نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولاً: تأویلیّة الفهم فی أطوارها الأولى
ثانیاً: تأویلیّة الفهم عند شلیرماخر
ثالثاً: تأویلیّة الفهم عند فیلهیلم دلتای
رابعاً: تأویلیّة الفهم عند مارتن هیدغر
خامساً: تأویلیّة الفهم عند هانز جورج غادامیر
الكلمات الرئيسية
تأویلیّة الفهم
الدکتور حسن ناظم[1]
خلاصة المقالة:
تسلِّط المقالة الضوء على مشکلات الممارسةَ التأویلیّة التی مرّ "الفهم" معها بأطوار فلسفیَّة حتّى بلغ کیانَه المتماهی بالوجود الإنسانیّ فی آخر مطافات الفلسفة الوجودیّة. ذلک "الفهم" الذی یحدّد وجودنا ومواقفَنا؛ إذ من "الفهم" نفسه ننطلق فی ممارسة الوجود، لا على صعید مواقفنا النظریّة وآرائنا الفکریّة فقط؛ بل على صعید أفعالنا الموجَّهة من هذا "الفهم" نفسه، بعد أن یُحکم قبضتَه علینا. هذا "الفهم" منغرز فینا، کامن فی ذواتنا على هیئة "أحکام مسبقة"، وکلاهما: "الفهم" و"الأحکام المسبقة"، یشکّلان بعضَهما بعضاً، وکلاهما یوجّهان تأویلَ النصوص.
ولعلَّ سؤالاً مُلحّاً یبرزُ -هنا- عن إمکان أنْ ینصاعَ نصٌّ دینیٌّ لتأویلیّة تجنی منه فهماً معیّناً. فهناک -أیضاً- على الدوام إمکان للأفهام المتعدِّدة للنصّ المقدّس أیضاً.
ویبدو أنّ الجدالات والنقاشات والصراعات المحتدمة حول شرعیّة التأویل أو عدم شرعیّته، وحول واحدیّة المعنى أو تعدّده، ترید أنْ تقف حاجزاً أمام تدفّق الحیاة والفکر؛ فکلّ ما قیل ویمکن أنْ یُقال لا یستطیع أنْ یمنعنا أبداً من القول: إنَّه لیس فقط الطرق إلى المعنى بقدر عدد البشر، بل إنَّ الطرق ذاتها هی المعانی. ولیس المعنى فی نهایة طریق نبلغه کما نبلغ لبّ ثمرة؛ إنَّه قائم فی الحرکة والتوجّه والطریق. فوجود الإنسان على الأرض وتاریخه، بیّنة جلیّة على ما قیل، وشیءٌ واحدٌ فقط یمنح المعنى الواحد الشرعیّة، ویبطل المعانی الأخرى؛ وهو السلطة بجمیع صورها.
مصطلحات مفتاحیّة:
النصّ الدینیّ، الهرمنیوطیقا، الفهم، التأویلیّة، تاویلیّة الفهم، الفلسفة، الوجود، الأحکام المسبقة،...
مقدّمة:
قال هانز جورج غادامیر: "إنّ الفهمَ تأویلٌ دائماً، ومن هنا، فإنّ التأویلَ هو الفهمُ بشکله الصریح"[2].
إذا کان لازماً تعریفُ التأویلِ بأقلّ الکلمات لکی ندخلَ میدانَ التأویلیّة، فأقترحُ تعریفَه بأنَّه تَبْیِئَةُ الغریب (النصّ). فالمؤوِّلُ یعملُ لکی یُلغی المسافةَ بین حالة النصّ المؤوَّل (زمن إنتاجه وظروفه) وحالته الراهنة. ولذلک فإنَّ عملَ التأویلیة هو إجراءُ هذه التبیئة وبسطُ طرقها، إنَّها تخلقُ ملاءمةَ النصّ للظرف الراهن، وتجعله نصّاً مکتوباً للمؤوِّل لزمنه، وظرفه الخاصّ.
إنَّ الهرمنیوطیقا (hermeneutics) لَبوسٌ نکسو به النصَّ، أیَّ نصٍّ، حیث یقفُ النصُّ منتظراً لَبوساً ما، مهما کان لونُه أو هیئتُه. غیر أنَّنا ونحن نصمِّمُ اللبوسَ للنصّ، نصمّمُ تأویلیّتَه، نجعلُه بدءاً شیئاً یخصُّنا، نُدخلُه إلى عالمنا. إنَّنا، بتعبیر مارتن هیدغر (1889-1976م)، نحوزُه، وعملیّةُ حیازةِ الشیء أو النصّ وإدراجه فی عالمنا تتمُّ عبر ما یسمّیه هیدغر وتلمیذه هانز جورج غادامیر (1900-2002م) "الفهم" فی کتابیْهما الکینونة والزمان (1927م)،والحقیقة والمنهج (1960م)، على التعاقب. فقد عالج هیدغر مشکلات التأویلیّة لکی ینظر فی بنیة الفهم المسبقة، والأساس الذی یُقیم علیه معالجتَه إنّما هو أساسٌ أنطولوجیّ. فکان کشفُه عن بنیة الفهم المسبقة بمثابةِ غمرِ المشکلة التأویلیّة بمسألة الأنطولوجیا بموجب التصوُّر المسبق والرؤیة المسبقة، وتلک هی تحدیدات الکائن الأنطولوجیّة ضمن ما یسمّیه هیدغر الوجود فی العالم. فالکائن (الدزاین) موجود فی العالم ومع الآخرین، وفهمه حال أنطولوجیّ. والتأویل الذی هو نشاط الفهم وفعّالیّته، لیس علاقة بنصٍّ فقط، بل هی علاقة بالعالم نفسه.
هذا وتمکّنُ التأویلیّةُ النصوصَ، سواءٌ أکانت دینیّةً أم غیرَ دینیّة، من أنْ تکونَ جزءاً من بنیة وجودنا الإنسانیّ، وأنْ تمارسَ فی هذا الوجود دوراً یشکِّلُ ویعیدُ تشکیل تصوّراتنا عن العالم، ولا تتمُّ صیاغةُ الوجود هذه؛ إلّا عبر "الفهم" الذی یُصبحُ فی نهایة المطاف مکوّناً وجودیّاً، أی محدِّداً لبنیة وجودنا.
باختصار، التأویلیّةُ تُعید النظرَ فی النصوص لتمنحَها معانیَ جدیدة عبر خلق "فهم" جدید لها، الفهم الذی لا ینحصرُ فی کونه استخلاصَ معنىً من نصٍّ ما، أی شیئاً یحوزُه النصُّ، بل شیء تحوزُه الذات الإنسانیّة، أو هو وجود الذات نفسه.
ویتوخّى هذا البحثُ أنْ یسلِّطَ الضوءَ على بعض مشکلات الممارسةَ التأویلیّة عبر "الفهم"، وثمّة ظروف تحفّ بنا تجعلنا نسلّط الضوء على "الفهم" الذی یحدّد وجودنا ومواقفَنا؛ لأنّه من "الفهم" نفسه نحن ننطلق فی ممارسة الوجود، لیس فقط على صعید مواقفنا النظریّة وآرائنا الفکریّة، بل على صعید أفعالنا الموجَّهة من هذا "الفهم" نفسه بعد أن یُحکم قبضتَه علینا. هذا "الفهم" منغرز فینا، کامن فی ذواتنا على هیئة "أحکام مسبقة"، وکلاهما: "الفهم" و"الأحکام المسبقة"، یشکّل کلٌّ منهما الآخر، وکلاهما یوجّهان تأویلَ النصوص.
أولاً: تأویلیّة الفهم فی أطوارها الأولى:
لقد مرّ "الفهم" بأطوار فلسفیَّة حتّى بلغ کیانَه المتماهی بالوجود الإنسانیّ فی آخر مطافات الفلسفة الوجودیّة؛ إذ کان قبل ذلک شیئاً یتمخّض من التقنیّة، أو کان نتیجة لمنهج أو إجراءات منهجیَّة. ویبدو من التمحّلِ زعم ﭘول ریکور أنَّ جمیع التأویلیّات، حتّى أکثرها تعارضاً، تتّجه توجّهاً أنطولوجیّاً، مهما کانت تکییفاتُها[3]، فباستثناء التأویلیّة التی لها وشائج بالتحلیل النفسیّ الذی ینتهی إلى کونه حفریات فی الذات، فإنَّ التأویلیّات استندت إلى إجراءات قواعدیّة لغویّة هی فی نهایة المطاف تقنیّة. کان تحدیدُ معنى ملاحمِ هومیروس ووظیفتِها هو السیاقَ الذی ظهرت فیه تأویلیّةُ الإغریق، إذ کانت تفسیراً لنصوص أدبیّة خضع للسیاق الثقافیّ آنذاک. ومنذ أرسطو، کانت التأویلیّة الأدبیّة تمخّضُ قواعدَ لفهم النصوص (الأدبیّة)، وضعها أرسطو ورُقّیتْ إلى مستوى التقلید الراسخ. وکانت هذه القواعدُ قواعدَ خارجیّةً تنشدُ معرفةَ الشکل الأدبیّ وفهم أجزاء العمل انطلاقاً من الکلّ إلى الجزء والعکس أیضاً، حتى یدخل التأویل "الدائرة التأویلیّة hermeneutical circle". وقد اتّسعت هذه الدائرةُ، بل انفتحت حین استقبلت حقول المعرفة لتساهمَ فی التأویل، فکان للفیلولوجیا والتاریخ نصیب فی عملیّة التأویل وإنتاج الفهم. ومع ذلک، لم تکن قواعد التأویلیّة الأدبیّة کافیة للوصول إلى "فهم أصیل"، وکان لا بدّ من التفکیر فی خطوة أخرى لتحقیقه.
هذا، وقد کان فی اللاهوت فلسفات سلکت طرقاً جدیدة فی الفهم، ولاسیّما فهم النصوص المقدَّسة. على سبیل المثال: کانت فلسفة باروخ سبینوزا (1632-1677م)، فی کتابه رسالة فی اللاهوت والسیاسة المطبوع فی العام 1670م،قد عزّزت النصوص المقدّسة؛ بوصفها نصوصاً ذات معانٍ تتأسّس علیها السلطة الدینیّة، بل إنَّ هذه المعانی هی مصدر السلطة الدینیَّة، وهذه الأخیرة لا مصدرَ لها خارجیّاً؛ سواء أکان طبیعیّاً أم خارقاً للعادة. وفی الواقع، فقد میّز سبینوزا تمییزاً لا لبسَ فیه بین تأویل کلمات الکتاب المقدّس بحرْفِ المعنى أو قلبِه أو تغییر المعنى الحرفیّ تغییراً تامّاً، کما أیّد سبینوزا فهم الکتاب المقدّس فی ضوء المناسبة والزمن والعصر الذی جرى فیه تألیف کلّ جزء فیه[4].
ثانیاً: تأویلیّة الفهم عند شلیرماخر:
خطا فریدریک شلیرماخر (1768-1834م) خطوة بارزة فی التأویلیّة؛ فکانت للممارسة التأویلیّة فی سیاق فلسفته تاریخها الخاصّ، وأنماطها الخاصّة من هذا التاریخ. وقد أُنجزت أوّل صیاغة نظریّة کلاسیکیّة لها فی عمل شلیرماخر الذی یُسمّى أحیاناً مؤسّس اللاهوت البروتستانتیّ. ویعتقد شلیرماخر أنَّ للتأویلیّة بعدَیْن: خاصّ وعامّ؛ وکلا هذین البعدین متضمَّن فی تصوّره عن اللغة الذی یبیّن أنَّ کلمة معیّنة لا تکتسب معناها إلّا بوجودها فی نظام القواعد الخاصّ باللغة. وفی أحیان أخرى، یتبنّى تأویلیّة تعتمد على ظروف تاریخیّة معیّنة من أجل تحقیق الفهم النفسیّ والعاطفیّ لکلمات المؤلِّف؛ وبهذا فإنّ تأویلیّة شلیرماخر تثیر اتّجاهیْن من التأویل: اتّجاهاً یخصّ قواعد اللغة، واتّجاهاً یخصّ اللاهوت[5].
هذا، وقد سعى إلى استکمال التأویل الشکلیّ المتعلّق باللغة بالتأویل النفسیّ المتعلّق بکلٍّ من المؤوِّل والمؤلِّف، وعمل على أن یمیّز بوضوح "بین ممارسة تأویلیّة مهلهلة ینتج فیها الفهمُ آلیّاً، وممارسة دقیقة تنطلق من مقدّمة تفید أنَّ ما ینتج آلیّاً هو سوء فهم"[6]. ومن هنا، کان تعریف شلیرماخر للتأویلیّة هو "فنّ تجنّب سوء الفهم"[7]. وکان استکمال التأویلیّة لدى شلیرماخر منصبّاً على جعل "إجراء الفهم" منهجاً مستقلاً یتخطّى المکتوب إلى فهم الخطاب؛ أی إنَّ مرمى الفهم لیس الکلمات ومعانیها فحسب؛ بل فردیّة المؤلِّف أیضاً. ولهذا کانت المیزة البارزة فی تأویلیّته أنَّها ضمّت الجانب النفسیّ التقنیّ فی التأویلیّة إلى الجانب القواعدیّ.
ویتأسّسُ الفهمُ لدى شلیرماخر على ذلک التشدید الفلسفیّ الذی وجّهه إلى هویّة المؤوِّل وبناء تصوّراته؛ إذ فی الفهم یُفهَمُ المؤوِّلُ والمؤوَّلُ فی وحدة واحدة، ویکونُ للفهم جانبان، أحدهما تنبّئیّ والآخرُ مقارَن[8].
لقد حقّقتْ تأویلیّة شلیرماخر فهماً شمولیّاً للعلوم التاریخیّة التی ظلّت ذات حدود، فهی تعمل على نصوص لا شکّ فی شرعیّتها؛ کالکتاب المقدّس وأعمال الأدب الکلاسیکیّة. ولم یکن مرادُها أبعدَ من تحقیقِ فهمٍ دقیقٍ لهذه النصوص[9]. وکان غادامیر قد نقد الاتّجاه النفسیّ فی تأویلیّة شلیرماخر؛ لکی ینقد اتّجاهها اللغویّ[10]، وکانت مساهمة شلیرماخر حاسمة فی تحویل التأویلیّة إلى فنّ مستقلّ للفهم، فنّ یساعدنا فی تجنّب سوء الفهم، ویقوم على قواعدَ تأخذ بالحسبان عالمیْ اللغة والنفس فی عملیّة الفهم. فالفهم ممکن؛ لأنَّ الوسیط الذی یُستعمل لإنجاز عملیّة الفهم هو اللغة، وأمّا العالم النفسانیّ فإنَّه یتّصل بالمؤلِّف؛ بوصفه صاحب النصّ، وعلى المؤوِّل أن یتماهى فیه. ولذلک، فإنّ نقد غادامیر یبیّن نزعتَه التی تبدأ بنقد التأویلیّات کلّها، وأنّ أولویّة التأویلیّة لیس فی الغوص لتبیین مقاصد مؤلِّف النصّ ونفسیّته، بقدر ما هی فهم النصّ على حقیقته وفهم تجربتنا له.
ثالثاً: تأویلیّة الفهم عند فیلهیلم دلتای:
عزّز فیلهیلم دلتای (1833-1911م) تصوّر التأویلیّة ببعدها النفسیّ، وواصل فیلسوف التأویلیّة هذا النظرَ إلى التأویل فنّاً شخصیّاً یستند إلى "عبقریّة المؤوِّل" وطبیعة علاقته بالمؤلِّف. ولذلک، فقد صار التأویلُ لدیه فنّ الفهم، حیث یقول: "نطلق اسم التفسیر أو التأویل على ذلک الفنّ من فهم التجلّیات الحیویّة الثابتة بشکل دائم"، ویقول: "یدور فنّ الفهم حول تأویل الشهادات الإنسانیّة التی حافظت الکتابة علیها"[11]. إنَّ الفهمَ عند دلتای یشیرُ إلى ذلک المستوى الأعمق من الإدراک الذی یساهم فی الإحاطة بالصورة أو القصیدة أو التعبیر النفسیّ عن الحیاة[12]. وبهذا المعیار تکون هذه النظرة ذات صلة بـ"المشارکة الروحیّة" بین المؤوِّل والمؤلِّف، وإنْ کانا ینتمیان إلى عصور وأعراق مختلفة، وهی نظرة متأصّلة فی تأویلیّة کلٍّ من فنکلمان وهردر[13].
لقد أرادت تأویلیّة دلتای أن تحقِّق تماهیاً مع روح التاریخ التی أظهرت النصَّ المؤوَّل؛ إنّها تنشد "المشارکة الوجدانیّة مع الحالات النفسیّة الأخرى"[14]، والفهم الذی یؤدّی إلى معرفة "تاریخ الروح فی التاریخ کلِّه"[15]، وهذا الضرب من الفهم إنّما هو تمرّن للذات؛ لکی ترى نفسها بفهم الذات التی تحقّق الفهم الأصیل داخلها، حینما تُنْصِتُ إلى ما یثیره النصّ المؤوَّل، وما یکشفه من ممکنات.
إنَّ الغایة من فهم الأدب والفنّ والفلسفة والدین هو "فهم الوجود التاریخیّ الفرید"، وفهم "ممکنات الوجود الإنسانیّ التی تتکشّف فی الأدب والفنّ، وکذلک فی النصوص الفلسفیّة والدینیّة"[16].
لقد أقام دلتای الصلة الجوهریّة بین المدرسة التاریخیّة والتأویلیّة الرومانسیّة، فهو الذی حدّد أسساً لتأویلیّة تتخطّى شلیرماخر؛ ولذلک "تبنّى بوعیٍ التأویلیّة الرومانسیّة، ووسّعها إلى منهج تاریخیّ"، وکذلک اقترح أنْ "یطبَّق على التاریخ المبدأ التأویلیّ القائل: إنَّنا نستطیع فهم جزء ما بمقتضى النصّ الکلّیّ، ونفهم الکلّ بمقتضى الجزء"، ولم یقتصر على النصوص فقط؛ کونها مصادرَ تؤسِّسُ الفهمَ، بل إنّ "الواقع التاریخیّ هو نصٌّ یجبُ أن یُفهَم"[17].
ولمصطلح "الفهم" معنىً خاصٌّ عند دلتای، فهو لا یشیر إلى فهم مسألة عقلیّة؛ من قبیل: مسائل الریاضیّات، بل الفهمُ مقصورٌ على تحدید العملیّة التی یُدرکُ بها العقلُ عقلَ شخصٍ آخرَ. وهی أیضاً لیست عملیّةً إدراکیّةً خالصةً على الإطلاق؛ بل هی بالأحرى لحظة خاصّة تفهمُ فیها الحیاةُ الحیاةَ.
إنَّ الفهمَ -إذن- عملیّة عقلیّة ندرکُ بها التجربة الإنسانیّة الحیَّة، إنَّه الفعلُ الذی یکوِّن اتصالَنا الأمثلَ مع الحیاة نفسها، الذی یفتحُ أمامنا عالمَ الأفراد الآخرین، وبذلک هو یفتحُ ممکنات جدیدة فی طبیعتنا[18].
رابعاً: تأویلیّة الفهم عند مارتن هیدغر:
لعلَّ الخطوةَ الجوهریّة الأبعدَ هی تلک التی أضفاها مارتن هیدغر (1889-1976م) على مفهوم "الفهم": الفهم وجوداً، أو کما دعاها ﭘول ریکور "أنطولوجیا الفهم"، لا بوصفه مخصوصاً بالمعرفة، بل هو مخصوص بالکینونة. فقد بلغ هذا التطوّر فی تصوّرات التأویلیّة ذروتَه مع هیدغر، حین جلّى الفهمَ بوصفه مسألة وجودیّة، أی إنّ الوجود الإنسانیّ فی حالة ممارسته فهم مسألة الوجود نفسها. وفی الواقع، فقد کانت فلسفة هیدغر تقوم على مشروع إقامة تأویلیّة للوجود یکون الفهمُ فیها أساساً لازماً. وقد وُصفتتأویلیّة هیدغر بأنَّهانقلة فی التفکیر إلى مستوى الأنطولوجیا، وأنَّها ثورة فی الفکر؛ لأنَّها "الانقلاب الکلّیّ للعلاقة بین الفهم والکائن"[19]. وبکلمات أخرى: إنَّ أنطولوجیا الفهم لا تُدخل الفهمَ فی علاقة بینیّة محورها النصّ والکائن؛ بل یُصبح الفهمُ بها والکائنُ فی تماهٍ مطلق، حتى یکون الفهمُ علامةً على الکائنِ والکائنُ علامةً على الفهم، فکلاهما منطوٍ على الآخر فی انضفارٍ لا فکاکَ منه. ولذلک، فإنَّ ما یبلغه هذا الکائن-الفهم من تحدیدات للنصوص ودلالات متحصَّلة؛ إنَّما هی تحدیداتُه ودلالاتُه المتأسّسة علیه فهماً، والقائمة به کائناً.
ویستعملُ هیدغر مصطلحَ التأویل بمعنییْن مختلفیْن؛ ففی معناه العام، یکونُ التأویلُ مُنْصَبَّاً على إیضاحِ ما فهمناه من شیء ما، فهو أساساً مسألة تتعلّقُ بفهم شیء ما بوضوح. وما دام کلُّ فهمٍ إنَّما هو فهمٌ تاریخیّ، فإنّ کلّ تأویلٍ هو تقویضٌ للتراث الذی نفهمُ منه شیئاً ما. وبهذا المعنى، فإنَّ تأویل هیدغر لمعنى الکینونة هو أیضاً، وفی الوقت نفسه، تقویضٌ لتاریخ الأنطولوجیا. وکان هیدغر قد أکّد، منذ محاضرات صیف العام 1930م، على أنَّ التأویلَ الفلسفیّ هو تقویضٌ ضرورةً. وأمّا معنى التأویل الخاصّ، فإنّه تطویر لممکنات إسقاط الدزاین (الکینونة هناک)، فالتأویلُ عملٌ على ممکناتِ الفهم[20].
ویشکِّل الفهمُ، لدى هیدغر، الکینونة. والکینونة المخصوصة -هنا- فی السیاق الهیدغریّ، هی الدزاین (الکینونة - فی - العالم)، أی الکائن الإنسانیّ. ففی فقرة من کتابه الشهیر الکینونة والزمان، جاءت بعنوان "فی کینونة الهُناک بما هی فهم"، یضع هیدغر أصلاً مشترکاً بین الفهم والوجدان، وهذا الأخیر ینطوی على الکینونة؛ بوصفها إحدى البنى الوجدانیّة. ولذلک یمیّز هیدغر بین مستوییْن یحضر فیهما الفهم: الأوّل هو المستوى الذی یعنی "الفهم" فیه تحصیل المعلومات، أو الذی یکون معنى "فَهِمَ شیئاً ما" فیه هو "استَطْلَع تدبیر شیء ما". ولیس هذا هو الفهم المخصوص بـ (الکینونة - فی - العالم)؛ بل الفهم المتعیّن على المستوى الأنطولوجیّ؛ أی الفهم الذی ینطوی على الکینونة[21]. ویکمن فی الفهم ما یسمّیه هیدغر الاستشراف الذی یحدِّد الکینونة، فهو الذی یحدِّد إمکانات وجود الکینونة؛ بمعنى أنّه یحدِّد الدزاین؛ بوصفه ممکن کینونة، وبذلک یکون الفهم مستطاع الکینونة. وبهذا، ما من صلة لهذا التصوّر للفهم بالمعنى، فهیدغر یؤکِّد على أنَّ "ما فُهِمَ، متّى ما أُخِذَ الأمرُ على وجه الدقّة، لیس هو المعنى، بل الکائن، أو هو بعبارة أخرى: الکینونة"[22].
إذاً، فالفهمُ فی هذا السیاق الهیدغریّ لا یعنی التعاطف ولا القدرة على الشعور بما یمرّ به الآخرُ، فهو بالأحرى شیء یُشبهُ المشارکةَ فی الشیء الذی تقعُ علیه عملیّةُ الفهم. ویمکن للمرء أنْ یمتلک معرفة واسعة وفهماً محدوداً، ولذلک، فإنَّ الفهم یدخلُ فی صلب ما هو جوهریّ وشخصیّ. إنَّه التمتّع بالقوّة على إدراک إمکانات المرء الخاصّة فی أنْ ینوجدَ ضمن سیاق عالم الحیاة الذی یوجَد فیه. إنّه لیس القدرة على مشارکةِ الآخر مشاعرَه، ولا ملکة إدراک معنى بعضٍ من أنواع التعبیر عن الحیاة على مستوىً أعمق، بل الفهمُ هو شیء نحوزُه بوصفه نمطاً للوجود فی العالم، أو عنصراً یشکّل الوجودَ فی العالم، فهو أساسُ کلّ تأویل، وحاضرٌ فی کلّ فعلٍ للتأویل، وأصلٌ مشترکٌ فی انوِجَاد الإنسان[23].
وبناءً على ما تقدَّم، تصبحُ التأویلیّة على ید هیدغر تأویلیّة وجودیّةً. والفهمُ "لیس طاقة أو موهبة للإحساس بموقف شخص آخر، کما إنَّه لیس القدرة على إدراک معنى بعض تعبیرات الحیاة بشکل عمیق. إنَّ الفهم لیس شیئاً یمکن تحصیلُه وامتلاکه؛ بل هو شکل من أشکال الوجود فی العالم، أو عنصر مؤسِّس لهذا الوجود. وعلى هذا یُعتبر الفهمُ، من الناحیة الوجودیّة، أساساً وسابقاً على أیّ فعلٍ وجودیّ"[24]. وبذلک، تصبح قراءة النصّ تجربة وجودیّة تتخطّى حبسَه فی إطار الذاتیّة والموضوعیّة، فالنصّ لا یعود تعبیراً عن أحاسیس المؤلِّف وتجربته کما تراه الرومانسیّة، ولا یعود تعبیراً موضوعیّاً کما یراه دلتای، بل هو تجربة وجودیّة تعبّر عن المشارکة فی الحیاة[25].
وتُضارعُ التأویلیّة فی فلسفة هیدغر عملیّة الفهم، فالکینونة فی العالم إنْ هی إلاّ عملیّة فهم مطّردة لوجودها وللظواهر، وهذا الفهم یتخلّق فی الکینونة تاریخیّاً، ویصوغ فیها مواقفها واحتمالات تحوّلاتها.
لقد أصبح تفکیر هیدغر بعد کتابه الکینونة والزمان أکثر "تأویلیّة" بالمعنى التقلیدیّ الذی یشیر إلى تشدید الانتباه إلى تأویل النصوص. إذ ما انفکَّ هیدغر یتحوّلُ باطّراد إلى إعادة تأویل الفلاسفة السابقین؛ ومنهم: کَانْت، ونیتشه، وهیغل، والشعراء؛ ومنهم: ریلکه، وتراکل، وهولدرلین. فحتّى إذا لم یعیّن هیدغر تحلیلَه للدزاین تحلیلاً تأویلیّاً (هرمنیوطیقیّاً)، ما زال ممکناً بقوّة، واستناداً إلى نمط تفکیره اللاحق، النظر إلیه فیلسوفاً هرمنیوطیقیّاً بامتیاز[26].
خامساً: تأویلیّة الفهم عند هانز جورج غادامیر:
کانت محاولة هانز جورج غادامیر (1900-2002) فی الفهم تتأثّرُ بمحاولةَ أستاذِهِ هیدغر، إذ تنظرُ إلیها من زاویة الکینونة. فالفهم له انخراط تامّ بخبرة الکینونة فی العالم. وطبقاً لکتابه المهمّ الحقیقة والمنهج، لیس من صلة بین قضیّة الفهم والمنهج، والفهمُ -هنا- یُضارع الحقیقة.
وبکلمات أخرى، ما من صلة بین الحقیقة والمنهج، والحقیقة تُصبح غیر مرتبطة بالمنهج؛ بل بالفهم المتماهی بالکائن الإنسانیّ. فالفهمُ -هنا- یُصبحُ هیدغریّاً طریقةً للکائن، والحقیقةُ -هنا- تُصبحُ غادامیریّاً طریقةً للکائنِ أیضاً.
وقد نشد غادامیر بناءَ تأویلیّة تقع خارج المنهج، لکنّها تُعنى بعملیّة الفهم، على العکس من دلتای الذی نشد بناء منهج موضوعیّ مستقلّ للعلوم الإنسانیّة لمضاهاتها بالعلوم الطبیعیّة.
إنَّ تلبّس الوجود الإنسانیّ بالفهم یحدّد تأویل المؤوِّل للنصّ، وخلاصة هذا القول: أنّ الفهم هو الذی یحدّد طبیعة التأویل. لکنَّ الفهمَ المتصوَّر -هنا- فهمٌ محایث للذات الإنسانیّة وتصوّراتها للعالم. إنَّه فهمٌ "اعتقادیّ" بمعنىً ما. ورؤیة غادامیر لهذا الفهم تُقیمه تحیّزاً موجوداً فی طویّة المؤوِّل، لکنَّ غادامیر یقرّ بأنّ للنصوصِ تحیّزاتِها الخاصّةَ أیضاً.
وبکلمات أخرى، ثمّة لکلٍّ من المؤوِّل والنصّ تحیّزاتهما الخاصّة، وما التحیّز فی آخر المطاف سوى تحدید فردیّ للفهم[27]. ولو شدّدنا القول على تحیّزات النصوص الدینیّة، فإنّنا نواجه بصیرتیْن متعارضتیْن. ترى الأولى أنَّ النصوص الدینیّة والنصوص غیر الدینیّة تتضمّن شرائط فهمٍ واحدة، وأن لیس ثمّة فرقٌ بین نصّ مقدّس ونصّ أدبیّ فی ما یتعلّق بإجراءات العمل التأویلیّ الذی یرید تشغیل الفهم، لا تحصیله، ومن ثمّ یعمل تلقائیّاً ضمن الفهم المشغَّل الحکمُ المسبق الذی له الأثر الحاسم فی العملیّة التأویلیّة. وباختصار: "لا یخضع تأویل الکتاب المقدّس لشرائط فهم مختلفة عن تلک التی تُطبَّقُ على أیّ أدب آخر"[28]. بید أنَّ البصیرة الأخرى ترى أنّ المؤوِّل؛ بوصفه بشراً لا یملک حکماً مسبقاً أو معرفة قبلیّة عن الله، فکیف یمکن تأویل وحی الله من دون حکم مسبق. وفی الواقع، یقرّ بولتمان بأنّ هذه الفکرة صحیحة ظاهریّاً، "وإذا جاء اعتراض ینصّ على أنَّنا نحن البشر لا نستطیع أنْ نعرف مَن هو الله، ولا أنْ نعرف معنى فعل الله قبل وحی الله، فإنَّ الردَّ المناسب علیه هو أنَّنا نستطیع فی السؤال عن الله أنْ نعرف جیّداً مَن هو الله، فما لم یتحرّک وجودُنا، بوعی أو بغیر وعی، عبر التساؤل عن الله بالمعنى الذی لعبارة أوغسطین (إلهی خلقتنا من أجلک، وقلوبنا لن تهدأ حتّى تسکن إلیک)، فإنّنا لن نقدر على إدراک الله فی وحیه"[29].
ولعلّ هذه العقدةَ ومحاولة حلّها تکمن فی العلاقة بین المؤوِّل ومادّة موضوع النصّ المقدّس وما بحوزته من حکم مسبق عنها. ذلک أنَّ مبدأ ضرورة الحکم المسبق صار معزّزاً وثابتاً حتّى وُصف العمل من دونه بأنَّه مجرّد وهم[30].
إنَّ الفهم فی هذه الحالة مرتبط بالإیمان. وهذا الارتباط اللازم هو ما یکوّن "الدائرة التأویلیّة" لدى بولتمان، وهذه الدائرة على صلة جوهریّة بمفهومه عن "نزع الأسطرة"، فإذا کانت الأخیرةُ تتطلّبُ وعیاً بـ"الثوب الأسطوریّ" الذی یغلّف النصّ الدینیّ، فإنَّ الدائرة الهرمنیوطیقیّة تصل بهذا الوعی إلى مداه الأوسع حین یکون معناها هو الآتی: "لکی نفهمَ یجبُ أن نؤمنَ، ولکی نؤمنَ یجبُ أن نفهمَ"، أو "من أجل فهم النصّ، یجبُ أن أعتقدَ بما یُعلنُه النصُّ لی. ولکنْ ما یُعلنُه النصُّ لی لم یُعْطَ فی أیّ مکانٍ آخرَ إلاّ فی النصّ. ولهذا یجبُ فهمُ النصّ؛ لکی یقومَ الاعتقاد"[31].
وثمّة نظراتٌ طهرانیّةٌ تریدُ أن تحفظَ للنصوصِ نقاءَها ووحدة معناه، ولعلَّها نظراتٌ تضحّی فی سبیل ذلک بأیِّ تعدّدٍ للمعانی. لکنَّها -أیضاً- نظراتٌ تنتجُ تأویلیَّاتٍ ترافقُ حرکاتٍ فکریّةً وإصلاحیّةً. فکلُّ تأویلیّة، بحسب دلتای، تتجلّى "خلال حرکة تاریخیّة عظیمة"[32]. وفی السیاق التاریخیّ للتأویلیّات المختلفة، لم یثبت أنَّها بُنِیَت على أسسٍ غُفْلٍ من الأحکام المسبقة، ومنذ أنْ حسم هانز جورج غادامیر أمرَها فی کتابه الأساسیّ الحقیقة والمنهج[33]، لم یعد النقاش یقترحُ إمکانَ إلغائها أو تجاهلها، فهی موجودة فی صلب الأعمال التأویلیّة، ولاسیّما الأعمال التی تزعم الموضوعیّة المطلقة. فقد أصبحت الأحکام المسبقة "شروطاً للفهم"، وبیّن غادامیر تهافت نزعة التشکیک فی الحکم المسبق التی تبنّاها عصر التنویر، وأعاد الاعتبار إلیه بوصفه لازم الوجود. وفی الحقیقة، لم یعترف غادامیر بالحکم المسبق لکونه لازمَ الوجود فحسب؛ بل کانت لدیه محاولة أنْ یمنحه مشروعیّة فی وجوده فی صلب التأویلیّة.
وفی الواقع، کان بولتمان قد أشار إلى جوهر هذه الأطروحة حین رقّى أهمّیّة الأحکام المسبقة إلى مستوى الضرورة بالنسبة إلى التأویل؛ لأنَّ التأویل لا بدّ من أنْ یکون معضوداً بالحکم المسبق: "إنَّ أیَّ تأویل یؤازره بالضرورة فهمٌ مسبقٌ معیّن لمادّة الموضوع التی یجری التعبیر عنها أو یُسأَل عنها"[34].
لقد کانت الأحکام المسبقة مدار التفکیر وإعادة التفکیر ضمن الفلسفة الألمانیّة إجمالاً، وفلسفة غادامیر خاصّة؛ إذ لم تنضج مجادلات غادامیر بلا نقاشات سابقة وتنویهات دلّت على ضرورة الحکم المسبق. ومع ذلک، فإنَّ غادامیر قدّم أنضجَ محاولة لإعادة الاعتبار للحکم المسبق.
ولا یرتبط الدفاع عن الأحکام المسبقة بالتأویلیّات التی نشأت فی ظلّ الصراع المحتدم على شرعیّة تأویلیّة دون أخرى. والمحاولة اللافتة للفیلسوف غادامیر فی أنْ یجعل من وجود الأحکام المسبقة وجوداً مشروعاً ولازماً لا ینطوی على اقتصار المشروعیّة على التأویلیّات التی کانت فی ذهنه وروح عصر التنویر التی کان یُجابهُها؛ بل یمکنُ تجریدُ محاولتِه فی ردّ الأحکام المسبقة إلى صلب التأویلیّة لتشمل کلّ تأویلیّة مهما کانت طبیعة نصّها المقدّس أو غیر المقدّس.
إنَّ تعدّد المعانی مصدره التراث الذی یحمله المؤوِّل. إنَّه التراث الذی "یتمتّع بسلطة مجهولة"[35]، فمعارف المؤوِّل (تراثه) تحدّد وجوده ومواقفه، وهی الحقیقة التی انتهى إلیها غادامیر فی معالجته طبیعة الحکم المسبق، حیث یقول: "...یتمیّز وجودنا التاریخیّ المتناهی بحقیقة أنَّ السلطة التی یتمتّع بها ما وصلنا عبر التراث، ...، یمارس على مواقفنا وسلوکنا نفوذاً قویاً دائماً"[36]. وأعتقد أنَّ سلطة التراث هذه هی التی تشکِّل عاملاً حاسماً فی تکوین تعدّد فی المواقف وطرق السلوک، ومن ثمّ فی النظرات إلى النصوص.
لقد کانت تأویلیّة غادامیر نظریّة فی التجربة الحقیقیّة للتفکیر، إنَّها تمدّ جذورها فی فلسفة هیدغر؛ معلِّمه الأثیر -کما نوّهنا سابقاً-. فنحن نؤوّل الماضی -بحسب کلیهما- من خلال الحوار المشترک الذی یمیّزُ وجودَنا ووجودَ الماضی. فنحن لا نوجد فی العالم لنعرفَه، بل لنرى عبر وَهْمِ معرفته بالنسبة إلى الوجود التاریخیّ المشترک. ویسمّی غادامیر هذا البناء المشترک "الوعی التاریخی الفعّال"[37].
إنَّ الفهمَ یحدّد التأویل؛ أی ینتجُه. وبما أنَّ الفهم ملتبسٌ بالوجود الإنسانیّ، فإنَّ هذا الأخیر یُشرکُ أحکامَه المسبقة فی تحدید التأویل. وعبارة الوجود الإنسانیّ حدّ أکبر لتوصیف التأویلِ عملیّةً تحدث ضمنه، لکنّ حدَّها الأصغرَ هو أنّ التأویلیّة علاقة تنخرط فیها الأحکام المسبقة فی تأویل نصٍّ معیّن. وتظلّ هذه العلاقةُ قائمةً بین المؤوِّل والنصّ، إنّها نمط حیاة بین الاثنین.
فالتأویلیّة -إذاً- هی التی تمنح مشروعیّة الفهم، وهی التی تصلح أنْ تساوی فی مقتربها بین النصوص الدینیّة والنصوص غیر الدینیّة. فهی تمتزج -أیضاً- بالمنهج. إنّها بنفسها طریقة فی الفهم، أو هی "تقنیّة"، ذلک الاسم الذی أطلقه شلیرماخر على ممارسته التأویلیّة[38]. لکنّ هذه الممارسة التأویلیّة، هذه التقنیّة، لا تقوم على غیر سابق، ولا تبدأ من الفراغ؛ بل هی تخضع لسابق ما، فکلّ محاولة فی التأویل إنّما تتأسّس على هذا السابق، وقد تصوَّر هیدغر تفسیر شیء ما متأسِّساً فی ماهیّته على رؤیةٍ وتصوّرٍ سابقیْن، "فلیس التفسیر بأیّ وجهٍ إمساکاً خالیاً من أیّ مسبقات لشیء معطى سلفاً"[39]. إنَّ کلَّ تفسیر لا یقوم بمواجهة شیء آخر "سوى الرأی السابق للمفسِّر"[40]. وهذا یعنی أنّ تأویل نصّ معیّن لا یکون إلاّ بموجب تصوّر مسبق یحمله المؤوِّل، فالتصوّر المسبق هو المعرفة الموظَّفة فی الفهم. ومع ذلک، یضیء غادامیر هذه النقطة بالاحتیاط والقول: إنّ محاولة فهم النصّ لا تُبنى على تجاهل تامٍّ للمعنى الفعلیّ للنصّ، ولا على التحیّز التامّ للتصوّرات المسبقة لدى المؤوِّل. وفی الحقیقة، یهیّئ المؤوِّل نفسه لتلقّی ما یحمله النصّ من معنى، لکنَّ الوعی الموجَّه تأویلیّاً الذی تفترق عیناه على جهتیْ التصوّر المسبق ومعنى النصّ یمنح الصدارة لتصوّراته المسبقة وأحکامه المسبقة، ولا یتشبّث بها نفسها من دون تکییف[41].
إنَّ الفهم بوصفه وجوداً هو فهم یحدث، بکلّ ما ینطوی علیه الحدوث من بعد زمانیٍّ حینیّ. وفی ضوء ذلک فإنّ الشیء الذی ناله الفهم لا یصیر هو المعنى؛ بل الکائن الإنسانیّ نفسه، وتصبح الممارسة التأویلیّة محاولة فی فهم الذات قبل النصّ، أو من خلال النصّ. فثمّة علاقة ثلاثیّة تنطلق من الفهم نحو النصّ والذات، فالفهم الذی ینطلق إلى النصّ ومنه، یعود إلى الذات، إلى وجودها فی العالم، ومن هنا، ومن هذا البعد الأنطولوجیّ للفهم لدى هیدغر، یمکن تصوّر الممارسة التأویلیّة للنصوص المقدّسة محدّدة بأفق "تحوّل تاریخیّ" أو "حرکة تاریخیّة عظیمة"، تلک التی أشار إلیها دلتای وسبق ذکرها.
وضمن الفهم، والحرکة التاریخیّة العظیمة، یتحقّق فهم جدید لوجودنا، وهذه العلاقة بین الفهم والتأویل والذات والنصّ هی التأویلیّة وجوداً؛ أی هی ما یتیحُ إمکانَ نمطٍ من الوجودِ مُتَحَصَّلٍ عبر التأویلیّة (الهرمنیوطیقا).
خاتمة:
لقد ظلّت التأویلیّة، فی بعض تجلّیاتها، ولحقبةٍ طویلةٍ من الزمن، تأویلیّة تنشدُ فهماً له وجود مستقلّ -نوعاً ما- عن بنیة الوجود الإنسانیّ. ولهذا یبحث المؤوِّل عن الفهم، ویبذل جهداً فی النظر فی النصّ وتاریخیّة المؤلِّف، وظروف العصر، لکی یقبض علیه. وبطبیعة الحال، هناک مستویات لهذا الفهم تضارعُ مستویات الإجراءات التأویلیّة التی تقاربُه. فتأویل نصّ شعریّ قد یتیح لعباً تأویلیّاً حرّاً أکثر ممّا یتیحُه نصّ دینیّ مقدّس، لا لأنَّ قداسة النصّ تحول دون ذلک فقط؛ بل لأنَّ عِظَمَ تراکم التأویلات یستند إلى المدارس الفقهیّة المختلفة والاتّجاهات المذهبیّة المختلفة التی تؤسِّس فی النهایة مشروعیّةً لفهمٍ مختلف أیضاً.
ولعلَّ سؤالاً مُلحّاً یبرزُ -هنا- عن إمکان أنْ ینصاعَ نصٌّ دینیٌّ لتأویلیّة تجنی منه فهماً معیّناً. فهناک -أیضاً- على الدوام إمکانٌ للأفهام المتعدِّدة للنصّ المقدّس أیضاً. وعلى سبیل المثال، ثمّة فی الکتاب المقدّس ما یؤکِّد أنَّ یهوذا هلک بشنق نفسه، لکنَّ العبارة نفسها "هلک یهوذا بشنق نفسه" تتیح إمکاناتٍ أخرى للتأویل الذی یتیح بدوره أفهاماً مختلفة، من ضمنها الفهم الذی یرى أنَّ هذه الجملة لا تقول شیئاً. وکلّما تصاعد اللایقین فی طغیان فهمٍ على فهمٍ آخر، ظهرت إلى العلن أفهام جدیدة. فعبارة "هلک یهوذا بشنق نفسه" یمکن أن تنحصر بالعِبْرة، أو أنّها تبیّنکم کان یهوذا واعیاً بشناعة خطیئته؛ أی إنَّها تمنحنا فرصة للتفکیر فی فعل یهوذا نفسه منعکساً على أفعالنا المحتملة[42]. ومع ذلک، فإنَّ هذه القضیةَ تبدو فی أجلى صورها فی تأویلیّات الکتب المقدّسة.
هذا، ویرى الإصلاحیّ مارتن لوثر (1483-1546م) أنّ معنى الکتاب المقدَّس واحد، وهو المعنى "الحرفیّ"، أمّا مزاعم المعنى الرباعیّ للکتاب المقدّس (الأدبیّ، والمجازیّ، والأخلاقیّ، والأخرویّ)، فلا حاجةَ لها طبقاً لـ"فهمِه".
ومن باطن هذه الممارسة التأویلیّة التی تؤمن بالمعنى الواحد الحرفیّ، ثمّة اعتقاد أبداه لوثر نفسه حین رأى أنَّ الکتابَ المقدَّس یؤوِّلُ (یفسِّر) نفسه[43]. وهذا هو الاتّجاه الذی رفع شعارَه لوثر حین آمن أنَّ الکتاب المقدَّس وحده هو مصدر الإیمان وممارسة الطقوس (scriptura sola)، وأنَّ التأویل الحقّ للنصّ المقدّس والتجربة الدینیّة یعضدان بعضهما بعضاً ویؤصِّلان بعضهما بعضاً[44].
وتجدرُ الإشارة هنا، على نحو تنبیهیّ، إلى نظرة مقارنة، فی حدود ضیّقة، مع تفسیر المیزان فی تفسیر القرآن للسید محمد حسین الطباطبائیّ (1892-1981م) الذی کان یرى أنَّ المعنى کامن فی القرآن ونابع منه، وقائم به، ولذلک ینحو منحى تفسیر القرآن بالقرآن، أی إنَّ القرآن یؤوِّل (یفسِّر) نفسَه، وهذا المنحى لا ینطوی على إیمان بالمعنى الحرفیّ للقرآن؛ بل على العکس ثمّة اعتراف بتعدّد معانی القرآن. وأصل هذه النظرة موجود فی کلمة للإمام علی بن أبی طالب (40 هـ/661م) یقول فیها إنَّ القرآن "یشهد بعضُه على بعض، وینطقُ بعضُه ببعض"[45]. ولعلَّ فی هذه الخطّة التأویلیّة إیماناً بمعانٍ تبدو تجلّیاتٍ تظهر فی التفسیر عبر معالجة الجانب الأخلاقیّ والفلسفیّ.
ویبدو لی أنّ الجدالات والنقاشات والصراعات المحتدمة حول شرعیّة التأویل أو لا شرعیّته، حول واحدیّة المعنى أو تعدّده، ترید أنْ تقف حاجزاً أمام تدفّق الحیاة والفکر. فکلّ ما قیل ویمکن أنْ یُقال لا یستطیع أنْ یمنعنا أبداً من القول: إنَّه لیس فقط الطرق إلى المعنى بقدر عدد البشر، بل إنَّ الطرق ذاتها هی المعانی. ولیس المعنى فی نهایة طریق نبلغه کما نبلغ لبّ ثمرة؛ إنَّه قائم فی الحرکة والتوجّه والطریق. فوجود الإنسان على الأرض وتاریخه، بیّنة جلیّة على ما قیل، وشیء واحد فقط یمنح المعنى الواحد الشرعیّة، ویبطل المعانی الأخرى؛ وهو السلطة بجمیع صورها.
[1] أستاذٌ جامعیّ وناقدٌ ومترجم، أستاذ کرسی الیونسکو فی جامعة الکوفة، ورئیسُ تحریرِ مجلة الکوفة الأکادیمیّة الدولیّة، وسلسلةِ "دراسات فکریة". عملَ حسن ناظم فی عددٍ من الجامعاتِ والمؤسّساتِ العربیّةِ الغربیّةِ؛ منها: کلیّةُ الدراسات الإسلامیّة – جامعة مدلسکس، وجامعة ناصر فی لیبیا. له عشرون کتاباً مُؤَلَّفاً ومُترجَماً. تتناولُ دراساتُه الراهنةُ القضایا المشترکة بین الثقافات، والتأویل، والنظریّة النقدیّة، واللسانیّات، والأدب العربیّ الحدیث. من مؤلّفاته>الشعریّة المفقودة< (2010)، >النصّ والحیاة< (2008)، >أنسنة الشعر: مدخل إلى حداثة أخرى< (2006)، >البنى الأسلوبیّة: دراسة فی "أنشودة المطر" للسیّاب< (2002)، >مفاهیم الشعریّة: دراسة فی الأصول والمنهج والمفاهیم<(1994). ومن ترجماته مع علی حاکم صالح کتب هانز جورج غادامیر: >التلمذة الفلسفیّة< (السیرة الذاتیّة لغادامیر) (2012)، >الحقیقة والمنهج< (2007)، >طرق هیدغر< (2007)، >بدایة الفلسفة< (2002)، >مَن أنا ومَن أنت: عن شعر ﭘول تسیلان<؛ جون إهرنبیرغ: >المجتمع المدنیّ: التاریخ النقدیّ للفکرة< (2008)؛ سوزان سلیمان وإنجی کروسمان (تحریر): >القارئ فی النصّ: مقالات فی الجمهور< (2007)؛ هیو سلفرمان: >نصّیات بین الهرمنوطیقا والتفکیکیّة< (2002)؛ جین تومبکنز: >نقد استجابة القارئ: من الشکلانیّة إلى ما بعد البنیویّة< (2015)، وغیرها.
[2] غادامیر، هانز جورج: الحقیقة والمنهج-الخطوط الأساسیّة لتأویلیّة فلسفیّة-، ترجمة: حسن ناظم؛ علی حاکم صالح، ط1، طرابلس الغرب، دار أویا، 2007م، ص418.
[3]انظر: ریکور، بول: صراع التأویلات. دراسات هرمنیوطیقیة، ترجمة: منذر عیاشی، ط5، بیروت، دار الکتاب الجدید، 2005م، ص55.
[4] Hamilton, Paul. Historicism (Routledge: London, 2003), p.47.
[5] Ibid., p.48-49.
[6] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص271.
[7]م.ن.
[8] See: Palmer, Richard E. Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthy, Heidegger, and Gadamer, p.131.
[9]انظر: غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص272-273.
[10] Hamilton, Historicism, p.49
[11] ریکور، صراع التأویلات- دراسات هرمنیوطیقیة-، م.س، ص99.
[12] See: Palmer, Richard E. Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthy, Heidegger, and Gadamer, p.131.
[13] انظر: بولتمان، رودولف: "مسألة الهرمنیوطیقا"، قضایا إسلامیّة معاصرة، مجلّة متخصّصة تعنى بالهموم الفکریّة للمسلم المعاصر، تصدر عن مرکز دراسات فلسفة الدین، بغداد، العدد59-60، السنة18، 1435هـ.ق/ صیف وخریف2014م، ص109-113.
[14] م.ن، ص124.
[15] م.ن، ص124.
[16] م.ن، ص122.
[17] انظر: غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص287.
[18] Palmer, Richard E. Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthy, Heidegger, and Gadamer, pp.114-15.
[19] انظر: ریکور، صراع التأویلات -دراسات هرمنیوطیقیة-، م.س، ص36-38.
[20] Enwood, Michael, Heidegger's Dictionary, pp.151-52.
[21] انظر: هیدغر، مارتن: الکینونة والزمان، ترجمة: فتحی المسکینی، لا ط، بیروت، دار الکتاب الجدید، 2012م، ص281-290.
[22] م.ن، ص296.
[23] See: Palmer, Richard E. Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthy, Heidegger, and Gadamer, p.130-31.
[24] أبو زید، نصر حامد: إشکالیّات القراءة وآلیّات التأویل، ط6، بیروت، المرکز الثقافیّ العربیّ، 2001م، ص33.
[25] انظر: م.ن، ص33.
[26] See: Palmer, Richard E. Hermeneutics: Interpretation Theory in Schleiermacher, Dilthy, Heidegger, and Gadamer, p.126.
[27] انظر: غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص384.
[28] ﭘولتمان، "مسألة الهرمنیوطیقا"، م.س، ص129.
[29] م.ن، ص130-131.
[30] انظر: م.ن، ص132.
[31] ریکور، صراع التأویلات -دراسات هرمنیوطیقیة-، م.س، ص447.
[32] ﭘولتمان، "مسألة الهرمنیوطیقا"، م.س، ص108.
[33] انظر: غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص367-392.
[34]ﭘولتمان، "مسألة الهرمنیوطیقا"، م.س، ص126.
[35] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص387.
[36] م.ن، ص387.
[37] Hamilton, Historicism, p.47.
[38] انظر: غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص263. ویقرّ غادامیر بکون التأویلیة فنّاً أو تقنیّة، على الرغم من أنَّه یشیرُ إلى أنَّ دلتای حاولَ "توسیعَ التأویلیّة إلى آلة (أورغانون) للعلوم الإنسانیّة" (انظر: م.ن، ص368).
[39] هیدغر، الکینونة والزمان، م.س، ص294-295.
[40] م.ن، ص295.
[41] انظر: غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص372.
[42] ثمّة تحلیل تأویلیّ لهذا النصّ من الکتاب المقدّس فی مقالة ستانلی فشْ،"الأدب فی القارئ-الأسلوبیة العاطفیة"، (تومبکنز، جین ب.: نقد استجابة القارئ من الشکلانیة إلى ما بعد البنیویة، ط2، ترجمة: حسن ناظم؛ علی حاکم صالح، بیروت، دار الکتاب الجدید، 2015م، ص134-136).
[43] غادامیر، الحقیقة والمنهج-الخطوط الأساسیّة لتأویلیّة فلسفیّة، م.س، ص258-259.
[44] Hamilton, Historicism, p.46.
[45] الشریف الرضیّ، محمد بن الحسین بن موسى العلویّ: نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412 هــ.ق/1370هـ.ش، ج2، ص17.