نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولًا: العدالة فی منظومة مقاییس التمییز الأخلاقیّ
1. مقاییس التمییز الأخلاقیّ
2. القناعات والمعتقدات أسس التمییز الأخلاقی
ثانیًا: العدالة من منظور الکتاب المقدّس وتاریخ الکنیسة
1. نظرة شاملة فی معطیات الکتاب المقدّس بعَهْدَیْه
2. العدالة فی تعلیم القدّیس توما الأکوینی
3. العدالة فی التعالیم الکنسیّة الاجتماعیّة الحدیثة
ثالثًا: العدالة فی التعلیم الرسمیّ الحالی للکنیسة الکاثولیکیة
1. قیام العدالة على مبادئ تضمن دعوة الإنسان الشخصیّة والاجتماعیة وتعزّزها
2. مبدأ الاحترام غیر المشروط لکرامة الشخص البشریّ
4. مبدأ مآل الخیرات العمیم
5. مبدأ المساندة (الإمدادیّة أو الدعم) (subsidarité)
7. مبدأ التضامن
الكلمات الرئيسية
العدالة حاجة إنسانیّة واجتماعیّة -رؤیة مسیحیّة-
البروفیسور الأب إدغار الهیبی[1]
خلاصة المقالة:
یُعتبر العدل معیارًا رئیسًا فی العلاقات الشخصیّة بین البشر؛ لنیل الثقّة، وتأسیس الصداقات، وحفظ الکرامات وصون الأعراض. وفی العلاقات الجماعیّة، تُعتبر العدالة نبراس الحکم وأساس الملک ومبدّد الظلم ومحیی الاستقرار. وأمّا فی الحیاة الروحیّة والدینیّة، فالعدل یصبح ردیف البرّ، وکلاهما یُقاس فی میزان الحقّ الذی منبعه ومصبّه الله تجلّى اسمه.
وبالنسبة للمسیحیّة، یمکن القول: إنّ العدل هو الفضیلة الأخلاقیّة، التی قوامها إرادة ثابتة وراسخة، لإعطاء الله والقریب ما یحقّ لهما[2]. والعدل تجاه الله یدعى "فضیلة العبادة". وأمّا تجاه البشر، فهو یهیّئ لاحترام حقوق کلّ واحد، ولجعل العلائق البشریة فی انسجام یعزّز الإنصاف بالنسبة إلى الأشخاص وحلول الخیر العامّ.
لکنّ السؤال المفصلی عند تناول الأفراد والمجتمعات والدول لمسألة العدالة هو: عن ماذا نبحث، عن الحکم أم السلام أم النموّ أم الاستقرار؟ ولمن الأولویّة، أللعدل أم للحقّ أم للحرّیّة؟
وانطلاقًا من مقاربةٍ مثلّثة الأبعاد (الشخصیّة، والاجتماعیّة، والروحیّة) تعرض هذه المقالة المقام الجوهریّ الذی تشغله فضیلة العدل فی العقیدة المسیحیّة، وعلاقتها الجذریّة بالإیمان بالله وبالحقّ من ناحیة، وبمبدإ العدالة الاجتماعیّة من ناحیة أخرى. وفی هذا الإطار تبیّن ترابط القیم المحوریّة التی تقوم من أجلها العدالة؛ ألا وهی الحقیقة والحرّیّة والسلام والمحبّة. کما تعرض الشبکة المبدئیّة المکوّنة لمرکّب العدالة الاجتماعیّة بکلّ أبعادها الحقوقیّة، والدینیّة، والسیاسیّة، والاقتصادیّة، والبیئیّة.
مصطلحات مفتاحیّة:
الله، الإنسان، المجتمع، المسیحیّة، الکنیسة، العدالة، الأخلاق، القیم، المحبّة، الخیر العام، ...
مقدّمة:
1. اللاهوت الخُلُقیّ والبناء اللاهوتیّ الشامل:
إنّ اللاهوت الخُلُقیّ والأدبیّ[3]، کالفلسفة الخُلُقیّة[4]، یهدف إلى إقامة المقاییس والمبادئ اللازمة لتوجیه التصرّفات والأفعال البشریّة وضبطهما نحو الخیر مع تلافی الشرّ. وهو یعتمد بذلک على منهجیّة عقلانیّة مرفقة، بشکل جذریّ، بالإیمان. فإذا کان اللاهوت علمًا موضوعه معرفة الله والخلق من خلال العقل والإیمان بنحو متلازم، لیکوّن جسمًا واحدًا متکاملًا متعدّد الجوانب (منها: العقدیّ، والکتابیّ، والأدبیّ، والرعائیّ، والروحیّ، ...)، فإنّ اللاهوت الخُلُقی هو القسم الذی یهتمّ بدراسة الأفعال البشریّة کی یقوم بتوجیهها، بحسب ما یناسب رؤیة الله (الرحمة-المحبّة)، الذی هو أساس کلّ سعادة کاملة وبغیة کلّ إنسان یبحث عن الحیاة.
وتساند هذا التوجیه وتدعمه کلّ من: الفضائل الإلهیّة (الإیمان، والرجاء، والمحبّة)، والفضائل الخُلُقیّة الرئیسة (الفطنة، والعدالة، والشجاعة، والاعتدال)، ومواهب الروح القدس، واختبارات الحالة الإنسانیّة (مثل: الألم، والخطیئة)، والقوانین الأدبیّة، والوصایا الموجبة فی السیر نحو الله[5].
ویساعدنا هذا التحدید على التیقّن بالأبعاد الأساسیّة للّاهوت الخُلُقی، فإذا به:
- جزء لا یتجزّأ من الجسم الدینیّ واللاهوتی بکامله.
- یتناول الأفعال البشریّة کی یسیر بفاعلها -الباحث أبدًا عن السعادة الحقیقیّة- إلى رؤیة الربّ مصدر کلّ سعادة ومبدأ کلّ خیر.
- إطار مکوَّن من الفضائل الأساسیّة الموهوبة من ناحیة (الفضائل الإلهیّة)، ومن الفضائل المکتسبة بالإرادة الصالحة والصادقة من ناحیة أخرى (الفضائل الخلقیّة)، وکما رأینا؛ فالعدالة تتربّع بین هذه الفضائل.
استنتاجنا الأوّل بعد هذا التحدید المقتضب لبعض جوانب اللاهوت الخُلُقی یقضی بتوضیح التالی: لا یمکننا التکلّم على العدالة فی المسیحیّة خارج المقاربة اللاهوتیّة العامّة للأخلاق التی تؤسِّس لمجموعة القیم والمبادئ والقوانین الواجب صونها وتعزیزها واتّباعها بشکل حرّ ومسؤول فی جمیع القرارات والأفعال؛ شخصیّة کانت أم جماعیّة. وتذکّرنا هذه المقاربة اللاهوتیّة العامّة بأولویّة تربیة الضمائر وتنمیتها؛ کی یعیش الإنسان المؤمن بحسب حرّیّة أبناء الله (روم 8، 21).
2. الأخلاق المسیحیّة والدعوة المسیحیّة الأساس:
قبل تحدید موضوع العدالة، لا بدّ من البحث عن ماهیّة الحرّیّة المسؤولة فی الأخلاق المسیحیّة. وفی هذا الصدد، یمکن القول: إنّ الأخلاق المسیحیّة هی بأساسها دینیّة وحواریّة فی الوقت نفسه؛ فهی دینیّة؛ بمعنى أنّها بطبیعتها دَین على الإنسان بالجواب على مَنْ سبق، وأخذ المبادرة، وبدعوة الإنسان إلى المشارکة فی الحیاة الإلهیّة. وهی حواریّة؛ لأنّ الدعوة والجواب یشکّلان حوارًا وجودیًّا کیانیًّا لا بدّ منه[6].
إنّ الأخلاق المسیحیّة تشکّل -إذًا- عنصرًا أساسًا من عناصر الجواب على دعوة الله الأب للرحمة عبر یسوع المسیح والروح القدس. هذه المبادرة الإلهیّة المطلقة -أی الحرّة والمجّانیّة بشکل مطلق- فی التدبیر الخلاصیّ تظهر بوضوح منذ العهد القدیم؛ حیث یبرم الربّ عهدًا مع مختاریه؛ من نوح، إلى إبراهیم، إلى موسى، ... وبهذا المعنى، تُعتبر الشریعة الموسویّة إطارًا للجواب المنتظر من الإنسان للربّ المخلِّص. ویأتی العهد الجدید؛ کی یحدّد أکثر فأکثر معنى العلاقة بین الإنسان والله، فإذا بها تتجسّد بدعوة الملکوت؛ إذ إنّ الدخول إلى ملکوت الله وتحقیق هذا الملکوت بالوقت عینه علامة أکیدة على أنّ تمام السعادة ومعنى الخلاص لا یتمّ إلا بالاعتراف بملکیّة الله الوحیدة (متّى 6، 10) على حیاة الإنسان من ناحیة؛ وهذا هو الدین، وبتجسید هذا الاعتراف الإیمانیّ من خلال الأعمال الواجبة؛ بحسب اتّباع یسوع المسیح من ناحیة أخرى، وهذه هی الأخلاق بنظمها القیمیّة والمبادئیّة.
إذًا، فعنصرا الاعتراف (الدین بعقائده الإیمانیّة) والاتّباع (الأخلاق بنظمها القیمیّة) یشکّلان -وبطریقة جدلیّة- العنصرین الأساسین للحیاة الخُلُقیّة المسیحیّة. أمّا الاعتراف؛ فبأنّ الثالوث الأقدس هو مبدأ (بدایة) الحیاة الخلقیّة المسیحیّة وهو غایتها (نهایتها) (الله الأب "الأوّل والآخر" (رؤیا 1، 17)، والمسیح "الألف والیاء" (رؤیا 22، 13)، والروح القدس "فاتح الأیّام الأخیرة" (أعمال 2، 17)). وأمّا الاتّباع؛ فلأنّ الأخلاق المسیحیّة هی الاقتداء بشخص المسیح المحبّ والرحوم.
وهذا الأمر غایة فی الأهمّیّة، وهو یعنی أنّه لا یجوز اختزال الأخلاق المسیحیّة بأیّ نظام قانونیّ منغلق؛ مهما عظم شأنه. وبذلک لا تنحصر الحیاة الخُلُقیّة بشریعة مکتوبة؛ إنّما بدعوة مفتوحة إلى الرحمة عبّرت عنها جذریّة العهد الجدید، من خلال سلسلة الطوبَیات (التطویبات)، حیث تظهر عظمة الدعوة الإنسانیّة فی انجذابها نحو ما هو أکبر وأسمى منها؛ ألا وهو "تحقیق ملکوت الرحمة" (متّى 5).
أولًا: العدالة فی منظومة مقاییس التمییز الأخلاقیّ:
إنّ السؤال المطروح عن کیفیّة تمییز الخیر من الشرّ، بشکل عامّ، وبما یخصّنا هنا، عن تمییز العدل من الظلم،وهو ما یشکّل المادّةالأولى للتفکّر الأخلاقیّ.ومهما تکن "مرحلة البلوغ"[7] للسیرة الفردیّة أو الجماعیّة، وفی أیّ حقل[8] من المسؤولیّة الإنسانیّة، ففی کلّ مرّة نحاول فیها تبیان إنْ کان الفعل المقصود یحترم الخیر ویشجّعه، أم إنّه -على العکس- یبرّر الشرّ ویؤدّی إلیه[9]؛ فإنّنا ندخل فی خضمّ الإشکالیّة الأخلاقیّة، وعندئذ تکمن المادّة الجلیّة لعلم الأخلاق فی تحدید الوجهة المبتغاة فی کلّ فعل إنسانیّ؛ من أجل تعزیز الخیر وتجنّب الشرّ.وفی هذهالحالة، وانطلاقًا من هذا البحث الجوهریّ فی ما یتعلّق بمقیاس العدالة الذی ننوی تبیّنه، نضطرّ إلى مواجهة نوعین من الصعوبات.
وتکمن الصعوبة الأولى، ذات الطابع الأداتی (instrumental)، فی معرفة کیفیّة تحلیل الفعل الإنسانیّ، وفی تحدید المعاییر الموضوعیّة الواجب الاستناد إلیها فی عملیّة إصدار الحکم الأخلاقیّ[10]. وأمّا الصعوبة الثانیة، ذات الطابع المعرفیّ (épistémologique)، فهی تقع على مستوى أکثر عمقًا؛ حیث تکمن فی تحدید الأسس والقناعات اللازمة للتعریف بالخیر وبنقیضه. فالأمر هنا یتعلّق إذًا بتحدید الخیر وبتبریر ضروریّاته.
1. مقاییس التمییز الأخلاقیّ:
لحلّ الصعوبة الأولى، ذات الطابع الأداتیّ، برع المجتمع الإنسانیّ، من خلال أدیان وتیّارات وتقالید عدّة، فی إعداد عددٍ وافرٍ من أنظمة مرجعیّة هی فی أکثریّتها تکاملیّة، متعارضة أحیانًا، ونادرًا ما تکتفی بذاتها، حیث تحمل هذه الأنظمة اسمًا مشترکًا: الشرائع(أو النظم). وتشکّل الشرائع[11] مجموعة مراجع ومقاییس موضوعیّة تحدّد المعالجة الأخلاقیّة للفعل، وهی تتألَّف بدورها من مستویات تکاملیّة ثلاثة: القواعد، والمبادئ، والقیم.
أ. القواعد.. خاصّة وسیاقیّة وواقعیّة:
إنّ المستوى الأوّل للنظم، والذی سنسمّیه "نظام المراجع الموضوعیّة المحدّدة والواقعیّة"، مشهودٌ له بدقّته الواضحة والمباشرة والمفصَّلة؛ وهو ما نشیر إلیه بعبارة "القواعد"، حیث تقود القواعد إلى معالجة الأخلاقیّة بطریقة عملیّة کافیة، وهی دائمة خاصّة وموضوعة ضمن سیاق محدَّد. وتملک القواعد القدرة على توجیه عمل ما؛ لیکون أمینًا للمبادئ الأساس، مع الأخذ بعین الاعتبار عوامل الفئة والزمان والمکان التی تتعلّق بإنجاز هذا العمل (أو عدم إنجازه). هذه الفئة من الشرائع هی تجسید للبعد الشامل للقانون فی سیاق خاصّ ومحدّد؛ مکانیًّا وزمانیًّا[12]؛ على سبیل المثال: الکلمة البذیئة ممنوعة، والضرب ممنوع، والهزء والتهکّم تجریحٌ للآخر؛ وهما نوع من أنواع العنف، ... وفی ما یخصّ العدالة، نذکر عدم الاختلاس من المال العامّ، وتأمین الأجر المناسب للعمل المناسب، وتأمین أوقات الراحة فی العمل، وعدم التمییز لأسباب عنصریّة أو مذهبیّة، وعدم الاحتکار ورفض الاستنسابیّة فی تطبیق القوانین، وأنظمة العلاقات الدولیّة والاقتصادیّة بتفاصیلها، ... وهی قواعد واقعیّة یسهل رصدها ومراقبة احترامها.
وتجدر الإشارة إلى أنّه لا یجوز تقویم منسوب العدالة فی علاقةٍ ما، أو فی مجالٍ ما؛ استنادًا إلى منظومة القواعد الواجب احترامها فقط؛ لأنّ من الممکن قیام قواعد موافقة لمبادئ جائرة تضرّ بالقیم؛ بدل تعزیزها. ولذلک، لا بدّ من تسلّق سُلَّم المقاییس صعودًا.
ب. المبادئ.. شاملة ومجرّدة:
تکوّن المبادئ[13] المستوى الثانی من المقاییس، الذی نطلق علیه اسم "نظام المراجع الموضوعیّة غیر المحدّدة والمجرّدة". فالمبادئ توجّهٌ أساسٌ بدیهیٌّ یلهم الفعل دون أنْ یحصره فی واقعیّته الذاتیّة. وعادة، لا تتضمّن المبادئ وسیلة التطبیق. وهی تُمارَس بشکل أساس على مستوى فهم شامل[14]. ویمکن لهذه المبادئ أنْ تکون ممنهجة بطریقة مانعة أو فارضة[15]، على شکل وصایا (مقاربة دینیّة للوصایا العشر)، أو حقوق أساسیّة (حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة، ...)، أو حقوق استثنائیّة (تؤسّس الأدبیّات المهنیّة مثلًا)، أو أنْ تأخذ حتّى شکل "المآثر الشعبیّة" (أعراف وأحکام شعبیّة). وتـُقسّم هذه المبادئ إلى فئات عدّة؛ انطلاقًا من طبیعتها "القناعتیّة" حیث تـُعتبر إلهیّة، أو طبیعیّة، أو وضعیّة[16].
ویمکن القول: إنّ مقولة "أَعطِ کلّ صاحب حقّ حقّه" تشکّل مبدًا عامًا تُقاس على أساسه العدالة بشتّى أشکالها. مع العلم أنّ مبدًا کهذا یحتاج إلى تحدید مجمل الحقوق الواردة أعلاه، وتحلیل مجمل النماذج الواقعة والممکنة؛ کی تتمّ عملیّة القیاس بین العدل والظلم.
وأمّا هذا النظام؛ "نظام المراجع الموضوعیّة غیر المحدّدة والمجرّدة"، على أهمیّته، فلا یمثّل سوى الجانب الأدبیّاتیّ[17] لواقع خِلاقیّ[18] أکثر تعقیدًا؛ وهو معروف بعالم القیم.
ج. القیم فی خدمة المعنى:
إنّ القیمة، فی الجدول الأخلاقیّ، تدلّ من وجهة النظر الموضوعیّة، على میزة مَنْ (و/أو) مَا "یستحقّ أن یُرغَّب به". وبالتالی، فإنْ کانت الرغبة (التوق إلى) هی إحدى الثوابت الأساس لتحقیق فعلٍ ما، وإنْ کان الخیر یرتکز على جعل رغباتنا (الذاتیّة) تتطابق مع الذی یستحقّ موضوعیًّا أنْ یُرغَّب به؛ فإنّ القیمة تفرض نفسها ضرورةً لا بدّ منها لتحقیق الخیر. وبعبارة أخرى: إنّ القیمة هی هذا الکیان الذی یعطی "معنًى" لکلّ ما یرتبط به، والذی لا یأخذ معناه إلا من ذاته أو ممّا یشابهه (قیمة أخرى أو نظام قیم). وفی هذا الإطار، ما زلت أتحفّظ على اعتبار العدالة قیمة بحدّ ذاتها، بل إنّی أمیل إلى اعتبارها مبدًا رئیسًا وفضیلة ممتازة[19].
فالإنسانیّة، والحیاة، والحرّیّة، والحقیقة، والحبّ، والخیر العامّ، والاجتماعیّة (socialité)، ... تُعتبر -إذًا- قیمًا للترقّی من خلال کلّ فعل إنسانیّ حتّى یتوافق مَن یقوم بالفعل أو "یکابده" مع قیمته الإنسانیّة الجوهریّة؛ ألا وهی کرامته. وعلى هذا الأساس، یمکننا التأکید على ضرورة منظومة القیم؛ من أجل التأسیس لکلّ المبادئ، فهی التی تعطی المعنى لهذه الأخیرة؛ کما إنّها تبرّر ضروراتها الإلزامیّة.
ومع ذلک، وعلى الرغم من أنّها تفرض نفسها ضرورةً جذریّةً، فإنّ القیم تعانی من التباسَیْن رئیسَیْن؛ هما:
- یتعلّق الالتباس الأوّل بالاعتراف بالقیم من قِبَل الفاعل (أکان شخصًا، أم مجموعةً، أم مجتمعًا، أم جماعة، أم دینًا، ...)، فهل یُعتَرَف بالحیاة الإنسانیّة وبالشخص البشریّ وبالحرّیّة وبالحقیقة وبالخیر العامّ على أنّها قیم بکلّ ما للکلمة من معنى من قِبَل الجمیع وفی الأوقات کلّها؟
- أمّا الالتباس الثانی، فیرتبط بالنظام الذی تترابط وتتکامل فیه هذه القیم. فهل توجد قیمٌ أکثر أهمّیّة من أخرى؟ ومَن الذی یقرّر ذلک؟ وکیف نحدّد ترتیبها؟ وکیف نُبرزه؟
ویشکّل هذان الالتباسان الصعوبة الثانیة التی یواجهها التمییز الأخلاقی، الذی سبق أن أشرنا إلیه؛ بوصفها صعوبة ذات طابع معرفیّ. وفی المبدإ علینا العودة إلى نظام المراجع نفسه الذی سیأخذ على عاتقه حلّ هذه الالتباسات، غیر أنّ نظام المراجع هذا یلامس حدود الذاتیَّة (subjectivité) (الفاعل الذی یعترف بالقیم والحقائق ویبغی حمایتها والدفاع عنها)، والموضوعیّة (القیمُ المُعتَرَف بها من الجمیع وفی کلّ مکان!) فی آن، ونشیر إلیه بعبارة "قناعات"؛ وهو یشکّل المستوى الثالث لعلم الأخلاق.
2. القناعات والمعتقدات أسس التمییز الأخلاقی:
تلعب القناعات دورًا مزدوجًا فی بناء التمییز الأخلاقیّ؛ الأوّل، ذو طابع شخصانیّ(personnaliste)، یشکّل السیاق الاجتماعیّ الثقافیّ الذی فیه وبه یتماهى الشخص الفاعل. ویتعلّق الأمر -هنا- بانتماء الفرد إلى جماعة متّحدة بمجموعة رؤى وقناعات متجانسة بجوهرها، ولاسیّما بالنسبة إلى تحدید الحقّ والخیر. وبالاعتراف بهذا الانتماء الیقینیّ و"القناعتیّ" یعترف الفاعل بنظام قیمیّ یقبل فیه، "بحرّیّة ووعی"[20]، "بأنْ یتکوّن و"یتأنسَن"[21]. وهذا "التجانس" المتعمّق فی تعریف الخیر یقود الشخص، قبل کلّ شیء، إلى الاعتراف بمجموعة قیم، وإلى مقاربة ذاته؛ انطلاقًا من انتمائه ووفائه النظریّ والعملیّ[22] لهذه القیم، فضلًا عن الترویج لها والدفاع عنها.
لکن، یبدو أنّ معرفة مجموعة محدّدة من القیم لا تکفی لإدارة الفعل الأخلاقیّ، وبخاصّة حین یطرأ نزاع بین القیم نفسها. وهذا ما یحدث فی الحالات الملتبسة من تاریخنا؛ أکان ذلک على المستوى الشخصیّ، أم المؤسّساتیّ، أم الاجتماعیّ، أم الروحی، ... وفی هذا السیاق النزاعیّ، تتدخّل القناعات فی دورها الثانی، ذات الطابع المعرفیّ (épistémologique) الصّرف، لتؤسّس لأحد أهمّ المعاییر التی تربط وتنظّم القیم فی ما بینها. وفی الواقع، عند وجود حالة نزاعیّة، تکمن المشکلة الحقیقیّة فی القدرة على اختیار القیم الواجب الالتزام بها أو إنقاذها، حین لا یستطیع الفعل الإنسانیّ، عند اضطلاعه بمحدودیّته ومعرفته لظروفه، أنْ یحترم، عملیًّا[23]، جمیع القیم المعنیّة. وبمعنى آخر: إنّ العبور من واقع تحقیق هاتین القیمتین "إلى" تحقیق هذه القیمة "أو" تلک، هو الذی یؤجِّج صراع القیم ویعرِّض الشخص الفاعل لتحدّ یصعب -لا بل یستحیل- تجنّبه.
وهذا العبور من إمکانیّة معیّة القیم (و) إلى ضرورة الاختیار بینها (أو) یُرغم الفاعل على العودة إلى نظام قناعاته لیسلسل القیم تراتبیًّا؛ من أجل إنقاذ الأولویّات. ومع ذلک، فعلى کلّ هرمیّة قیمیّة أنْ تأخذ بعین الاعتبار الأُطُر المختلفة التی تندلع فیها النزاعات. ولهذا السبب، لا تستطیع أیّ هرمیّة الاکتفاء بإیجاد سُلَّم أحادیّ الأبعاد (تنازلیّ)؛ بل یجب علیها السهر من أجل إعداد منظومة مبنیّة على تلازم ضمنیّ[24] بین سلالم قیمیّة متعدّدة الاتّجاهات. هذه السلالم تأخذ على عاتقها التطوّرات المتزامنة والمتعاقبة لتعریفات الخیر وتأثیراتها فی الأفعال المطروحة. وعلى هذا النحو تؤسّس القناعات خیار الفاعل للقیم فی الحالات النزاعیّة.
هذه التراتبیة-الطبقیّة (انظر: الرسم 1)، وإنْ کانت على درجة عالیة من التعقید، تتدخّل فی کلّ فعل یُراد منه أنْ یکون إنسانیًّا[25]، ویصبح تدخّلها جلیًّا مع تحلیل هذا الفعل أو تبریره. وعلى الرغم من ذلک، فهذا المحور لا یشکّل سوى بعدٍ واحدٍ من علم الأخلاق؛ ألا وهو البعد الموضوعیّ الذی یجعل تمییز الأخلاقیّة أمرًا ممکنًا.
وعلى هذا الأساس، وانطلاقًا من هذه الشبکة الموضوعیّة متعدّدة المراجع، یمکننا التعمّق فی "کیفیّات" کلّ تمییز أخلاقیّ، وکلّ نقد یتعلّق بتحدید العدالة بشکل عامّ، وفی المنظور المسیحیّ، بشکل خاصّ. بالتالی، واستنادًا إلى ما تقدّم، فإنّنا نعرض فی ما یلی ما یوضّح القناعات الأساسیّة الکامنة فی العقیدة المسیحیّة عن العدالة، ونربط بینها وبین المبادئ والقیم الأساسیّة فی بنیة المراجع والمقاییس اللازمة لتحقیقها وتعزیزها.
ثانیًا: العدالة من منظور الکتاب المقدّس وتاریخ الکنیسة:
1. نظرة شاملة فی معطیات الکتاب المقدّس بعَهْدَیْه[26]:
منذ البدء، یدعو الله الإنسان، الذی خلقه على صورته ومثاله، کی یُخضِع الأرضَ والکون کلّه فی القداسة والعدالة. فـ «الصدقة» البیبلیّة (وکذلک «الشرعیّة») تقوم بأنْ نردّ لکلّ واحد ما یخصّه، وهی -أیضًا- صفة تجعل من کلّ سلطة أو لقب أو فعل أو حدث أو شیء؛ موافقًا لما یطلبه الحقّ أو العُرف أو جوهر الشیء. والقیاسات والأوزان «عادلة» (لا 19/36؛ جز 45/10)، إنْ کانت موافقة للقواعد المُعتَرف بها.
والإحسان هو فریضة عدالة تجاه الفقراء. نسمع أشعیا یضع ما ندعوه الیوم «العدالة الاجتماعیّة» فی صلب الواجبات الدینیّة؛ بل یجعلها قیاسًا للدین والتقوى. فالتقوى إلى الله باطلة من دون الرحمة والعدالة تجاه الناس (اش1/13-17؛ 58/6-7).
ویطلب النبی العدل فی الشرائع والحکم (اش10/1-2؛ 5/8-10)، ویرى آشعیا أنّ السبیَ إلى بابل کان عقابًا من قِبَل الله لشعبه الذی لم یحقّق العدل والإنصاف (اش5/7-15).
ویمین الربّ التی تسند نسل إبراهیم المنفی فی بابل هی «عادلة» (أش 41/10)؛ لأنّ تدخّله وفداءه یتوافقان مع مواعید الخلاص وإعلانات الأنبیاء. وفی هذا المنظار، صار عملُ الله الخلاصیّ تجلّیًا لبرّه وصدقه.
والعدالة هی سند العرش الملکیّ (أش9/6؛ 16/5؛ مثل16/12؛ 20/28؛ 25/5؛ 29/14)، کما هی سند عرش الله (مز89/15؛ 97/2؛ أش33/5). ویختار الله الملک؛ لأنّه «یحبّ العدل» (مز45/8). وهو یُدعى لکی «یملک فی العدل» (أش32/1)، «ویقیم الحقّ والإنصاف»؛ أی العدل (2صم8/15؛ 1مل10/9؛ إر22/3 و 15؛ 23/5؛ 33/15؛ حز45/9؛ أخ18/14؛ 2أخ9/8). وبحسب (1مل3/28)، نَعِمَ الملک سلیمان «بحکمة إلهیّة لکی یقیم العدل». وهناک النداءات «للحکم بحسب العدل» (لا19/15؛ أش11/3-5؛ مثل31/9). والإشارات إلى «الأحکام العادلة» (تث16/18)، «والقاضی العادل» (مز7/12). وهذه العبارة تعنی أنّ على المَلِک، بالنظر إلى وظیفته، أنْ یسهر لکی تطبَّق بدقّة قواعدُ الحیاة الاجتماعیّة والعدالة التوزیعیّة والجزائیّة، مع مراعاة حقوق الفقراء والضعفاء (مز72/12-13؛ 1تس11/4). وإذا کان الخَلَف الذی یقیمه الله لداوود یوصف بأنّه «نبت صدّیق» (إر23/5)، فهذا یعنی أنّه یکون نسلًا شرعیًّا لداوود.
وینسب النبیّ حزقیال إلى الله أنّه یرى بعدلٍ، ثمّ یبیّن أنّ «الرعاة یرعون أنفسهم، ولم یرعوا غنمی» (حز 34/99). بأیّ معنى یرعى الله العدل؟ المعنى أنّه لا یُحابی الوجوه، وفی هذا الکلام کثیرٌ من الوصف للعدل الإلهیّ. والنبی عاموس یُعرف أنّه «نبی العدالة الاجتماعیّة» (عا 5/21-24؛ 4/1). وهنالک تلمیحات إلى القضاة الذین یدوسون العدالة (عا 5/7و10). ویوجز النبی میخا إرادة الله بقوله: «ما یطلب الله منّا هو أنْ نقیم العدل» (می 6/8). وتبدو الرحمة على نحوٍ ما مناقضة للعدل الإلهیّ وأکثر قدرةً وأعظم منه، والمحبّة هی التی تربط بین العدل والرحمة.
وفی (متّى23/23) یُذکّر یسوع الکتبة والفرّیسیّین ورؤساء الکهنة باستمرار بأنّ مجرَّد ممارسة الشرائع الخارجیّة لا یکفی إنْ أُهمِلَت الأمور الأساسیّة؛ أی العدل والرحمة والأمانة. إنّه یتمّ معانی الشریعة الأصلیّة والعمیقة، وما هذه النظرة إلى الأمور إلا «الحکم العادل»، وما تبقّى یُشکلّ «الحکم بحسب الظاهر»: «أحکموا الحکم العادل» (یو7/24). الحکم بالعدل یقود إلى الإعلان: «یسوع أماننا وسلامنا» (أف 2/14).
ویحذّر القدیس یعقوب الأغنیاء الذین لا یدفعون الأجور العادلة لعمّالهم (یع5/1-4).
وأمّا أهمّ تعلیم إنجیلیّ فی موضوع العدالة فهو یرِدُ على لسان یسوع؛ انطلاقًا من مفهوم البرّ فی عظة الجبل، حیث یُعلن: «طوبى للجیاع والعطاشى إلى البرّ؛ لأنّهم یُشبعون» (متّى 5/6)، و «طوبى للمضطَهَدین من أجل البرّ؛ لأنّ لهم ملکوت السماوات» (متّى 5/10). یتبرّر الإنسان عادةً عندما ینتصر بدعواه على خصمه، ویعلن عدالة حقّه، ولیس ضروریًّا أن یتمّ هذا الإجراء أمام المحاکم، ولا أنْ یکون الخصم عدوًّا، فمجال العدل أوسع من مجال القانون، أو حتّى من مجال العرف الجاری. ویتّصف المرء بالعدل عندما یتّخذ مع کلّ إنسانٍ الموقف السلیم الذی یناسب حاله. وهو یتبرّر، عندما یَثبت فی حالة المحنة أو المنازعة، ولیس فی حال براءته فقط، بقدر ما یُثبت صواب مسلکه برمّته، وبهذا تتّضح عدالته أمام الجمیع[27].
2. العدالة فی تعلیم القدّیس توما الأکوینی[28]:
یعطی القدّیس توما العدالة بعدًا اجتماعیًّا؛ هو الخیر العامّ. ویصفها بأنّها فضیلة عامّة تهدف إلى هذا الخیر العامّ. ویعتبر أنّ کلّ أعمال الإنسان، بدون تمییز، لها علاقة بالعدالة، ولها طابع اجتماعیّ. وهو یسمّی هذه العدالة "العدالة الشرعیّة"؛ لأنّ الخیر العامّ فی المجتمع یتمّ بواسطة الشریعة أو القانون.
وإلى جانب هذه العدالة العامّة، یمیّز القدّیس توما -أیضًا- أنّ العدالة الخاصّة لا تحدّد الخیر العامّ فقط؛ وإنّما الحقوق العامّة أیضًا؛ کما فی حقوق الأفراد، وتنظیم العلاقات الاجتماعیّة بین الناس. وهذه العدالة فی رأیه نوعان؛ هما: العدالة التبادلیّة التی تنظّم التبادل بین الأفراد وأعضاء المجتمع؛ والعدالة التوزیعیّة التی تنظّم الخیرات العامّة على مختلف الأعضاء فی المجتمع، وهی تؤکّد على حقّ الأفراد فی الجماعة فی الحصول على ما یحقّ لهم من الخیرات المشترکة.
3. العدالة فی التعالیم الکنسیّة الاجتماعیّة الحدیثة:
فی الرسالة «الشؤون الحدیثة» یبنی البابا لاون الثالث عشر الملکیّة الخاصَّة على العدل. فالملُک الخاصّ ما هو إلا نتیجة أجرة العامل وتعب یدیه (44). ویستند البابا فی مطالبته -أیضًا- بالمحافظة على الملکیّة الخاصَّة إلى واجبات الإنسان العیلیّة (10). وتربط هذه الرسالة الأجر العادل بتأمین الحاجات (17). إنّ ما یجعل أیّ أمّة تزدهر هو احترام العدالة والاعتدال فی فرض الضرائب (26)، ومن ثمّ على العقود المُبرَمة بین ربّ العمل والعامل أنْ تحترم قانون العدالة الطبیعیّة القاضی بأنْ یکون الأجر کافیًا لتأمین عیش العامل القنوع والشریف (34). کما شدّد البابا لاون الثالث عشر على دور الدولة فی السهر على تأمین العدالة وفی توزیع الخیرات بین جمیع أبناء المجتمع الواحد.
وفی رسالة «أربعون سنة» یرى البابا بیوس الحادی عشر أنّ تنظیم العلاقات بین رأس المال والعمل یجب أنْ یکون وفقًا لمقتضیات العدالة التّبادلیة، وفی إخضاع المنافسة الحرّة والتحکّم الاقتصادیّ لسلطة الدولة؛ وفقًا لشرائع عامّة تصون العدالة الاجتماعیّة (11)، وهو یعتبر أنّ من الممکن التوفیق بین الاشتراکیّة والمسیحیّة فی تحویل صراع الطبقات إلى نقاش مشروع لإحلال العدالة، کما یرى البابا صلاح المجتمع بالعدالة فی التوزیع والاستهلاک.
وفی رسالته العامّة الأولى «الحبریّة العظمى» (Summi Pontificatus) 20 تشرین الأوّل 1939م)، یرى بیوس الثانی عشر أنّه لا یمکن التمسُّک بفکرة التقدّم غیر المحدود (87)، وأنّ على السلطات أنْ تعمل على إنشاء أنظمة جدیدة مبنیّة على العدالة والازدهار (79).
وفی الرسالة العامّة «أمّ ومعلِّمة» یؤکِّد البابا یوحنا الثالث والعشرون على أنّ تحدید قیمة الأجر لا یمکن أن یُترک أَمرُه للمفارقة الحرّة، ولا لمزاجیة الأقویاء؛ بل یجب أنْ یتمّ طبقًا للعدل والإنصاف (711). ویبیِّن البابا أنّ العدالة الاجتماعیّة تفرض على التطوّر الاجتماعیّ مواکبة دائمة للتطوّر الاقتصادیّ (73)، ویعتبر أنّ ازدهار الشعوب یُقاس بمقیاس توزیع الخیرات والثروات توزیعًا عادلًا (74)، کما یؤکّد البابا على أنّ العدالة لا تقتضی توزیع الموارد الناتجة عن العمل توزیعًا أکثر انصافًا فحسب؛ بل تقتضی -أیضًا- تعدیل بنى المؤسّسة؛ بغیة إفساح المجال للعمّال للإسهام فی تنظیم العمل، وإنماء حسّ المسؤولیّة والمبادرة الشخصیّة (82-83). ویعتبر البابا إتلاف الفائض من إنتاج البلدان الغنیّة خطیئة ضدّ العدالة والإنسانیّة. وأمّا بالنسبة للعلاقات بین الدول، فقد اعتبر البابا أنّ الثقة المتبادلة لا یمکنها أنْ تقوم وتتوطّد إلا إذا أقرّ الجمیع بشریعتی الحقّ والعدالة ووضعوهما موضع التنفیذ (207). ولذلک فمهما تقدّم التطوّر التقنیّ والاقتصادیّ، لن یقوم فی العالم عدالة أو سلام؛ طالما لم یدرک الناس أنّ کرامتهم تنبع من کونهم مخلوقین من الله وأنّهم أبناء الله (215).
وفی الرسالة العامّة «السلام على الأرض» (Pacem In Terris (11 نیسان 1963م))، کتب البابا یوحنا الثالث والعشرون أنّ على العلاقات بین الجماعات السیاسیّة أنْ تتمّ على أساس الحقیقة والعدل والتضامن والمحبّة (35-36). ویقضی العدل بأنْ تعمل السّلطات العامّة على تحسین أوضاع الأقلّیّات الإثنیّة فی حیاتها، ولاسیّما فی ما له علاقة باللغة والثقافة والعادات والثروات والنشاطات الاقتصادیّة (96). ومن علامات الأزمنة التی رصدتها الرسالة: رفض اللجوء إلى الحرب لإحقاق العدالة (127)، ویشیر البابا إلى الصعوبة التی یلاقیها البشر فی تحقیق العدالة (155-156)، على أنّ فی هاتین الفقرتین تعبیرًا جلیًّا عن دینامیّة العدالة واتّساع آفاقها.
وجاء فی الدستور الراعوی «فرح ورجاء» (7/12/1965): العدالة قبل المحبّة (8). ویجب أنْ یُبنى النظام الاجتماعیّ على العدالة (266). کما یجب العمل على إزالة التفاوت الاقتصادیّ والاجتماعیّ من أجل تحقیق "العدالة الاجتماعیّة" (29/3). ویدعو هذا الدستور المسیحیّین کی یعملوا مع جمیع الناس، على دعم السلام بالحبّ والعدل فی ما بینهم (77/2). فالسلام نتاج العدالة (77-78)، وعلى المسیحیّین أن یتّحدوا مع جمیع الذین یحبّون العدل ویمارسونه (92). ویُعرب المجمع عن رغبته فی إنشاء هیئة فی الکنیسة الجامعة من شأنها أنْ تحضّ المؤمنین على نشر العدالة الاجتماعیّة بین الأمم (90/3).
وفی رسالة «الذکرى الثمانون» (14 أیّار 1971م)، یقرّ البابا بولس السادس ببعض التقدّم على صعید العلاقات الإنسانیّة؛ تحقیقًا لعدالة أکثر (155)، کما اعتبر أنّ من أولویّات الدولة العمل لضمان العدالة والخیر العامّ (64).
وفی الرسالة العامّة «فادی الإنسان» (Redemptor Hominis (4 آذار 1979م))، یعالج البابا یوحنا بولس الثانی الأخطار التی تهدّد إنسان الیوم؛ وأوّلها: حالة الإنسان التی تبتعد عمّا تتطلّبه العدالة (16/1).
وفی الرسالة العامّة «الاهتمام بالشأن الاجتماعیّ» (Sollicitudo rei socialis (30/12/1987م))، کتب یوحنا بولس الثانی أنّه إنْ کانت المسألة الاجتماعیّة قد اکتسبت حجمها العالمیّ، فذلک لأنّه لا یمکن لمُقتضى العدالة أنْ یتحقّق إلا على هذا الصعید (10/2).
وفی الرسالة العامّة «السنة المئة» (Annus Centesimus (1 أیّار 1991م))، یوضّح البابا یوحنا بولس الثانی أنّ سعی البلدان بعد الحرب العالمیّة الثانیة لترمیم مجتمع دیمقراطیّ مبنی على العدالة الاجتماعیّة یجب أنْ یُرافقه التنبّه للمحافظة على الحرّیّة والقیم الإنسانیّة (19). ویشیر البابا فی الفصل السادس إلى أنّ العطاء ضروریّ؛ من باب العدالة (58).
ثالثًا: العدالة فی التعلیم الرسمیّ الحالی للکنیسة الکاثولیکیة[29]:
العدالة هی قیمة تترافق مع ممارسة الفضیلة الأخلاقیّة الرئیسة الموافقة لها[30]. وهی تکمن، بحسب التعریف الأکثر أنموذجیّة، «فی العزم الثابت والراسخ على إعطاء الله والقریب ما یُستوجَب لهما»[31]. ومن وجهة النظر الشخصیّة، تُترجَم العدالة سلوکًا محدّدًا بالعزم على الإقرار بالآخر؛ بوصفه شخصًا، فی حین أنّها، من وجهة النظر الموضوعیّة، تشکّل المعیار الأخلاقیّ الفاصل فی النطاق (البَینَ-شخصیّ) والاجتماعیّ[32].
وتذکّر سلطة التعلیم الاجتماعیّ بوجوب احترام الأشکال الکلاسیکیّة للعدالة: العدالة التبادلیّة، والعدالة التوزیعیّة، والعدالة القانونیّة[33]. وقد ازداد فیها بشکل واضح بروز العدالة الاجتماعیّة[34]، التی تمثّل تطوّرًا حقیقیًّا فی العدالة العامّة، الضابطة للعلاقات الاجتماعیّة على قاعدة الامتثال للقانون.
إنّ العدالة الاجتماعیّة، بصفتها مقتضى مرتبطًا بالمسألة الاجتماعیّة، التی تتّخذ الیوم بعدًا عالمیًّا، تتناول الجوانب الاجتماعیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة، ولاسیّما البعد البنیویّ للقضایا المطروحة وللحلول المرتبطة بها[35].
وترتدی العدالة أهمّیّة خاصّة فی الظروف الراهنة، حیث تتعرّض قیمة الشخص وکرامته وحقوقه، على الرغم من النوایا المعلنة، إلى تهدید خطیر من جرّاء تفشّی المیل إلى اتّخاذ المنفعة والاقتناء معیارَین أوحدَین[36]. وعلى أساس هذین المعیارین یُنظر إلى العدالة -أیضًا- نظرة اختزالیّة، فی حین أنّها تکتسب معنى أکثر کمالًا وأصالة فی الإنثروبولوجیا المسیحیّة. والواقع هو أنّ العدالة لیست مجرّد عرف بشریّ؛ لأنّ ما هو «عادل» لا یحدّده القانون أصلًا؛ بل هویّة الإنسان العمیقة[37].
إنّ ملء الحقیقة حول الإنسان یُتیح تخطّی النظرة التعاقدیّة المحدودة حول العدالة، کما إنّه یفتح العدالة على أفق التضامن والمحبّة، فـ«العدالة وحدها لا تکفی، بل إنّها قد تصل إلى حدّ إنکار ذاتها؛ إنْ لم تنفتح على تلک القوّة الأغوَر التی هی المحبّة»[38]. ویربط تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ بین قیمتَی العدالة والتضامن؛ بوصفهما سبیلًا ممیَّزًا نحو السلام[39]. وإذا کان السلام نتاج العدالة، «فمن الممکن القول الیوم، بالصواب عینه وبقوّة الوحی البیبلیّة عینها: السلام نتاج التضامن»[40]. وفی الواقع، فإنّ هدف السلام «سیُبلَغ بالتأکید عبر وضع العدالة الاجتماعیّة والدولیّة موضع التطبیق، وکذلک -أیضًا- عبر ممارسة الفضائل التی تعزّز طیب التعایش، وتعلّمنا على أنْ نحیا متّحدین؛ بحیث نبنی فی الوحدة، عبر العطاء والأخذ، مجتمعًا جدیدًا وعالمًا أفضل»[41].
وإذا ما تأمّلنا ملیًّا فی هذا التحدید الشامل للعدالة؛ بحسب تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ والإیمان المسیحیّ، فسنجد أنّها تتشابک مع مجموعة من القیم الأساس وتشکّل معها وحدة متکاملة لتحقیق الخیر والسلام فی العالم المخلوق بأسره، وهذه القیم هی الحقیقة والحرّیّة والمحبّة، کما إنّها تتحصّن وتتأکّد عندما تتناغم مع قیم رئیسة فی المجالات الشخصیّة والجماعیّة؛ وهی کرامة الشخص البشریّ من ناحیة، والخیر المشترک (أو الخیر العامّ) من ناحیة أخرى.
1. قیام العدالة على مبادئ تضمن دعوة الإنسان الشخصیّة والاجتماعیة وتعزّزها:
نظرًا لترکیز هذه المداخلة على العدالة؛ بوصفها قیمةً ومعیارًا، لن نتوسّع فی بحث القیم الأساس، وإنّما سنکتفی ببلورة المبادئ الرئیسة الواجب احترامها ومراعاتها عندما نبحث فی تحقیق العدالة وقیاسها فی مجتمع ما أو فی دولة معیّنة؛ وذلک فی شتّى الحالات الخاصّة والعامّة.
وأمّا هذه المبادئ؛ فهی: مبدأ الاحترام غیر المشروط لکرامة الشخص البشریّ؛ وهو یشکّل رکیزة جمیع المبادئ والمضامین الأخرى فی تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ، ومبدأ احترام الخیر العامّ وتعزیزه، ومبدأ الاعتراف بمآل الخیرات العمیم، ومبادئ المساندة والمشارکة والتضامن[42]. وتشکّل هذه المبادئ الثابتة فی تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ المرتکزات الحقیقیّة للمفهوم المسیحیّ للعدالة. وتنبع هذه المبادئ، التی تعبّر عن ملء حقیقة الإنسان؛ کما یدرکها العقل والإیمان، من «تلاقی البُشرى الإنجیلیّة ومتطلّباتها، التی تتلخّص بالوصیّة العظمى فی محبّة الله والقریب، وبالعدالة مع المسائل الناجمة عن حیاة المجتمع»[43].
وترتدی هذه المبادئ طابعًا شمولیًّا وأساسیًّا؛ لأنّها تتّصل بالواقع الاجتماعیّ فی کلّیّته: من العلاقات القریبة والمباشرة بین الأشخاص، إلى تلک القائمة بواسطة السیاسة والاقتصاد والقانون؛ من العلاقات بین الجماعات، أو المجموعات، إلى العلاقات بین الشعوب والأمم؛ بسبب دیمومة هذه المبادئ عبر الزمن وعمومیّة معناها، فالکنیسة تعدّها المَعْلَم المرجعیّ الأوّل والأساس لتفسیر الظواهر الاجتماعیّة وتقویمها، مَعلمًا ضروریًّا تُستمدّ منه معاییر التمییز والتوجیه فی السلوک الاجتماعیّ على کلّ صعید[44].
وینبغی النظر إلى مبادئ التعالیم الاجتماعیة للکنیسة؛ انطلاقًا من طابعها الموحَّد وترابطها وتماسکها؛ إذ إنّ النظر فی أیٍّ من هذه المبادئ على حِدَة ینبغی ألاّ یؤدّی إلى استعماله بطریقة متحیّزة ومغلوطة، وهذا ما یحصل عندما یؤخَذ به مفکوکًا ومنفصلًا عن المبادئ الأخرى کلّها. إنّ التعمّق النظریّ، ولو فی واحد من هذه المبادئ الاجتماعیّة، وحتّى تطبیقه العملیّ، یُبرزان بوضوح تبادلیّةَ هذه المبادئ، وتکاملها، والروابط التی تهیکلها[45]. وبالتالی، فکلّ اختزال لواحدٍ من هذه المبادئ سیؤدّی حتمًا إلى اختزالٍ فی مفهوم العدالة، وإلى اجتزاءٍ، أو انحرافٍ فی تحقیقها.
إنّ مبادئ التعالیم الاجتماعیة للکنیسة، مأخوذةً بمجملها، تشکِّل ذاک المفصل الأوّل لحقیقة العدالة فی المجتمع، هذا المفصل الذی یخاطب کلّ ضمیر، ویدعوه إلى العمل بتفاعل مع کلّ الضمائر الأخرى؛ فی الحرّیّة، وفی ملء المسؤولیّة المشترکة مع الجمیع وحیال الجمیع. وأمّا المقتضى الأخلاقیّ المدوَّن فی هذه المبادئ الاجتماعیّة العلیا، فهو یتناول، فی آن معًا، عملَ الأفراد الشخصیّ؛ بصفتهم الفاعلین الأوائل الذین لا غنى عنهم لتحمّل مسؤولیّة الحیاة الاجتماعیّة على جمیع الصعد، وکذلک المؤسّسات، التی تجسّدها القوانین والأعراف التقلیدیّة والبنى المدنیّة؛ وذلک بسبب قدرتها على التأثیر فی خیارات العدید من الأشخاص وقولبتها لفترة طویلة[46].
2. مبدأ الاحترام غیر المشروط لکرامة الشخص البشریّ[47]:
إنّ هدف تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ هو الإنسان المدعوّ إلى الخلاص. وبهذا التعلیم تهتمّ الکنیسة بحیاته فی المجتمع. ففی المجتمع یمکن حمایة حقوقه وکرامته. فأصل کلّ حقّ من حقوق الإنسان هو البحث والتأکید على کرامته الأصیلة، التی هی من طبیعته، ولیست هبة أو امتیازًا من بشر، أو من نظام، أو من مجموعة معیّنة؛ بل هی حقّ إلهیّ أوجده الله فی أصل خِلْقته.
ولا تعتمد هذه الکرامة، فی کلّ إنسان، على الجنس، ولا على الدیانة، ولا على الإمکانیّات، ولا على اللغة، ولا على الجنسیّة، ولا على أیّ شیء؛ وإنّما تعتمد على أصلها؛ إذ إنّها جزء لا یتجزّأ من طبیعة الإنسان.
کما إنّ طبیعة الکرامة البشریّة لا تتحمّل أیّ مقاربة اختزالیّة للکائن البشریّ، لا من الناحیة الکیانیّة، ولا من الناحیة الاجتماعیّة. ولذلک لا تقبل هذه الکرامة اختزال الشخص البشریّ فی أحد أبعاده المتعدّدة: العضویّ، والنفسیّ، والاجتماعیّ، والروحیّ، ... کما لا یمکن القبول باختزال کلّیّته لصالح الوحدة الاجتماعیّة، فیصبح کأنّه جزءٌ من کلّ.
کلّ هذا یوحیه لنا العقل البشریّ، "فعقل الإنسان قادرٌ على أنْ یفهم ویقتنع أنّ لکلّ إنسان کرامة لا تُمسّ، ومتساویة مع کرامة کلّ بشر؛ فالکنیسة لا تقول إنّ الروح القدس قد ألهمنا بأنّ لکلّ إنسان کرامة متساویة مع الجمیع، وکأنّه تعلیم خاصّ بالمسیحیّة!"[48]؛ بل هو أمر یستنتجه العقل البشریّ السویّ، ومتّفق علیه من الجمیع، مسیحیّین کانوا أم غیر مسیحیّین. هذه الکرامة هی -إذًا- أساسٌ لحقوق الإنسان، إذا اختلفنا علیها، فلن یتمّ -بالتأکید- التلاقی والاتّفاق على حقوقه.
وأصل حقوق الانسان[49] هو کرامة الإنسان؛ منها ینبع عدد من الحقوق، التی یجب أنْ تتمّ حمایتها کلّها، من دون استثناء. فلا یمکن احترام بعض الحقوق فقط، ونفی بعضها الآخر، فهذا تعارضٌ لفعل واحد؛ وکأنّنا نصبّ المیاه فی آنیة مثقوبة! على حقوق الإنسان جمیعها أنْ تُحمى؛ لأنّها کلّها تصبّ فی خدمة الإنسان وإظهار کرامته، وغیاب أحدها هو تقصیر تجاه هذه الکرامة. هذه الحقوق تنظر وتحمی الإنسان فی کلّ ما یخصّ حیاته البشریّة ودعوته إلى معرفة الله وعبادته؛ فهی تخصّ الحیاة السیاسیّة، والاجتماعیّة، والاقتصادیّة، والثقافیّة، والروحیّة، وکلّها تمثّل کیانًا واحدًا، وهی من أجل کلّ إنسان وللإنسان کلّه، فلا یمکن الفصل أو التمییز فی ما بینها.
ولهذا نرى فی عدد من تعالیم الکنیسة الاجتماعیّ، ظهور أوّل حقّ للإنسان؛ وهو حقّ الحیاة. فالإنسان منذ اللحظة الأولى فی أحشاء أمّه، له حقّ الحیاة، فلا یحقّ لأیّ أحد أن یقرّر استمراره أو عدمه؛ مهما کانت الأسباب؛ لأنّه حقّ یمسّ الکرامة وطبیعة الإنسان، وهو حقّ إلهیّ ولیس ممنوحًا له من قِبَل البشر. وبعد الولادة یتمثّل هذا الحقّ فی الحیاة وسط عائلة طبیعیّة، یستطیع فیها أن یحیا وینمو، ثمّ حقّ التعلیم الذی ینبع من الحقّ نفسه، وحقّ العمل، وحقّ تقریر بناء عائلة، وإنجاب الأبناء وتربیتهم. کلّ هذا ینبع من حقّ الحیاة. وکما ذکرنا، لا نستطیع أنْ نحمی جزءًا منه وندافع عنه مع تغاضینا عن جزءٍ آخر؛ فهو حقٌّ لا یتجزّأ.
وبجانب هذا الحقّ الأصیل للإنسان فی الحیاة، یأتی حقّ العبادة الدینیّة الحرّة[50]. فکلّ البشر یجب أن یتمتّعوا وبدون أیّ ضغوط کانت، أو أیّ عنف جسدیّ أو معنویّ، بحرّیّة العبادة. ویعبّر هذا الحقّ عن مدى تقدّم المجتمع وأنظمته السیاسیّة والاجتماعیّة والحضاریّة، ویتمثّل فی اعتبار الإنسان هو الهدف، وکرامته المتساویة مع کلّ إنسان آخر هی أساس المساواة، ولیست دیانته، أو تعالیمه، ...، هی التی تمیّزه أو تعطیه کرامة مختلفة عن الآخر المختلف عنه.
وترتبط حقوق الإنسان ارتباطًا وثیقًا بحقوق الشعوب فی الحرّیّة وفی حکم الذات[51]؛ حسب قوانینها ودستورها الذی یمثّل کلّ الشعب، لا أغلبیّته، ولا فکرًا أو تیّارًا منه.
3. مبدأ الخیر العام[52]:
أ.معناهومستلزماتهالرئیسة:
ینجم عن کرامة الأشخاص ووحدتهم وتساویهم جمیعًا؛ مبدأ الخیر العامّ، وهو ما ینبغی إرجاع کلّ وجه من وجوه الحیاة الاجتماعیّة إلیه؛ کی یکتسب ملء معناه. وبناء على تحدید أوّلی سُلِّم به على نحو واسع، یُقصد بالخیر العامّ "المجموع الکامل لتلک الشروط الحیاتیّة فی المجتمع التی تتیح للبشر؛ أفرادًا وجماعات، تحقیق ذواتهم کلّیًّا على أکمل وجه وبأوفر سهولة"[53]. ولا یتکوّن الخیر العامّ من مجرّد مجموع الخیرات الخاصّة لکلّ أحد فی الجسم الاجتماعیّ، ولأنّه للکلّ ولکلّ أحد، فهو عامّ ویبقى عامًّا، لا یتجزّأ ولا یمکن بلوغه وإنماؤه والمحافظة علیه، الآن وفی المستقبل؛ إلاّ سویّة. وکما إنّ الفعل الأخلاقیّ الفردیّ یتحقّق فی عمل الخیر؛ کذلک فإنّ الفعل الاجتماعیّ یبلغ ملأه عبر تحقیق الخیر العامّ. ویمکننا، فی الواقع، أنْ نفهم الخیر العامّ بأنّه البعد الاجتماعیّ والجماعیّ للخیر الأخلاقیّ.
فعلى المجتمع أنْ یبقى فی خدمة الإنسان، على المستویات کافّة، وأنْ یضع نصب عینیه الخیر العامّ هدفًا له الأولویّة؛ من حیث إنّه خیر یختصّ بکلّ إنسان وبالإنسان کلّه، فلا یستطیع الإنسان أنْ یحقّق ذاته بشکل إقصائیّ؛ بالاستقلال عن کونه مع الآخرین ولأجل الآخرین. وهذه الحقیقة تُلزمه بأنْ لا یحیا مجرّد عیش مشترک على مختلف مستویات الحیاة الاجتماعیّة والعلائقیّة فحسب، بل بأن یسعى دون کَلَل وراء الخیر، لا على المستوى المثالی فقط؛ بل فی الواقع العملیّ أیضًا؛ أی وراء المعنى والحقیقة الکامنَین فی أشکال الحیاة الاجتماعیّة کلّها؛ «من الأسرة، إلى المجموعة الوسیطة، مرورًا بالجمعیّة، والشرکة ذات الطابع الاقتصادیّ، والمدینة، والمنطقة، والدولة، وصولًا إلى جماعة الأمم والشعوب»[54].
ب. مسؤولیّةالجمیعحیالالخیرالعامّ:
إنّ مقتضیات الخیر العامّ تنبع من الظروف الاجتماعیّة فی کلّ حقبة، وهی مرتبطة على نحو وثیق باحترامٍ وتعزیزٍ کامل للشخص ولحقوقه الأساسیّة. وتتناول هذه المقتضیات قبل کلّ شیء التزام العمل من أجل السلام، وتنظیم سلطات الدولة، وقیام نظام قضائیّ متین، وصیانة البیئة، وتوفیر الخدمات الأساسیّة للأشخاص؛ ومنها ما هو، فی الوقت عینه، حقوقٌ للإنسان؛ کالمأکل، والمسکن، والعمل، والتربیة، وتحصیل الثقافة، والمواصلات، والصحّة، وحرّیّة تبادل المعلومات، وحمایة الحرّیّة الدینیّة. وینبغی أن لا ننسى الإسهام الواجب على کلّ أمّة فی سبیل قیام تعاون دولیّ حقیقیّ؛ لأجل الخیر العامّ المتّصل بالبشریّة جمعاء، بمن فی ذلک الأجیال الآتیة.
إنّ الخیر العامّ ملزِم لکلّ عضو فی المجتمع. لا مناص لأحد من المساهمة؛ وفقًا لإمکاناته، فی بلوغ هذا الخیر، وفی تطویره. ومن الواجب أن یُخدَم الخیر العامّ فی کلّیّته، لا فی ضوء تصوّرات اختزالیّة خاضعة لمنافع فئویّة یمکن استدرارها منه؛ بل انطلاقًا من منطق یفضی إلى تحمّل المسؤولیّات على أوسع نطاق ممکن. ولذلک، «إنّ توزیع الخیرات المخلوقة، الذی هو الیوم، کما یرى کلّ أحد، مثار اضطرابات مردّها التفاوت الهائل بین حفنة من الأثریاء وأعداد لا تحصى من المعوزین، یجب إعادة ترتیبه؛ وفقًا لمعاییر الخیر العامّ والعدالة الاجتماعیّة»[55].
ج. واجباتالجماعةالسیاسیّة:
إنّ مسؤولیّة نشدان الخیر العامّ لا تقع على الأفراد فحسب، بل على الدولة أیضًا؛ لأنّ الخیر العامّ هو مبرِّر وجود السلطة السیاسیّة[56]. وفی الواقع، فإنّ من واجب الدولة أنْ تضمن تماسک المجتمع المدنیّ ووحدته وانتظامه[57]؛ بصفتها تعبیرًا عن هذا المجتمع، فتُتیح بذلک لجمیع المواطنین أنْ یُسهموا فی نشدان الخیر العامّ. ولیس فی وسع الفرد، أو الأسرة، أو الهیئات الوسیطة، أنْ یبلغوا ملء تنمیة ذاتهم بذاتهم. ومن هنا، تکمن ضرورة وجود مؤسّسات سیاسیّة تجد غایتها فی توفیر الخیرات الضروریّة للأشخاص -المادّیّة، والثقافیّة، والأخلاقیّة، والروحیّة، وغیرها-؛ کی یسلکوا سیرة إنسانیّة حقّة. فالهدف من الحیاة الاجتماعیّة هو الخیر العامّ القابل للتحقیق تاریخیًّا[58].
ومن أجل ضمان الخیر العامّ، تقع على حکومة کلّ بلد مهمّة المناغمة العادلة بین مختلف المصالح القطاعیّة[59].
إنّ التوفیق بعدلٍ فی ما بین المصالح الخاصّة للجماعات وللأفراد هو من أکثر مهام السلطة العامّة دقّة. وإلى ذلک، ینبغی أن لا یفوتنا أنّ الذین یضطّلعون بمسؤولیّة الحکم فی الدولة الدیموقراطیّة، حیث تتّخذ القرارات عادة بأکثریّة ممثلی الإرادة الشعبیّة، ملزمون بترجمة الخیر العامّ فی بلدهم، لا استنادًا إلى توجیهات الأکثریة فحسب؛ بل بالنظر إلى الخیر الفعلیّ لجمیع أعضاء الجماعة المدنیّة، بمن فیهم أولئک الذین هم فی وضع الأقلّیّة.
إنّ خیر المجتمع العامّ لیس غایة فی حدّ ذاته؛ فهو لا یجد قیمته إلاّ إذا استند إلى نشدان غایات الشخص الأخیرة، وإلى الخیر العامّ العمیم للخلیقة جمعاء. فالله هو الغایة الأخیرة لمخلوقاته، ولا یجوز، فی أیّ حال، حرمان الخیر العامّ من بعده العلویّ (السماویّ)، الذی یتخطّى بعده التاریخیّ على الرغم من أنّه یتمّمه. إنّ نظرة محض تاریخیّة ومادّیّة سینتهی بها الأمر إلى تحویل الخیر العامّ إلى مجرّد رفاه اجتماعیّ اقتصادیّ یفتقد کلّ غائیّةٍ سماویّة؛ أی مبرّر وجوده الأبعد غورًا[60].
4. مبدأ مآل الخیراتالعمیم[61]:
أ. أصلهومعناه:
من بین مستلزمات الخیر العامّ المتعدّدة، یکتسب مبدأ مآل الخیرات العمیم أهمّیّة بدیهیّة: «لقد أعدّ الله الأرض وکلّ ما تحویه لأجل کلّ البشر وکلّ الشعوب؛ بحیث یتقاسم الجمیع خیرات الخلیقة بإنصاف؛ وفقًا لسنّة العدالة المتلازمة مع المحبّة»[62]. ویرتکز هذا المبدأ على أنّ «الأصل الأوّل لکلّ خیر هو فعل الله ذاته الذی خلق الأرض والإنسان، ووهب الأرض للإنسان؛ کی یُخضعها بعمله ویتمتّع بثمارها )راجع تک1، 28-29). لقد أعطى الله الأرض لمجمل الجنس البشریّ؛ کی یعتاش منها کلّ أعضائه، دون إقصاء أو امتیاز لأحد. ههنا أصل المآل العمیم لخیرات الأرض. إنّ الأرض، بحکم خصبها وقدراتها على تلبیة حاجات الإنسان، هی عطیّة الله الأولى لاعتیاش البشر»[63]. فالإنسان غیر قادر على الاستغناء عن الخیرات المادّیّة التی تسدّ حاجاته الأوّلیّة وتشکّل أسباب عیشه الأساسیّة. ولا بدّ له من هذه الخیرات؛ لیقتات وینمو، ویتّصل بالآخرین، وینتظم معهم، ویتمکّن من تحقیق أسمى الغایات المدعوّ إلیها[64].
إنّ مبدأ المآل العمیم لخیرات الأرض هو فی أساس الحقّ العمیم فی الانتفاع من الخیرات. لکلّ إنسان أنْ یستطیع التمتّع بالرفاه اللاّزم لتنمیة ذاته فی ملئها. ومبدأ الانتفاع العامّ من الخیرات هو «المبدأ الأوّل فی النظام الأخلاقیّ الاجتماعیّ ککلّ»[65]، وهو مبدأ ممیّز فی تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ؛ ولهذا السبب فقد رأت الکنیسة من الضرورة أن تبیّن طبیعته ومیزاته. والأمر ههنا یتعلّق، قبل کلّ شیء، بحقّ طبیعیّ، مدوّن فی طبیعة الإنسان، ولیس بمجرّد حقّ وضعیّ مرتبط بالعوارض التاریخیّة. ولذا، فإنّ هذا الحقّ «بدئیّ»[66]؛ أی إنّه ملازم للإنسان، لکلّ إنسان، وهو أولویّ إزاء أیّ تدخّل بشریّ یمسّ الخیرات، وإزاء أیّ نظام قانونیّ یشملها، وإزاء أیّ نهج ونظام اقتصادیّ واجتماعیّ.
إنّ جمیع الحقوق الأخرى، مهما کانت، بما فی ذلک حقّا التملّک والتّجارة الحرّة، خاضعة له؛ ویجب أن لا تعیق تحقّقه، بل علیها -بالعکس- أنْ تیسِّره، ومن الواجب الاجتماعیّ الخطیر والملحّ أَنْ تُرَدّ هذه الحقوق إلى غایتها الأولى[67].
إنّ مبدأ مآل الخیرات العمیم هو دعوة إلى تطویر رؤیة اقتصادیّة تستلهم القیم الأخلاقیّة التی تتیح للبشر أن لا یَغفلوا عن أصل الخیرات، ولا عن غایتها، فیحقّقون بذلک عالمًا عادلًا ومتضامنًا، حیث یمکن لتکوین الثروة أنْ یؤدّی وظیفة إیجابیّة[68]. والثروة، بالفعل، تتمتّع بهذه القیمة الإیجابیّة من خلال تنوّع الأشکال التی یمکن أن تعبّر عنها؛ بوصفها حاصلًا لعملیّة إنتاج تستثمر الموارد المتاحة، الطبیعیة منها والمشتقّة، استثمارًا تقنیًّا واقتصادیًّا تسیِّره قوّة الإبداع، والقدرة على التخطیط، وعمل الإنسان، وتوظَّف وسیلةً مجدیةً لتعزیز رفاه البشر والشعوب والتصدّی لإقصائهم واستغلالهم.
ب.مآلالخیراتالعمیموالملکیّةالخاصّة:
یتوصّل الإنسان، بواسطة العمل واستخدام عقله، إلى إخضاع الأرض وجعلها مسکنًا یلیق به. وبهذا یستحوذ على قسمٍ من الأرض؛ هو ذاک الذی حازه بعمله، وههنا أصل الملکیّة الفردیّة. إنّ الملکیّة الخاصّة وسائر أشکال الحیازة الخاصّة للخیرات تؤمّن لکلّ أحد حیّزًا لا غنًى عنه من الاستقلالیّة الشخصیّة والعائلیّة، وینبغی اعتبارها بمثابة امتداد للحرّیّة الإنسانیّة[69]. وأخیرًا، فإنّها تکوّن أحد مستلزمات الحرّیّات المدنیّة عبر تحفیزها على أداء الواجب وتحمّل المسؤولیّة. والملکیّة الخاصّة هی عنصر أساس فی قیام سیاسة اقتصادیّة عادلة تکون فی حقیقتها اجتماعیّة ودیموقراطیّة، کما إنّها ضمانة لنظام اجتماعیّ عادل. ویقضی تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ بأن یکون تملّک الخیرات متاحًا للجمیع على قدم المساواة، بحیث یکون فی مقدور الجمیع، إلى حدّ ما على الأقلّ، أن یصبحوا مالکین، وأن یُقصى اللجوء إلى أشکال من السیطرة الجماعیّة والعشوائیّة.
لم یعترف التقلید المسیحیّ أبدًا بالحقّ فی الملکیّة الخاصّة؛ کحقّ مطلق لا یُمسّ. على العکس، لقد فهمه دومًا ضمن إطار أوسع؛ مفاده: الحقّ المشترک للجمیع فی الانتفاع من خیرات الخلیقة کلّها. إنّ الحقّ فی الملکیّة الخاصّة خاضع للحقّ فی الانتفاع العامّ، لمآل الخیرات العمیم. ویؤکّد مبدأ مآل الخیرات العمیم فی الآن نفسه على ملء السیادة الإلهیّة ودوامها على کلّ موجود، والواجب بأنْ تبقى خیرات الخلیقة معَدّة لترقّی کلّ إنسان والبشریّة جمعاء. ولا یتعارض مبدأ کهذا مع حقّ الملکیّة؛ لکنّه یشیر إلى ضرورة تنظیمه. فالملکیّة الخاصّة، أیًّا تکنْ الأشکال العملیّة لأنظمة الحکم والمعاییر القانونیّة المتّصلة بها، لیست فی جوهرها سوى وسیلة لاحترام مبدإ مآل الخیرات العمیم، وهی من ثمّ، فی الخلاصة، مجرّد واسطة لا غایة[70].
إنّ تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ یحثّ على الاعتراف بالوظیفة الاجتماعیّة لکلّ شکل من أشکال التملّک الخاصّ، مع الرجوع الواضح إلى مقتضیات الخیر العامّ التی لا مفرّ منها[71]، فلا یجوز للإنسان أبدًا أنْ یعدّ الأشیاء التی یمتلکها شرعًا مقتنیات خاصّة به وحده،؛ بل علیه أنْ یعتبرها -أیضًا- مشترکة؛ بمعنى أنْ یکون فی وسعها العودة بالنفع، لا علیه وحده فحسب، بل على الآخرین[72].
ج. المآلالعمیمللخیراتوخیارالأفضلیّةللفقراء:
إنّ مبدأ المآل العمیم للخیرات یستلزم الاعتناء على نحو خاصّ بالفقراء والمهمّشین، وفی کلّ الأحوال بهؤلاء الذین تحول ظروفهم المعیشیّة دون نموّهم المناسب. وفی هذا الصدد، فمن الواجب إعادة التأکید على خیار الأفضلیّة للفقراء بکلّ ما له من قوّة. وهذا الخیار هو شکل خاصّ من أشکال الأولویّة فی ممارسة المحبّة المسیحیّة؛ کما یشهد علیها تقلید الکنیسة برمّته. إنّها تعنی کلّ مسیحیّ فی حیاته، وفی نمط عیشه، وعلى القرارات المتناسقة التی یتعیّن علیه اتّخاذها فی شأن ملکیّة الخیرات والانتفاع منها[73].
إنّ محبّة الکنیسة للفقراء مستلهمة من إنجیل التطویبات، ومن فقر یسوع، ومن حدبه على الفقراء. وهذه المحبّة تتناول الفقر المادّیّ؛ کما العدید من أشکال الفقر الثقافیّ والدینیّ. وإذ تستلهم الکنیسة الوصیّة الإنجیلیّة: «مجّانًا أخذتم، فمجّانًا أعطوا» (متّى 10/8)، فإنّها تعلّم على إغاثة الفقیر؛ وفقًا لحاجاته المتعدّدة. إلّا أنّ ممارسة المحبّة لا تقتصر على الصدقة، بل تتضمّن الاعتناء بالبعد الاجتماعیّ والسیاسیّ لمشکلة الفقر. ویستعید تعلیم الکنیسة على الدوام الرابط بین المحبّة والعدالة: «عندما نؤدّی للفقراء الضروریّات، لا نکون قد أدّینا لهم هبات شخصیّة، بل نکون قد أعدنا لهم ما هو لهم. فنحن بذلک، أبعد من أداء عمل محبّة، نقوم بالواجب من باب العدالة»[74]. ویوصی الآباء المجمعیّون على نحو شدید بأداء هذا الواجب؛ لأنّ ما سبق للعدالة أن استوجبته لا یجوز وهبه؛ بصفته عطیّة محبّة[75].
5. مبدأ المساندة[76] (الإمدادیّة أو الدعم) (subsidarité):
أ. أصلهومعناه:
إنّ المساندة هی من أکثر إرشادات الکنیسة ثباتًا وتمیّزًا فی تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ. فمن المستحیل تعزیز کرامة الشخص ما لم یتمّ الاهتمام بکلّ شکل من أشکال الهیئات الوسیطة بینه وبین المجتمع بکلّ روافده؛ ابتداء من الأسرة، فالجماعات، والجمعیات، والوقائع المناطقیّة المحلّیّة، وبکلّ نوع من أنواع الجمعیّات ذات الطابع الاقتصادیّ، والاجتماعیّ، والثقافیّ، والریاضیّ، والترفیهیّ، والمهنیّ، والسیاسیّ، التی یستنبطها البشر، وتتیح نموّهم الاجتماعیّ فعلیًّا.
إنّ مقتضى حمایة الأشکال الأصلیّة للاجتماعیّة (socialité) وتعزیزها یجعل من المساندة مبدًا جلیلَ الأهمّیّة فی فلسفة الکنیسة الاجتماعیّة. وهو یرمی إلى التنبّه لما یلی: تمامًا کما إنّ من الخطإ الجسیم تجریدَ الأشخاص[77]؛ بما قد یستطیعون تحقیقَه بحرّیّتهم وإمکاناتهم الخاصّة، وإیکاله للجماعة، کذلک فإنّها لَظلامة،ٌ وفی الوقت عینه لآفةٌ وخیمةٌ ولَتشویشٌ للنظام الاجتماعیّ السلیم، أن یوکَلَ إلى مجموعةٍ أوسعَ وأعلى مقامًا ما تستطیع مجموعاتٌ أصغرُ وأدنى أن تؤدّیه بنجاح. إنّ الهدف الطبیعی لأیّ تدخل فی الشأن الاجتماعیّ، هو توفیرُ السند لأعضاء الجسم الاجتماعیّ، لا إفناؤهم أو ابتلاعهم. وعلى أساس هذا المبدإ، یصبح من واجب جمیع المجموعات العلیا أخذُ وضعیّة المساندة[78] بالنسبة إلى المجموعات الدنیا. وبهذا تستطیع الأجسام الاجتماعیّة الوسیطة أن تؤدّی على نحو مناسب ما یعود لها من وظائف، من دون أن تُجبَر على التنازل عنها جورًا لمجموعات اجتماعیّة أعلى مرتبة، بحیث یؤول الأمر إلى ابتلاعها والاستعاضة عنها، وفی الأخیر، إلى إنکار کرامتها ومداها الحیویّ[79]. إنّ المساندة بمعناها الإیجابیّ؛ أی بمعنى المساعدة الاقتصادیّة والمؤسّسیّة والتشریعیّة المقدّمة إلى الکیانات الاجتماعیّة الأصغر، تستدعی فی المقابل سلسلة من المترتّبات بالمعنى السلبیّ، التی تُلزم الدولة بالامتناع عن کلّ ما من شأنه تقلیص المدى الحیویّ لخلایا المجتمع الأساسیّة الصغرى. فمن غیر الجائز أبدًا القیام مقامها فی أخذ مبادرتها وممارسة حرّیّتها ومسؤولیّتها.
ب. إرشاداتعملیّة:
یشکّل مبدأ المساندة وقایة للأشخاص من تجاوزات الهیئات الاجتماعیّة العلیا، ویحضّ هذه الأخیرة على إعانة الأفراد والأجسام الوسیطة على تنمیة وظائفهم. وهذا المبدأ إلزامیّ؛ لأنّ کلّ إنسان، وکلّ أسرة، وکلّ جسم وسیط، لدیه شیء فرید معیّن یقدّمه للجماعة. وقد أثبتت التجربة أنّ إنکار المساندة أو تقییدها باسم تعمیم دیموقراطیّ مزعوم، أو باسم مساواة شاملة فی المجتمع، یقلّص، لا بل یفنی روح المبادرة والحرّیّة.
ویتعارض مبدأ المساندة مع بعض أشکال المرکزیّة، والبیروقراطیّة، والإعاشة الاجتماعیّة المنظّمة، والحضور الطاغی وغیر المبرّر للدولة فی الآلیّات العامّة. فدولة الإعاشة الاجتماعیّة تفضی، عبر تدخّلها المباشر وحرمانها المجتمع من الاضطلاع بمسؤولیّته، إلى تبدید طاقات بشریّة، وإلى تفاقم عشوائیّ للدوائر الرسمیّة، الخاضعة لأنماط تفکیر بیروقراطیّة أکثر من همّ خدمة مرتفقیها، مع ما یواکب ذلک من تضخّم هائل فی النفقات.
إنّ غیاب الاعتراف بالمبادرة الفردیّة أو الانتقاص منه، على الصعید الاقتصادیّ أیضًا، والإخلاف بإقرار دورها فی النطاق العامّ، یساهمان فی تقویض مبدإ المساندة؛ شأنهما فی ذلک شأن الاحتکارات.
ویکمن ما یتوافق مع وضع مبدإ المساندة موضع التطبیق فی ما یلی: احترام أولویّة الشخص والأسرة وتعزیزهما من خلال: الإبراز المضّطرد، لدى الجمعیّات والمنظّمات الوسیطة، لأهمّیّة خیاراتها الرئیسة ولکلّ ما فیها من مقوّمات لا یمکن تجییرها لآخرین أو ممارستها على ید آخرین، وتشجیع المبادرة الفردیّة؛ بحیث یبقى کلّ کیان اجتماعیّ، ضمن خصوصیّته، فی خدمة الخیر العامّ، وقیام التعدّدیة فی المجتمع وتمثیل قواه الحیّة تمثیلًا وافیًا، وصون حقوق الإنسان والأقلّیّات، واللاّمرکزیّة البیروقراطیّة والإداریّة، والتوازن بین النطاق العامّ والنطاق الخاصّ، مع ما یتبعه من إقرار بالوظیفة الاجتماعیّة للحیّز الخاصّ، واعتماد وسائل مناسبة لحمل المواطنین على تحمّل مسؤولیّاتهم؛ بوصفهم شرکاء فاعلین فی الواقع السیاسیّ والاجتماعیّ لبلدانهم[80].
وثمّة ظروف شتّى قد تجعل من المستحسن أن تضطلع الدولة بدور استدراکیّ؛ کما فی الحالات التی یصبح معها ضروریًّا أن تحفّز الدولة الاقتصاد بسبب عجز المجتمع المدنیّ عن الاضطلاع بهذه المبادرة من تلقاء نفسه؛ وکما فی حالات الغبن الاجتماعیّ والاختلال الفاضح فی التوازن،و التی لا یمکن رفعها إلاّ بتدخّل من السلطات العامّة، بما یوفّر قیام مساواة أکبر وعدالة وسلام. لکنْ، وفی ضوء مبدإ المساندة، لا یجوز لهذا الاستدراک المؤسّسیّ أن یطول أو أن یتّسع إلى ما هو أبعد من الضروریّ فقط؛ لأنّ مبرّر قیامه مستمدٌّ حصرًا من استثنائیّة الوضع. وفی مطلق الأحوال، فإنّ ما یجب أن یبقى المعیار الفصل لاتّخاذ القرارات المتعلّقة بتطبیق مبدإ المساندة هو الخیر العامّ فی مفهومه الصحیح، ذاک الذی لا یمکن أن تتعارض مقتضیاته، فی أیّ حال من الأحوال، مع الدفاع عن أولویّة الشخص وتعزیزها والأشکال الرئیسة لتجسیدهما فی المجتمع[81].
6. مبدأ المشارکة[82]:
أ. أصلهاومعناها:
النتیجة الممیّزة للمساندة هی المشارکة، التی تتجسّد، بشکل أساس، فی سلسلة من النشاطات یساهم من خلالها المواطن؛ فرادیًا أو بالاشتراک مع الآخرین، مباشرة أو عبر ممثّلیه، فی الحیاة الثقافیّة والاقتصادیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة للجماعة المدنیّة التی ینتمی إلیها.
إنّ العدالة الحقیقیّة ترتّب ممارسة واجب المشارکة على الجمیع، بشکل واعٍ ومسؤول وبهدف الخیر العامّ. ولا یجوز تقیید المشارکة أو حصرها فی ناحیة محدّدة من الحیاة الاجتماعیّة؛ وذلک نظرًا إلى أهمّیّتها بالنسبة إلى النموّ الإنسانیّ فی شتّى المیادین، ومنها: دنیا العمل والنشاطات الاقتصادیّة، ولاسیّما فی دینامیّاتها الداخلیّة، وحقلَی الإعلام والثقافة، وبدرجة قصوى على صعید الحیاة الاجتماعیّة والسیاسیّة على أرفع المستویات، تلک التی یتوقّف علیها التعاون بین جمیع الشعوب من أجل بناء أسرة دولیّة متضامنة. فی منظور کهذا، یصبح من أشدّ الضرورة تعزیز المشارکة، ولاسیّما لدى الفئات الأکثر حرمانًا، وتداول السلطة السیاسیّة؛ منعًا لنشوء امتیازات غامضة. وکذلک، لا بدّ من وجود انشداد أخلاقیّ متین لتغدو سیاسة الحیاة العامّة ثمرة المسؤولیّة المشترکة لکلّ أحد إزاء الخیر العامّ.
ب. المشارکةالدیموقراطیة شرط من شروط العدالة:
إنّ المشارکة فی الحیاة الجماعیّة لیست أحد أکبر تطلّعات المواطن المدعو إلى ممارسة دوره المواطنیّ بحرّیّة ومسؤولیّة مع الآخرین ولأجلهم فحسب، بل هی أحد أعمدة المؤسّسات الدیموقراطیّة جمیعًا، وإحدى أفضل الضمانات لدیمومة الدیموقراطیّة. وفی الواقع، فإنّ الحکم الدیموقراطیّ یتحدّد أوّلًا بأنّه تفویض من الشعب للاضطلاع بسلطات ووظائف تُمارَس باسمه ولحسابه ولمصلحته. فمن البدیهی -إذًا- أنّ على کلّ دیموقراطیة أنْ تکون تشارکیّة. وهذا یعنی أنّ جمیع أعضاء الجماعة المدنیّة على اختلاف طبقاتهم ینبغی إعلامُهم، والإصغاءُ إلیهم، وإشراکُهم فی ممارسة الوظائف الملقاة على عاتق الجماعة.
ویمکن تحقیق المشارکة فی جمیع العلاقات الممکنة بین المواطن والمؤسّسات. ومن أجل ذلک، یجب التنبّه بنوع خاصّ إلى الأطر التاریخیّة والاجتماعیّة التی تؤول فی الحقیقة إلى تحقّق المشارکة.
إنّ تخطّی العوائق الثقافیّة والقانونیّة والاجتماعیّة التی غالبًا ما تقف حائلًا حقیقیًّا أمام المشارکة التضامنیّة للمواطنین فی مصیر جماعتهم، یستدعی عملًا إعلامیًّا وتربویًا. وبهذا المعنى، فإنّ کلّ سلوک یحضّ المواطن على أشکال ناقصة أو خاطئة من المشارکة، وعلى اللاّمبالاة المتفشّیة إزاء کلّ ما یتّصل بالحیاة العامّة على الصعیدین الاجتماعیّ والسیاسیّ، هو مدعاة للقلق. فمن ذلک مثلًا: سعی المواطنین إلى إقامة صفقات مع المؤسّسات؛ بغیة الحصول على شروط مناسبة لهم، وکأنّ هذه المؤسّسات هی فی خدمة مصالحهم الأنانیّة، أو فی عادة تقلیص المشارکة فی العملیّة الانتخابیّة؛ وصولًا إلى الإحجام الکلّیّ عن التصویت فی حالات عدّة. وعلى صعید المشارکة، ثمّة مبعث آخر للقلق، مصدره الدول ذات الأنظمة التوتالیتاریّة أو الدیکتاتوریّة، حیث یکون الحقّ الأساس فی المشارکة فی الحیاة العامّة مرفوضًا من أساسه على اعتبار أنّه یشکّل تهدیدًا للدولة ذاتها. کما إنّ ثمّة دولًا لا وجود فیها لهذا الحقّ إلاّ شکلًا، من دون ممارسة فعلیّة له، وأخرى یُنکِر فیها انتفاخُ الجهاز الإداریّ على المواطن إمکانیّة التقدّم عملیًّا للعب دور حقیقیّ على مسرح الحیاة الاجتماعیّة والسیاسیّة.
7. مبدأ التضامن[83]:
أ. معناهوقیمته:
یُبرز التضامن على نحو ممیَّز الحسَّ الاجتماعیّ القائم فی جوهر الشخص الإنسانیّ، وتساویَ کلِّ أحد فی الکرامة والحقوق، والمسیرةَ المشترکة بین البشر والشعوب نحو وحدة تزداد یقینًا باضطراد. ولم یصدف قط فی الماضی أن انتشر الوعی لعروة التعالق بین البشر والشعوب، الواضحة على کلّ الأصعدة؛ کما فی انتشاره الیوم.
إنّ الازدیاد الشدید المتسارع فی الطرق والوسائل التی تتیح الاتّصال فی اللحظة عینها؛ کتلک التی تقدّمها التکنولوجیا التیلیماتیّة، وکذلک الفتوحات الهائلة فی المعلوماتیّة، وازدیاد حجم التبادل فی السلع والمعارف، تشهد على أنّه بات من الممکن، للمرّة الأولى منذ فجر التاریخ البشریّ، أن تقوم، على الأقلّ تقنیًّا، روابط بین أشخاص تفصل بینهم مسافات شاسعة أو یجهل بعضهم بعضًا. وفی المقابل، ما زال هناک تفاوت شدید فی العالم أجمع بین البلدان المتطوّرة والبلدان النامیة مع مثول ظاهرة التعالق وتوسّعها المضطرد، وهو تفاوت تغذّیه -أیضًا- شتّى أنواع الاستغلال والقمع والفساد التی تؤثّر تأثیرًا سلبیًّا على الحیاة الوطنیّة والدولیّة فی بلدان عدّة. ومن الواجب أن یترافق تسارع عملیّة التعالق بین الأشخاص والشعوب مع تکثیف مماثل للالتزام على المستوى المناقبیّ الاجتماعیّ؛ وذلک من أجل تفعیل الحیثیّات العادلة، وتجنّب النتائج الوخیمة التی یجرّها قیام حالة من الظلم على مدّ الکوکب الأرضیّ، وهی حالة ستنعکس بشکل سلبیّ للغایة، حتّى على البلدان الأکثر تطوّرًا فی الوقت الحاضر[84].
ب. التضامنمبدًااجتماعیًّاوفضیلةًأخلاقیّةً:
إنّ علاقات الترابط الجدیدة بین البشر والشعوب، التی تمثّل فی الواقع أشکالًا من التضامن، یجب أن تتحوّل إلى علاقات تتوق إلى تضامن حقیقیّ على الصعید المناقبیّ-الاجتماعیّ، وهذا مقتضى أخلاقیّ یقع فی صمیم العلاقات البشریّة کلّها. وعلیه، فإنّ التضامن یتبدّى فی جانبین متکاملین؛ هما: جانب المبدإ الاجتماعیّ، وجانب الفضیلة الأخلاقیّة. ومن الواجب أن نعی فی التضامن، قبل کلّ شیء، قیمته؛ بوصفه مبدًا اجتماعیًّا ضابطًا للمؤسّسات یقضی بوجوب تخطّی بنى الخطیئة التی تهیمن على العلاقات بین البشر والشعوب، وبوجوب تحویلِها إلى بنى تضامن عبر إیجاد قوانین، وأنظمة سوق، ومؤسّسات، أو تعدیلها تعدیلًا موافقًا. والتضامن هو -أیضًا- فضیلة أخلاقیّة حقیقیّة فی حدّ ذاتها، ولیس شعورًا من الشفقة الغامضة أو التخمین السطحیّ إزاء الویلات التی یقاسیها الناس تلو الناس من الأقربین أو الأبعدین، بل على العکس؛ إنّه التصمیم الراسخ والمثابر على العمل من أجل الخیر العامّ؛ أی من أجل خیر الکلّ وکلّ أحد؛ لأنّنا کلّنا مسؤولون حقًّا عن الکلّ. ویرتقی التضامن إلى مصاف الفضیلة الاجتماعیّة الجوهریّة؛ لأنّه یقع فی مدى العدالة[85]؛ الفضیلة المسدّدة بامتیاز نحو الخیر العامّ، وفی نطاق الالتزام ببذل الذات من أجل خیر القریب، فی استعداد دائم للتضحیة بالذات، بالمعنى الإنجیلی للّفظة، فی سبیل الآخر عوض استغلاله، ولخدمته عوض اضطهاده لمصلحة ذاتیّة[86].
ج. التضامنونموّالبشرالمشترک:
إنّ رسالة تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ فی شأن التضامن تُبرز بجلاء أنّ ثمّة عروة وثیقة بین التضامن والخیر العامّ، وبین التضامن والمآل العمیم للخیرات، وبین التضامن وتساوی البشر والشعوب، وبین التضامن والسلام فی العالم. فلفظة التضامن، التی تستفیض سلطة التعلیم فی استعمالها، هی بمثابة خلاصة للمقتضى القائل بإقرار فسحة للحرّیّة الإنسانیّة فی مجموع العلاقات التی توحّد البشر والمجموعات الاجتماعیّة بعضها ببعض؛ وذلک من أجل النموّ المشترک الذی یتشاطره الجمیع. وترجمة الالتزام بهذا الهدف تتمّ عبر عدم الإخلال بتقدیم إسهام إیجابیّ لصالح القضیّة العامّة، ومن خلال البحث عن نقاط تفاهم ممکنة حتّى عندما یکون منطق التشرذم والتفرقة سائدًا؛ وذلک فی استعداد لبذل الذات فی سبیل خیر الآخر، من دون اعتبار لأیّ فردیّة وخصوصیّة[87].
إنّ مبدأ التضامن یستلزم من الناس فی زماننا أن یزدادوا وعیًا للدَّیْن المترتّب علیهم إزاء المجتمع الذی یندرجون فیه؛ فهم مدینون بتوفیر ظروف تجعل الحیاة البشریّة قادرة على البقاء، وکذلک ببناء تراث لا یقبل التجزئة ولا یُستغنى عنه؛ قوامه: الثقافة، والمعرفة العلمیّة والتقنیّة، والخیرات المادّیّة وغیر المادّیّة، وکلّ ما أنتجته المغامرة البشریّة. إنّ دَیْنًا کهذا یجب إیفاؤه فی شتّى تجلّیات العمل الاجتماعیّ، فلا تنقطع مسیرة البشر؛ بل تبقى مفتوحة للأجیال الحاضرة والآتیة، وکلّهم مدعوّون معًا إلى تشاطر الهبة إیّاها بروح التضامن[88].
د. التضامنفیحیاةیسوعالمسیحورسالته:
الذروة التی ما بعدها ذروة فی المنظور الذی أشرنا إلیه ههنا هی حیاة یسوع الناصریّ؛ الإنسان الجدید، المتضامن مع البشریّة، ففیه یمکن دومًا أن نتبیّن الآیة الحیّة لحبّ العمانوئیل، العلوانیّ والفائق القیاس، الذی یأخذ على عاتقه أسقام شعبه، ویسیر معه، ویخلّصه، ویُنشِئُه فی الوحدة. وفیه وبفضله یمکن -أیضًا- إعادة اکتشاف الحیاة الاجتماعیّة، على الرغم من کلّ تناقضاتها والتباساتها، محلًا للحیاة والرجاء، وآیةً لنعمة موهوبة للجمیع على الدوام، نعمة تستدعی منّا أرفع أشکال المشاطرة وأکثرها إلزامًا. فی یسوع الناصریّ یسطع الرابط بین التضامن والمحبّة أمام أعین البشر جمیعًا، متجلّیًا بکلّ معناه؛ ففی ضوء الإیمان، یتوق التضامن إلى تخطّی ذاته، وإلى اتّخاذ أبعاد المجّانیّة التامّة، المسیحیّة تخصیصًا، والمغفرة والمصالحة. وبهذا لا یعود القریب، على وجه الحصر، کائنًا بشریًّا یتمتّع بحقوق ومساواة جوهریّة مع الآخرین، بل یصبح الصورة الحیّة لله الأب، المفتداة بدم المسیح، ومحطّ العمل الدائم للروح القدس. واجبنا إذًا هو أن نحبّه، ولو کان عدوًّا، حبًّا هو من حبّ السیّد له، وأن نکون مستعدین للتضحیة؛ بل للتضحیة القصوى فی سبیله: "أن نبذل النفس فی سبیل إخوتنا" (1یو3: 16).
العدالة حاجة إنسانیّة؛ لأن الإنسان لا یستطیع تحقیق ذاته وتحقیق دعوته، ببعدها الشخصیّ، من دون صون حقوقه الأساسیّة، ولاسیّما:
- حقّ الحیاة؛ بما فیه حقّ النموّ فی أحشاء الأم بعد الحمل به.
- حقّ الحیاة فی کنف عائلة موحّدة وفی إطار أخلاقیّ مناسب لنموّ شخصیّته.
- حقّ تنمیة ذکائه، وازدهار حرّیّته عبر البحث عن الحقیقة ومعرفتها.
- حقّ المشارکة فی العمل، وفی تثمیر خیرات الأرض، وتأمین ما یسمح له ولذویه العیش الکریم.
- حقّ تأسیس عائلة بشکل حرّ، واستقبال الأطفال وتربیتهم؛ وذلک عبر عیش حیاته الجنسیّة بطریقة مسؤولة.
- حقّ الحرّیّة الدینیّة، على أنّه حقّ کلّ إنسان بأنْ یعیش حسب حقیقة إیمانه وبما یتلاءم مع کرامة شخصه السامیة.
إنّ العدالة حاجة اجتماعیّة؛ لأنّ الإنسان بطبیعته کائن اجتماعیّ، وبالتالی على الجماعة الإنسانیّة، بکلّ دوائرها وعلى جمیع مستویاتها، واجب تأمین البیئة الروحیّة والذهنیّة والحقوقیّة والاقتصادیّة والسیاسیّة المناسبة لصون کرامته وحقوقه وتعزیزها. کما على الشخص واجب المساهمة الفاعلة فی بنیان هذه البیئة المشترکة بکلّ أبعادها. ولذلک لا بدّ من تعزیز المبادئ التی عرضناها آنفًا؛ إنْ ببعدها المعرفیّ، وإنْ ببعدها التطبیقیّ، عند کلّ الفئات المکوّنة للمجتمع البشری، وفی کلّ المیادین الحیاتیّة دون استثناء. وهذه المبادئ هی:
- مبدأ الاحترام غیر المشروط لکرامة الشخص البشریّ.
- مبدأ احترام الخیر العام وتعزیزه.
- مبدأ الاعتراف بمآل الخیرات العمیم.
- مبادئ المساندة والمشارکة والتضامن.
[1] بروفسور مشارک فی جامعة القدیس یوسف، ومدیر المعهد العالی للعلوم الدینیّة، من لبنان.
[2] انظر: التعلیم المسیحیّ للکنیسة الکاثولیکیّة (Catechismus Catholicae Eclesiae)، ع 1807.
[3] انظر: الکاتب نفسه: الدین ونظام القیم (مقاربة لاهوتیّة أخلاقیّة)، ندوة بعنوان "الدین فی التصوّرات الإسلامیّة المسیحیّة"، بیروت، معهد المعارف الحکمیّة، تموز 2005م.
[4] للتوسّع ببنیة علم الأخلاق بشکل عام، انظر: الکاتب نفسه، "من أجل تربیة خیّرة فلنربّ على الخیر: فی أساسیّات علم الأخلاق"، المجلّة الکهنوتیّة، ع 2، 2011، ص 88-110
[5] Jean-Louis BRUGUES, Dictionnaire de morale catholique, C.L.D., Chambray, 1991.
[6] فی الهویّة الدینیّة والحواریّة للأخلاق المسیحیّة، انظر:
Bernard HARING, La loi du Christ (Idée-mère de la morale chrétienne): Théologie morale à l’intention des prêtres et des laïcs, Desclée & Co., 1995, p 63-92.
[7] نحن نتکلّم -هنا- على "مرحلة البلوغ"، لا لنستبعد المسؤولیّة الأخلاقیّة للأشخاص "غیر الناضجین"؛ بل لکی ندلّ على الأفق الذی باتّجاهه یجب أن یسیر کلّ فعل تربویّ جیّد أخلاقیًّا. وبالتالی، وبما أنّه لن یکون هناک أبدًا أشخاص "ناضجین بالکامل"، یبقى علم الأخلاق مسیرة معلَّمة بتمیّزات وأحکام أخلاقیّة تحمل على أفعال محدّدة، وهی بمجملها غیر قادرة على بلوغ الإنسان فی داخلیّته الذاتیّة، وبالتالی فهی غیر قادرة على الحکم علیه بجوهره. بما یختصّ بتطوّر الفاعل الأخلاقیّ، انظر: (غاندون، أندریه (André GUIDON): التطوّر الأخلاقی، باریس - أوتاوا (Paris – Otawa)؛ دیسلیه - نوفالیس (Desclée– Novalis)، 1989م، ص189).
[8] حقول تطبیق علم الأخلاق: واجبات الإنسان تجاه ذاته (حقیقة جسدیة، إدراک انعکاسیّ)؛ واجبات الإنسان تجاه الغیر (إنسان، جماعة اجتماعیة)؛ واجبات الإنسان تجاه محیطه (المجال الواسع للبیئة والواجبات التی تفرض على الکائن الحیّ ارتباطه الحیوی ببیئته الطبیعیة)؛ علم الأخلاق فی السیاسة (المسؤولیّات الأخلاقیّة للدولة)؛ علم الأخلاق فی الاقتصاد، علم الأخلاق فی الثقافة، علم الأخلاق فی الطبّ (أخلاق طبّیّة، أخلاق علم الأحیاء، طب ومجتمع)؛ علم الأخلاق فی المعلوماتیّة؛ علم الأخلاق والقانون؛ علم الأخلاق فی العلوم (تحکم البحث العلمیّ قواعد أخلاقیّة محدّدة؛ یمکن لمضاعفات محتملة لاکتشاف معیّن أن تؤدّی إلى تساؤلات)؛ علم الأخلاق فی العائلة (مسؤولیّة المجتمع تجاه العائلة، مسؤولیّة العائلة)؛ علم الأخلاق فی التربیة (مبنیٌّ على احترام المُربَّى)؛ ...
[9] تمیّز الفلسفة الشرّ الطبیعیّ أو الکیانیّ عن الشرّ الأخلاقیّ. إنّ الشرّ الکیانیّ هو الذی یدلّ، من دون الأخذ بعین الاعتبار لا النیّة ولا الظروف، على غیاب أو إهانة خیر تعتبره الحکمة ضرورة طبیعیّة للکائن المعنی (مثلًا: الرؤیة للأعمى). بینما یدلّ الشرّ الأخلاقیّ على نیّة الفاعل بالحصول على نتیجة شریرة (الشرّ الطبیعیّ) من خلال فعله (مثلًا: قلع عینیّ رهینة). الشرّ الذی یعنینا فی هذه المقالة هو الشرّ الأخلاقیّ.
[10] أو حکم ذو قیمة. فی الواقع، یجب التمییز بین حکم الواقع (الذی یحیل إلى نوع من إثبات حالة، ثمرة مراقبة أوّلیّة أو عمل مهنی معدّ) وبین الحکم التقویمیّ (هو الذی یحمل تقدیرًا نوعیًّا لحقیقة ثابتة، جمال عمل فنّی، أخلاقیّة فعل أو فاعل).
[11] من الیونانیة nomos: شریعة.
[12] أمثلة: نظام مدرسة؛ نظام صحّی فی مرکز للصحّة؛ نظام سیر؛ نظام بحث علمیّ؛ قواعد ألعاب ریاضیّة، لائحة بالجزاءات الإیجابیّة أو السلبیّة الملائمة لمجموعة نظم، ...
[13] مبدأ: بدء، أوّل، فی أصل، فی أساس، ... إنّه یدلّ عمومًا على قضیّة أولیّة مجرّدة لمنطق ما، نستخلص منها قضایا عملیّة أخرى.
[14] مثل المبادئ (الأوامر) الجازمة المصاغة من قبل کانت Kant: (أ) تصرّف دائمًا بطریقة تجعل من المبدإ العام لفعلک شاملًا. (ب) عامل الإنسانیة بشخصک وبشخص الغیر، لا بما هی مجرّد وسیلة، بل اجعلها أیضًا ودائمًا هی الغایة . المبدأ الذهبیّ: عامل الآخرین کما تتمنّى (أو تقبل) أن یعاملک الآخرون.
[15] تسمّى "فارضة" (prescriptive) کلّ شریعة تُصاغ بطریقة إیجابیة ملزمة بمعنى فرض القیام بواجب؛ مثلًا: "ما یجب فعله". وتسمّى "مانعة" (proscriptive) کلّ شریعة تُصاغ بطریقة سلبیة بمعنى الحظر؛ مثلًا: "ما لا یجب فعله أبدًا".
[16] المبادئ أو (القوانین) الإلهیّة: ما یصدر عن وحی إلهیّ معترف به من قبل مجتمع أو جماعة معینة (دینیة). المبادئ الطبیعیة: المبنیة على معرفة طبیعة الأشیاء (المعنى الضیّق لعبارة طبیعة) أو على الطبیعة العقلیّة للإنسان الذی یمکّنه من التمییز بین الخیر والشرّ (المعنى الواسع لعبارة طبیعة). المبادئ الوضعیّة (من وَضَعَ): المبنیة على المبادئ الأخرى (الإلهیّة والطبیعیّة)، وهی تتعلّق خاصّة بالتوافق الاجتماعیّ الثقافیّ "غیر المطلق" (یکفی أن نتوافق حتّى نعتبره مسلّمة للحکم الأخلاقیّ دون البحث کثیرًا لتأسیسه).
[17] نظریّة الواجبات الأدبیّة تهتمّ بما یجب أو ما لا یجب فعله، وهی ملتقى علم القیم أو "الخِلاقة"، وعلم التطبیق العملیّ (التطبیق الأدبیّ).
[18] دراسة أو نظریة (نقدیة أم لا) لأیّ مفهوم قیمیّ.
[19] لا تتّسع المساحة -هنا- لدراسة هذه الناحیة من تحدید العدالة على سلّم المقاییس الأخلاقیّة؛ بحسب مقاربتنا النقدیّة.
[20] تبقى هذه الحرّیّة وهذا الإدراک غیر مکتملین مع المحافظة على مسیرة متطوّرة نسبیًّا.
[21] تتألّف القناعات من فئات متعدّدة: دینیّة ولاهوتیّة (أدیان)، وفلسفیة (تیّارات ومدارس عقلانیة، أنسیة، ...)، وإیدیولوجیة (أحزاب سیاسیة، بدع، مجتمعات وهیئات علمیة، ...) وثقافیّة (مناطق، عصور، ...) وإثنیة، ... بالطبع، یمکن لهذه القناعات أن تحتوی على المواضیع نفسها مع تکاملها أو تباعدها بالتبادل: معنى الحیاة، ومعنى الصحّة، والکائن الإنسانیّ، والعلم، والوطن، ...
[22] ستبقى مسافة مطّاطة بین الخیار الجوهری فی ما یتعلّق بمعرفة الخیر والتقریر بالإخلاص له، من جهة، والقدرة العملیّة (العقلیّة والنفسیّة والاجتماعیّة والروحیّة) لتطبیق وتجسید هذا الخیار الجوهری، من جهةٍ أخرى، وهذا ما یشکّل الفارق بین حالة الهفوة -أو الغلطة- وحالة الخطإ، حیث تعبّر الغلطة عن عدم التوافق بین الفعل الخارجی والقیمة المبتغاة (المعترف بها ضمنیًّا والمُرادة فعلیًّا)، بینما یُعتبر الخطأ عدم التوافق بین النیّة المُرادة مباشرة (الفعل الداخلی) والقیمة التی یجب بلوغها (فی هذه الحالة تکون القیمة معروفة من قبل الفاعل لکنّها غیر مرادة). وإذا انطلقنا من افتراض أنّ القیمة هی معروفة ومعترف بها بوعی، فإنّ الخطأ یکون فی عدم الرغبة فی احترام القیمة (العجز عن إرادة الخیر)، بینما تکون الغلطة فی عدم القدرة على احترام القیمة (العجز عن تنفیذ الخیر، وذلک لأسباب عقلیّة أو نفسیّة أو اجتماعیّة أو روحیّة أو ظرفیّة، ...).
[23] تُطرح المشکلة بحدّة على المستوى العملیّ؛ فعلى المستوى النظریّ، القیمة المهدّدة والتی سوف یصعب احترامها وصونها بالفعل إنّما هی مُعترف بها من قبل الفاعل. مثلًا: فی حالة منع تلمیذ من "الکتابة" أو "الرسم" أو "الحفر" على الطاولة، هناک قیمتان فی حالة نزاع: حرّیّة التعبیر، والخیر العامّ. نظریًّا، القیمتان معروفتان طبیعیًّا من قبل المُرَبّی، ولکن عملیًّا هناک تسلسلٌ یفرض نفسه لقیادة المُرَبَّى نحو حرّیّة تعبیر حقیقیّة.
[24] یقدّم لنا إدغار موران Edgar Morin رؤیة جدیدة تتعلّق بترابطinterdépendance عناصر الحیاة (البیولوجیّة والفلکیّة والاجتماعیّة والشخصیّة والإثنیّة، ...). هذا الترابط (التلازم الداخلی) اللامتناهی التعقید، یُشار إلیه بتداخل "أنظمة أنظمة الأنظمة"، وهو ما یُسمى الیوم "الفکر المنظومیّ" (systémique): کل شیء متعلق بکل شیء، وکل شیء یتفاعل مع کل شیء. فهل یوفّر هذا الطرح المنظومات القیمیّة ؟ (انظر: موران، إدغار (Edgar Morin): الأسلوب طبیعة الطبیعة، ط1، باریس، Seuil، 1977م، ص400).
[25] تفرّق الفلسفة الکلاسیکیّة بین "فعل الإنسان" و"الفعل الإنسانیّ": الأوّل هو فعل منفّذ من قبل الإنسان، لکنّه یتشارک به مع الحیوانات وحتّى النبات: الولادة، العیش (بالمعنى البیولوجی المحض)، الهضم، النمو، ... بینما الثانی هو فعل یتعلّق أنموذجیًّا بالإنسان بوصفه إنسانًا؛ أی موهوبًا بالذاتیّة العقلیّة والحرّة. لمزید من التفاصیل، انظر: (لیونارد، إندریه (André Léonard): عمل سبق ذکره، ص 33-35). نمیّز -أیضًا- بین "فعل" و"سلوک": إنّ "السلوک" یتعلّق بالأحرى بالجانب الواضح والجسدیّ للـ"فعل"، الذی یشمل جمیع أنواع استعمال الإرادة والقرار: المداولة، الحکم، .. (انظر: مالارب، جان فرنسوا (Jean François MALHERBE): "جوهر الإنسان" لعلم أخلاق الطبّ، مجموعة "کاتالیز" (Catalyses)، ط2، بروکسل (Bruxelles)، دار نشر (Ciaco)، 1990م، ص27-45.
[26] انظر: معجم اللاهوت الکتابی، بیروت، دار المشرق، 1986م.
[27] أی رغبة المرء فی أن یتبرّر أمام الله، وفی ادّعائه أن یکون على حقّ فی مواجهته تعالى لأمرٍ یصعب تصوّره. وبدلًا من التعرّض لخطر کهذا، یخشى المرء أن یبادر الله نفسه إلى محاجّة یعرف مسبّقًا عاقبتها الوخیمة: «لا تدخل فی المحاکمة مع عبدک، فإنّه لا یبرّر أمامک أحد من الأحیاء» (مزمور 143: 2)؛ لأنّه: «إن کنت للآثام راصدًا یا ربّ... یا سید فمن یقف؟» (مزمور 130: 3 ). تقتضی الحکمة -إذًا- أن یعترف المرء بخطیئته، وأن یلوذ بالصمت، فیدع الله یعلن برّه: «فیزکو فی قضائه» ( مزمور 51: 6 ). (انظر: معجم اللاهوت الکتابی، م.س، «التبریر» و «التبریر أمام الله».
[28] Somme Théologique, II – II, q. 58, a. 5, 6, 7.
[29] Conseil Pontifical Justice et Paix, Compendium de La Doctrine Sociale de l'Eglise, Paris: Bayard / Cerf / Fleurus-Mame, 2005
سوف نذکر هذا المرجع باللغة العربیّة بنسخة ما زالت تحت الطبع: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، منشورات "عدالة ومحبّة"، مطابع الکریم، جونیة. أمّا النص العربی الوارد فهو بتصرّف مؤلّف المقالة، وأمّا مراجع الاقتباسات فهی موجودةٌ کاملة فی هذه الخلاصة، ولم نوردها فی هذا النصّ لضیق المساحة ولتحاشی التکرار، علمًا أنّ هذه الخلاصة مکوّنة بمجملها من تعالیم الکنیسة الکاثولیکیّة الواردة فی مجامعها وفی رسائل البابوات وخطاباتهم.
[30] .Cf. Saint Thomas d’Aquin, Summa theologiae, I-II, q. 6: Ed. Leon. 6, 55-63.
[31] Catéchisme de l’Église Catholique, 1807; cf. Saint Thomas d’Aquin, Summa theologiae, II-II, q. 58, - a. 1: Ed. Leon 9, 9-10.
"العدالة هی الإرادة الدائمة والثابتة لإیفاء کلّ ذی حقّ حقّه.
[32] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 201.
[33] Cf. Catéchisme de l’Église Catholique, 2411.
[34] Cf. Catéchisme de l’Église Catholique, 1928-1942, 2425-2449, 2832; Pie XI, Encycl. Divini Redemptoris: AAS 29 (1937) 92.
[35] Cf. Jean-Paul II, Encycl. Laborem exercens, 2: AAS 73 (1981) 580-583.
[36] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 202.
[37] Cf. Jean-Paul II, Encycl. Sollicitudo rei socialis, 40: AAS 80 (1988) 568; Catéchisme de l’Église Catholique, 1929.
[38] Jean-Paul II, Message pour la Journée Mondiale de la Paix 2004, 10: AAS 96 (2004) 121.
[39] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 203.
[40] Jean-Paul II, Encycl. Sollicitudo rei socialis, 39: AAS 80 (1988) 568 opus solidaritatis pax
انظر:(اش32/17)؛(یع 3/ 18).
[41] Jean-Paul II, Encycl. Sollicitudo rei socialis, 39: AAS 80 (1988) 568.
[42] Le respect inconditionnel de la dignité de la personne humaine, le respect et la promotion du bien commun ; la reconnaissance de la destination universelle des biens ; la subsidiarité, la participation et la solidarité.
[43] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س،ع 160.
[44] م.ن، ع 161.
[45] م.ن، ع 162.
[46] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 163.
[47] م.ن، ع 105-159.
[48] باخوم هانی الأب: حقوق الإنسان حسب تعلیم الکنیسة الاجتماعیّ، زینیت، 27 تموز 2012م.
[49] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 153.
[50] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 155.
[51] م.ن، ع 156.
[52] م.ن، ع 164-170.
[53] Concile OEcuménique Vatican II Const. past. Gaudium et spes, 26: AAS 58 (1966) 1046; cf. Catéchisme de l’Église Catholique, 1905-1912; Jean XXIII, Encycl. Mater et magistra: AAS 53 (1961) 417-421; Id., Encycl. Pacem in terris: AAS 55 (1963) 272-723; Paul VI, Lettre apost. Octogesima adveniens, 46: AAS 63 (1971) 433- 435.
[54] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 165.
[55] م.ن، ع 167.
[56]Cf. Catéchisme de l’Église Catholique, 1910.
[57] Cf. Concile OEcuménique Vatican II, Const. past. Gaudium et spes, 74: AAS 58 (1966) 1095-1097; Jean-Paul II, Encycl. Redemptor hominis, 17: AAS 71 (1979) 295-300.
[58] Cf. Léon XIII, Encycl. Rerum novarum: Acta Leonis XIII, 11 (1892) 133-135; Pie XII, Radio-message pour le 50ème anniversaire de l’encyclique «Rerum novarum»: AAS 33 (1941) 200.
[59] Cf. Catéchisme de l’Église Catholique, 1908.
[60] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 170.
[61] م.ن، ع 171-184.
[62] Concile OEcuménique Vatican II, Const. past. Gaudium et spes, 69: AAS 58 (1966) 1090.
[63] Jean-Paul II, Encycl. Centesimus annus, 31: AAS 83 (1991) 831.
[64] Cf. Pie XII, Radio-message pour le 50ème anniversaire de l’encyclique «Rerum novarum»: AAS 33 (1941) 199-200.
[65] Jean-Paul II, Encycl. Laborem exercens, 19: AAS 73 (1981) 525.
[66] أی إنّه ینتمی لطبیعة الإنسان «منذ البدء»، أصلیّ (originaire).
[67] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 172.
[68] إنّ وضع مبدإ مآل الخیرات العمیم موضع التطبیق العملیّ، بحسب البیئات الثقافیّة والاجتماعیّة المختلفة، یستلزم تحدیدًا دقیقًا للأسالیب والقیود والدوافع. المآل والانتفاع العمیمان لا یعنیان أنّ کلّ شیء هو فی متناول الکلّ أو کلّ أحد، ولا حتى إنّ الشیء عینه یفید أو یخصّ الکلّ أو کلّ أحد. ولئن صحّ أنّ الحقّ فی الانتفاع من الخیرات هو لجمیع البشر منذ الولادة، فإنّه لصحیح -أیضًا- أنّ الضّمانة الضّروریة لممارسة هذا الحقّ ممارسة منصفة ومنظمة تکون عبر تدخّلات تخضع لقواعد وتأتی ثمرة اتّفاقیات وطنیة ودولیة، وعبر وجود نظام حقوقی یقضی بممارسة کهذه ویوصّفها. (انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 173-174).
[69] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 176.
[70] م.ن، ع 177.
[71] تتأتّى من جرّاء الملکیّة سلسلة من المنافع الموضوعیّة للشخص المالک؛ أکان فردًا أم جماعة: أسباب معیشة أفضل، ضمان المستقبل، فرص أوسع للاختیار. من ناحیة أخرى یمکن أن تُفضی الملکیّة -أیضًا- إلى سلسلة من الأوهام المضلّلة. فالإنسان أو المجتمع اللذان یبلغان حدّ إسباغ المطلقیة على دور الملکیّة ینتهی بهما المطاف إلى اختبار أمرّ أشکال العبودیة. فما من ملکیّة یمکن اعتبارها لااکتراثیة، وذلک بسبب التأثیر الذی تمارسه، إن على الأفراد أو على المؤسّسات. إنّ المالک الطائش الذی یؤلّه خیراته )انظر: متّى 6/24؛ 19/21-26؛ لو 16/13) یصبح أبد الدهر مسخّرًا لها ومستعبدًا، وحده الاعتراف بتبعیّة الخیرات المادیة لله الخالق، ومن ثمّ تسدید غایتها نحو الخیر العامّ، یجعل من الممکن توصیف وظیفتها الصحیحة کوسائل نافعة لتنمیة البشر والشعوب. (انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 181).
[72] انظر: م.ن، ع 178.
[73] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 182.
[74] Saint Grégoire le Grand, Regula pastoralis, 3, 21: PL 77, 87: -392.
"عندما نمدّ المعوز بأیٍّ من حاجاته الضروریة، لا نمنّ علیه بما هو لنا، بل نردّ له ما هو له؛ نحن نسدّد بالأحرى دینًا یقع فی باب العدالة أکثر ممّا نؤدّی أعمال رحمة"
[75] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 184.
[76] م.ن، ع 185-188.
[77] أفراد وأشخاص معنویّون.
[78] subsidium : باللغة اللاتینیّة تعنی الدعم والتعزیز والإنماء.
[79] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 186.
[80] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 187.
[81] م.ن، ع 188.
[82] م.ن، ع 189-191.
[83] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 192-196.
[84] المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 192.
[85] م.ن، ع 193.
[86] انظر: متّى 10/40-42؛ 20/25؛ مر10/ 40-45؛ لو 22/25-27.
[87] انظر: المجلس الحبری عدالة وسلام، خلاصة عقیدة الکنیسة الاجتماعیّة، م.س، ع 194.
[88] م.ن، ع 195.