معیاریّة العدالة فی البناء الحضاریّ -دراسة مقارنة-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تعالج هذه المقالة معیاریّة العدالة فی البناء الحضاریّ الاجتماعیّ والإنسانی برؤیة مقارنة بین الإسلام والغرب، وتقوم على مرتکزات ثلاثة؛ هی:
- تحدید معنى القیم؛ کالعدالة، وکیف ومتى یمکن اعتبارها معیاریّة؟ ثمّ الانشغال بترابط مجال القیم الإسلامیة بالعدالة، وعلى أیّ أساس اعتبرناها معیاریّة فی البناء الحضاریّ، بعد تأکید معیاریّتها فی البناء  المجتمعیّ. وهذا على المستوى الإسلامیّ، لا بدَّ من أنْ ینطلق من محوریّة العدالة فی تهذیب الذات والنفس الإنسانیّة؛ إذ تمثّل الذات الإنسانیّة فی فردیّتها رکیزة کلّ بناء یتمثّل بالنشاط الإنسانیّ المجتمعیّ منه أو الحضاریّ.
- التفریق بین معنى "حضارة" و "الحضارة"؛ إذ باتت الدراسات المعاصرة تتحدّث عن أنّ کلّ زمن یمثّل فرادة حضاریّة خاصّة، وهو الذی نسمّیه بـ "الحضارة" مع "ال" التعریف؛ کأنّما هی فی قیمها وسیاساتها وعلومها تمثّل روح هذا العصر أو ذاک، فی الوقت الذی لا ننفی فیه وجود حضارات؛ بما هی أمم وشعوب، ولکنّها حضارات غیر سیادیّة؛ بحیث یبقى السؤال الذی یحتاج إلى إجابة: إنّ الحضارات بما هی قابلة للولادة والهرم والموت، هل یمکن لها بعد هرمها أنْ تعود لتسود من جدید فی أیّ عصر من العصور الآتیّة؟ وهنا، بالنسبة إلى الحضارة الإسلامیّة، هل ما زالت الحاجة إلیها قائمة؟ وهل یمکن للحضارة الإسلامیّة أن تستعید سیادتها یومًا؟
- هل بإمکاننا أنْ نجد ونتلمّس وجه العدالة فی الحضارات الفاعلة فی عالم الیوم؟ وفی العلاقات الدولیّة؟ أم إنّ العدالة الحضاریّة هی الفرادة الخاصّة للإسلام والمسلمین؟ وعلیه، فإنّ الحاجة للإسلام الحضاریّ ما زالت قائمة بوصفها حاجة معاصرة الیوم. وکیف هو المشهد الدولیّ المعاصر الیوم أمام تطلّعات عالم المسلمین نحو بناء حضارتهم العادلة، بل بناء "الحضارة العادلة"؟

نقاط رئيسية

أولًا: الحضارة فی الرؤیة الغربیّة

ثانیًا: موقع العدالة فی الرؤیة الغربیّة!

ثالثًا: الغرب فی مواجهة العدالة

رابعًا: منطلقات العدل والعدالة الاجتماعیّة فی الإسلام

خامسًا: تحدید العدل والعدالة فی الإسلام

سادسًا: العدل فی سیاق الحضارات المعاصرة

الكلمات الرئيسية


معیاریّة العدالة فی البناء الحضاریّ -دراسة مقارنة-

الشیخ شفیق جرادی[1]

خلاصة المقالة:

تعالج هذه المقالة معیاریّة العدالة فی البناء الحضاریّ الاجتماعیّ والإنسانی برؤیة مقارنة بین الإسلام والغرب، وتقوم على مرتکزات ثلاثة؛ هی:

- تحدید معنى القیم؛ کالعدالة، وکیف ومتى یمکن اعتبارها معیاریّة؟ ثمّ الانشغال بترابط مجال القیم الإسلامیة بالعدالة، وعلى أیّ أساس اعتبرناها معیاریّة فی البناء الحضاریّ، بعد تأکید معیاریّتها فی البناء  المجتمعیّ. وهذا على المستوى الإسلامیّ، لا بدَّ من أنْ ینطلق من محوریّة العدالة فی تهذیب الذات والنفس الإنسانیّة؛ إذ تمثّل الذات الإنسانیّة فی فردیّتها رکیزة کلّ بناء یتمثّل بالنشاط الإنسانیّ المجتمعیّ منه أو الحضاریّ.

- التفریق بین معنى "حضارة" و "الحضارة"؛ إذ باتت الدراسات المعاصرة تتحدّث عن أنّ کلّ زمن یمثّل فرادة حضاریّة خاصّة، وهو الذی نسمّیه بـ "الحضارة" مع "ال" التعریف؛ کأنّما هی فی قیمها وسیاساتها وعلومها تمثّل روح هذا العصر أو ذاک، فی الوقت الذی لا ننفی فیه وجود حضارات؛ بما هی أمم وشعوب، ولکنّها حضارات غیر سیادیّة؛ بحیث یبقى السؤال الذی یحتاج إلى إجابة: إنّ الحضارات بما هی قابلة للولادة والهرم والموت، هل یمکن لها بعد هرمها أنْ تعود لتسود من جدید فی أیّ عصر من العصور الآتیّة؟ وهنا، بالنسبة إلى الحضارة الإسلامیّة، هل ما زالت الحاجة إلیها قائمة؟ وهل یمکن للحضارة الإسلامیّة أن تستعید سیادتها یومًا؟

- هل بإمکاننا أنْ نجد ونتلمّس وجه العدالة فی الحضارات الفاعلة فی عالم الیوم؟ وفی العلاقات الدولیّة؟ أم إنّ العدالة الحضاریّة هی الفرادة الخاصّة للإسلام والمسلمین؟ وعلیه، فإنّ الحاجة للإسلام الحضاریّ ما زالت قائمة بوصفها حاجة معاصرة الیوم. وکیف هو المشهد الدولیّ المعاصر الیوم أمام تطلّعات عالم المسلمین نحو بناء حضارتهم العادلة، بل بناء "الحضارة العادلة"؟

 

مصطلحات مفتاحیّة:

الإسلام، الغرب، الإنسان، المجتمع، الحضارة، العدل، الحقّ، العدالة الاجتماعیّة، المعیاریّة، العقیدة، الأخلاق، ...

 

مقدّمة:                             

عمل الباحثون کثیرًا على کشف العلاقة بین العدل والمیزان، ومقاربتهما من معنى المعیاریّة والحقّ، حتّى مَاهَى بعضهم بین الحقّ والعدل، وذهب إلى القول بأنّ الحقّ الفطریّ، وإن اختلف مع العدل والعدالة مفهومًا؛ فإنّه یساویها على مستوى المصادیق؛ بل یمکن القول إنّ العدل هو الحقّ؛ فبالحقّ، کما بالعدل، قامت السموات والأرض.

وقد حاز هذا الأمر على عنایة خاصّة عند مفکّری المسلمین فلاسفتهم ومتکلّمیهم، الذین أسّسوا علیه أفهامًا وتأویلات عقدیّة وتشریعیّة وأخلاقیّة ورؤیویّة.

وإنْ کانت هذه المقالة قد جاءت لتعالج موضوع الحضارة فی أفق التأویل الإسلامیّ، فمع ذلک لا بدّ -ولو باختصار- من تحدید مفهوم العدالة بأبعادها النظریّة؛ لما لذلک من تأثیر خاصّ على قراءة الحضارة وفق مقاربة إسلامیّة.

وعلیه؛ یکمن سؤال مفاده: هل العدالة بوصفها قیمة علیا فی منظومة القیم الإسلامیّة تعتبر قیمة معیاریّة حاکمة على هویّة الحضارة ونسقها ومسارها؟

والمقصود بالمعیاریّة ما تبَانى علیه أهل الاصطلاح من کونها میزانًا کاشفًا أو:

"أ. علامةً ظاهرةً تسمح بالتعرّف إلى شیء أو إلى مفهوم.

ب. سمةً أو خاصّیّةً لعرضٍ ما (شخص أو شیء) یُصار بموجبها إلى إصدار حکم تقویمیّ علیه. وبوجه خاصّ یُقال: معیار الحقیقة هو میزانها على علامة خارجیّة أو سمّة ذاتیّة داخلیّة، تسمح بالتعرّف إلى الحقیقة، وتمییزها الیقینیّ من الضیاع"[2].

فهل العدالة هی القیمة المعیاریّة التی بموجبها یمکننا استکشاف حقیقة الحضارة الإسلامیّة، أو حقیقة أیّ حضارة من الحضارات؟

 

أولًا: الحضارة فی الرؤیة الغربیّة:

الحضارة هی "ظاهرة إنسانیّة عامّة... فکلّ أجناس البشر متحضّرة، وما من شعب إلّا وله مستواه الحضاریّ، والفرق فی المستویات"[3].

لقد لحظ هذا التعریف الجماعة من الناس أو الأمّة من الناس؛ بما یقابل البداوة أو التخلّف الثقافیّ والمعنویّ. ومن هنا، نتابع مع صاحب هذا التعریف قوله وتساؤلاته "هل للحضارة مقاییس؟ هل هناک معاییر نحکم بمقتضاها على إنسان أو جماعة بالتحضّر؟ الحقّ -کما قلنا- أنّه لا یوجد إنسان غیر متحضّر أصلًا ولا جماعة لا نصیب لها من الحضارة. والمسألة -کما قلنا- مسألة فرق فی المستوى، ولکنْ کیف نستطیع تحدید ذلک المستوى؟ إنّ الحضارة هی ثمرة أیّ مجهود یقوم به الإنسان لتحسین ظروف حیاته على وجه الأرض مادّیًّا أو معنویًّا؛ فمقیاس الحضارة -إذًا- هو مدى ذلک التحسّن مادّیًّا ومعنویًّا. ومن الواضح أنّ التحسّن المعنوی مقدَّم على التحسّن المادّیّ"[4].

 وفق هذا المعنى، فإنّ الأمّة الأقلّ تطوّرًا فی المجال المادّیّ، إذا توافر لدیها الظروف المعنویّة الصالحة، فستکون أکثر حضارة من الأمّة الأوسعِ فی التطوّر المادّیّ والأقلِّ فی الأبعاد المعنویّة.

وهنا یأتی التساؤل عن ماهیّة هذه الأبعاد المعنویّة للحضارة، وأین تقع القیم الأخلاقیّة والثقافیّة منها، وما مدى موقع العدالة فی مثل هذه السمات أو المعیاریّة الحضاریة؟ إلّا أنّ تعریفات أخرى ینقلها معجم لالاند تظهر آفاقًا جدیدة من استنباش هذه التساؤلات. فهو ینقل أنّ "حضارة" ما هی مجموعة ظواهر اجتماعیّة مرکّبة، ذات طبیعة قابلة للتناقل، تتّسم بسمة دینیّة، أخلاقیّة، جمالیّة فنیّة، تقنیّة أو علمیّة، ومشترکة بین کلّ الأجزاء فی مجتمع عریض أو عدّة مجتمعات مترابطة (الحضارة الصینیّة/ الحضارة المتوسّطیّة)"[5].

 إنّ ما یمیّز هذا التعریف هو:

-     انطلاقه من توصیف واقع حضاریّ یلحظ الارتباط بین شعوب أو قومیّات أو جماعات متوحّدة بإطارٍ ما (متوسّطیّة مثلًا...).

-       اعتباره أنّ الحضارة مرتبطة بالمجتمع.

-       ملاحظته أنّ سمة حضارة ما هی سمات مجتمع أو مجتمعات ما تتبانى على قیم: دینیّة ثقافیّة، فنیّة جمالیّة، تقنیّة علمیّة، وینبغی -أولًا- أن یتوافر فیها الامتداد على الهیئة العامّة لهذا المجتمع، کما ینبغی -ثانیًا- أنْ تکون هذه القیم قابلة للانتقال والتعمیم على بیئات مجتمعیّة أو حضاریّة أخرى.

ویبیّن لالاند فی تعریفاته للحضارة أنّ "الحضارة مقابل الوحشیّة، وهی مجمل المزایا المشترکة بین الحضارات، التی تُعدّ هی الأعلى والأرقى -أی عملیًّا حضارة أوروبا والتی تبنّتها فی خطوطها الکبرى...- فلا تتعارض الشعوب المتحضّرة مع الشعوب الوحشیّة أو البربریّة بهذه السمة المحدَّدة أو تلک، بقدر ما تتعارض معها بتفوّق علمها وتقنیّتها، وبالطابع العقلانیّ لتنظیمها الاجتماعیّ... کما تتضمّن کلمة حضارة المفهومة على هذا النحو، وإلى حدّ کبیر جدًّا، فکرة أنّ البشریّة تنزع إلى أنْ تغدو متشابهة أکثر فأکثر فی مختلف أجزائها"[6].

إنّ هذا النصّ بالغ الأهمّیّة، بل وبالغ الخطورة، یستفاد منه أمور عدّة؛ هی:

-       أنّ القیم الثقافیّة والدینیّة هی المقوّمة لمعنى الحضارة والموجّهة لحرکتها، ولیس السیاسة.

-       أنّ القیم الحضاریّة هی سمات مشترکة بین الحضارات، وأنّ الحضارة الأعلى هی أوروبا وما لحِق بها.

-       أنّ معیار التمایز هو فی موردین اثنین؛ هما: العلم والتقنیة، والعقلانیة فی المبنى المجتمعی.

وهذان الموردان، کما لا یخفى، هما ولیدا الحضارة والعقلیّة الأوروبیّة القائمة على جنوح التفوّق والاستعلاء.

-       وجود فارق مفهومی بین مفردة "حضارة" و"الحضارة"، فإذا کان من الصحیح أنّ کلّ مجتمع له حضارته، فإنّ ما تستهدفه حرکة التأویل الأوروبیّ للحضارة هو نشوء "الحضارة"؛ أی المرکز المهیمن على کلّ حضارة والبانی لمشترکات القیم عند کلّ حضارة أخرى.

وعلیه؛ فإذا کان التعریف الأوّل بما یحمل من سمات البیئة الشرقیّة الإسلامیّة ینطوی على احترام لکلّ ظاهرة إنسانیّة متحضّرة، ویأخذ الرقی فی المستوى الحضاریّ إلى بُعد التمیّز المعنویّ فی القیم والأخلاق، لا بفعل التفوّق التقنی والمادّیّ، فإنّ هذه السجیّة من الفهم هی بفعل سیادة الثقافة الدینیّة فی رؤیتها وتقویمها للواقع الإنسانیّ.

 

ثانیًا: موقع العدالة فی الرؤیة الغربیّة!

فی الوقت الذی یعکس فیه لالاند وأمثاله سیاق الرؤیة الأوروبیّة؛ انطلاقًا من الثورة التنویریّة فی مواجهة السلطة الکنسیّة، التی أوصلت الأمور مع الحداثة الأوروبیّة إلى الانغماس فی الرؤى المادّیّة؛ بوصفها معیارًا وأصلًا ومرتکزًا لتقویم أیّ شأن فی الوجود والحیاة الإنسانیّة؛ ومنها: موضوع الحضارة، ولتأکید منظور بقاء الأقوى وصلاحه، کان المعیار الثقافیّ والقیمیّ عندهم هو التفوّق التقنیّ والعلمیّ الذی یؤسِّس لزحزحة معنى الحضارة عن مدار الخصوصیّة عند هذه الأمّة أو تلک، إلى الحضارة بمعنى الأمّة الأکثر تفوّقًا فی القوّة والسلطة، والتی تحتضن الزمن لتجعل من کلّ عصر مرکزًا لحضور منتجٍ حضاریّ متفوّق یهیمن على حضارات وأمم ویجعلها هامشیّة. وهذا ما دفع إلى إبعاد قیمة العدالة عن معیاریّة النشوء الحضاریّ، فقد تصلح العدالة للداخل المرکزیّ للحضارة المهیمنة، لکنّها بموجب هذه الرؤیة لا تصلح أبدًا فی علاقة المرکز الحضاریّ بالهامش الحضریّ.

وعلیه؛ لمّا تفتّقت عبقریّة هذا الغرب الأوروبیّ فی القیم والثقافة السیاسیّة، أولدت مصطلحات أخرى بوصفها معاییر ضابطة؛ منها: "السلام - العالمی"، "الأمن - الدولی"، "حقوق - الإنسان"، وغیر ذلک... ولا یخفى أنّ هذه المفردات المعیاریّة تشکّلت داخل مبدإ المصلحة الاستکباریّة، لتخدم المشروع الکونیّ للحضارة المهیمنة. فلا معنًى للسلام، أو الأمن، أو الحقوق إنْ لم یتمَأسَس وینتظم داخل مؤسّسات دولیّة ترعاها دول الهیمنة الساعیة إلى تحقیق مصالحها وقیمها الرابطة لأمم الحَضَر أو حضارات الهامش.

ولعلّ ما أفرزته فی دراستها للعدل ارتبط بمؤسّسات داخلیّة وقطاعات محلّیّة قائمة على الموازاة فی التفاعل الاقتصادیّ والاجتماعیّ بین القطاعات، هو الذی أصبغت علیه معنى العدالة.

وعلیه؛ بُنی فهم الضرائب على أنّه إعادة تدویر اقتصادیّة - اجتماعیّة، حیث إنّ تحقیق «المساواة یحتاج إلى تسویغ، والتسویغ الوحید الممکن إنّما یکون فی تحسین حالة الفقراء والمحرومین، -مثلًا- عبر تعزیز النموّ الاقتصادیّ»، ثمّ یخلص إلى نتیجة مفادها أنّه «فی الظروف الحالیة تکون الضریبة المُعاد توزیعها هی التی ستموِّل الخدمات الاجتماعیّة فی ما تتطلّبه العدالة»[7].

وفی هذه الحالة التی تنظّم فیها العدالة إیصال مکسب للطبقات الفقیرة یمکن أنْ یتمّ خرق حقّ المساواة، "فإذا کان ناتج تطبیق مبادئ الکسب العادل والأهلیّة العادلة لامساواة جسیمة، فإنّ التسامح مع مثل هذه اللامساواة سیکون ثمنًا لا بدَّ من دفعه للعدالة"[8].

وإذا صحَّ، حسب تحلیل صاحب النص، أنْ تتسامح القطاعات فی ما بینها بالتخلّی عن المساواة من أجل العدالة؛ فإنّ السبب فی ذلک إنّما هو تحقیق مصلحة نفعیّة لکلّ قطاع أو شریحة اجتماعیّة، فالدافع هو المصلحة والمنفعة، ولیست العدالة، أو المساواة، أو التسامح، کما یبیّن صاحب النصّ.

ومن هنا، فقد نُقل عن فیلسوف العدالة المعاصر جون راولز قوله مناقشًا: "إنّ مبادئ العدالة هی تلک المبادئ التی یختارها إنسان عاقل موجود خلف حجاب الجهل، بحیث لا یعرف المکانة التی سوف یحتلّها فی المجتمع؛ أی ما ستکون طبقته أو مرتبته الاجتماعیّة، وما هی المواهب والقدرة اللتان سیحوز علیهما، وما مفهومه للخیر أو أهدافه فی الحیاة، وما هو مزاجه، وفی أیّ نوع من النظام الاقتصادیّ، السیاسیّ، أو الثقافیّ، أو الاجتماعیّ سوف یقیم"[9].

بمثل هذه الشخصیّة القلقة وغیر المتوازنة یصف راولز الجماعات أو الأفراد المتعاملین مع العدالة، فالشیء الوحید الواضح أنّها أمرٌ نستعمله من أجل تحقیق ما نحتسبه مصلحة. وهذا الأمر سیضعنا -بمعنًى ما- أمام مسؤولیّة التحرّی عن أیّ بناء إنسانیٍّ یقبل تلقّی موضوع العدالة بالعموم، والعدالة الحضاریّة منها بنحوٍ خاصّ. فهل العدالة مسند اتّکاء الجهل والقلق والضعف، أم یمکن أنْ تکون تعبیر الذات المقتدرة، کما یعتبرها الإسلام، وعلى نقیض ما یذهب إلیه مصنّفو الفلسفات السیاسیّة فی عالم الهیمنة الحضاریّة؟

 

ثالثًا: الغرب فی مواجهة العدالة:

یرى فیلسوف الأخلاق السیاسیّة جون راولز، ضمن التأسیس النظریّ المعاصر للأخلاق السیاسیّة، "أنّ أحد مهمّات الفلسفة السیاسیّة -ولْنَقُل دورها العملیّ- هو الترکیز على المسائل التی یدور حولها نزاع عمیق، والنظر فیما إذا کان ثمّة -على الرغم من المظاهر- قاعدة أساس یمکن اکتشافها لاتّفاق فلسفیّ أخلاقیّ"[10].

فهو یعتبر أنّ المجتمعات الغربیّة فی انقساماتها لم تستطع أنْ تتوافر على قاعدة فلسفیّة وأخلاقیّة مشترکة.

وبالتالی، فهذا إقرارٌ ضمنیّ بأنّ الغرب لم ینطلق من مثل هذه القاعدة الأخلاقیّة فی تشکیل منظومته السیاسیّة. ولذا، کان لا بدّ من الترکیز "على أصلٍ آخر للنزاع؛ وهو: العقائد الفلسفیّة والأخلاقیّة المختلفة التی تعالج کیفیّة فهم دعاوى الحرّیّة والمساواة المتنافسة، وکیفیّة تنظیمها وموازنة بعضها مع بعضها الآخر، وکیفیّة تسویغ أیّ طریقة خاصّة من طرق تنظیمها"[11].

وبالتالی، فالعدالة بوصفها واحدة من الخیارات التی یمکن اعتمادها فی تأویلات الحرّیّة والمساواة لا تمثّل الحلّ الوحید أو المرجّح على غیره... وإنْ کانت هی إحدى تلک الخیارات.

فالعدالة -هنا- إنّما تعنی مفهوم الإنصاف والاشتغال على بناء المؤسّسات فقط، وإلى ذلک یشیر راولز بقوله: «نحاول صیاغة مبادئ العدالة السیاسیّة حتّى إذا حقّقت البنیة الأساسیّة للمجتمع تلک المبادئ -ونعنی بالبنیة الأساسیّة: المؤسّسات السیاسیّة والاجتماعیّة الرئیسة، وطریقة تلاؤمها بعضها مع بعض على ترسیم نظام تعاونیّ واحد- فإنّنا عندئذٍ نقول، بلا ادّعاء ظاهریّ وزیف، إنّ المواطنین أحرار ومتساوون فعلًا»[12].

وهذه المؤسّسات السیاسیّة والاجتماعیّة المقصودة إنّما یراد بها ما یشکّل بناء الوطن الواحد، لا ما یبنی أفق العلاقات الإنسانیّة أو الدولیّة المفتوحة. وتلک الغایة التی رسمها صاحب الأطروحة؛ وهی المواطنون الأحرار والمتساوون فی الأهداف (القاعدة الفعلیّة للدیمقراطیّة)، لا تمتلک قیمًا ذاتیّة -حسب رأیه-، بل الذی لدیه هذه القیم هو المجتمع، والمجتمع فی الوطن لیس واحدًا، بل متعدّد. ومن هنا، لا بدّ من البحث عن الجامع المشترک فی هذا التعدّد المجتمعیّ. وإذا کان الفرد أو الجماعة ینتسبان للوطن جبرًا، بحکم الولادة، لا اختیارًا، فلا بدّ من تحدید الفاعلیّة فی المشارکة الوطنیّة؛ بوصفها أصلًا للانتماء الوطنیّ. وهو ما یفتح الطریق أمام بحث العدالة فی المساواة والحرّیّة والوفاق الدیمقراطیّ النابع من حیثیّة کلّ مجتمع متعدّد، ووطن واحد. وعلیه، یتأتّى السؤال التالی: "ما هی المُثُل العلیا والمبادئ التی یمکن لمثل هذا المجتمع أن یحاول تحقیقها نسبة إلى ظروف العدالة التی نعرفها فی الثقافة الدیمقراطیّة؟ وتشمل هذه الظروف واقع التعدّدیة المعقولة"[13].

وبناءً علیه، فلنحدّد ما الهدف من بحث العدالة -هنا-، وهل هی مقصد أم إجراء مفید فی تکوین أصل سیاسیّ؟

"إنّ أحد الأهداف العملیّة للعدالة کإنصاف: هو توفیر أساس فلسفیّ وأخلاقیّ مقبول للمؤسّسات الدیمقراطیّة، وبالتالی التوجّه إلى السؤال عن کیفیّة فهم دعاوى الحرّیّة والمساواة. ولإصابة هذا الهدف، ننظر فی الثقافة السیاسیّة العامّة لمجتمع دیمقراطیّ، وفی تقالید التأویل الخاصّة بدستوره وقوانینه الأساسیّة؛ طلبًا لأفکار مألوفة معیّنة یمکن صیاغتها فی مفهوم العدالة السیاسیّة"[14].

إنّه مشروع لا ینمو -إذًا- إلّا فی رحم منظومات سیاسیّة وحضاریّة خاصّة، تقوم على التعدّدیّة التی تجمعها الدیمقراطیّة الغربیّة بتوجّهاتها اللیبرالیّة.

ومن الخصوصیّة هذه، یعمل المشروع على تعمیم قیمه الأهلیّة والمحلّیّة على میدان العالمیّة. "والنتیجة هی أنّ مجموع ما لدینا یتألّف من ثلاثة مستویات للعدالة تمتدّ من الداخل إلى الخارج؛ وهی أولًا: العدالة المحلّیّة (أی المبادئ المطبّقة مباشرة على المؤسّسات والجمعیّات). ثانیًا: العدالة الأهلیّة (أی المبادئ التی تنطبق على البنیة الأساسیّة للمجتمع)، وأخیرًا: العدالة العالمیّة (أی المبادئ المنطبقة على القانون الدولیّ).

وینبغی الترکیز على "تصوّر العدالة کإنصاف، مفهومًا سیاسیًّا ینطبق على بنیة المؤسّسات السیاسیّة والاجتماعیّة، لا عقیدة أخلاقیّة شاملة"[15].

إذًا، فالعدالة المعنیة -هنا- لیست القیمة المعیاریّة الموجّهة؛ بل هی الإجراء المفید فی تسویغ بناءات الدیمقراطیّة الغربیّة ولیبرالیّتها. إنّ العدالة أمرٌ نستخرجه من جملة مصالح نبنیها على ضوء حرکة المؤسّسات، ولا تلحظ الفرد، أو الخلق المصالح أو القاعدة الأخلاقیّة والدینیّة والفلسفیّة البانیة للسلوک العملیّ والحراک السیاسیّ والحضاریّ.

وهذا ما یؤکّد أنّ الأصل البانی لمفهوم الحضارة، ضمن هذه الرؤیة، لا یعتمد ولا یتّکئ على العدالة بوصفها قیمة معیاریّة مُؤسِّسَة.

إلّا أنّ الحراک التنظیریّ فی الغرب قد یجد شعارات نقدیّة أخرى تشتغل على نواح جدیدة فی مساحات الاشتغال الإنسانیّ، ومن ذلک ما قام به إمارتیاس فی کتابه "فکرة العدالة" الذی اعتبر أنّ "الذی یحرّکنا، عقلًا، لیس إدراکنا أنّ العالم یفتقر إلى العدل الکامل -وهو عدلٌ لا یتوقّعه کثیر منّا- بل لأنّنا نودّ رفع ما حولنا من مظالم لا یختلف اثنان على إمکانیّة رفعها"[16].

إنّ الخطّ الذی رسمه هذا الباحث هو أمرٌ سلبیّ فی الممارسة؛ بمعنى أنّ المطلوب هو "رفع الظلم"؛ لأن العدل بمعناه الکامل أمرٌ مثالی لا یُرتجى الوصول إلیه. وبهذا المعنى فإن السلب، أی "رفع الظلم"، هو الذی یشرح ما نتوخّاه من معنى العدالة، بقوله: "إنّ إدراک المظالم التی یمکن رفعُها لا یدفعنا إلى التفکیر فی العدل والظلم فحسب، بل هو لبُّ نظریّة العدالة أیضًا"[17].

ولا ترتبط هذه النظریّة بما اهتمّ به قسمٌ کبیر من فلاسفة السیاسة، والسیاسة الأخلاقیّة منذ عصر التنویر، وصولًا إلى جون راولز الذی صاغ مقولته (العدالة بصفتها إنصافًا عام 1958م)؛ من إیلاء المؤسّسات والعقد الاجتماعیّ الدور الأکثر أهمّیّة فی بحث العدالة، بل ارتأت أنْ تهتمّ بحراکٍ آخر فی فهم مسألة العدالة مثّله رجال؛ أمثال: سمیث، ومارکس، وجون ستیوارت میل، منذ عصر التنویر أیضًا، والذی تفتّق عن مقاربات ترتبط بالناس فی ارتباطهم بالمؤسّسات، وهو ما یطیب لروّاد هذا التیّار أن یسمّونه "نظریّة الخیار الاجتماعیّ".

وفی اتّجاهه إلى قراءة سیاقات الحراک المجتمعیّ فی بناء الموقف من العدالة، یقوم على الدوام بتقویم السؤال التالی: "إلى أیّ مدىً یمکن أن یُقدّم التفکیر أساسًا مکینًا لنظریّة العدالة؟"[18].

فالأصل هو "طرق الحیاة التی یستطیع الناس اتّباعها؛ حسب مفهومهم الفکریّ للقیمة. ویمکن أنْ تکون المؤسّسات کذلک مهمّة لتسهیل قدرتنا على تدارس ما قد یهمّنا من قیم وأولویّات"[19].

وهنا -أیضًا- نکون أمام نظریّة ثانویّة لدور العدالة فی توجیه الحراک المجتمعیّ والمؤسّسی البانی لأفق المشروع الحضاریّ.

والسبب فی ذلک هو التشکیک فی قدرة العقل البشریّ على صیاغة مضمون هادٍ للعدالة المتوخّاة.

وهذا ما یضعنا أمام حقیقة أنّ العقل وإنْ أقرّ بأهمّیّة العدالة، بوصفها قیمة مثالیّة عظیمة، فهو عاجزٌ عن بناء عدالة حضاریّة خارج هدی الدین والوحی، الذی أکّدت علیه أطروحة الرسالة الإسلامیّة فی بناء حضارة الإنسان العادلة المستهدیة بخطّ شهادة الوحی.

 

رابعًا: منطلقات العدل والعدالة الاجتماعیّة فی الإسلام:

یعتقد الشهید مطهّری "أنّ الخطّ الأساس الذی یربط طرح مسألة العدل فی المجتمع الإسلامیّ، علمیًّا وعملیًّا، لا بدّ من أن نبحث عنه بالدرجة الأولى فی القرآن الکریم. إنّ هذا الکتاب العظیم هو الذی بذر فکرة العدل فی قلوب الناس وأرواحهم، ثمّ سقاها ونمّاها فکریًّا وفلسفیًّا وعملیًّا واجتماعیًّا"[20].

ومن حیث کان هاجس المطهّری إثبات الأصالة الإسلامیّة بطرح موضوع العدل، وأنّ هذا الموضوع لیس من ثمار الانفتاح الحضاریّ بین عالم المسلمین والحضارات الیونانیّة وغیرها فی فترات عهود الترجمة، وما عکسته من معارف فلسفیّة وغیرها، بل إنّ مسألة العدل کانت قد نشأت فی حاضنة القرآن الکریم، ومن حیث کان کذلک؛ فقد جال فی موارد الطرح القرآنیّ للعدل والعدالة وفق التالی:

1. "یصرّح القرآن بأنّ نظام الوجود مبنی على أساس العدل والتوازن، وعلى أساس الاستحقاق والقابلیّة"[21].

فالفاعلیّة الإلهیّة والتدبیر الإلهیّ قائمان على أساس العدل: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ وَالْمَلاَئِکَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ[22].

2. "لقد اهتمّ القرآن الکریم اهتمامًا استثنائیًّا بالعدل التشریعیّ... وقد صرّح الکتاب المعجِز بأنّ الهدف من إرسال الأنبیاء وبعثة الرسل إنّما هو قیام النظام البشریّ وإرساء الحیاة الإنسانیّة على أساس العدل والقسط: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَیِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْکِتَابَ وَالْمِیزَانَ لِیَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[23]، ومن البدیهی أنّ تأسیس الأنظمة الاجتماعیّة على أساس العدل یتوقّف على أنْ یکون النظام التشریعیّ والقانونیّ عادلًا أوّلًا، ثمّ نعمل فی مرحلة التنفیذ ثانیًا"[24].

3. "إنّ الأصل الکلّیّ الذی نسبه القرآن إلى کلّ الأنبیاء بخصوص النظام التشریعیّ، ولاسیّما فی الشریعة الإسلامیة هو: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّی بِالْقِسْطِ[25]"[26].

4. "یعتبر القرآن الکریم الإمامة والقیادة "عهدًا إلهیًّا" ینبعث عنه النضال "ضدّ الظلم"، و"التلاؤم مع العدل"...: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِیمَ رَبُّهُ بِکَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّی جَاعِلُکَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّیَّتِی قَالَ لاَ یَنَالُ عَهْدِی الظَّالِمِینَ[27]"[28].

إنّ هذه المیادین الأربعة تندمج فی ما بینها تکوینًا، وتشریعًا، وأنظمة رسالیّة، وقیادة، وولایة ضمن وحدة معیاریّة العدل والعدالة؛ بل إنّ ما یُلفت النظر -هنا- أنّ العدل یحمل واقعیّة ذاتیّة مستقلة بموجبه قامت السموات والأرض على أصول القابلیّة والاستحقاق، وبموجبه کانت شرائع السماء ورسائل النبوّة فی الحیاة على کلّ وجوهها، بل وبمقتضى العدل والعدالة یتحدّد معنى القیادة ومشروعیّتها.

والإشارة التی طرحها العلامة المطهّری بالغة الأهمّیّة؛ وذلک عندما تحدَّث عن أنّ تأسیس الأنظمة الاجتماعیّة یجب أنْ یکون على أساس العدل؛ لنطلب تنفیذًا وممارسة إجرائیّة عادلة؛ فالعدل بذاته حسن وسلیم، وهو بذاته یمکن أن یُدرَک، لا أنّنا نحتاج إلى رصده فی هذه البیئة وتلک المصالح لنستخرج معنى العدالة ولنرسم لها مساراتها، کما علیه الأمر فی الغرب!

وبناءً علیه، فإذا کان من مطمحٍ إنسانیٍّ للتوافر على العدل والعدالة، فإنّما هو فی ما أثمره هذا النصّ القرآنیّ الشریف.

ولا یوجد بین أیدینا الیوم مشروعٌ حضاریٌّ ناهضٌ یقوم على معیاریّة العدالة، سوى المشروع الإسلامیّ. بل یمکن أنْ نخصّص القول بأنّ الرؤیة التی تبنّتها الثورة الإسلامیّة فی إیران، والتی حضرت إلى الساحة الدولیّة بمشروعها الحضاریّ، إنّما تؤسِّس فرادتها القیمیّة على أساس هذه المعیاریّة فی البناء الحضاریّ؛ بمحوریّة العدالة.

ولیس هذا التأسیس المعیاریّ ولید تجربة فقط، أو اجتهاد فقط؛ بل هو ولید نصّ قرآنیّ إلهیّ.

ثمّ، ومن جهة أخرى، فإنّ للسید الشهید محمد باقر الصدر رأی یتقاطع مع هذه الوجهة؛ إذ یَعتبر أنّ الأخلاقیّة التی یطرحها الإسلام تنبع من الفطرة الإنسانیّة، والفطرة هی توأم الهدی، بل هی وعاء الهدی الإلهیّ الأحسن. ففی الوقت الذی یعتبر فیه السید الشهید أنّ الإسلام راعى ورعى الفطرة والقوى النفسیّة للإنسان، فقد اعتبر أنّ "حبّ الذات هو الغریزة التی لا نعرف غریزة أعمّ منها وأقدم"[29]. وحب الذات هذا، کان السید الشهید قد فسّره بأنّه "الذی یعبَّر عنه بحبّ اللذة وبغض الألم"[30]. واللافت عنده أنّه لا یصنّف حبّ الذات ضمن الدائرة السلبیّة؛ بل إنّ الاستعدادات النفسیّة فی مداراتها الخیِّرة أو السیّئة هی التی تقرِّر وجهة حبّ الذات، "فغریزة حبّ الذات -من وراء هذه الاستعدادات جمیعًا- تحدِّد سلوک الإنسان؛ وفقًا لمدى نضج تلک الاستعدادات، فهی تدفع إنسانًا إلى الاستئثار بطعام على آخر، وهو جائع. وهی بنفسها تدفع إنسانًا آخر لإیثار غیره بالطعام على نفسه... فمتى أردنا أن نغیِّر من سلوک الإنسان شیئًا فیجب أن نغیِّر من مفهوم اللذة والمنفعة عنده، وأن نُدخل السلوک المقترح ضمن الإطار العامّ لغریزة حبّ الذات"[31].

لذا، فإنّ الطریق الذی یمکننا من خلاله تغییر مسار هذا العالم إنّما یکمن فی تغییر المضمون النفسیّ فینا؛ إذ ینبغی أن نطوِّر نظریّتنا للعالم؛ بما یجعل من عالم الغیب امتدادًا لعالم الشهادة والمـُلک، بحیث تتطوّر أهدافنا والمعاییر التی نعتمدها فی رسم مسار هذا العالم.

ویذهب السید الشهید إلى أنّ رؤیتنا التی أسّسها الإسلام تقوم على رکنَین اثنین؛ أوّلهما: أنّ الحیاة "منبثقة من مبدإ مطلق الکمال"؛ وثانیهما: تحقیق "رضا الله"؛ وهو رکن أخلاقیٌّ عالٍ وسامٍ. "فالهدف الذی رسمه الإسلام للإنسان فی حیاته هو الرضا الإلهیّ، والمقیاس الخُلُقی الذی توزن به جمیع الأعمال إنّما هو مقدار ما یحصّل بها من هذا الهدف المقدّس"[32].

وما المعالجة الأوّلیّة والرکیزة إلا الربط "بین المقیاس الخُلُقی الذی یضعه للإنسان، وحبّ الذات المرتکزة على فطرته"[33]؛ فبهذا المعنى یشکّل البعدُ النفسیُّ، والأخلاقیُّ- القیمیُّ منه بنحو خاصّ، محورَ الحراک الإنسانیّ والنشاط المجتمعیّ والحضاریّ بکافّة مستویاته وتلاوینه؛ بل یمکن لنا القول، انطلاقًا من تأسیسات الشهید الصدر، والتی لا یبتعد عنها الشهید مطهّری بتحلیله القرآنیّ: إنّ البنیة التحتیّة لکلّ نشاطٍ بشریّ وحراک إنسانیّ هی النفس، وطبیعة الملکات والقوى والتربیة التی تقوم علیها. فمن مضامین هذا الإنسان ترتسم صورة الحضارة ولونها وأطیافها الخاصّة.

وهنا، تظهر العلاقة البیّنة بین الفطرة والنصّ القرآنیّ؛ إذ "إنّ الدین یوحِّد بین المقیاس الفطریّ للعمل والحیاة -وهو حبّ الذات- والمقیاس الذی ینبغی أنْ یقام للعمل والحیاة، لیضمن السعادة والرفاه والعدالة"[34].

وأمّا کیف یحصل ذلک؟ فإنّه یتمّ من خلال أسلوبین:

-       الأسلوب الأوّل: یقوم على أساس أنّ "الدین یأخذ بید الإنسان إلى المشارکة فی إقامة المجتمع السعید، والمحافظة على قضایا العدالة فیه، التی تحقّق رضا الله تعالى؛ لأنّ ذلک یدخل فی حساب ربحه الشخصیّ؛ ما دام کلّ عمل ونشاط فی هذا المیدان یعوِّض عنه بأعظم العَوَض وأجلّه"[35]؛ وذلک من خلال الجزاء الأخرویّ الموعود والمؤکّد: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَیْهَا[36]، ﴿وَلاَ یُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِیرَةً وَلاَ کَبِیرَةً وَلاَ یَقْطَعُونَ وَادِیًا إِلاَ کُتِبَ لَهُمْ لِیَجْزِیَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا کَانُوا یَعْمَلُونَ[37]، حیث "یربط بین الدوافع الذاتیّة وسُبُل الخیر فی الحیاة، ویطوِّر من مصلحة الفرد تطویرًا یجعله یؤمن بأنّ مصالحه الخاصّة والمصالح الحقیقیّة العامّة للإنسانیّة -التی یحدّدها الإسلام- مترابطان"[38].

-       الأسلوب الثانی: هو توفیر التربیة التی تغذّی العواطف والدوافع بنحو خاصّ ینسجم مع الأهداف، وتقوم هذه التربیة بهدیٍ من رعایة نهج العصمة، بحیث یصبح "العمل فی سبیل تلک القیم والمثل، تنفیذًا کاملًا لإرادة حبِّ الذات؛ فإنّ القیم بسبب التربیة الدینیّة تصبح محبوبة للإنسان، ویکون تحقیق المحبوب بنفسه معبِّرًا عن لذّة شخصیّة خاصّة، فتفرض طبیعة حبّ الذات بذاتها السعی لأجل القیم الخلقیّة المحبوبة؛ تحقیقًا للّذّة الخاصّة بها"[39].

إنّ کلّ هذا المسار من التحلیل یوصِل السید الشهید إلى النتیجة التالیة؛ وهی أنّ "الإسلام فی أخصر عبارةٍ وأروعها: عقیدة معنویّة وخُلُقیّة ینبثق عنها نظام کامل للإنسانیّة، یرسم لها شوطها الواضح المحدَّد، ویضع لها هدفًا أعلى فی ذلک الشوط، ویعرِّفها على مکاسبها منه"[40].

فالحیاة الإنسانیّة تقوم على فهم طبیعة الإنسان واحتیاجاته الفردیّة؛ کما على معرفة دقیقة وعمیقة بالمصالح الإنسانیّة العامّة. ومن هنا، یقوم الإسلام بربط تلک الطبیعة الفردیّة بالمصالح الإنسانیّة، بحیث تصیر تحقیق المصالح رغبة عظیمة لدى الإنسان فی عمق کیانه وطبیعته.

وفی السیاق نفسه، فإنّ العدل الذی وعاه الإسلام؛ بوصفه أصلًا تقوم علیه موازین الوجود، وخیرات الحیاة، هو عینه الذی به قِوام ملکات الطبیعة البشریّة، وقِوام المصالح الإنسانیّة العامّة. ولذا، فقد جرى التأکید على العدالة فی کلّ ما یرتبط بأحکام الإسلام، بحیث إنّنا لو أردنا تعریف حضارة دین الرحمة لقلنا: إنّها (حضارة العدالة).

ولمعرفة هذه النتیجة، وکیف وصلنا إلیها، ینبغی أن نحدِّد فهمنا للعدالة بمستویاتها وتنوّعاتها. ثمّ نرى بعد ذلک کیف یوصلنا الأمر إلى حضارة العدالة هذه...

 

خامسًا: تحدید العدل والعدالة فی الإسلام:

یذهب علماء الأمّة إلى أنّ محور البحث فی معنى العدل قام على روایة وردت عن الإمام علی (ع): "العدل یضع الأمور مواضعها"[41]. وهذا ما یستدعی البحث عن العدل بمعناه اللغویّ، والعدل فی الاصطلاح والمعالجات الإسلامیّة، وفیمَ وعلامَ یمارس العدل؟

إنّ العدل والعدالة فی الجانب اللغویّ، حسب الراغب الأصفهانی؛ هی: "لفظ یقتضی معنى المساواة، ویستعمل باعتبار المضایفة. والعَدْل والعِدْل یتقاربان، لکنّ العدل یستعمل فی ما یُدرک بالبصیرة... والعَدیل فی ما یُدرک بالحاسَّة... فالعدل هو التقسیط على سواء، وعلى هذا رُوی: (بالعدل قامت السموات والأرض)؛ تنبیهًا أنّه لو کان رکن من الأرکان الأربعة فی العالم زائدًا على الآخر أو ناقصًا عنه على مقتضى الحکمة لم یکن العالم منتظمًا"[42].

وفی هذا النصّ تلویحٌ بالعلاقة بین العدالة والمساواة، وبین العدل وتوازن الکون؛ بمقتضى الحکمة. ثمّ إنّه یعود لیشیر إلى أنّ العدل تارة هو ممّا یقتضی العقل حسنه؛ إنْ کان مطلقًا، وأخرى عدل تشریعیّ تعود مقتضیاته إلى عوامل الأزمنة، إلى أنْ یقرِّر أنّ العدل هو المساواة فی المکافأة. وهذا خلاف من ذهب لیقول إنّه إعطاء کلّ مستحقّ ما یستحقّه.

وأمّا فی موقع "المعانی"، فإنّه ذهب للقول: إنّه "عَدَل بین المتخاصمین؛ أی أنصف بینهما وتجنّب الظلم والجور، وأعطى کلّ ذی حقّ حقّه... وعَدَل فی أمره عدلًا، وعدالة ومعدلة: استقام... وعدَّل الشیء: أقامه وسوّاه"[43]. هذا، ویمکننا من خلال الجمع بین مجموعةٍ من المعاجم التی تناولت معنى العدل أن نقول: إنّ العدل إحقاق الحقّ، وعکسه الظلم. وقد ذهب بعضهم إلى القول: "ذکروا للعدل معانی أو إطلاقات مختلفة؛ کالقصد فی الأمور، والتعادل والتساوی، والاستواء والاستقامة، والأمر المتوسّط بین طرفی الإفراط والتفریط، لکنّها لیست إلا مصادیق لمعنًى واحدٍ؛ وهو: جعل کلّ شیء فی موضعه المناسب له، بأنْ یستوفی حظّه من الوجود والحقیقة، ولا یزاحم حظّ غیره من الأشیاء"[44].

وهنا مرةً أخرى نکون أمام ربطٍ وثیق بین خُلق العدالة وخُلق الحکمة، بحیث یصعب تصوّر عدالة من دون حکمة فی التدبیر، وهذا ما یوائم بین الدلالة اللغویّة والمقاصد الإنسانیّة فی مقتضیات سلوکها المجتمعیّ والحضاریّ.

أمّا لو أردنا أنْ نمحور العدل فی سیاق حیاة الإنسان، وهو المطلوب -هنا- فی بحثنا، لوجدنا أنّ صاحب المیزان قد جمعها فی فقرة جاء فیها: "العدل فی الاعتقاد أنْ یؤمن بما هو الحقّ، والعدل فی فعل الإنسان فی نفسه أنْ یفعل ما فیه سعادته، ویتحرَّر ممّا فیه شقاؤه باتّباع هوى النفس، والعدل فی الناس وبینهم أنْ یوضع کلٌ موضعه الذی یستحقّه فی العقل أو فی الشرع أو فی العرف، فیثاب المحسن بإحسانه، ویعاقب المسیء على إساءته، وینتصف للمظلوم من الظالم ولا یُبعِّض فی إقامة القانون ولا یستثنی"[45].

وخلاصة الأمر أنّ العدل الاعتقادیّ هو قصد الحقّ لذاته، وأمّا الأخلاقیّ والمسلکی فهو انتهاج درب السعادة وترک الشقاء بصنوفه وألوانه، وهو ما یؤسِّس لرعایة الشأن العامّ؛ سواءً فی توزیع الحقوق، أم فی النُصفة بین المتخاصمین.

وهذا ما یدفع إلى البحث عن نظام التوزیع والقضاء، ومَنْ هم أهل الاستحقاق؟

ومن المعلوم على المستوى الکلامیّ أنّ ما یذهب إلیه العدلیّون هو ما یتضمّنه المعنى اللغویّ، ولکنّ الملحوظ فی المبحث الکلامی هو فعل الله سبحانه، وأمّا على مستوى المعالجة النفسیّة والأخلاقیّة، فالعدل هو إیجاد الاعتدال فی قوى النفس وِفق العقل والشرع، أو وِفق الحکمة، وقد اعتبره بعضهم الحدّ الوسط بین الإفراط والتفریط فی کلّ مفردة أخلاقیّة.

وهنا یطرح بعض علماء المسلمین إشکالًا کلامیًّا ذهبوا فیه إلى هذا القول: کیف نُحدِّد أهل الاستحقاق؟ ومن هم أهل الاستحقاق؟ وهذا الإشکال فی طبیعته له منحیان:

-       المنحى الأوّل: مرتبط بالله سبحانه، وهو یذهب إلى القول بأنْ لا أحد له أیّ استحقاق علیه سبحانه، ومن هنا، فلو فسّرنا العدالة بعدم الظلم، فإنّ مفهوم الظلم لا یَصْدُق مطلقًا بحقّ الذات الإلهیّة.

-       المنحى الثانی: هو الاستحقاق؛ بمعنى العدالة الإنسانیّة، والتی تتداخل فی تحدیدها جملة من الأمور الثابتة والمتغیِّرة؛ بدءًا من تفاوت القابلیّات والروابط والأحداث وغیر ذلک... الأمر الذی یقبل الاختلاف فی نسبة رعایة الحقوق بین جهة وأخرى. وعند هذا المنحى، لا بدَّ من أنْ تتشارک قیم جدیدة لحفظ معیاریّة العدالة؛ من قبیل: الحکمة، والحقّ أو الاستحقاق، والمعرفة التدبیریّة، والإرادة الراشدة، وغیر ذلک...

وما یعنینا بشکل مباشر -هنا- هو هذا المنحى من بحث العدالة؛ إذ هو المرتبط مباشرة بموضوع الحضارة والعدالة الحضاریّة. وهذا لا یعنی أنّ الأفق الأخلاقیّ أو الکلامیّ لا أهمّیّة له؛ إذ للجانب العقدیّ دور حاسم فی تحریک المسار الاجتماعیّ، کما إنّ من غیر الممکن رسم فرادة سلوک اجتماعیّ وحضاریّ متمیّز من دون إحداث تنظیم الأبعاد النفسیّة والأخلاقیّة.

لکنّ مقاربة الوضع الأخلاقیّ هی أقرب التصاقًا بالبحث الحضاریّ منها بالجانب الکلامیّ، إلّا أنّا نلحظ انعکاسات وتجلّیات المعتقد فی رؤیة الإنسان الکونیّة التوحیدیّة على أخلاقه وسلوکیّاته.

وفعلًا، فإنّنا لن ندرک طبیعة العدالة الاجتماعیّة [والحضاریّة] فی الإسلام، حتّى نُدرک -مجملًا- التصوّر الإسلامیّ عن الألوهیّة والکون والحیاة والإنسان. "فلیست العدالة الاجتماعیّة إلّا فرعًا من ذاک الأصل الکبیر الذی ترجع إلیه کلّ التعالیم الإسلامیّة"[46].

ولم یکتفِ سیّد قطب بإرجاع العدالة الإسلامیّة إلى التوحید؛ بل إنّه فصّل فی خطوطها على ضوء التوحید، وسنذکر موارد هذا الارتباط الذی عمل على تبیانه سیّد قطب؛ ومنه:

-       "حین ندرک هذا الشمول فی طبیعة النظرة الإسلامیّة للألوهیّة والکون والحیاة والإنسان، ندرک معها الخطوط الأساسیّة للعدالة الاجتماعیّة فی الإسلام، فهی قبل کلّ شیء عدالة إنسانیّة شاملة لکلّ جوانب الحیاة الإنسانیّة ومقوّماتها، ولیست مجرّد عدالة اقتصادیّة محدودة. إنّها تتناول جمیع مظاهر الحیاة وجوانب النشاط فیها، کما تتناول الشعور والسلوک، والضمائر والوجدانات والقیم التی تتناولها هذه العدالة، لیست القیم الاقتصادیّة وحدها، ولیست القیم المادّیّة على وجه العموم؛ إنّما هی ممتزجة بها القیم المعنویّة والروحیّة معًا"[47].

صحیح أنّ سیّد قطب کان کما جمیع روّاد الثقافة والفکر الإسلامیّ فی زمانه؛ مهجوسین بطروحات المارکسیّة الاقتصادیّة واللیبرالیّة المادّیّة وأحادیّتها؛ وهذا ما ینعکس فی نصّه، لکنّه کان واضحًا فی تبیان وُسعة اهتمام الإسلام فی رعایة جمیع شؤون الإنسان واحتیاجاته، لتکون فی دائرة التربیة والتنشئة على العدالة. وإذا کان النصّ مشغولًا بالبعد الاجتماعیّ، فإنّنا نذهب أبعد من ذلک لنقول: بما أنّ المجتمع هو البنیة الرکیزة للحضارة، فما یصلح فی حقّه فهو صالحٌ فی حقّ الحضارة -أیضًا-، وکلّ ما ینقله سیّد قطب حول المجتمع وعدالته یمکننا تعمیمه على العدالة الحضاریّة.

-       "لن تتحقّق عدالة اجتماعیّة کاملة، ولن یُضمن لها التنفیذ والبقاء، ما لم تستند إلى شعور نفسیّ باطن باستحقاق الفرد لها، وبحاجة الجماعة إلیها، وبعقیدة فی أنّها تؤدّی إلى طاعة الله، وإلى واقع إنسانیّ أسمى، وما لم تستند کذلک إلى واقع مادّیّ یهیّئ للفرد أن یتمسّک بها، ویحتمل تکالیفها ویدافع عنها. ولن یستحقّها الفرد بالتشریع قبل أنْ یستحقّها بالشعور وبالقدرة العملیّة على استدامة هذا الشعور. ولنْ تحافظ الجماعة على التشریع إنْ وُجد، إلا وثمّة عقیدة تؤیّده من الداخل، وإمکانات عملیّة تؤیّده من الخارج، وهذا ما نظر إلیه الإسلام فی توجیهاته وتشریعاته جمیعًا"[48].

ومن الواضح مدى التوافق بین السیّد الشهید فی المدرسة الإسلامیّة، وسیّد قطب فی العدالة الاجتماعیّة فی الإسلام؛ فکلاهما یستحضران الذات الإنسانیّة بطبیعتها الفطریّة، کما یستحضران القیم والتربیة القرآنیّة الهادیة نحو الرشاد، لیضیف سیّد قطب العامل الخارجیّ؛ وهو الذی أسماه السید الشهید "عامل الحکومة الإسلامیّة". وبمجموع هذه العوامل نتوافر على المقدِّمات التأسیسیّة لبناء الحضارة الإسلامیّة العادلة من خلال بناء الفرد العادل، والمجتمع العادل، والدولة العادلة؛ وصولًا إلى الحضارة العادلة، أو إنْ شئت فقل: حضارة العدالة.

ومن هذه التربیة الداخلیّة للفرد أوّلًا، ثمّ للمجتمع والدولة ثانیًا، لا یمکن تحریر البناء الإنسانیّ ورسم معالم حضارة العدالة؛ بل سیبقى الإنسان عبد ذاته، وهو ما سیُلحق به المذلّة الإلهیّة: ﴿قُلْ إِنْ کَانَ آبَاؤُکُمْ وَأَبْنَاؤُکُمْ وَإِخْوَانُکُمْ وَأَزْوَاجُکُمْ وَعَشِیرَتُکُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ کَسَادَهَا وَمَسَاکِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَیْکُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِی سَبِیلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى یَأْتِیَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ یَهْدِی الْقَوْمَ الْفَاسِقِینَ[49].

ومن هنا، اعتبر الإمام الخامنئی (دام ظلّه) أنّ الحضارة أو المجتمع، أو الدولة العادلة، وإنْ کانت هدفًا لکنّه هدف وسطی. "إنّ العدالة -بلا شکّ- هدف، لکنّه هدف وسطیّ، والهدف النهائیّ هو عبارة عن فوز الإنسان". فالإنسان هو محور العملیّة الحضاریّة، وعدالته المحقّقة لسعادته هی مُوَلِّدة هیکل الحضارة العادلة، لکنّه لا صلاح للحکومات من دون عدالة. "إنّ العدالة هی معیار حقّانیّة الحکومات أو بطلانها"، وبموجب هذا، فقد أسّس لمجموعة مقولات؛ منها:

- إنّ تقدیم التنمیة على العدالة هو عین الظلم.

- إنّ ماهیّة العدالة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالحقّ.

- إنّ محور التنمیة وأنموذج التنمیة الإسلامیّ یجب أنْ یکون عبارة عن العدالة.

- إنّ العدل فی القرآن هو ردیف التوحید، ورکن المعاد، وهدف تشریع النبوّة، وفلسفة القیادة والإمامة، ومعیار کمال الفرد، ومقیاس سلامة المجتمع.

 

سادسًا: العدل فی سیاق الحضارات المعاصرة:

تقدّم فی ما سبق أنّ ثمّة فارقًا الیوم بین حضاراتٍ؛ بمعنى الأمم والأقوام ببُناها الاجتماعیّة وقیمها العلمیّة والأخلاقیّة والثقافیّة والسیاسیّة المتنوّعة، وبین الحضارة بما هی تقدُّم حضارة على بقیّة الحضارات، ومحاولتها فرض هیمنتها السیادیّة والاقتصادیّة والقیمیّة والعلمیّة والثقافیّة. وإنْ کان لا یمکن لأحد أنْ یزیل ذِکْرَ حضارة ما، حتّى ولو کانت میتة ولم یبقَ منها سوى الذِکْرى؛ إذ من المعلوم أنّ الحضارات تُولَد وتنتعش بشبابها، وهی قابلةٌ لتهرم، ثمّ تموت، لکنْ لا یمکن لأحد أنْ یزیل ذکرها واسمها وموقعها فی الزمن. والحضارة الإسلامیّة، وإنْ کانت قد قامت فعلًا، وتسیَّدت على امتداد العالم، بحیث فرضت سطوتها لتکون هی "الحضارة" آنذاک... إلّا أنّها شاخت وهرمت. وبقی السؤال: هل ماتت الحضارة الإسلامیّة؟ ذلک أنّنا لا نجد أحدًا ینفی وجود ذکر للحضارة الإسلامیّة، کما لا نجد من لا یعتقد أنّ سیادتها قد انتهت، لکنْ هل هی ما زالت إلى الآن حضارة من بین تلک الحضارات القائمة، أم باتت مجرّد عنوان من عناوین التاریخ؟

ثمّ هل استنفذت الحضارة الإسلامیّة أغراضها، أم إنّها ما زالت حاجة عمیقة فی الحیاة الإنسانیّة؟

فی الواقع، لن أستهلک کثیرَ وقت للإجابة عن السؤال الأوّل؛ لما یحتاج ذلک من حوار جدلیٍّ بخصوصه، لکنّ الشیء المؤکّد أنّ نجاح الثورة الإسلامیّة فی إیران بإقامة دولة، وتفاعل شعوب العالم الإسلامیّ معها، قد أعاد إلى الواجهة الحدیث حول المجتمع والدولة، والقیم والثقافة الإسلامیّة، وهذه هی العناصر المؤسِّسة لأیّ حضارة.

لکنْ هل استنفذت الحضارة الإسلامیّة أغراضها؟

فی اعتقادی أنّ ثمّة أربعة أصول ومرتکزات تقوم علیها الحضارة الإسلامیّة، فإنْ کان هناک مَنْ یحملها مجتمعة ویؤدّی الوظیفة الحضاریّة التی تؤدّیها الحضارة الإسلامیّة؛ حینها بإمکاننا أن نعتبر أنّ هذه الحضارة قد استنفدت أغراضها، وسلّمت دورها إلى حضارة بدیلة. أمّا تلک الأصول فهی:

-       تقوم الحضارة الإسلامیّة على رؤیة توحیدیّة شاملة تتّسع للمعتقد، والأخلاق، والفنّ، والثقافة، والعلوم، والعمران، والنظم التشریعیّ التوحیدیّ؛ بمعنى أنّ التوحید هو البانی لهویّة الفرد والجماعة والدولة والتاریخ الإنسانیّ فی نظام الحضارة الإسلامیة. واللافت فی هذا النظام الحضاریّ توحیده بین قیم الأصول الثابتة والزمانیّات واحتیاجاتها؛ فضلًا عن توحیده بین البعد المعنویّ والمادّیّ فی حیاة الإنسان، والبعد الدینیّ - العبادیّ والسیاسیّ الیومیّ فیه والمنظومیّ أیضًا.

-       یمثّل الاقتدار؛ بوصفه نظامًا فلسفیًّا - قیمیًّا، الأصل الذی علیه تقوم الحضارة الإسلامیّة، ولا نقصد بالاقتدار هنا القوّة؛ بل هی موقعیّة العزّة التی تَسْتخْدِم کلّ إمکانیّة متاحة، بما فیها القوّة، شرط أن تکون مسؤولة ومقیّدة بقید الشرع والعقل. وعلیه، نستطیع أن نتحدّث عن الاقتدار فی الهویّة، والاقتدار السیاسیّ، والثقافیّ، والعلمیّ، والعسکریّ، وغیر ذلک...

-       تقوم الحضارة الإسلامیّة على تمثّل الوحی؛ بوصفه مصدرًا ومنبعًا هادیًا للسلوک البشریّ فی موقفه من الوجود، والعالم، والحیاة، وموقفه من الطبیعة، والإنسان، بل من الذات والآخر.

-       تقوم الحضارة الإسلامیّة على مجموعة من القیم المـُوجِّهة، ومنْ بین هذه القیم تأتی العدالة قیمةً معیاریّةً أولى فی حراک الشأن المجتمعیّ والإنسان، حیث یمکننا القول: إنّ مقیاس العدالة هو المیزان الذی به نقیس إمامة الأمّة، وقیادة المجتمع أو العالم، وقضاء المحاکم أو الشهادة فیها، والسَمْت الذی یجب أن تحمله الأنظمة الداخلیّة لأیّ مجموعة، أو مؤسّسة، أو دولة، بل للمنظّمات الدولیّة وغیر الدولیّة، والعلاقات الدولیّة أیضًا...

وبما أنّ موضوعنا فی هذه المقالة هو "معیاریّة العدالة" فی البناء الحضاریّ، فسنکتفی بالقول، بشکل مجمل، إنّا لا نعرف حضارة تحمل هذه العناصر المؤسِّسة للحضارة غیر الحضارة الإسلامیّة، وهو ما یفرض فرادتها، بل واستمراریّة ضرورتها.

وأمّا بخصوص النقطة الأخیرة؛ أی العدالة، فهی ما سنفصّل فیه بعض الشیء...

وبهذا الشأن، سأعرِّج على مؤتمر عُقد فی طهران بین مجموعة من المؤسّسات الفکریّة والبحثیّة الإسلامیّة فی إیران، ومجموعة من الباحثین المسیحیّین الذی دعاهم "معهد القدّیس جبریل"؛ وهو معهد معنیّ بمشروع "لاهوت الأدیان"، الذی کان له الدور الأبرز فی صیاغة مقرّرات "المجمع الفاتیکانیّ الثانی". والسبب فی العودة إلى هذا المؤتمر أنّه یمثّل جهات معنیّة، وعلى مستوًى عال، بقضایا العالم الإسلامیّ والمسیحیّ، وهم منخرطون فی شؤون الدارسات الاستراتیجیّة الدولیّة، ثمّ إنّ عنوان المؤتمر کان مبنیًّا ومنصبًّا على "العدالة"، حیث کان اسمه هو "العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان"، وقد استهلّ الشیخ التسخیری هذا الملتقى بالقول: "هل یمکننا الکلام على العدل من دون أن نکون على اقتناع بأنّ طبیعة الإنسان هی تحدیدًا صالحة؟"[50].

لیضیف، "هل یتطابق ما تقدّمه الأدیان عن الحکم والعدل، مع ما هو واقع فعلًا؟"[51].

وهذان السؤالان قد یشیان بأمور متعدّدة؛ منها: التلمیح إلى أنّ العدالة الإنسانیة لا تصلح مع الاعتقاد بأصالة الخطیئة فی الإنسان؛ بل الذی یتواءم مع فکرة العدالة هو القول الإسلامیّ بأصالة الفطرة الدینیّة الخیِّرة. ومن الأمور التی هی ممکنة لهذه التساؤلات: الإشارة إلى التشکیک بأمرین یحتاجان إلى التدقیق؛ أولهما: انسجام مفهوم العدالة فی الأدیان مع السلوک الدینیّ الذی تمارسه الجماعات والمؤسّسات الدینیّة. وثانیهما: انسجام العدالة الدینیّة مع الواقع الدولیّ الحاکم فی عالم الیوم.

وهنا، دعونا نسلِّم أو نطرح القضیّة التالیة: حینما تحدّث الإسلام عن مفهوم العدالة، اعتبر العدالة قیمة علیا. وهذا النوع من القیم المطلقة، وإنْ کان ضروریًّا لتشکیل المدى الحیویّ الأبعد والأرحب فی حیاة الإنسان، ولکنّ الحیاة الإنسانیّة قائمة على المحدودیّة. ولذا، فالتطلّع نحو قیمة علیا مطلقة -مثل العدالة- دائم، متطوّر، ولا یهدأ، وإنْ کان یرتطم دومًا بالمحدودیّة والنسبیّة الزمنیّة. وعلیه، فلا یشترط لتبنّی أیّ قیمة علیا أن نحقّقها بشکل کامل؛ بل شرط العودة إلیها هو دورها فی تفعیل النشاط الإنسانیّ وتصویبه. ومن هنا تکمن رکیزة هذه القیم ومعیاریّتها فی التطلّع الذی لا ینقطع نحو الأمام.

فلو وجدنا فی حیاة الجماعات والمؤسّسات الدینیّة أیّ ثغرات أو أخطاء، على الرغم من تبنّیها للعدالة، فهذا لا یبرّر رفضها. لکنْ لو کان ما تمارسه هذه الجماعات والمؤسّسات هو الظلم، فحینها نقول: إنّها قد خلعت قیمة العدالة، وارتدت نقیضها؛ وهو الظلم، فهذا یعنی نفض الید من أصل العدالة.

وأمّا السؤال فی ما یرتبط بالواقع الدولیّ والعلاقات بین الدول والمؤسّسات العالمیّة، فهو الذی ینبغی أنْ یُسأل فیه عن أصل اعتماد العدالة قیمةً رکیزةً ومعیاریّة فی التداول الدولیّ الیوم! وبخاصّة إذا کانت هذه المعیاریّة (العدالة) هی -بحسب العلّامة السید محمد خامنئی- "موقفٌ روحی، أو صفة تتیح للإنسان أنْ یکون فی سلوکه متّزنًا فی داخله، ومتنبّهًا على الدوام للتوافق مع الحقیقة والحقّ، فیُعطی کلَّ إنسان حقّه، ویسیطر على مشاعره الشخصیّة، أو الأنانیّة، أو الحاقدة، أو الردیئة، ویتجنّب أن یتصرّف بحسب مزاجه وهوى الساعة"[52].

ولا شکّ فی أنّ تعریف العدالة هذا إنّما یلحظ الفرد العادل؛ وهو مبنیٌّ على الرؤیة الإسلامیّة للعادل من الناس، لکنّنا نقبله للأسباب التالیة:

-       السبب الأوّل: أنّ العدالة الحضاریّة؛ بل الحضارة، هی ثمرة البناء المجتمعیّ، وما المجتمع إلا هؤلاء الأفراد فی ذواتهم وقیمهم وثقافتهم.

ولذا، فالحدیث عن الفرد العادل بإمکانه أنْ یوصلنا بانعکاساته إلى الحدیث عن الحضارة العادلة.

-       السبب الثانی: أنّ العدالة قیمة إنسانیة خیِّرة حسنةٌ بذاتها، ولا تحتاج إلى اعتبارها صالحة حتّى تقول الشریعة ذلک.

ومن هنا، فإذا حملت اللغة البیانیّة طابعًا إسلامیًّا، فإنّ جوهر القضیّة یبقى إنسانیًّا صرفًا.

-       السبب الثالث: إنّنا نبحث العدالة فی الحضارة، من مقاربة إسلامیّة تنطلق من الإسلام، متوجّهة نحو العالم بشعوبه وأممه وأقوامه. وعلیه، فلا بأس بما ورد؛ ذلک أنّ المدَّعى فی الإسلام صلاحه لیکون أنموذجًا عالمیّ التطبیق، وکما إنّ الدیمقراطیة تقدَّم بأنموذجها الغربیّ لتکون المثال المقتدى عالمیًّا، فما الضیر أنْ تکون العدالة هی الأنموذج الإسلامیّ القابل للتعمیم.

وأمّا مرتکز هذه العدالة الحضاریة المتوخّاة، فهو بناء إنسان عادل، وصنع مجتمع عادل... ومن المعلوم أنّ اللبنة الأساس للحضارة؛ إنّما هی المجتمع. وعلیه، فعندما یقول السید محمد الخامنئی: إنّ "مفهوم العدالة فی المجتمع مردُّه بحسب تحلیل العلماء المسلمین الفقهیّ إلى الموقف العادل، والصفة العادلة للأشخاص، وکذلک إلى الالتزام بین الروح المعتدلة والمستقیمة من جهة، وبین الأعراف الاجتماعیّة من جهة أخرى"[53]. فهو یؤسّس -بحسب المنهج الفقهیّ- لحضارة العدالة المتوخّاة، التی تنحفظ بأصولٍ ثلاثة؛ هی:

-       الأصل الأوّل: مصدر التشریع والقیم العلیا؛ وهو الله سبحانه.

-       الأصل الثانی: متابعة قیاس الموضوعات على وِفق معاییر تأسیسیّة؛ منها: معیار العدالة؛ بل هو أهمّها، وهو ما یؤدّیه الفقهاء المجتهدون بتعاضد علمیّ مع أهل الاختصاص.

-       الأصل الثالث: الممارسة التدبیریّة للراسخین فی قیم الإیمان والعدالة والبصیرة والحکمة، وهنا تأتی الحکمة بما هی صنوٌ لازم للعدالة، لا ینفکّان فی بلورة المشروع الحضاریّ الإسلامیّ.

وقبل أنْ نطوی هذه الصفحة من تأسیس مقولة الحضارة العادلة، بودّی الإشارة إلى أنّ العدالة لا تنفذ -بوصفها قیمة حقیقیة- ما لم تُلحَظ وتُمارس فی الواقع الخارجیّ، وهو ما یُشدِّد علیه المشروع الحضاریّ الإسلامیّ. وهذا الأصل نجده غائبًا فی أفق المشاریع الحضاریّة فی عالم الیوم؛ إذ یقول الدکتور محمد جواد ظریف: "عندما تنظر البشریّة والأدیان السماویّة إلى العدل وتطالب به، فهذا لا یعنی أنّه هو الذی یحدِّد أسس العالم، حتّى العلاقات الدولیّة بین الدول لا تقوم عملیًّا على الإطلاق فی عصرنا فی نطاق العدل، فالعدل لا یمکن التعرُّف إلیه دومًا فی العلاقات، لا فی معناه العامّ، ولا فی مکانته الأولى... کثیرًا ما یقع العدل ضحیّة الأفضلیّة المعطاة للحفاظ على الاستقرار... حتّى فی شرعة الأمم المتّحدة، التی یجب أنْ تعکس رغبات المجتمعات البشریّة وأهدافها العامّة باجتناب الظلم، یمثِّل الحفاظ على السلام وعلى الأمن الدولیّ وبناء الاستقرار فی العالم ومنع الحروب الدور الرئیس بالنسبة إلى العلاقات بین الدول، فیما العدل، بالمقارنة مع ذلک، لا یعار سوى أهمّیّة جانبیّة"[54].

ویلفت الباحث هنا إلى أنّ هذه الهیئة الدولیّة نفسها لم تتشکّل على أساس عادل؛ إذ فیها أعضاء دائمون وأعضاء غیر دائمین، ویعطى للدائمین امتیازات استثنائیّة؛ ما یفرض خلل توازن داخل مجلس الأمن. "والتبریر الوحید لکلّ هذا هو دومًا الحفاظ على الاستقرار بالنسبة إلى العلاقات القائمة وإلى سیطرة الأمم الصناعیّة"[55]. ولکم أنْ تتصوّروا ماهیّة هذه الحضارة السائدة أو الحضارات التی أنتجت مثل هذا الفقدان فی التوازن الدولیّ المجحف والظالم.

هذا، ولم یرد العدل فی شرعة الأمم المتحدة إلّا مرتین؛ مرّة فی المادّة الأولى، الفقرة (1) فی ذکر حمایة الأجیال من الحرب والدفاع عن العدل؛ بوصفه شرطًا لتجنّب الحرب، ومرّة فی المادّة الثانیة، الفقرة (3) حول ضرورة حلّ النزاعات بطریقة سلمیّة لئلا یتعرّض السلام العالمیّ والأمن الدولیّ، والعدل، للخطر. و"یجدر الانتباه إلى أنّ الکلام على العدل فی کلتا الحالتین یأتی فی العلاقة بالحفاظ على السلام الدولیّ، وعلى الأمن، فهذان الأمران لهما الأولویّة بالنسبة إلى العدل"[56]. وعلیه، فإنّه "لا یؤتى على ذکر العدل، لا کهدف ولا کمعیار"[57].

وما هذا إلا انعکاس لحضارة السطوة والقوّة التی ترفع جمیع قیم السلام والرفاه؛ من أجل حفظ سیطرتها ونفوذها على جمیع الخصوصیّات الدولیّة والحضاریّة فی العالم.

وهذا ما سبّب انفلات قواعد التوازن العادل الذی یحفظ فعلًا مقوِّمات الأمن والسلام العالمیّ، ویسمح بالنموّ والازدهار العلمیّ والاقتصادیّ لکلّ شعب أو أمّة، وهو ما یمکننا تسمیته "ظلم العلاقات الدولیّة الناشئ من تفشّی الظلم فی قیم الحضارة السائدة". ولو أردنا إعطاء نماذج على ذلک لطال بنا المقام، لکنّنا سنکتفی ببعض ما أورده الخبیر المتخصّص فی الفکر السیاسیّ والشأن الدولیّ؛ وزیر خارجیّة الجمهوریّة الإسلامیّة الإیرانیّة الدکتور محمد جواد ظریف، فی مقالته آنفة الذکر، والتی سنستفید منها التالی:

-     إنّ الظلم فی العلاقات الدولیّة الناشئ عن ظلامیّة قیم الحضارة السائدة یتبلور فی "القضیة التی طالت أکثر من جمیع القضایا، على جدول الأمم المتّحدة؛ وهی قضیّة فلسطین، فهی هناک منذ إنشاء الأمم المتّحدة، وحتّى الآن لم تُحلّ. والاقتراحات التی عُرضت إلى الآن لم یُقدِّم أیٌّ منها حلًّا عادلًا ومحکمًا لهذه القضیّة العالقة فی منطقة حسّاسة من الشرق الأوسط؛ بل کانت ترمی بالحرب إلى تثبیت وتعمیق العلاقات الظالمة القائمة حالیًّا والتی یتمّ الحفاظ علیها بالقوّة"[58]. ومن الواضح -هنا- إشارته إلى أمور ثلاثة: ظلمٌ فی میزان العلاقة، تسیید لأهداف ومصالح خاصّة، حمایة المصالح والمظلمات بالقوّة.

-     إنّ أوّل میزة للحضارة السیادیّة وأهمّها؛ هی تعمیم أنموذجها القیمیّ وثقافتها الخاصّة. ومن هنا، فـ"فی نطاق المعضلات الاجتماعیّة الدولیّة تعتبر الطبقة الحاکمة، وخصوصًا فی زمن ما بعد الحرب الباردة، أنّ أحد أهدافها الأساس کسب الاعتراف العالمیّ لبعض القیم؛ بغیة نشرها فی جمیع المجتمعات البشریّة، دون الأخذ بالاعتبار الثقافات والتیّارات والمعتقدات الخاصّة بکلّ مجتمع"[59]. وهذا النحو من الظلم فی فرض السطوة الحضاریّة هو المشکلة التی أولاها الإمام الخامنئی (دام ظلّه) بالغ الأهمّیّة، حینما عبَّر عنها بالغزو الثقافیّ. ویغلب على ظنّی أنّ المعرکة فی هذا المضمار یبدو فیها تشکّل جبهة العدالة فی مطالب التحرّر والاستقلال، قبال الظلم فی فرض السطوة الاستکباریّة، بأجلى ما یکون علیه مشهد صراع الحضارات، وبالأخصّ بین الحضارة السیادیّة، والحضارة الناشئة، وهی -هنا- القوى الإسلامیّة؛ ممثَّلة بإیران...

-     إنّ الاستحواذ الاستکباریّ على مفاعیل حقوق البشر، بما فیها التطوّر العلمیّ والصناعیّ والسیاسیّ، وإقصاء؛ بل وتدمیر الطاقات والقابلیّات التی تحملها شعوب وأمم وحضارات هامشیّة... لهو من أسوإ الممارسات غیر العادلة التی تقوم بها الحضارة السیادیّة الیوم؛ إذ إنّها "تندرج أیضًا [ضمن] تصرّفات حزبیّة معیّنة ومتعلّقة بمصالح خاصّة حیال آخرین، وهی تصرّفات مبنیّة على معاییر متناقضة ومصالح سیاسیّة، وتستند إلى مجالات متنوّعة؛ کحقوق الإنسان مثلًا؛ مثل: حقّ التنمیة، وحقّ الوصول إلى تطبیق المعارف والمکاسب العلمیّة والتقنیة التی تخصّ البشریّة کلّها، حقّ التوزیع العادل للموارد الاقتصادیّة والطبیعیّة (کالنفط، وغیره)، وبنوع خاصّ بالعلاقة مع التباینات التی تقام بین حقوق الإنسان الغربیّ وحقوق الإنسان الشرقیّ على مختلف المستویات"[60].

ومن هذه الشواهد والأسس یخلص الباحث إلى النتیجة التالیة: "إذا نظرنا إلى الأمور نظرة واقعیّة ومستقبلیّة، یتبیّن لنا فی الخلاصة أنّ الاستقرار لا یمکن أنْ یتحقّق من دون الالتزام بتطبیق العدالة والمساواة بوجه دائم. هذه الحقیقة تستحقّ انتباهًا خاصًّا على صعید السیاسة والأمن؛ کما فی مجال الاقتصاد والثقافة"[61]. بل ویمکننا الذهاب أبعد من ذلک؛ بأن نقول إنّ هذه الملاحظة تستحقّ أنْ تلقى کلّ الانتباه على الصعید الحضاریّ؛ فی بناء أیّ حضارة من الحضارات وقیامها وحرکتها؛ لأنّنا نعتقد أنّ سقوط أیّ ازدهار حضاریّ إنّما هو نتیجة أکیدة لفقدان معیاریّة العدالة فی قیمها وسلوکها.

 

خاتمة:

ما تقدّم ذِکْره یستدعی التطلّع إلى نهوض الحضارة الإسلامیّة، والحاجة إلیها فی هذا الزمن؛ لما تحتضنه من عقیدة معیاریّة تنتسب للعدالة، على کلّ مستوى وصعید. وهو ما بتنا نتلمّسه فی قیادة المشروع الإسلامیّ الذی یمثّله الولی الفقیه، والذی یعمل بسبب طموحه فی بناء الحضارة الإسلامیّة الصاعدة على تأسیسات فی بناء مجتمع ودولة إسلامیّة قادرة وعادلة.

وقد عمل هذا المشروع على صیاغة هذه الأطروحة على الأصل التوحیدیّ الذی لا یمکن تجلّیه فی الحضارة إلا بأصل العدالة وقیمها النافذة؛ لأنّ الشرک، وهو نقیض التوحید، هو ظلم، وهو نقیض العدالة. وقد اعتبر أنّ توافر المقوّمات المعنویّة فی البناء الحضاریّ مقدَّم على أیّ بناء آخر اقتصادیّ، أو سیاسیّ، أو غیر ذلک...

وهنا تأتی العدالة فی سیاقها الحضاریّ هدفًا للنبوّة، مسؤولٌ عن تحقیقها کلُّ فرد رسالیّ، أو جماعة مؤمنة.

والعدل صنو الحقّ الذی لا بدَّ من إحقاقه؛ مهما عظمت المهمّات؛ سواءً أفی مجال الدین، أم الأسرة، أم الدولة، أم المالکیّة، أم النظام.

وعلیه، لا یمکن النظر إلى العدالة على أنّها أمر اعتباریّ أو هامشیّ، بل له هویّة حقیقیّة تتشکّل من الأفکار، والعقیدة، والثقافة، والقیم، والوجدان الإیمانیّ التوحیدیّ... وبالمناسبة، فلقد صاغت هذه الأطروحة فکرة العدالة فی العلاقات والتوزیع على أساس أنّ الاختلاف فی الجماعات والقابلیّات أمرٌ طبیعیّ ومقبول، لکنّ التمییز هو المرفوض؛ لما ینطوی على عصبیّة جاهلیّة.

ثمّ إنّ هذه القیم التی أقرَّت بمعیاریّة العدالة ألقت على کاهلها مسؤولیّة حفظ العدالة بین الأجیال؛ من خلال حفظ مصالحهم، وعلى قاعدتی الاستخلاف الإلهیّ، وأداء الأمانة، وبروح تستمرّ فیها وتتصاعد مقوّمات الإرث الاجتماعیّ والعلمیّ.

إنّ الفعل المباشر لنهوض حضارة العدالة الإسلامیّة التی یُرَشِّد خطواتها ومسارها الولی الفقیه إنّما تنبنی فی عصر الغیبة، على أنّ العدالة فی هذا الزمن نسبیّة، والحافظ لقیمها وربطها بالعدالة المطلقة المتوخّاة بظهور المعصوم (ع)؛ إنّما یکون بالاجتهاد، وبالاقتدار فی تدبیر حیاة الأمّة وعلاقتها بالأمم.



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ ورئیس معهد المعارف الحکمیّة للدراسات الدینیّة والفلسفیّة، من لبنان.

[2] لالاند، أندریه: موسوعة لالاند الفلسفیّة، تعریف: خلیل أحمد خلیل، تعهّده وأشرف علیه حصرًا: أحمد عویدات، ط1، بیروت؛ باریس، منشورات عویدات، 1996م، ج1، ص237.

[3] مؤنس، حسین: "الحضارة -دراسة فی أصول وعوامل قیامها وتطوّرها-"، سلسلة عالم المعرفة، الکویت، المجلس الوطنی للثقافة والفنون والآداب، 1978م، ص44.

[4] م.ن، ص48.

[5] لالاند، موسوعة لالاند الفلسفیّة، م.س، ص172.

[6] م.ن، ص172-173.

[7] ماکنتایر، ألسدیر: بعد الفضیلة... بحث فی النظریّة الأخلاقیّة، ترجمة: حیدر حاج إسماعیل، مراجعة: هیثم غالب الناهی، ط1، بیروت، المنظّمة العربیّة للترجمة، 2013م، ص477.

[8] م.ن، ص478.

[9] م.ن، ص480.

[10] رولز، جون: العدالة کإنصاف... إعادة صیاغة، ترجمة: حیدر حاج إسماعیل، مراجعة: ربیع شلهوب، ط1، بیروت، المنظّمة العربیّة للترجمة، 2009م، ص86.

[11] م.ن، ص87.

[12] م.ن، ص90.

[13] رولز، العدالة کإنصاف... إعادة صیاغة، م.س، ص91.

[14] م.ن، ص92.

[15] م.ن، ص103.

[16] سِن، أمارتیا: فکرة العدالة، ترجمة: مازن جندلی، ط1، بیروت، الدار العربیّة للعلوم ناشرون، 2010م، ص9.

[17] م.ن.

[18] م.ن، ص21.

[19] سِن، فکرة العدالة، م.س، ص15.

[20] مطهّری، مرتضى: العدل الإلهیّ، ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقانی، ط3، بیروت، الدار الإسلامیّة للنشر والتوزیع، 1997م، ص44.

[21] م.ن.

[22] سورة آل عمران، الآیة 18.

[23] سورة الحدید، الآیة 25.

[24] مطهّری، العدل الإلهی، م.س، ص45.

[25] سورة الأعراف، الآیة 29.

[26] مطهّری، العدل الإلهی، م.س، ص45.

[27] سورة البقرة، الآیة 124.

[28] مطهّری، العدل الإلهی، م.س، ص45.

[29] الصدر، محمد باقر: الإسلام یقود الحیاة (الإنسان المعاصر وقدرته على حلّ المشکلة الاجتماعیّة)، ط1، بیروت، دار التعارف للمطبوعات، 2012م، ص66.

[30] م.ن، ص66.

[31] م.ن، ص67.

[32] الصدر، الإسلام یقود الحیاة، م.س، ص74.

[33] م.ن، ص76.

[34] م.ن.

[35] م.ن، ص77.

[36] سورة فصلت، الآیة 46.

[37] سورة التوبة، الآیة 121.

[38] الصدر، الإسلام یقود الحیاة، م.س، ص78.

[39] الصدر، الإسلام یقود الحیاة، م.س، ص78-79.

[40] م.ن، ص80.

[41] العلوی، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، ج4، حکمة437، ص102.

[42] الأصفهانی، حسین (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن الکریم، ضبطه وصحّحه وخرّج آیاته وشواهده: إبراهیم شمس الدین، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1997م، حرف العین، مادّة ""، ص363...

[43] http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

[44] الربّانیّ الکلبایکانیّ، علی: القواعد الکلامیّة، ط1، قم المقدّسة، مطبعة اعتماد، 1418هـ.ق، ص138.

[45] الربّانیّ الکلبایکانیّ، القواعد الکلامیة، م.س، ص138.

[46] الشاذلیّ، إبراهیم (سید قطب): العدالة الاجتماعیّة فی الإسلام، بیروت، دار الشروق، 1995م، ص20.

[47] م.ن، ص26.

[48] سیّد قطب، العدالة الاجتماعیّة، م.س، ص32.

[49] سورة التوبة، الآیة 24.

[50] میردامادی، عبد المجید؛ بشته، أندراوس: العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان فی النظرة الإسلامیّة والمسیحیّة، لبنان، المکتبة البولسیّة، 2002م، ص19.

[51] م.ن، ص20.

[52] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س.

[53] م.ن.

[54] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س، ص288.

[55] م.ن، ص289.

[56] م.ن، ص291.

[57] م.ن.

[58] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س، ص292.

[59] م.ن، ص296.

[60] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س، ص298.

[61] م.ن، ص302.

[1] لالاند، أندریه: موسوعة لالاند الفلسفیّة، تعریف: خلیل أحمد خلیل، تعهّده وأشرف علیه حصرًا: أحمد عویدات، ط1، بیروت؛ باریس، منشورات عویدات، 1996م، ج1، ص237.
[1] مؤنس، حسین: "الحضارة -دراسة فی أصول وعوامل قیامها وتطوّرها-"، سلسلة عالم المعرفة، الکویت، المجلس الوطنی للثقافة والفنون والآداب، 1978م، ص44.
[1] م.ن، ص48.
[1] لالاند، موسوعة لالاند الفلسفیّة، م.س، ص172.
[1] م.ن، ص172-173.
[1] ماکنتایر، ألسدیر: بعد الفضیلة... بحث فی النظریّة الأخلاقیّة، ترجمة: حیدر حاج إسماعیل، مراجعة: هیثم غالب الناهی، ط1، بیروت، المنظّمة العربیّة للترجمة، 2013م، ص477.
[1] م.ن،ص478.
[1] م.ن،ص480.
[1]رولز، جون: العدالة کإنصاف... إعادة صیاغة، ترجمة: حیدر حاج إسماعیل، مراجعة: ربیع شلهوب، ط1، بیروت، المنظّمة العربیّة للترجمة، 2009م، ص86.
[1]م.ن، ص87.
[1]م.ن، ص90.
[1]رولز، العدالة کإنصاف... إعادة صیاغة، م.س، ص91.
[1] م.ن،ص92.
[1]م.ن، ص103.
[1]سِن، أمارتیا: فکرة العدالة، ترجمة: مازن جندلی، ط1، بیروت، الدار العربیّة للعلوم ناشرون، 2010م، ص9.
[1]م.ن.
[1]م.ن، ص21.
[1]سِن، فکرة العدالة، م.س، ص15.
[1]مطهّری، مرتضى: العدل الإلهیّ، ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقانی، ط3، بیروت، الدار الإسلامیّة للنشر والتوزیع، 1997م، ص44.
[1]م.ن.
[1]سورة آل عمران، الآیة 18.
[1]سورة الحدید، الآیة 25.
[1] مطهّری، العدل الإلهی، م.س، ص45.
[1]سورة الأعراف، الآیة 29.
[1] مطهّری، العدل الإلهی، م.س، ص45.
[1]سورة البقرة، الآیة 124.
[1] مطهّری، العدل الإلهی، م.س، ص45.
[1]الصدر، محمد باقر: الإسلام یقود الحیاة (الإنسان المعاصر وقدرته على حلّ المشکلة الاجتماعیّة)، ط1، بیروت، دار التعارف للمطبوعات، 2012م، ص66.
[1] م.ن،ص66.
[1]م.ن، ص67.
[1] الصدر، الإسلام یقود الحیاة، م.س، ص74.
[1] م.ن،ص76.
[1] م.ن.
[1]م.ن، ص77.
[1]سورة فصلت، الآیة 46.
[1]سورة التوبة، الآیة 121.
[1] الصدر، الإسلام یقود الحیاة، م.س، ص78.
[1] الصدر، الإسلام یقود الحیاة، م.س، ص78-79.
[1] م.ن،ص80.
[1] العلوی، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، ج4، حکمة437، ص102.
[1] الأصفهانی، حسین (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن الکریم، ضبطه وصحّحه وخرّج آیاته وشواهده: إبراهیم شمس الدین، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1997م، حرف العین، مادّة ""، ص363...
[1]http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar
[1] الربّانیّ الکلبایکانیّ، علی: القواعد الکلامیّة، ط1، قم المقدّسة، مطبعة اعتماد، 1418هـ.ق، ص138.
[1] الربّانیّ الکلبایکانیّ، القواعد الکلامیة، م.س، ص138.
[1] الشاذلیّ، إبراهیم (سید قطب): العدالة الاجتماعیّة فی الإسلام، بیروت، دار الشروق، 1995م، ص20.
[1]م.ن، ص26.
[1] سیّد قطب، العدالة الاجتماعیّة، م.س، ص32.
[1]سورة التوبة، الآیة 24.
[1] میردامادی، عبد المجید؛ بشته، أندراوس: العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان فی النظرة الإسلامیّة والمسیحیّة، لبنان، المکتبة البولسیّة، 2002م، ص19.
[1] م.ن،ص20.
[1] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س.
[1] م.ن.
[1] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س، ص288.
[1]م.ن، ص289.
[1]م.ن، ص291.
[1]م.ن.
[1] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س، ص292.
[1]م.ن، ص296.
[1] میردامادی؛ بشته، العدل فی العلاقات بین الدول والأدیان، م.س، ص298.
[1]م.ن، ص302.