تحلیل مبانی الهرمنیوطیقا عند شلایرماخر

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

نقاط رئيسية

مدخل:

1. تعریف الهرمنیوطیقا

2. أهمّیّة الهرمنیوطیقا

3. مراحل تطوّر علم الهرمنیوطیقا

4. تقسیمات الهرمنیوطیقا

5. غایة علم الهرمنیوطیقا

أولاً: محوریّة الفهم فی الطرح الهرمنیوطیقیّ عند شلایرماخر

ثانیاً: شلایرماخر واعتقاده بإبهام مطلق النصّ

ثالثاً: تعمیم معنى النصّ عند شلایرماخر

رابعاً: أسلوب الصیاغة ودوره فی فهم قصد المؤلِّف عند شلایرماخر

خامساً: الفکر واللغة عنصران لا ینفکّان أبداً عند شلایرماخر

سادساً: اصطلاحات الأسلوب والأفکار والشخصیّة عند شلایرماخر

سابعاً: سوء الفهم ونطاقه فی فکر شلایرماخر

ثامناً: الحسّ المشترک عنصر أساس فی الهرمنیوطیقا عند شلایرماخر

الكلمات الرئيسية


تحلیل مبانی الهرمنیوطیقا عند شلایرماخر

د. الشیخ محمد حسین مختاری[1]

مدخل:

1. تعریف الهرمنیوطیقا:

الهرمنیوطیقا علم التأویل أو فنّ التأویل، وهو عبارة عن نظریّة تفسیر المعانی أو فلسفة تفسیر المعانی.

وهذا الاصطلاح یونانیّ المنشإ، وهو مأخوذ من کلمة "هرمس" التی تعنی الإله الرسول، حیث جاء فی الأساطیر الیونانیّة أنَّ "هرمس" هذا کان یفسِّر ویؤوِّل رسائل الآلهة التی عادة ما تکون غامضة ومُبهمة، وبالتالی کان صلة وصل بین عالم اللاهوت وعالم الناسوت. وبذلک، کانت الهرمنیوطیقا حینها بصدد تقویم العلاقة بین النصوص والباحثین عن فهمها.

وکان أوّل طَرح لمسألة الهرمنیوطیقا فی مجال تفسیر النصوص؛ أی فی المجالات التی تهدف إلى فهم المراد من النصوص؛ أی فهم النصّ بناءً على القصد المُندکِّ فیه، ثمّ توسّعت دائرة مفهومها لتشمل کلّ ما له معنى ویقبل التفسیر والتأویل.

ومن هنا، فقد اتُّخِذَت الهرمنیوطیقا طریقةً لتأویل النصوص الدینیّة المقدّسة، وهی أقرب ما تکون إلى فقه اللغة.

وبناءً على هذا النوع من التفکیر فإنّ کلّ ظاهرة، طبیعیّةً کانت أم إنسانیّةً؛ کالأشکال، والصور، والعلامات، والعادات والتقالید الاجتماعیّة، والأقوال والأفعال، والأصوات، والمکتوبات... قابلة للتفسیر والفهم. وإذا کان هدف فنّ التفسیر مساعدة الإنسان على اکتساب الفهم الکامل، فإنّ وظیفة الهرمنیوطیقیّ فی هذه الحالة تکمن فی بیان أهداف هذا الفهم، والموانع التی تواجهه وکیفیّة رفعها، والطرق المؤدّیة إلیه.

 

2. أهمّیّة الهرمنیوطیقا:

إنّ علم الهرمنیوطیقا أساس لکلّ العلوم والمعارف القائمة على فهم الظواهر والآثار، ویشمل کلّ ما له علاقة بذلک؛ ابتداءً من الهیکل الوجودیّ للإنسان، عبوراً بنظریّة المعرفة، وانتهاءً بنظریّة الوجود.

فلم تعد الهرمنیوطیقا تختصّ بفلسفة معیّنة وفکر معیّن فی زمان خاصٍّ، وإنّما أصبحت محطّ اهتمام الفکر المعاصر أیضاً، وموضوعاً أساساً فی العلوم المختلفة؛ کعلم الاجتماع، والفنّ، واللغة، والنقد الأدبیّ، والفقه، والحقوق، وغیرها من العلوم، وإنْ کانت جذورها الأولى ترجع إلى أوائل القرن التاسع عشر.

وعلى أیّ حال؛ فقد وُجدت الهرمنیوطیقا للتفسیر بشکل عامّ، وقد ازدهرت فی زمان الأوروبیّین (الرومانطیقیّین أو الرومانسییّن)، ثمّ أصبحت محطّ اهتمام المفکّرین فی مختلف المجالات. ومن هنا، کانت الهرمنیوطیقا المحور الأساس لکثیرٍ من الباحثین والمفکّرین من مختلف الاختصاصات.

ومن المؤشّرات على أهمّیّة الهرمنیوطیقا أنّه لا یوجد فی حیاة البشر شیءٌ أهمّ من فهم بعضهم لبعضهم الآخر، فعثور الإنسان على طریق لفهم من کان عاجزاً عن فهمهم بشکل صحیح لهو لذّة ما بعدها لذّة. وعندما نواجه مظاهر غنیّة بالمعانی، فإنّنا نحاول فهم هذه المعانی المندکَّة فی هذه المظاهر الأعمّ من القول، والفعل، والنصّ، والأشکال الثابتة، والجمادات، والأشکال الفنیّة، واللغة، والموسیقى، و... فکلّما وصلنا شیء صادر من غیرنا تحرّکت لدینا القدرة الإدراکیّة لفهمه.

 

3. مراحل تطوّر علم الهرمنیوطیقا:

کانت الهرمنیوطیقا فی مراحلها الأولى ناظرة إلى النصوص الدینیّة، وتتوخّى الکشف عمّا وراء النصوص المقدّسة من المعانی المبهمة. ثمّ جرى التوسّع فی إطلاقها لتشمل النصوص الأعمّ من الدینیّة، کالأدبیّة، والنثریّة، وأمثالهما. وقد سلک هذا العلم منحًى آخر مع شلایرماخر (Schleiermacher)، بسبب تمرکز مباحثه الهرمنیوطیقیّة حول ظاهرة الفهم، حیث فتح طریقاً جدیداً للأجیال القادمة، وأصبحت آراؤه الهرمنیوطیقیّة بمنزلة المحرِّض والمنطلق لطرح مباحث جدیدة من قبل المفکّرین الآخرین؛ نظیر: هایدغر، وغادامیر.

وعلیه؛ یمکن تقسیم المنحى التاریخیّ الذی مرّ به علم الهرمنیوطیقا إلى ثلاث مراحل؛ هی:

أ. المرحلة الأولى: مرحلة "المنهجیّة" (methodlogy)، أو ما یُصطلح علیه بـ "مرحلة الهرمنیوطیقا الکلاسیکیّة".

بدأت بوادر هذه المرحلة منذ القرن الرابع عشر، ولکنّها بدأت تتبلور بشکل جلی ابتداءً من القرن السادس عشر، حیث کان الهرمنیوطیقیّون فی ذلک الوقت یهتمّون بتفسیر النصوص المقدّسة وتأویلها؛ نظیر الإنجیل والتوراة. وممّا یعتقد به أتباع هذه الهرمنیوطیقا أنّ المخاطب عندما یواجه نصّاً معیّناً سوف یواجه صعوبة فی الفهم؛ نتیجة الإبهام والغموض الموجود فیه. ولذا، یجب علیه بالدرجة الأولى السعی إلى رفع هذا الإبهام والغموض حتّى ینکشف له المعنى الحقیقی للنصّ.

فالغرض من علم الهرمنیوطیقا هو رفع الإبهام عن النصّ، ووظیفة الهرمنیوطیقیّ أو المفسِّر إزاحة هذا الإبهام؛ بمعنى أنَّه إذا کنت فی صدد الکشف عن المعنى الحقیقیّ للنصّ أو المغزى والرسالة الموجّهة من النصّ، فستواجه موانع یجب علیک فی الدرجة الأولى تذلیلها؛ حتّى ینکشف لک المعنى الحقیقیّ من النصّ.

ویعتقد أصحاب هذا الفکر الکلاسیکیّ أنّ النصّ تجلٍّ لقصد المؤلِّف ونیَّتِه. وبعبارة أخرى: الألفاظ والمصطلحات الموجودة فی النصّ مرکَّبة؛ حیث تکون تجلّیاً ومظهراً لقصد المؤلِّف.

ب. مرحلة "نظریّة المعرفة" (epistemology) أو ما یُسمّى بـ "مرحلة الهرمنیوطیقا الرومانسیّة أو الرومانطیقیّة".

بدأت هذه المرحلة مع الألمانیّ شلایرماخر الذی برز فی مجالات وعلوم أخرى فی بلاد الغرب، وکان الرائد فیها؛ کعلم الاجتماع الدینیّ، والدراسات الدینیّة، والکلام الجدید، والتعدّدیّة، والتجربة الدینیّة؛ مضافاً إلى دوره الأساس فی تکامل علم الهرمنیوطیقا ونضوجه. وبتعبیر "دِلتای"، فإنّ ما قدّمه شلایرماخر للهرمنیوطیقا هو نفسه ما قدّمه "کانت" للفلسفة؛ وذلک أنّه حقَّق ثورة ونهضةً فی مجال المعرفة الهرمنیوطیقیّة إلى درجة أنَّ نشوء الهرمنیوطیقا الفلسفیّة ووجودها وآراء أمثال "هایدغر" و"غادامیر" کانت رهناً للأفکار والآراء الهرمنیوطیقیّة والفلسفیّة لـشلایرماخر.

ج. مرحلة "علم الوجود" (Ontology) أو ما یُسمّى بـ "مرحلة الهرمنیوطیقا الفلسفیّة".

جرى الانتقال فی هذه المرحلة من المنهجیّة ونظریّة المعرفة إلى علم الوجود. بینما کان کلّ جهد الباحثین فی المرحلة الکلاسیکیّة منصبّاً على کشف المعنى الحقیقیّ ومغزى المؤلِّف من النصّ.

وقد تبلورت هذه المرحلة على ید "هایدغر"، ووصلت إلى أوج تکاملها على ید تلمیذه "غادامیر" إلى درجة أنّه لو لم یکن "غادامیر" موجوداً لیکمل ما بدأه هایدغر لذهبت جهود هایدغر أدراج الریاح. وکان غادامیر تلمیذاً وفیّاً لهایدغر، حیث استطاع أن ْیضفی طراوة جدیدة على مباحث الهرمنیوطیقا، وأن یطبِّق قواعد نظریّة الوجود لهایدغر فی علم الهرمنیوطیقا.

ویعتقد کلٌّ من هایدغر وغادامیر بأن لا علاقة لنا بقصد المؤلِّف والمتکلِّم ومغزاهما؛ وإنّما یجب الترکیز على الفهم والماهیّة والوجود فی مسألة الفهم. وبعبارة أخرى: فالبحث إنّما یترکّز على ما یعتمده المفسِّر عندما یواجه نصّاً ما. وبعبارة ثالثة: على أیّ أساس تقوم عملیّة الفهم وآلیّته؟ فأتباع هذا الطرح الهرمنیوطیقی یرون أنّ المفسِّر عندما یواجه النصّ یقوم بتفسیر هذا النصّ -أوتوماتیکیّاً وبدون وعی أو التفات-؛ طبقاً لخلفیّاته الذهنیّة وفرضیّاته وفهمه المتأثّر بزمانه وثقافته.

4. تقسیمات الهرمنیوطیقا:

جرى تقسیم الهرمنیوطیقا باعتبارات مختلفة إلى أقسام عدّة، فمن باب المثال قسّموها باعتبار المدى والنطاق، وباعتبار المنهج، وباعتبار السیر التاریخیّ والمراحل المؤثّرة التی مرّت بها. وتفصیل الکلام فیها خارج عن نطاق البحث وهدفه.

 

5. غایة علم الهرمنیوطیقا:

إنّ غایة الهرمنیوطیقا هی رفع الإبهام والغموض عن النصوص. وبعبارة أخرى: إنّ فی النصوص إبهاماً وغموضاً، ووظیفة علم الهرمنیوطیقا رفع هذا الإبهام والغموض طبقاً لقواعده. وعلیه؛ فإنَّ النصوص الواضحة لیست بحاجة إلى هذا العلم[2].

ویعتقد شلایرماخر وکذلک تلامذته بأنّ أیّ نصٍّ لا یخلو عن الحاجة إلى الهرمنیوطیقا؛ بدلیل أنّ الفهم الخاطئ وکیفیّة علاجه شَغَل البشریّة وکان محطّ اهتمامها منذ القدم، حیث إنّ الفهم الخاطئ لمطلب معیّن، ولو کان بسیطاً، یؤدّی إلى تصوّر معنى آخر غیر المعنى المراد، ولأجل تفادی الوقوع فی الفهم الخاطئ للنصوص، سواء أکانت مبهمة أم لا؛ فإنّنا بحاجة دائماً إلى علم الهرمنیوطیقا لفهم هذه النصوص.

ویرى جملة من الباحثین والمحقّقین فی علم الهرمنیوطیقا أنَّ الإبهام والغموض لیس ذاتیّاً للنصّ، وإنّما ثمّة موانع تحول دون الفهم الصحیح، والهرمنیوطیقا تقوم بتذلیل هذه الموانع. فعملیّة التفسیر الهرمنیوطیقیّ هی نوع من البحث عن العامل والمحفِّز من وراء وجود هذا النصّ أو الأثر. وبتعبیر آخر: هناک بحث یُطرَح فی الهرمنیوطیقا؛ ومفاده: أنَّنا لکی نفهم النصّ أو الأثر لا بدّ من أنْ نعرف علل وجوده أیضاً. وهذا بدوره لا یتحقّق إلا إذا تمّ التعرّف إلى الوسط الفکریّ والذهنیّ والجغرافیا التی یعیش فیها المؤلِّف بشکل جیّد.

ویذهب الهرمنیوطیقیّون إلى أنَّ الأثر أثناء صیاغته أو تألیفه، إنَّما یتّخذ طابعاً وشکلاً معیّناً یتناسب مع الفرضیّات والخلفیّات الذهنیّة الموجودة لدى المؤلِّف؛ بمعنى أنَّ هذه الفرضیّات والخلفیّات الذهنیّة الموجودة لدى المؤلِّف تؤثِّر فی الأثر الصادر عنه. من باب المثال: فهم احتیاجات المجتمع المتدیّن، وتقویم الفضاء الفکریّ والثقافیّ الذی یعیش فیه، ومعرفة الشبهات المطروحة... وهی بمنزلة الباعث والمحفّز على کتابة کتاب یلبّی فیه هذه الاحتیاجات، ویجیب عن هذه الشبهات والإشکالیّات.

کما یرون أنّ الخطوة الأولى للوصول إلى قصد المؤلِّف ومراده تکون عبر الرجوع إلى القرائن اللفظیّة وغیر اللفظیّة، وإحصاء الألفاظ، وفهم فحوى الجُمل، ثمّ من خلالها یمکن التعرّف على الوسط الثقافیّ والخلفیّات الذهنیّة للمؤلِّف، فإنَّ لذلک کلّه دوراً أساساً فی کشف مراد المؤلِّف.

ومن العناصر التی تُعدّ مفتاحاً لأتباع الهرمنیوطیقا الفلسفیّة أنَّهم یعتقدون بعدم وقوف الفهم عند حدٍّ معیّن، وعدم الالتفات إلى مراد المؤلِّف، والاستقلال فی الفهم والتفسیر؛ حیث یکون الأساس والملاک أوّلاً وبالذات المفسّر وما یفهمه من النصّ. وبعبارة أخرى؛ عندما یواجه المخاطب نصّاً ما؛ فإنَّه یفسّره بحسب ما یفهمه هو وما لدیه من الأفکار والخلفیّات الخاصّة والفرضیّات التی یعتقد بها.

بعد هذا المدخل الموجز فی تعریف الهرمنیوطیقا وبیان أهمّیّتها ومراحل تطوّرها وتقسیماتها وغایتها، سوف نخصّص البحث فی الآراء الهرمنیوطیقیّة لشلایرماخر الذی یُعتبر من الشخصیّات المهمّة والبارزة فی مجال الدراسات الدینیّة والهرمنیوطیقیّة.

 

أولاً: محوریّة الفهم فی الطرح الهرمنیوطیقیّ عند شلایرماخر:

لشلایرماخر الدور الأساس فی وجود الهرمنیوطیقا، حیث قام بجمع آراء المذاهب القدیمة وترکیبها وإظهارها على شکل هرمنیوطیقا، بعد إضافة مجموعة من المبانی الجدیدة إلیها. ویعود الفضل إلیه فی نشوء هرمنیوطیقا معرفة الاصطلاحات، والهرمنیوطیقا التاریخیّة فی القرن التاسع عشر، وکذلک الهرمنیوطیقا الفلسفیّة فی القرن العشرین. ومع ذلک لم تتّضح إلى الآن مباحثه وآراؤه الوقّادة بشکل کامل ودقیق. ولعدّة عقود حافظت آراء دِلتای فی شلایرماخر على قیمتها الذاتیّة ولقیت القبول من الجمیع، وقد عرَّفه، فی مقالة له بعنوان "نبع الهرمنیوطیقا" طُبعت فی سنة 1900م، على أنّه من أنصار نظریّة "الشعور النفسیّ" (psychological empathy) للشخصیّة الخلاّقة والمبدعة للمؤلِّف والمتکلِّم، والتی انعکست فی کتاباته[3].

وتجدر الإشارة إلى أنّ فهْم آثار شلایرماخر من قِبَل مخاطبیه معقَّد ومشکل نوعاً ما؛ لأنَّه عندما کان یدرِّس المباحث الهرمنیوطیقیّة المشهورة فی ذلک الزمان فی جامعة "برلین"، کان یعتمد على مدوّناته الخاصّة التی کتبها بخطّ یده بشکل مفهرس وکلّیّ ومختصر ومضغوط. وعندما کان یلقی محاضراته کان یقوم بتوضیحها وتفصیلها لطلابه. ثمّ بعد وفاته نُشرت هذه المدوّنات مضافاً إلى الکرّاسات التی کتبها طلابه مستفیدین من محاضراته؛ بوصفها جزءاً من مجموعة آثاره.

وقد طُبعت مدوّناته التی کتبها بنفسه کاملة وبشکل متقن ومستقلّ مؤخَّراً، ولأوّل مرّة صار بالإمکان الحصول على آثاره وکتاباته، ولکنّ مطالعتها وفهمها لیس بالأمر السهل؛ لأنَّ عباراتها غالباً ما تکون مقطَّعة ومبهمة، ولاسیّما أهمّ المباحث فیها، حیث یقف القارئ أمامها عاجزاً عن فهمها؛ ما یشکِّل عبئاً علیه فی الربط بینها. ومع ذلک لا یمکن إنکار أنَّ هذه الکتابات تُعتبر من أغنى وأعمق ما سُطِّر فی نظریّة الهرمنیوطیقا، والصیاغة الخاصّة والنادرة للعبارات تدلّ على خلاّقیّته وإبداعه.

وتُعدّ جهوده التی بذلها فی هذا المجال جزءَ علّة فی الحرکة تجاه إیجاد الهرمنیوطیقا الرومانسیّة التی ترجع إلى ما بین العامّین (1795 و 1810م)، الحرکة التی غیّرت الحیاة الفکریّة لأوروبا المرکزیّة.

إنّ ظهور العلوم الجدیدة؛ نظیر علم الجمالیّات الجدید، وعلم معرفة الشعر، على ید الفلاسفة؛ أمثال: فیتشی، وشلینغ، والشعراء؛ أمثال: نوفالیس (Novalis)، وتیک (Tieck)، وفاکنرودر (Wackenroder)، وکذلک النقّاد، فتح أبواباً وآفاقاً جدیدة للفکر الهرمنیوطیقیّ. ومنذ ذلک الزمان أصبحت الهرمنیوطیقا مترافقة مع أفکار صاحب الأثر وآرائه، واعتُبِرَ صاحب الأثر الفنیّ مبدعاً، واعتُبِرَت آثاره الفنیّة تجلّیاً لإبداعه.

وقد طرح المفکِّرون الهرمنیوطیقیّون -بالتعاون مع الشعراء والفلاسفة فی ذلک الزمان- تصوّراً للانسجام العضویّ الحاصل فی العمل الفنیّ، والذی کان یُطرح بعنوان الشکل الداخلیّ للعمل، ویُربط بالطبیعة الرمزیّة الذاتیّة له. وبشکل مفاجئ أصبح الفنّ القدیم لتفسیر النصوص طافیاً على السطح وله الغلبة على باقی الفنون.

وقد تمَّ إبداع الأفکار الهرمنیوطیقیّة حتى أصبحت جزءاً من الهرمنیوطیقا، على ید المنظِّرین للهرمنیوطیقا الرومانسیّة، ولاسیّما شلایرماخر، وفیلهلم فون همبولت؛ حتَّى إنَّها صارت أهمّ من الأفکار المطروحة فی علم الجمالیّات الجدید[4].

ومن المباحث الهرمنیوطیقیّة لشلایرماخر التی أضافت فصلاً جدیداً إلى المباحث الهرمنیوطیقیّة: بحث الهرمنیوطیقا العامّة، حیث کانت الهرمنیوطیقا، إلى ما قبل شلایرماخر، عبارةً عن مجموعة من القواعد والضوابط المدوّنة حول کیفیّة الکشف عن المعنى ومغزى المؤلِّف، بحیث إذا ما أُعمِلَت هذه القواعد والضوابط أمکن الوصول إلى المغزى النهائیّ للنصّ والکشف عن قصد المؤلِّف ومراده. وأمّا عندما بدأت نظریّات شلایرماخر -سواء من خلال محاضراته أم من خلال کتاباته- تظهر إلى العلن، فقد تغیّر مسیر المباحث الهرمنیوطیقیّة، وجُعِلَ الفهم والتفهّم حجر الرحى الذی تدور علیه المباحث الهرمنیوطیقیّة. فشلایرماخر کان یهدف، من خلال هرمنیوطیقیّته وقواعده الخاصّة، إلى الاجتناب عن سوء الفهم؛ ولأجل ذلک -وبناءً على ما رآه شلایرماخر- تغیّرت الهرمنیوطیقا إلى "فنّ الفهم".

ویرى شلایرماخر أنّ وظیفة التفسیر هی تحسین الفهم، ویتضمّن ذلک إعادة البناء العینیّ والذهنیّ والتاریخیّ للخطاب، وکلّ فرد یمثّل المکان، وخطابه قابل للفهم فی حدود تلک اللغة فقط (Context).

وقد کانت هذه التحوّلات والتغیّرات منشأً لظهور نظام فلسفیّ واسع اصطلح علیه بـ "الهرمنیوطیقا الفلسفیّة".

وبنظر شلایرماخر لم تکنْ هناک هرمنیوطیقا تصنع فهماً؛ وما کان موجوداً إنّما هو عبارة عن هرمنیوطیقیّات تخصّصیّة. ولذا، کان من الضروریّ طرح نظریّة تجمع فی داخلها بین أنواع التأویل المختلفة؛ حیث توحّد بینها وتجعلها منسجمة بعضها مع بعض، مع غضّ النظر عن موضوعها؛ لأنّ شلایرماخر أوّل من التفت إلى أصول الفهم ومبادئه، واهتمّ بها. ولذلک لُقِّب بـ "أبو الهرمنیوطیقا المعاصرة".

ولعلّ أهمّیّة شلایرماخر تکمن فی أنّ الهرمنیوطیقا التی أوجدها تشمل جمیع أنواع التأویل والتفسیر ومجالاتهما، وکان یشدِّد فی هرمنیوطیقیّته على أنَّ الفهم عند کلّ فرد محلّ تأمُّل، ویحتاج إلى مساعدة فی حصوله، وکان یصرّ على أنّ الجدّ والاجتهاد فی سبیل التأویل لن ینتهی إلى الفهم؛ بل سوف تکون نتیجته عکسیّة؛ لأنّ التأویل الدقیق یبدأ بالفهم الخاطئ. ومن هنا، کانت الهرمنیوطیقا التی أوجدها تبیِّن کیفیّة الاجتناب عن سوء الفهم. فلم یکن شلایرماخر یسعى إلى فهم الفهم، بل کان یسعى إلى هدایته.

وبعد شلایرماخر تطوّر علم التأویل بشکل لافت نوعاً ما، وظهرت آراء ونظریّات متعدّدة وجدیدة متأثّرة بآرائه؛ ومنها: ما ذهب إلیه فیلهلم دِلتای، الذی یُعدّ من أتباع شلایرماخر، من أنَّ معنى النصّ متّحد مع القصد الذهنیّ للمؤلِّف.

ولا نغفل -أیضاً- عن أنَّ بعض الأفکار الأساس المعروفة فی الهرمنیوطیقا نجدها فی آراء شلایرماخر. فمثلاً: نجد أنّ لقاعدة "الکلّیّة" دوراً لافتاً فی الهرمنیوطیقا. وقد اعتبر أست (Ast) فی سنة 1808م أنَّ الفهم عبارة عن تکرار لعملیّة الخلق والإیجاد، وأیّد ولف(wolf) الخبیر فی اللغة هذا الأصل، حیث أکّد على ذلک فی بحث وجوب تساوی وتطابق ما ندرکه عن الآخرین مع ما یدرکونه هم من أنفسهم.

وقد أجرى شلایرماخر فی الهرمنیوطیقا ذات الحدود الواسعة سُنّتین اثنتین؛ هما: الفلسفة الماورائیّة (Transcendental philosophy) والغیبیّة، وذات التوجّه الرومانسیّ إلی حدّ کبیر. واستفاد منهما فی تدوین کیفیّة السؤال عن إمکانیة التفسیر الصحیح والمعتبر، وتدوین طرق السؤال، وإحداث طرق جدیدة من التجرید فی عملیّة الفهم والإدراک.

وقد شکّل تأکید فیتشت (Fichte) على إبداع الأنا النشط والفعّال (active ego) داعیاً لشلایرماخر إلى اکتشاف قانون هرمنیوطیقیّته الذی بموجبه یرجع أیُّ تفکیر للمتکلِّم إلى وحدة الموضوع (الأنا النشط) فی حالٍ من التکامل العضویّ. ومعها تتبدّل العلاقة بین الفردیّة والکلّیّة إلى نقطة محوریّة فی الهرمنیوطیقا الرومانسیّة.

فما لم یتیقّن الإنسان أنَّه بنفسه غیر قادر على فهم معانی العبارات، فلن یکون قادراً على الإدراک الصحیح بهذه السهولة.

إنَّ الوقوع فی الفهم الخاطئ، والسعی إلى عدم الوقوع فیه مرّة أخرى یشکّلان العلة الأساس التی تکمن وراء البحث الحتمیّ والأکید، والذی یرکّز علیها النظام الهرمنیوطیقیّ عند شلایرماخر.

 

ثانیاً: شلایرماخر واعتقاده بإبهام مطلق النصّ:

یرى شلایرماخر أنّ البشر لا یمکنهم أن لا یُبتلوا بالفهم الخاطئ، وممّا ینتج عن الفهم الخاطئ أنّ الإنسان عندما یواجه نصّاً، فإنَّه یراه مبهماً وغامضاً؛ لأنَّ النصّ إنّما یکون واضحاً عندما یراه الذهن واضحاً عند مواجهته له، وتورّط الذهن بالفهم الخاطئ لا ینتج عنه سوى إبهام النصّ.

ویعتقد شلایرماخر أنَّ إبهام النصّ لیس إلاّ نتاج الفهم الخاطئ للبشر، وهذا الإبهام یسری إلى باقی النصوص؛ ما یعنی -على الأقلّ- أنّ النصّ یصبح مبهماً بنظر المفسِّر الذی یبحث عن المعنى.

ومن هنا، کان شلایرماخر یبحث عن قصد المؤلِّف، لکنّ عمله هذا اعتُبر مرحلة جدیدة فی الهرمنیوطیقا، وعندما دخل فی مجال الهرمنیوطیقا طرح تساؤلات عدّة فی هذا المجال، وباعتقاده أنّ الأصل فی النصّ الإبهام وعدم الفهم. وقد سعى بنفسه إلى حلّ هذه المشکلة لکنّه لم یصل إلى نتیجة.

ولکنّه أعطى بعض الحلول من خلال التأکید على عنصرین اثنین؛ هما:

أ. القواعد.

ب. الالتفات إلى الخصوصیّات النفسیّة للمتکلِّم[5].

ومن بعد ما طرحه شلایرماخر أصبحت الأسس الصحیحة للفهم الصحیح مطروحة بشکل عامّ وعالمیّ.

 

ثالثاً: تعمیم معنى النصّ عند شلایرماخر:

من أجل أنْ یسلک شلایرماخر طریقاً منطقیّاً فی الإجابة عن الشبهات المطروحة فی زمانه، وجد نفسه ملزماً بتبریر تعریف الإیمان، ثمّ قام بتفسیر الوحی بالتجربة الدینیّة. وما تمّ بیانه ألهم به الشعراء.

ولکنّ المباحث التی یطرحها شلایرماخر لیست موجّهة إلى الشعراء فحسب؛ وإنّما هی أوسع من ذلک، فتشمل کلّ إنسان، وهو یرى أنّ کلّ إنسان یمکن أن یعیش التجربة الدینیّة بنحو من الأنحاء.

وأمّا بالنسبة إلى النصّ، فقد کان قبل شلایرماخر یُطلق فی الغالب على الآثار المکتوبة؛ لکنّ شلایرماخر تعدّى هذا الحدّ وأطلقه على ما له معنى، سواء أکان مکتوباً أم ملفوظاً أم عادةً أم فناً أم... ونقطة الانطلاق عنده عبارة عن سؤال مفاده: کیف یمکن فهم الخطاب، أیَّ خطاب، سواء أکان ملفوظاً أم مکتوباً؟ وعلى هذا الأساس توسّع معنى النصّ بشکل تدریجیّ بعد شلایرماخر.

بل یمکن القول إنّ کل ما یقع موضوعاً لفهم الإنسان أو کلّ ما وُجد لأجل حکایة معنى أو قصد؛ سواء أکان من صنع الطبیعة أم الإنسان؛ مثل: اللغة بالمعنى الواسع للکلمة، یُطلق علیه "نصّ". فالنصّ موضوع للتفسیر، لکنْ کیف یقع موضوعاً للفهم والتفسیر؟ وعلم الهرمنیوطیقا یعطی الإنسان القدرة على فهم الحیاة الطبیعیّة والحیاة الإنسانیّة الشریفة ومفاهیم الأشیاء وإدراکها. ونطاق هذا العلم واسع إلى حدّ أنَّه یشمل کلّ ظاهرة؛ إنسانیّة کانت أم طبیعیّة، وبأیّ شکل کانت؛ ثقافیّة أم فنیّة، وبشکل عامّ یشمل کلّ علم ومعرفة بکلّ ما تعنیه الکلمة من معنى. والسؤال عن ذات التفسیر أو علم الهرمنیوطیقا وماهیّته وتحلیل مسائله یمکن أن یجیب عن الانتقادات فی مختلف المجالات؛ الثقافیّة، والفنیّة، والاجتماعیّة، والتاریخیّة، والفلسفیّة، والدینیّة، وذلک من خلال التوسّع فی العلم والفهم والتکامل فی المعرفة الإنسانیّة.

والعلاقة بین النصّ والهرمنیوطیقا إنّما تتّضح عندما یکون هناک نصّ نرید أنْ نفهم معناه، فنبحث عمّا یکشف عن هذا المعنى.

إنّ شلایرماخر إنّما طرح فقه اللغة وقواعده، ثمّ طرح فیما بعد الجانب الفنیّ والحالة النفسیّة وعنصر الحدس والشهود، لأجل أنْ یشمل بذلک جمیع النصوص؛ وهذا یعنی أنّ النصّ أکان خطابیّاً أم کتابیّاً، فإنَّ جمیع هذه العناصر تدخل فی فهمه. وعلیه؛ فبمجرد قراءة الألفاظ والاصطلاحات لا یمکن الوصول إلى المعنى المقصود وراء الألفاظ؛ إذ مضافاً إلى کلّ تلک الأبحاث التی طرحها شلایرماخر لا بدّ من الخوض فی الحالة النفسیّة والتحلیل النفسیّ للمفسِّر والمؤلِّف؛ وحینئذ یمکن الکشف عن معانی الألفاظ.

ومن وجهة نظر شلایرماخر، وکذلک دِلتای، فالفهم عبارة عن إعادة بناء الحالة النفسیّة، وموضوع الفهم هو المعنى الحقیقیّ للنصّ الذی وصل إلینا منذ زمن بعید من مؤلِّف لم یعد موجوداً. وإعادة البناء إنّما تتمّ إذا کان ثمّة صلة تصل بین الماضی والحاضر، وبین النصّ والمفسِّر؛ وبذلک یحصل الارتباط بین الکاتب والقارئ؛ وحینئذ تحصل عملیّة إعادة بناء الحالة النفسیّة.

ویرى دِلتای أنّ النصَّ حاکٍ عن أفکار المؤلِّف ومقاصده، وعلى المفسِّر أنْ یعیش أفق رؤیة الکاتب؛ لیکون قادراً على خَلْق تجربة جدیدة؛ نظیر تجربة المؤلِّف. فالعلاقة الأساس بین المؤلِّف والقارئ، ومع غضِّ النظر عن البعد الزمانیّ، هی عبارة عن الإنسانیّة المشترکة بینهما، وبناء الحالة النفسیّة المشترکة أو الوعی بمنزلة الأرضیّة للقدرة الشهودیّة لغرض الانسجام والوئام مع الآخرین.

 

رابعاً: أسلوب الصیاغة ودوره فی فهم قصد المؤلِّف عند شلایرماخر:

من الأمور الدخیلة فی کشف مراد المؤلِّف: الالتفات إلى مقولة أسلوب الصیاغة والأدب؛ فأسلوب صیاغة شلایرماخر کان محطّ أنظار کثیرین من أصحاب الرأی، حتّى إنَّ هذه المسألة حازت على اهتمام کبیر من قبل العلماء والمفکّرین فی العلم والأدب الفارسیّ. إنّ غایة ما یستفاد من بحث معرفة الأسلوب فی هرمنیوطیقا شلایرماخر إنّما هو فی مجال تفسیر الحالة النفسیّة؛ وذلک أنّ للهویة الشخصیّة للمؤلِّف أثراً فی أسلوب الصیاغة. وبعبارة أخرى: الهویة الفردیّة للکاتب تنعکس فی مؤلّفاته، وأسلوب الکتابة وطریقتها هی فی الواقع مرآةٌ لکیفیّة تفکیر صاحب النصّ والأثر؛ ولذا فقد أکَّد على أهمیّة ومحوریّة فهم أسلوب الصیاغة فی معرفة الحالة النفسیّة، إلى درجة أنّه اعتبر أنَّ الهدف الأساس للهرمنیوطیقا هو الفهم الکامل لأسلوب الصیاغة. إذاً، فهدف الهرمنیوطیقا هو معرفة الطریقة والأسلوب لصیاغة النصّ، والمعرفة التامّة للأسلوب تتوقّف على معرفة الهویة الشخصیّة للمؤلِّف والکاتب.

 

خامساً: الفکر واللغة عنصران لا ینفکّان أبداً عند شلایرماخر:

یرى شلایرماخر أنَّ الفکر واللغة لا ینفکّ أحدهما عن الآخر، فالأسلوب یتجلّى فی اللغة وقواعد الکتابة، وهو مرآة لهویّة مؤلِّفه الشخصیّة، واللغة حاکیة عن فکر المؤلِّف. وهذه المسألة لا تختصّ بالنصوص، بل تشمل کلّ ظاهرة فنیّة؛ لأنّها تعکس نوع تفکیر مُوجدها. وبناءً علیه، کان التلازم بین الفکر واللغة دائمیّاً.

وتجدر الإشارة إلى أنّ جمیع أبحاث غادامیر وریکور التی تتعلّق باللغة مأخوذة من مباحث شلایرماخر وآرائه اللغویة التی طرحها فی مباحث علم النفس.

 

سادساً: اصطلاحات الأسلوب والأفکار والشخصیّة عند شلایرماخر:

هناک ثلاثة اصطلاحات (الأسلوب، الأفکار، الشخصیّة) حازت على أهمّیّة کبیرة فی أبحاث شلایرماخر، فالأسلوب ناشئ عن نوع تفکیر المؤلِّف أو المتکلِّم، والأفکار ناشئة عن شخصیّة المؤلِّف والمتکلِّم. وبتعبیر آخر: الخطابات والنصوص تابعة للأفکار التی تُوجب وجود الخطاب أو النصّ. وفی الواقع، یمکن التعرّف على شخصیّات کثیرٍ من المؤلِّفین من خلال کتاباتهم وآثارهم. وعلیه؛ فکیفیّة تفکیر المؤلِّف ومقدار معرفته ونظرته الکونیّة، کلّها قابلة للکشف من خلال سلوکه وآثاره.

ویذهب شلایرماخر إلى إمکانیّة معرفة أفکار المؤلِّف وشخصیّته من خلال معرفة أسلوبه، وإنْ کنّا لا نعرف المؤلِّف ونجهل أفکاره، ولیس لدینا اطّلاع على الظروف الزمانیّة المحیطة بالمؤلِّف عندما صدر منه الأثر. ومن وجهة نظر شلایرماخر، یمکن معرفة کیفیّة تفکیر المؤلِّف من خلال معرفة شخصیّته، ثمّ من خلال التحلیل ومعرفة کیفیّة تفکیره یمکن معرفة کیفیّة ترکیب الکلمات وتأ‌لیفها. وبناءً على ذلک، لا بدَّ لفهم مقصود المؤلِّف ومراده من معرفة شخصیّته بالدرجة الأولى، ثمّ الالتفات والتوجّه إلى الأمور الأخرى، من معرفة أفکاره وأسلوبه بالدرجة الثانیة.

ویرى شلایرماخر أنّه عندما تُکتب مقالة ونحن المخاطبون بها، فعلینا أنْ نسعى إلى قراءتها وفهمها من خلال السیر بشکل عکسیّ؛ أی علینا أوّلاً أن نتعرَّف على أسلوب المؤلِّف، ثمَّ نقوم بتقویم أفکاره، وأخیراً نحقّق فی شخصیّته. وهو بذلک یرید أن یُفهِمَنَا أنّ بإمکاننا من خلال هذه الطریقة أن نصل إلى المعنى الحقیقیّ والنهائیّ للنصّ، أو یمکننا ادّعاء ذلک على الأقلّ.

وعندما یرید شلایرماخر أن یبیِّن مقصوده فإنّه غالباً ما یضرب لذلک أمثلة؛ ومن الأمثلة التی یضربها أنّ شخصاً إذا أراد أن یتکلَّم بشکل رومانسیّ وشاعریّ، فإنَّه یفکِّر بشکل رومانسیّ وشاعریّ، وعندما یرید أحد أن یتکلَّم عن العرفان، فإنّه یفکِّر بشکل عرفانیّ، وکذلک الأمر فی مجال السلوک والأخلاق، حیث یقول إنّ المتکبِّر یظهر تکبُّره فی سلوکه أیضاً.

 

سابعاً: سوء الفهم ونطاقه فی فکر شلایرماخر:

وبطرحه لمسألة سوء الفهم (Misunderstanding) یوسِّع شلایرماخر نطاق البحث الهرمنوطیقیّ، حیث یقول إنَّه بسبب سعة عدم الفهم وعمومیّته، فإنّ کلّ نصٍّ یحتاج إلى تفسیر. ویرى أنَّ الفهم الفنیّ للجُمَل، وکذلک الفهم النفسیّ للنصّ، مبتنٍ على معرفة الهویّة الشخصیّة لصاحب الأثر، وهذا یسبِّب بدوره وحدة النصّ الداخلیّة، ویعتمد فی التفسیر النفسیّ على شخصیّة الشخص المراد. وعندما یصل إلى استخلاص نتائج أبحاثه، یقول: للوصول إلى مغزى المؤلِّف والکاتب لا یجوز أنْ نغفل عن شخصیّة المؤلّف. طبعاً؛ کلامه لیس منحصراً فی النصوص المکتوبة، بل یشمل کلّ ظاهرة؛ مکتوبة کانت أم غیر مکتوبة.

ومن هنا، فإنّ شلایرماخر یخالف بشدّة تخصیص الهرمنیوطیقا بمجالات معیّنة وخاصّة، ویعتقد أنَّ علم الهرمنیوطیقا لا یختصّ بالنصوص المقدّسة، وإنّما یشمل کلّ نصٍّ یحتاج إلى الکشف عن معانیه المبهمة والغامضة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ دِلتای قام لأجل ذلک بتعمیم الهرمنیوطیقا إلى العلوم الإنسانیّة، وصیاغة نظام جدید بالاعتماد على أبحاث شلایرماخر، وذلک من خلال المساواة بین العلوم التجریبیّة والعلوم الإنسانیّة، وبات یُطلق الیوم على هرمنیوطیقا دِلتای اسم "هرمنیوطیقا العلوم الإنسانیّة". وهو فی هرمنیوطیقیّته بصدد إجراء تطبیقٍ لقصد شلایرماخر ومراده فی العلوم الإنسانیّة.

 

ثامناً: الحسّ المشترک عنصر أساس فی الهرمنیوطیقا عند شلایرماخر:

یُعدّ الحسّ المشترک (common sense) عنصراً أساساً ومحوریّاً ونعمة إلهیّة یحتاج إلیها البشر فی أصول الفهم، وقد أکَّد علیه شلایرماخر؛ إذ إنَّ الإدراکات والأحاسیس مشترکة بین البشر، ولذلک یستطیع الإنسان أن یجعل نفسه مکان الآخرین ویعیش الأجواء التی یعیشها غیره. وبعبارة أخرى: یستطیع الإنسان أن یعیش الظروف والشروط المحیطة التی کان یعیشها المؤلِّف؛ وکأنَّه یعید صیاغة النصّ وتقریره، وإنْ کان ذلک قد یؤدّی إلى إیجاد معنى جدید وراء قلم المؤلِّف أو مراده.

ویشترط فی فهم النصّ التعرّف جیّداً على شخصیّة المؤلِّف فی مرحلة سابقة، والاطّلاع على الظروف المحیطة بذهن المؤلِّف عند صیاغته للأثر، وهو بعینه الالتفات إلى الجوانب النفسیّة للمؤلِّف التی یتوقّف علیها فهم النصّ. ومن جهة أخرى، لا یمکن التعرّف على المؤلِّف إلا من خلال النصّ.

وتجدر الإشارة إلى أنّ اشتراک البشر فی الإدراک هو من المواضیع الأخرى التی طرحها شلایرماخر، والتفت إلیها علماؤنا، وتعرَّضوا لها کثیراً فی النصوص الدینیّة والفلسفة الإسلامیّة، على أنّ المراد من الحسّ المشترک هو الأعمّ من الإدراکات الحسیّة، والعقلیّة، والوهمیّة، والمراد من الإدراکات الوهمیّة هو الإدراکات التی تحکی عن المفاهیم الجزئیّة غیر الحسیّة؛ نظیر: الحب، والخوف، والحزن.

فهناک إمکانیّة لحلول الإنسان محلّ صاحب الأثر والمؤلِّف، ومشاکلته فی إدراکه دائماً، وقد أکّدت النصوص الدینیّة على أنْ یجعل الإنسان نفسه مکان الآخرین، ویعیش الظروف التی کان یعیشها غیره کثیراً؛ ومن باب المثال: المسائل الأخلاقیّة والسلوکیّة فی نهج البلاغة، وکذلک کتاب أصول الکافی قد أشار إلى هذه المسألة بشکل کبیر، ومن جملة ذلک الروایات التی أکّدت على أنَّ ما لا یتمنّاه المرء لنفسه لا یتمنّاه لغیره، ومن جملتها أیضاً ما ورد عن الإمام أمیر المؤمنین (ع) فی وصیّته لابنه الإمام الحسن (ع)[6] أنَّ شخصاً إذا أراد أن یتعدَّى على حقوق غیره، فعلیه أنْ یجعل نفسه مکانه؛ لیرى أنّه إذا اعتُدی علیه فما هی ردّة الفعل التی یبدیها اتّجاه ذلک. وکذلک توجد بعض الآیات التی تشیر إلى ذلک؛ کالآیات التی تحکی قصص الماضین وتؤکِّد على أخذ العبر منهم وممّا جرى علیهم، وهذا الأمر لا یتمُّ إلا إذا حلَّلنا التاریخ وعشنا تلک الظروف التی عاشها هؤلاء. وقد صرَّحت بعض الروایات بذلک؛ کالروایات التی تأمرنا بالاقتداء بمن هم أسوة وقدوة فی المجتمع. وهذه التوصیات تدلّ على إمکانیّة أنْ یجعل الإنسان نفسه مکان الآخرین، وأن ینقطع عن الوسط المحیط والظروف الشخصیّة التی یعیش فیها.

 

خاتمة:

تقدَّم فی هذه المقالة عرضٌ وتحلیلٌ للطرح الهرمنیوطیقیّ عند شلایرماخر، حیث ذهب إلى ضرورة عدم الانفکاک عن الظروف الفردیّة والشخصیّة فی عملیّة الفهم، وجَعْل النفس مکان الآخر والعیش فی ظروفه، وتفعیل الحسّ المشترک (Common sense) للحصول على فهم عمیق للنصّ وإدراک دقیق لمراد صاحبه.

ویعتقد شلایرماخر أنَّ للمتن معنى وحیداً وفریداً، ویقول بتعیّن المعنى وانحصاره، وبوجود حدود ومعاییر (Validity) یجب مراعاتها واحترامها. والیوم، إن لم نستطع اختصار الفاصل الزمانیّ بیننا وبین الماضی أو إدراک شرائطه، فلن نکون قادرین على أخذ العبرة من النصوص الدینیّة والعمل بکثیر من التوصیات والتوضیحات التی وردت فی النصوص الدینیّة؛ والتی هی نفسها صرّحت بإمکانیّة ومطلوبیّة جعل النفس مکان الآخرین ومشارکتهم تجاربهم الإدراکیّة.

وقد أکَّد شلایرماخر فی مباحثه بشکل کبیر على أنَّ الإنسان مصاب بداء سوء الفهم الذی لا علاج له أبداً. ومن هنا، فإنَّ کلّ نصٍّ یحتاج إلى تفسیر، وأمّا القول بأنَّ فهم ظواهر الکلام العرفیّة یتمّ من الأصول الحاکمة على النصوص والخطابات، فهو مخالف لسوء الفهم عند شلایرماخر الذی وصلنا إلیه عن طریق الکتاب والسُنّة. وبتعبیر آخر: فرجوع المجتهد والمفسِّر إلى العرف فی بعض الأحکام، وجعله ملاکاً أساساً فی فهم الخطابات مخالف لما ذهب إلیه شلایرماخر. طبعاً؛ سوء الفهم عند شلایرماخر عامّ وشامل إلى درجة أنَّه یشمل مباحثه وخطاباته. ولذا، فإنَّنا نرى أنّ هذا الإشکال لا یمکن حلّه کما لا یمکن الدفاع عن نظریّته فی سوء الفهم.

وقد أکَّد علماؤنا الأصولیّون والمفسِّرون على بحث الفهم العرفیّ وظواهر الکلام، ویُستفاد من ذلک أنْ لا محلّ یُذکر لسوء الفهم فی تفسیر نصوصنا الدینیّة، وکلّما احتملنا أنَّ ثمّة معنًى مخالفاً، فإنّنا طبقاً للقواعد نحکم بمخالفته للواقع، لکنَّ ذلک لا یعنی أنَّ سوء الفهم مقیّد للإنسان دائماً، فمن باب المثال: عندما تصلک رسالة من صدیق، فذلک لا یعنی أن تفکِّر قبل فتح الرسالة أنَّک سوف تُبتلى بسوء الفهم عندما تفتحها وتقرأها. ونحن نرى أنَّ إبهام النصّ لیس ذاتیّاً، وإنْ کان ثمّة کثیر من النصوص واضحة وبیّنة، ویمکن من خلال القوانین السابقة فهم المعنى الحقیقیّ لها. وأمّا النصوص المبهمة التی تحتاج إلى تفسیر، فإنّها تحتاج إلى تعمُّق فی التحلیل النفسیّ -بتعبیر شلایرماخر- للتمکُّن من التعرُّف على شخصیّة المؤلِّف وأفکاره وأسلوبه.

ویرى شلایرماخر أنّه حتّى المحکمات من النصوص الدینیّة مبتلاة بسوء الفهم أیضاً، ولکنّ واقع الأمر لیس کذلک، فلیس صحیحاً أنَّنا لا نستطیع أن نفهم أیّ شیء من المحکمات من النصوص الدینیّة ولو على مستوى الفهم العادی والبسیط؛ بدعوى أنَّ البشر مُبتلون بسوء الفهم؛ لنقول -بناءً علیه- بضرورة الاعتماد على الهرمنیوطیقا فی فهم مراد المؤلِّف حتى فی هذه النصوص! لقد افترض شلایرماخر أنَّ من الواجب فی عملیَّة الفهم طیُّ مرحلة التعرّف على الأسلوب والفکر والشخصیّة قبل أن نصل إلى المعنى النهائیّ؛ بل إلى ما وراءه، ولا یمکن إنکار دور الخلفیّات الذهنیّة والفرضیّات فی فهم النصوص الدینیّة، حتَّى النصّ القرآنیّ، على نحو الموجبة الجزئیّة طبعاً. مثلاً: إذا کنّا نرید أن نفهم آیات الحجّ، فلا بدَّ من أن نرجع إلى تاریخ الیهود، وإبراهیم (ع) و... وعلى أیّ حال إذا أردنا أنْ نفهم معانی الآیات القرآنیّة، فلا بدّ من أن نطّلع على أسباب نزول هذه الآیات ومعانی الکلمات والاصطلاحات بشکل جیّد. ولذلک قیل: لا بدَّ فی تفسیر النصوص الدینیّة وفهمها من الالتفات إلى الظروف التاریخیّة والشروط المحیطة الحاکمة فی زمن صدور هذه النصوص وعدم الغفلة عنها، لکنَّ الفرضیات لا حدیث عنها فی أصولنا، وبناءً على هذا الکلام  -کلام شلایرماخر- نقول إنَّه عندما یتبادر إلى الذهن معنى معیّن من مقطع ما نسأل: هل هذا المعنى بعینه هو المتبادر فی زمان رسول الله (ص) أم لا؟ هل فَهِمَ زرارة بن أعین؛ وهو أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) هذا المعنى من کلام الإمام الصادق (ع) أم لا؟

فإذا أردت أن تفهم المعنى الواقعیّ للحدیث یجب أن تعیش الظروف والبیئة المحیطة التی کان یعیشها أمثال زرارة فی المدینة أو فی غیرها.

وصحیح أنّنا میتافیزیقیّاً نختلف عن الأفراد الذین کانوا قبل عشرة قرون، ولکنّنا یجب أنْ نسعى إلى الاقتراب منهم قدر الإمکان. نحن لا ندّعی أنّنا یجب أنْ نکون مثلهم تماماً؛ بل حتَّى شلایرماخر لا یدّعی ذلک، وفی بحث الهرمنیوطیقا الرومانسیّة یتکهّن ویقول: إذا قلنا لکم اطووا هذه المرحلة واذهبوا إلى زمان غادامیر، سوف تقولون إنّ فعل ذلک غیر ممکن، ولا یمکن لکم الخروج والتخلّی عن هویّتکم الشخصیّة؛ وذلک أنّ شخصیّتکم جُبِلَت بکم؛ حیث لا یمکنکم الانفصال عنها؛ لتنفذوا فی ذهن المؤلِّف. ولکنّ شلایرماخر یعتقد بإمکانیّة التخلّی عن الهویّة الشخصیّة، دون القول بإمکانیّة النفاذ إلى ذهن المؤلِّف وصاحب الأثر مئة بالمئة. نعم؛ یمکن ذلک إلى حدٍّ معیّن.

ونحن -أیضاً- نؤیِّد ذلک، حیث لا یمکن أن نکون مثل زرارة، ولا نقول إنَّ على زرارة الیوم أن یأتی إلینا؛ لکی نفهم هذا النصّ؛ فماذا یمکن أنْ نفهم من النصّ على فرض کان زرارة موجوداً الیوم فی هذه البیئة والظروف الحاکمة على البشر. نحن لا نستطیع أن نقول بذلک؛ إذ لیس من المفترض أن نذهب بأنفسنا إلى ذلک الطرف؛ وإنّما ینبغی الاقتراب من عصر صدور النصّ الدینی حتَّى نستطیع فهم کلام الله سبحانه وتعالى وکلام المعصوم (ع)؛ لأنّنا مجرّد مستمعین إلى رسائل شفهیّة.

ومن الأبحاث الأخرى التی طرحها شلایرماخر: کیفیّة التعامل مع فهم الحالة النفسیّة، وهو ما یمکن قبوله فی الجملة. فمن الأمور التی تمتاز بها الحالة النفسیّة والفرضیّات الذهنیّة أنَّ لها تأثیراً فی الخطاب وکلام المتکلِّم، ویمکن التعرُّف علیها عن طریق الأسلوب. وقد أشارت بعض الآیات الکریمة إلى ذلک؛ نظیر قوله تعالى: {ولتعرفنَّهم فی لحن القول}[7]؛ فما کان یجری على لسان المنافقین لم یکن مراداً حقیقیّاً لهم، وکان عملهم مخالفاً لقولهم، والآیة الکریمة تقول إنَّ لحن قولهم یدلّ على نفاقهم. إذاً، یمکن فهم المعنى من لحن کلام المتکلّم، فمراده یظهر من لحن کلامه، وإنْ کان ظاهره لا یدلّ علیه ومخالف له، وفی الحدیث: "الإنسان مخبوء تحت لسانه"[8]. ماذا یعنی هذا الکلام؟ یعنی أنَّه لا یمکن معرفة المخبوء فی الضمیر ما لم یحرِّک الإنسان لسانه بالقول. إذاً، فمن خلال الأسلوب وطریقة صیاغة الکلمات والاصطلاحات یمکن التعرُّف على کیفیّة تفکیر المتکلِّم ومراده.



[1] عضو فی الهیئة العلمیّة فی مؤسّسة الإمام الخمینی (قده) للتعلیم والبحث، ورئیس المرکز العالی للدراسات التقریبیّة التابع للمجمع العالمیّ للتقریب بین المذاهب الإسلامیّة.

[2]نظیر "المحکمات"، حیث لا طریق للإبهام والغموض إلیها.

[3] The Hermeneutics,  Reader, p.8

[4] The Hermeneutics,  Reader, p.8

[5] یعنی أن نتعرّف على الأبعاد النفسیّة للمتکلِّم؛ حیث نتخیَّل أنفسنا نعیش فی الظروف نفسها التی یعیش فیها المتکلِّم؛ حتَّى نستطیع أن نفهم نصّه.

[6] الشریف الرضیّ، محمد بن الحسین بن موسى العلویّ: نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412هــ.ق، ج3، ص45.

[7]سورة محمد، الآیة30.

[8] الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ج4، ح148، ص38.

 
[1]The Hermeneutics,  Reader, p.8
[1] یعنی أن نتعرّف على الأبعاد النفسیّة للمتکلِّم؛ حیث نتخیَّل أنفسنا نعیش فی الظروف نفسها التی یعیش فیها المتکلِّم؛ حتَّى نستطیع أن نفهم نصّه.
[1]الشریف الرضیّ، محمد بن الحسین بن موسى العلویّ: نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412هــ.ق، ج3، ص45.
[1]سورة محمد، الآیة30.
[1]الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ج4، ح148، ص38.