن التاسع المسیحیّ؛ ولکنْ لا ترجمة حرفیَّة فی العالم القدیم، بل قراءة جدیدة، وکدتُ أقول "وحیاً إلهاماً" جدیداً، فالسبعینیَّة أعطت وصفین لمردوک aptohtoV: هو صنم واقف، لا یسقط a-piptw. ثمَّ trujera: الشهوانیّ، الذی یدعو إلى ممارسة الزنى والبغاء؛ کما اعتادت بعض العبادات السرَّانیَّة أنْ تفعل. أمَّا السیف القاسی، الجائر، الذی یحمل التعاسة، فصار السیف الیونانیّ؛ وکأنَّ أداة انتقام الله من بابل جاءت من الهلِّنیِّین الذین أتوا مع الإسکندر. والسریانیَّة البسیطة أعادت قراءة النصّ العبریّ ولبثت قریبة منه، ولکنَّها بسَّطته وبدَّلت بعض الأمور؛ لیستطیع شعب الرها ونصیبین وسائر المدن أنْ یفهمه ویطبِّقه على حیاتهم.

عمق النصّ لا یتبدَّل؛ لأنَّه فی الأصل وحیٌ من الله لأحد أنبیائه؛ لکنَّ تطبیقه على السامعین یأخذ منحًى آخر. ولهذا، نستطیع نحن أنْ نقرأه الیوم ونفهم أنَّ الله یُنزل المتکبِّرین عن الکراسی ویرفع الوضعاء، الیوم وکلَّ یوم. لقد کان تلامیذ إرمیا من "مساکین الربّ" الذین هنَّأهم یسوع ووعدهم بملکوت السماء. ونحن نستطیع أنْ نکون من تلامیذ إرمیا، أو من سامعی "الکلمة" التی لا تزال حاضرة، حیَّة، فعَّالة، وأمضى من کلِّ سیف ذی حدَّین، خارقة إلى مفرق النفس والروح" (عب 4: 12)، أمامها لا قناع ولا اختباء؛ بل "کلُّ شیء عریان ومکشوف" (آ13). هی هی فی الماضی والیوم وکلَّ یوم؛ لأنَّها فی النهایة شخص یسوع المسیح الذی "هو هو أمسِ والیوم وإلى الأبد".