التعرُّف الخلاّق.. تأصیل معرفیّ تطبیقیّ لمقولة السلام بین الأدیان

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تبحث هذه المقالة عن منفسح تفکیریّ یقارب مفهوم التعرُّف بوصفه مقترحًا لنظریّة معرفة، تهدف إلى تأسیس منظومة تواصل وتفاعل بین أدیان العالم، والعمل على قیام أممیّة دینیّة ترعى السلام العالمیّ وتحوّله إلى قیمة ثقافیّة ساریة بین الشعوب والحضارات. ومثل هذا المقصد یبتنی على اعتقاد یفید بأنّ التعرُّف المقصود فی عالم الأفکار والثقافات والحضارات والأدیان، هو تعرُّفٌ مسبوق بالإیمان وبحقَّانیة التغایر والاختلاف. فحیث یتّخذ التعرُّف هذا المسرى، یصیر لدى الآخذ به شأنًا متأصّلًا فی ماهیّته وهویّته؛ سواء أکان فردًا أم جماعةً أم حیِّزًا حضاریًّا. والمتعرِّف الذی تعقّل فضیلة التعرّف وتخلَّق بها، مدرکٌ بأنّ ما یفعله إنّما یدخل ضمن سَیْرِیَّة تحویل المجهول إلى معلوم، والبعید إلى قریب، والآخر المختلف إلى نظیر مساوٍ له فی الآدمیّة. أمّا هذه السَیْرِیَّة فلا تنهض وتنمو إلا باقتران جوهریّ بین الإیمان بمکانة الإنسان السامیّة فی الوجود، والعمل على تصدیق هذا الإیمان قولًا وعملًا فی الآن عینه.
فی مناخ التحوّلات الکبرى التی تعصف بعالم القیم ومسارات المعرفة، یجد المؤمنون بأدیان الوحی أنفسهم أمام اختبار إیمانهم الدینیّ من جدید، فی سبیل تنمیة حیاتهم المشترکة وحضارتهم الإنسانیّة الواحدة عبر التعرّف الخلاّق.

نقاط رئيسية

أولًا: معنى التعرُّف وأرکانه

ثانیًا: مفهوم التعرّف وسلام الأدیان

ثالثًا: التعرُّف قبل الحوار

رابعًا: رحمانیّة التحاور الخلَّاق

خامسًا: التناسب والتنافر بین الإیمان والمصلحة

سادسًا: فضائل التعرُّف وآثاره

سابعًا: نحو أممیّة أخلاقیّة للتعرُّف

الكلمات الرئيسية


التعرُّف الخلاّق.. تأصیل معرفیّ تطبیقیّ لمقولة السلام بین الأدیان

أ. محمود حیدر[1]

خلاصة المقالة:

تبحث هذه المقالة عن منفسح تفکیریّ یقارب مفهوم التعرُّف بوصفه مقترحًا لنظریّة معرفة، تهدف إلى تأسیس منظومة تواصل وتفاعل بین أدیان العالم، والعمل على قیام أممیّة دینیّة ترعى السلام العالمیّ وتحوّله إلى قیمة ثقافیّة ساریة بین الشعوب والحضارات. ومثل هذا المقصد یبتنی على اعتقاد یفید بأنّ التعرُّف المقصود فی عالم الأفکار والثقافات والحضارات والأدیان، هو تعرُّفٌ مسبوق بالإیمان وبحقَّانیة التغایر والاختلاف. فحیث یتّخذ التعرُّف هذا المسرى، یصیر لدى الآخذ به شأنًا متأصّلًا فی ماهیّته وهویّته؛ سواء أکان فردًا أم جماعةً أم حیِّزًا حضاریًّا. والمتعرِّف الذی تعقّل فضیلة التعرّف وتخلَّق بها، مدرکٌ بأنّ ما یفعله إنّما یدخل ضمن سَیْرِیَّة تحویل المجهول إلى معلوم، والبعید إلى قریب، والآخر المختلف إلى نظیر مساوٍ له فی الآدمیّة. أمّا هذه السَیْرِیَّة فلا تنهض وتنمو إلا باقتران جوهریّ بین الإیمان بمکانة الإنسان السامیّة فی الوجود، والعمل على تصدیق هذا الإیمان قولًا وعملًا فی الآن عینه.

فی مناخ التحوّلات الکبرى التی تعصف بعالم القیم ومسارات المعرفة، یجد المؤمنون بأدیان الوحی أنفسهم أمام اختبار إیمانهم الدینیّ من جدید، فی سبیل تنمیة حیاتهم المشترکة وحضارتهم الإنسانیّة الواحدة عبر التعرّف الخلاّق.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

     التعرّف الخلاّق، الإسلام، المسیحیّة، الأدیان، الوحی، الإیمان، الإنسان، الحضارة، التحاور، السلام، الرحمانیّة، ...

 

أولًا: معنى التعرُّف وأرکانه:

یختزن التعرُّف، بوصفه مفهومًا أصیلًا فی الاجتماع الإنسانیّ، أفهامًا وقیمًا تؤلّف فی الجملة البناء المعرفیّ لفلسفته. وللبیان نورد مجموعة من العناصر التأسیسیّة التی توضّح مبانیه ومرتکزاته:

1. التعرّف بما یعکس من إرادة معرفة الموجود: والمقصود بذلک هو معرفة الکائن الإنسانیّ على وجه الخصوص. ویجد هذا النوع من إرادة المعرفة سبیله عبر متاخمة هذا الکائن قصد التعرّف إلیه، کما هو بماهیّته وهویّته، من دون فرض أو إکراه.

2. التعرُّف بما هو الکشف عن مجهول، حیث لا تستوی معرفة المتعرّف بنفسه إلا بالتعرّف على تلک المنطقة المحتجبة لدى غیره.

3. التعرُّف بوصفه علم معاملة؛ ما یفترض النظر إلیه والتعامل معه رکنًا محوریًّا فی فلسفة القیم؛ لأنّه فعل أخلاقیّ ینظّم الصلة بالآخر المختلف، ویقیمها على أرض التسامح والقبول والمعایشة الرحمانیّة.

4. التعرّف بما هو إقبال المتعرِّف على ذاته؛ لکی یعرفها، ثمّ یعرِّفها لغیره؛ ابتغاء التواصل معه على نشأة الود والإقبال والانفتاح.

5. التعرّف بوصفه مقصدًا دنیویًّا وفوق دنیویّ فی آن؛ وبیان ذلک:

- هو دنیویّ؛ لأنّ المتعرِّف یروم الوصول بسؤاله إلى فهم حقیقة الموجودات؛ بما هی حضور فی دنیا الإنسان، ولا یمکن فصله عنها.

- هو فوق دنیویّ؛ لأنّ التعرّف بحثٌ عن سرّ الوجود فی کلّ موجود؛ أی الوقوف على الأصل الذی ظهر بسببه کلّ کائن. وعند هذه الدرجة من الانهمام بالفهم یبلغ المتعرّف مقام العارف والشاهد على سریان الوجود فی عالم الخلق.

6. التعرّف بوصفه معطى إلهیًّا أوجبته الأدیان على مؤمنیها؛ لیکون لهم سبیلًا للاهتداء إلى الخالق عبر معرفة مخلوقاته.

والحاصل أنّ المتعرِّف الآخذ بهذه الأرکان هو الذی یشاهد الغیر فی نفسه، ویشاهد نفسه فی الغیر فی اللحظة عینها؛ کما لو کان هو والغیر نفسًا واحدة. فلو تحقّق له مقام الغیریّة یکون قد قطع المسافة المکتظَّة بالریب حیال هذا الغیر الذی هو نظیر له فی الآدمیّة. ولکی تنعقد موازین العلاقة بین الأنا والغیر على نصاب التعرُّف الخلَّاق، فلا مناص من قیامها على ‌صفاء النّیّة، وسموّ القصد، ولطف الاختلاف. وحین یأخذ التعرُّف سبیله إلى حقول التنوّع یثبُت الوصل بین الذات ونظیرها، حیث إنّ أفضل درجات هذا الوصل، ما نشأ ونما وسرى فی متّسعات الاختلاف والغیریّة.

    فالتعرُّف -إذًا- ولید شرعیّ للتغایر، وهو استجابة المتعرِّف لنداء العلم لکلّ من یغایره الفهم فی الثقافة والولاء السیاسیّ، فضلًا عن المعتقد. وبقدر ما یتسامى التعرُّف على العصبیّات والتحیُّزات والهویّات المغلقة؛ بقدر ما یتّصل بها جمیعًا؛ کونها ظواهر اجتماعیّة، توجِبُ النظر إلیها بوصفها وقائع یفترضها الاحتدام الطبیعیّ فی التاریخ الإنسانیّ. ولکنّ فهم التعرّف على حقَّانیّته یفترض تناظرًا متکافئًا لا رجحان فیه للذات على الغیر، ولا للغیر على الذات، تناظرًا لا یلغی فیه أحدٌ أحدًا، بل الکلّ موصول بالکلّ على نحو التکامل والامتداد فی المنفسح الإنسانیّ.

    والمتبصِّر بواجبیّة التعرُّف لا ریب لدیه فی قانون الاختلاف، فهو على درایةٍ بأنّ تعرُّفًا بهذه الخصائص لا یضادّ الولاء لقضیّةٍ وهویّةٍ ودین؛ ذلک أنّ الولاء بلا عصبیّة، یُقِرُّ بحقّانیّة التنوّع وحرّیّة الاعتقاد، فالتعرُّف، بما هو تعرُّف، من بدیهیّات الاجتماع البشریّ، ولأنّ الذی نسعى إلى تأصیل مبانیه وشرائطه یبتنی على الجمع المتأنِّی بین التسامی على التعصُّب والانتماء المُحِقِّ للهویّات؛ أمکن أنْ ینفتح الأفق نحو تواصل خیِّرٍ بین الأدیان والثقافات على تعدّدها واختلافها. وبذلک یغدو التعرُّف جوهرًا أصیلًا فی ذات المنتمی، یفیض من خلاله على الغیر؛ بما یختزنه من جمیل، ثمّ لیستحثَّ هذا الغیر إلى إفاضة معاکسة هی أقرب إلى ردّ الجمیل بالجمیل.

 

ثانیًا: مفهوم التعرّف وسلام الأدیان:

إنّ التعرّف الخلّاق یحتّم دورًا للأدیان، ینبغی له أنْ یظهر؛ لینشئ قیمًا للسلام تتسامى على المنازعات والأنانیّات والاحتراب على المصالح.

ومهما یکنْ من دلالات إیمانیّة وأخلاقیّة فی مسرى المداولة حول دور الأدیان الوحیانیّة فی السلام العالمیّ، یظلّ یُطرح تساؤل أصلیّ عمّا یمکن أنْ نتوقّعه من الدین، وکذلک عن طبیعة المسائل والقضایا التی ینبغی أنْ نستفهم الدین فی شأنها... ثمّ عن السبب الذی یجعلنا نعرض على الدین قضیّة مهمّة وخطیرة واستثنائیّة؛ کقضیّة السلام.

وبما أنّ غایة الدین الهدایة إلى الخیریّة وبلوغ الخاتمة الفاضلة، فإنّ الإنسان محتاج فی مسیرة هدایته إلى معارف عن نفسه، وعن خالق الکون. ولذا؛ فإنّ أهمّ ما فعله الدین فی مجال الرؤیة الکونیّة أنّه فتح للإنسان نافذة یطلّ منها على عالم الغیب، ولاسیّما حین حدّثه عن خلق العالم، وعن غایة هذا الخلق، وکذلک عن خصائص الموجودات والکون، وعلاقة عالم المادّة بعالم ما وراء المادّة، وأنواع الموجودات التی لا یمکن للإنسان أنْ یعرفها بوساطة فکره المحض.

وأمّا البحث عن فکرة السلام فی الحیاة البشریّة فهی الفرضیّة الأهمّ فی المنظومة المعرفیّة الدینیّة؛ ومرجع الأمر أنّها منظومة تختزن من القیم الإیمانیّة والأخلاقیّة ما یؤلّف نطاقًا مشترکًا لعمل الأدیان، ولاسیّما أدیان الوحی منها. وتبعًا لهذا الاشتراک، الذی هو فی جوهره معنویّ وأخلاقیّ وإیمانیّ، تتوافر المقدمات الضروریّة التی یمکن أنْ تفضی إلى إستراتیجیّة معرفیة لأطروحة السلام العالمیّ.

وعلى خلاف ما یظنّ کثیرون من أنّ تظهیر مثل هذه الإستراتیجیّة المعرفیّة للسلام یفترض  مغادرة التحیَّز للهویّة الدینیّة، ففی فضاء التعرُّف الذی نقصد جلاء مبانیه، سنقع على فهم مغایر؛ ذلک بأنّ التحیّز فی فضاء التعرّف الخلَّاق یحمل فی ذاته استعدادًا للانفتاح الإیجابیّ على کلّ غیر، وخصوصًا إذا ما حُمِلَ معنى التحیُّز على محمل الرؤیة الآفاقیّة المبتنیة على الامتداد الرحمانیّ وحسن التواصل. فلو امتلک أهل الأدیان القدرة على اجتیاز الإطار المغلق لجغرافیّاتهم الدینیّة والحضاریّة؛ لأمکن لهم العبور إلى آفاق متعدّدة الأبعاد فی عالم الإنسان. ولعلّ ما یوفِّر الأساس السویَّ لتظهیر هذه المنفسحات هو الفضاء المشترک المتعلّق بأصل رسالتها الإیمانیّة والقیمیّة، على أنّ التساؤل یبقى ممتدًّا لجهة تسییل هذا الفضاء فی الحقبة الراهنة. وهذا یفترض التمییز بین دائرتین یتوقّف على إدراکهما تحصیل الجواب عن الدور الذی یؤدّیه الدین فی حلّ المعضلات الکبرى التی تواجه العالم المعاصر:

- الدائرة الأولى: فهم الدین بما هو منظومة غیبیّة تنتظم على أساسها الحیاة الإیمانیّة والمعنویّة للأفراد والجماعات والحضارات.

- الدائرة الثانیة: فهم الدین بوصفه منظومة تاریخیّة یُخضعها الناس لشروط حیاتهم، ویوَّظفونها فی میادین السیاسة والاجتماع واحتدام المصالح...

فی حین یُنظر إلى الدائرة الأولى على نحو الأصالة والثبوت، یُنظر إلى الثانیة على کونها دائرة محمولة على التغیُّر والتحوّل الدائمین؛ تبعًا لشروط الاجتماع البشریّ وقوانین التاریخ. وفی عالم یکتظّ بما لا حصر له من عوامل النزاع؛ کعالمنا المعاصر، یرتفع منسوب التساؤل عن معنى الحوار وجدواه، وکذلک عن إمکان نشوء "أممیّةٍ للحوار" ترعاها المرجعیّات العلیا للأدیان التوحیدیّة، وتؤیّدها فعّالیّات المجتمع المدنیّ والنخب الفکریّة والثقافیّة على نطاق عالمیّ.

 

ثالثًا: التعرُّف قبل الحوار:

یُؤْثِر الذین عاینوا تحوّلات العالم الجدید، الأخذَ بالحوار بوصفه مدخلًا لاستواء التواصل، ضمن فضاء التعدّد الحضاریّ والدینیّ. ویرجع الأمر فی ذلک إلى تصوّرات مسبقة تقوم فی الأعمّ الأغلب، على الشعور بأنْ العالم الذی یقترب من نفسه، لا بدّ له من أوعیة اتّصال تنتظم أطواره، وتستعید وحدته على نشأة أخرى. لقد بدا وکأنّ القرن الحادی والعشرین الذی وُصف بأنّه قرن التوحید العالمیّ، هو الأکثر إیجابًا للحوار والتواصل ممّا کان علیه حال القرن المنصرم. وثمّة من ذهب إلى أنّ الصورة لم تلبث إلا قلیلًا على شائعة التوحید، حتّى عاد العالم لیسکن أحیاءه المغلقة، ثمّ لیتبیّن لکثیرین کیف استیقظ عصب الهویّات المتعادیة، وثقافة الإقصاء، لیغدُوَا خلال وقت قصیر، الفاعل الأعظم فی تشکیل نظام القیم.

تفترض الصورة -إذًا- مقاربةً لفکرة الحوار على خلاف ما استوت علیه المقاربات المألوفة؛ بحیث یندرج تصوّرنا لهذه المقاربة المستحدثة فی سیاق التنظیر لمنهج جدید، یکون التعرّف فیه أصله وناظم نشاطه العامّ... منهج یقوم أولًا على أن تعرف الذات المحاورة نفسها وماذا ترید؛ بما یُعدّ شرطًا ضروریًّا لمعرفة نظیرها. وهذا مسعى لتعرِفَ الذاتُ صورتها، وتتعرَّف فی الآن نفسه إلى صورة الغیر والذی یناظرها؛ بوصفه شبیهًا لها فی الأخوَّة الإنسانیّة[2]. وأمام هذا الفهم لا یبدو أنّ الغیر یُفهم ویُرى إلا وفق ما تنطوی علیه الذات من قیم لتبلغ تمامها؛ فالحوار فی هذه المنطقة المعرفیّة هو صیرورة الأنا إلى الغیر، حتّى ینبسطا معًا، بواسطة التحاور الرحیم، على الرضى والقبول والإیثار.

لکنّ المقاربة فی هذه المنزلة تتعدّى مجرّد التحاور حول قضیّةٍ ما. إنّها تفترض تحویلًا معرفیًّا وأخلاقیًّا للشائعة التی تقوم على تلک الثنائیّة السلبیّة: الأنا / الآخر، فیصیر الکلام على وحدة الأنا والغیر تظهیرًا لمنحى جدید فی فلسفة الحوار؛ ذلک أنّ الغیر هو هذا الآخر الذی یمکث فینا، ولا نملک أنْ نفارقه قط. وهو نفسه الذی سنعقد وإیّاه صلات هی أقرب إلى محاورات داخلیّة منها إلى تناظر برَّانیّ. وإذ یتحصَّل ذلک، یغدو التحاور ضمن وحدة الأنا والغیر بدیلًا عن السجال العدمیّ الذی یبتنی -غالبًا- على فرضیّة حضور الغیر خصمًا دائمًا لنا. وبهذا یصبح هذا الخصم هو الجحیم بالفعل، على ما لاحظه الفیلسوف الفرنسی جان بول سارتر، فی غیر مناسبة. والأمر یعود إلى تعدّد أوجه استعمال مصطلح الحوار، وبسبب سوء توظیفه فی النزاعات السیاسیّة والثقافیّة والاجتماعیّة والعقدیّة، فقد لحق بالمفهوم التباسات شتّى؛ حتّى إنّنا نجده فی أحیان کثیرة اصطلاحًا یُوضَع فی غیر مقامه. فقد جرى تحویره وتحویل المراد منه وفقًا لأغراض المتحاورین واحتدام مصالحهم. وعلیه؛ فالآلیّات العامّة التی ینبغی توافرها لکی یمضی المتحاورون إلى غایاتهم، ینبغی لها أنْ تلحظ مبادئ الاعتراف، والتکافؤ، والرضى، والتوازن؛ ذلک أنّ التحاور فی أحواله، ومبانیه، وغایاته، قائم على الاعتراف والتقابل السویّ. وحقُّ کلّ فریق، سواءً أکان فردًا أم جماعة، هو المشارکة المتساویة المتکافئة فی تقریر الصیاغة النهائیّة لشکل المسألة التی یجری الحوار بشأنها وبمضمونها.

ولعلّ الانطلاق من هذا المبدإ یجعلنا نعبر أکثر المسافة المؤدّیة إلى الصیغة الفضلى. وبالتالی، فمن البداهة ألاَّ یکون الحوار حقیقیًّا وسویًّا فی حال الغلبة وعدم التکافؤ، وإلاَّ صارت کلّ صیغة تنتجها مجالات التحاور مجرّد عملیّة تمرینات على الاستلاب، أو هی أدنى إلى فعل أمرٍ یلقیه الغالب على المغلوب؛ ما یؤدّی إلى خلل فی نظام التواصل، ثمّ إلى تولید دراما مفتوحة على الأزمات ودورات العنف.

ولئن کانت الغایة من أیّ حوار إبرام إتّفاق ما حول مشترکات، فقد یکون الحوار نفسه هو مادّة الخلاف بین المتحاورین. وغالبًا ما تظهر هذه المفارقة عندما یصیر التحاور محکومًا فی الجملة بالمصالح والأغراض الآنیّة، أو حین یکون اللقاء بین متخاصمین حصیلة غلبة انتجت إذعانًا. لکنْ ثمّة منظور آخر للقضیّة یمکن أنْ یُخرجها من دائرة الإشکال. فالمنظور الذی یُرى إلى الحوار بوصفه عملیّة أخلاقیّة ومعرفیّة ذات وظیفة مرکّبة یکمن فی أنْ تتعرّف الذات على هویّتها أولًا، ثمّ تخطو لتتعرّف إلى حقیقة الغیر الذی یقوم بالمهمّة نفسها، ثمّ لینشأ جرّاء ذلک ما یشبه التناظر المتکافئ بین ضفّتین.

 

رابعًا: رحمانیّة التحاور الخلَّاق:

فی میدان البحث عن سبیل یفضی بالأدیان إلى الاستواء على دورٍ فی سلام القرن الواحد والعشرین، یجیء مقترحنا للأخذ بمبدإ التعرّف بوصفه مبدأ أصیلًا وجوهریًّا یؤسّس لأیّ حوار أو لقاء ضمن فضاءات التنوّع والاختلاف. فالتعرّف هو المنطقة الوسطى التی تنأى أقصى مسافة ممکنة من التحیّزات السلبیّة والانحکام إلى منطق الاختصام والعلاقة الإیذائیّة بین الأفراد والدول والمجتمعات؛ ذلک أنّ دور الأدیان فی حفر الطریق نحو سلام عالمیّ مدید یقتضی مثل هذه المسافة التی سوف تمکِّن المشتغلین فیها من إرساء قواعد ومنظومات معرفیّة وأخلاقیّة وعملیّة لصیاغة سلام عالمیّ عادل ومتکافئ.

فما هو المتصوَّر من مقدّمات وقواعد لقیام الأدیان بمثل هذا الدور؟

تقدّم الکلام فی أنّ التعرَّف هو نقطة الابتداء لتشیید مثل هذا المشروع العالمیّ. فهو قضیّة أخلاقیّة تتسامى على التحیّزات والهویّات، ولا تنفصل عنها فی الآن عینه. فمن حیث هی قضیّة متسامیة، فإنّها تستمدّ نموّها وقوّتها من الاختیار الحرّ والواعی والمدرک لسماحة مقاصدها والنتائج المترتّبة علیها. وأمّا من حیث کونها غیر منفصلة عن الانتماء والاعتناء بهویّة الجماعات الحضاریّة، فذلک أمر لا یتنافى ومبدأ التعرّف. وهذا بدیهی ما دام الولاء والتحیّز للهویّات الخاصّة یشکّل قانونًا ملازمًا للطبیعة البشریّة؛ بقدر ما یتلازم مع شروط الحضور الإنسانیّ فی التاریخ. فإذا ما توافر شرطا الإدراک والاختیار الحرّ؛ توافرت بذلک أرکان التعرُّف الخلاّق، واتّسعت حقوله لتشمل ما لدى الغیر من إدراکات ومعارف وقیم. إنّ مثل هذا الولاء أو ما نسمّیه بـ"التحیّز الإیجابیّ" هو الذی یحمل هذه الجماعة الدینیّة أو تلک على التعرّف إلى نظیرتها. وبسبب قیام التعرُّف على هذا الجمع بین المتعالی الأخلاقیّ والولاء للهویّات الدینیّة أو القومیّة؛ یمکن أنْ ینفتح السبیل باتّجاه تواصل خلاَّق بین الأدیان والثقافات على تنوّعها واختلافها. وذلک یعنی إمکان أنْ یحفر التعرُّف مجراه الأسلم؛ بدءًا من منفسح التحّیزُ الخلَّاق، لا من خارجه، ما یدلّ على أنّ التحیّز الذی نقصده یحمل فی داخله الاستعداد للإرسال والتلقّی، وقابلیّات التفاعل مع الغیر.

وبهذا النحو یکون التعرُّف مسارًا ینطلق من ذات المتحیّز، ثمّ  یمضی لیفیض بجمیله على الغیر، دافعًا إیّاه نحو إفاضة معاکسة هی أقرب إلى ردّ الجمیل بالجمیل. فعلى سبیل المثال، یجد المتعرّف المسلم فی الدافع القرآنیّ ما یسدّد به رحمانیّة الإقبال على الغیر؛ لکی یتعرّف إلى أحواله وأفکاره من دون تریُّب، وبهذا فإنّه یفعل ما یؤمن به؛ بوصفه واجبًا دینیًّا، وهو یستجیب -کذلک- إلى ما یؤمر به؛ بوصفه قرارًا إلهیًّا خالصًا. والمؤمن المسلم یُدرِک بحکم إیمانه وتدیَّنه أنّ لمثل هذا الإقبال على الغیر وقصد التعرّف الرحمانیّ، حصائد سلام ویقین ورحمة، کما جاء فی الآیة الکریمة: {ادْفَعْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِی بَیْنَکَ وَبَیْنَهُ عَدَاوَةٌ کَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیمٌ}[3].

فالتعرُّف بمعناه القرآنیّ هو من أجلَّ الأفعال التی یرتِّبُها الأمرُ الإلهیّ على الإنسان حتّى یدفع بالتی هی أحسن. ذلک أنّ الدفع على سبیل التقرّب من الغیر، هو حرکة تعرُّف جوهریّة تستبدل الجهل بالعلم، وتجعل أرض التواصل بین الناس على نشأة  الحبّ الرحمانیّ والعدل. فالحبّ کالفهم، یزداد اتّساعًا وفطنة من دراسة الحقائق الکثیرة -کما تقرّر الحکمة العملیّة - والأدیان  عمومًا، وبخاصّة أدیان الوحی الإلهیّ مأمورة بالأخذ بفضیلة التعرّف، لا من حیث وجوبها الدینیّ فحسب؛ وإنّما من جهة کونها قضیّة أخلاقیّة کلّیّة -أیضًا-.

ولو أخذنا فضیلة التعرّف اختبارًا عملیًّا للقضیّة الأخلاقیّة، فإنّنا نجدها عبارة عن غایة یعتبرها الشخص الذی یؤمن بهذا النظام أو ذاک غایة نهائیّة، ومن اختیاره الخاصّ وحده؛ کما یقول فیلسوف الأخلاق جوزایا رویس[4].

وعلیه، فأمامنا شرطان لبلوغ التعرُّف الخلاّق؛ هما: شرط المعرفة والإدراک والمسؤولیّة، وشرط التخلّق والإیثار والحکمة. وهذان الشرطان یتعلّقان تعلّقًا وطیدًا بمقاصد الأدیان. وسیبدو بوضوح أنّه کلّما کان المتدیّن على معرفة أدقّ بدینه؛ کان أکثر بصیرة فی تدیُّنه. وکلّما کان أکثر التزامًا بمعرفة الصراط فی العمل؛ کان أکثر عملًا به. فالمبدأ والمعاد والصراط إنّما هی حقائق مستقلّة عنّی وعنک وعن الآخرین، وتالیًا عن هذا الزمن والأزمنة الأخرى. فإذا عمل المتدیِّن بما تحصَّل لدیه من علم بدینه، کان کمن بلغ المطلوب فی رحلة المطابقة مع الصراط. وإذ یفعل ذلک على المداومة، یکون قد أخذ فعلًا بطریق السیر إلى الکمال. والإنسان الکامل هو من استطاع أنْ یجعل الحقائق الأخلاقیّة والدینیّة المستقلّة عاملًا مکوّنًا ومسدّدًا لأطوار تقدّمه نحو کماله. وبهذا المعنى تعود الأصالة لصراط الوحی؛ بوصفه منطقة الجاذبیّة الإلهیّة التی تدور حولها حرکة العلم والمعرفة التی یمارسها المتدیّن. وأمّا علمه ومعرفته فهما متعلّقان بالصراط، ونسبة کلٍّ منهما إلى الآخر کنسبة تعلّق الجوهر بالعرض، أو بقول آخر: إنّ صلة الصراط بالمعرفة کصلة الثابت بالمتحوّل، من دون أن یکفّ الأول عن أن یکون مصدر التغذیة والإلهام والتسدید للثانی.

وتسری هذه الشروط الأخلاقیّة والمعرفیّة على الأفراد، مثلما تسری على الجماعات الدینیّة وأدیان الحضارات الکبرى. وتلک شروط حتمیّة لأجل التمییز والفصل الضروریّین بین الدین؛ بوصفه قیمة إلهیّة خالدة فی الزمان البشریّ، وبین استخدامات هذه القیمة فی میادین الاحتدام وصراع الحضارات.

 

خامسًا: التناسب والتنافر بین الإیمان والمصلحة:

السؤال المطروح الیوم هو کیف لنا أن نحصّن لقاءات الأدیان من التداعیات السیاسیّة والإیدیولوجیّة؟من

إنّ وجه الأهمّیّة فی لقاءات حوار الأدیان والثقافات أنّها أطلقت نقاشات نظریّة وعقدیّة طالت عمق القضایا المطروحة. وربّما یکمن التساؤل المحوریّ فی الإشکالیّات التی تعترض التواصل بین الثقافات الدینیّة المتنوّعة، فی ما یدور حول إمکان فصل البعد الإیمانیّ فی لقاءات الأدیان عن التداعیات السیاسیّة والأیدیولوجیّة التی تحتدم بشدّة فی مطلع القرن الجاری، أو عدم إمکان ذلک.

فالقطیعة التی تظهر فی منعطفات زمنیّة متعاقبة بین الشرق والغرب تعود فی أساسها إلى الوصل الوطید بین المصالح وإستراتیجیّات الهیمنة من جهة، وبین الاعتقاد الدینیّ من جهة أخرى. ولا أدلّ على هذا من الشریط التاریخی للأزمات والحروب المفتوحة بین الغرب المسیحیّ والشرق الإسلامیّ؛ بدءًا من الحروب الصلیبیّة، إلى حرکة الاستشراق فی بعدها الکولونیالی، وصولًا إلى الاحتدامات المعاصرة. غیر أنّ "منطقة الإشکال" فی الاحتدام المشار إلیه، هی تلک التی تتمثَّل فی التأسیس الإیدیولوجیّ والثقافیّ للقطیعة التاریخیّة بین الإسلام والمسیحیّة.

ولقد تبیَّن من خلال تداعیات الجدل الإسلامیّ- المسیحیّ، کم هی واضحة آثار القطیعة العقدیّة والإیدیولوجیّة. وبدا واضحًا بسبب ذلک ضمور إمکانیّات الحوار؛ بل واستحالته فی ظلّ سیطرة نزعات الریبة المتبادلة، والتی اقتضت -غالبًا- هجوم کلّ فریق على الآخر فی ما یعتقده ویؤمن به. وقد استمرّ هذا المسار السلبیّ، على الرغم من انطلاق سیرورات جدیدة من التلاقی بین المؤسّسات الدینیّة المسیحیّة والإسلامیّة، کان عنوانها المرکزیّ ضرورة الانتقال فی العلاقة من طور الجدل والقطیعة إلى طور الحوار والتواصل، حیث وجد الفریقان أنّه من غیر الجائز استمرار النقاش على القاعدة القدیمة المتجدّدة التالیة: عندما یخاصمک الآخر فی دینک وهویّتک مستعملًا دینه وهویّته سلاحًا یتّکئ علیه فی حملته علیک، فإنّه من الطبیعی أن یبعث لدیک المساحة الأکثر حسّاسیّة وحدّة فی دینک وهویّتک، ویقیمها على نشأة متجدّدة من العصبیّة والعنف والإقصاء[5]. وإذا کان الهویّة والدین یدخلان فی نطاق ما یسمّیه الاستراتیجیّ الفرنسی جان غیتون بـ"المیتافیزیقا السیاسیّة"، فلا مناص للمسلمین والمسیحیّین من الإعراض عن توظیف الدین فی حمى المصالح السیاسیّة والاقتصادیّة والحروب الناتجة عنها[6].

ولکی لا یتأسّس الکلام فی هذا المنفسح على التشاؤم أو العدمیّة، من المفید إلقاء الضوء على بعض محطّات المسار الإیجابیّ فی تاریخ التحاور بین المسلمین والمسیحیّین. وهنا یمکن الإشارة بصفة خاصّة إلى أعمال المجمع الفاتیکانیّ الثانی المنعقد بین أوائل ستینیّات القرن العشرین ومنتصفها، حیث شکّل نقطة تحوّل تاریخیّ فی علاقة الکنیسة الکاثولیکیّة بالمسلمین.

ومن جهة ما قدَّمه النظیر المسلم، کان ثمّة رؤیة موازیة ترى الحوار رکنًا جوهریًّا فی الإسلام. وفی القرآن الکریم من الآیات ما یرسِّخ هذه الحقیقة: {قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى کَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَیْنَنَا وَبَیْنَکُمْ}[7]، {یا أیها الناس إنا خلقناکم من ذکر وأنثى وجعلناکم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أکرمکم عند الله أتقاکم إن الله علیم خبیر}[8]، مضافًا إلى ما یبیِّنه العلماء المسلمون من وقائع تاریخیّة وُجِدَت تأسیساتها الأولى مع السیرة النبویّة فی ما عرف بـ"دستور المدینة"[9]، حیث انتظمت صلات التواصل مع الیهود والنصارى حینها على نصاب التوادّ وإقرار الحقوق.

والحوار الذی ینبغی الشروع فیه الیوم؛ سواء على مستوى حوار الأدیان أم الحضارات، لن یستوی إلا على التأسیس الأوّل؛ أی على تحاور خلّاق متوازن ومتسامح تکون بدایته تعرُّف المؤمنین على ما تبتنی علیه عقائد التوحید فی المسیحیّة والإسلام، بهدف تعزیز دروب الإیمان وتفعیل القیم المتضمَّنة فیها. وأمّا غایته فتکمن فی إقامة جسور متوازنة ومتکافئة بین الحضارتین المعاصرتین الإسلامیّة والمسیحیّة.

سادسًا: فضائل التعرُّف وآثاره:

یکتسب الکلام عن التعرّف، بوصفه منتجًا لحوار رحمانیّ بین الأدیان، أهمّیّة استثنائیّة فی سیاق النقاش حول أداء الخطاب الدینیّ المعاصر بمنابره المختلفة. ولعلّ ما یمنح أطروحة التعرُّف أولویّتها الخاصّة، أنّها تکشف عن واحدٍ من أبرز عوامل القطیعة بین الأدیان الکبرى، وهو ما تعکسه الحالة النمطیّة من الحوار المعمول به على سیرة المجاملات العابرة. وهذا بالذات ما قصدناه بوجوب الأخذ بقاعدة التعرُّف لتجاوز مساحات الجهل، من خلال معرفة الذات والآخر، قبل الشروع بأیّ حوار.

لکنّ الفضیلة العلیا للتعرّف لا تتوقّف على تنویر مساحات العتمة التی تحجب بصیرة المتحاورین وحسب؛ بل هی تمتدّ بفضائلها لتغمر بأنوار المعرفة کلّ من یمضی إلیها أو یأخذ بناصیتها. وکلّما مضى المتعرِّف إلى لقاء نظیره على خطّ الرحمانیّة؛ انقشعت عن نفسه غمامة الجهل، فعرف نفسه وعرف النظیر فی الوقت عینه.

وأمّا العائدات التی یحصّلها السالک لفهم دین مَنْ هم سواه، والتعرُّف إلیه؛ فهی کثیرة‌ وجلیلة، ومن جملتها:

1.الإعانة على معرفة المعتقد الدینیّ الخاصّ بنحو أکثر عمقًا، باعتبار أنّ الحقائق تُدْرَک بنظائرها، والأشیاء تُعرَف بأضدادها، ففی مسار التعرّف الذی یحفر مجراه عبر التداول والاستقراء والمساءلة، یتکشَّف المزید ممّا هو مجهول علینا من حیوات الغیر، وهو مسار لا یتوقّف عند حدّ، ما دام مشرّعًا على الامتلاء المستمرّ بالعلم، ولاسیما إذا تشکّلت معلومات ومعارف هی حصیلة فهم الآخر لدین المتعرِّف ومعتقداته.

2. المساعدة على معرفة مواطن الخلل التی ینطوی علیها السلوک الدینیّ الخاصّ حیال المنتمی إلى دین آخر. والمراد بمواطن الخلل: شعور المؤمن الساعی إلى المعرفة بالرضى والأمان داخل معزلِهِ الدینیّ (الطائفیّ أو المذهبیّ)، والشعور بالاکتفاء الذاتیّ؛ وهو یعیش حبیس قلعته المغلقة، وینظر إلى معتقده على أنّه طریق خلاص إلى المدینة الفاضلة، وإلى معتقدات غیره على أنّها موصلة إلى الجحیم.

3. تخلّص المتعرِّف من عقدة الاستلاب الناتجة عن جهله بنظیره، حیث لا یتوقّع منه إلا سوء النّیّة والشرّ المستطیر.

4. توصُّل المتعرِّفإلى إدراک معنى ‌آخر للحرّیّة، فی حالة الإدراک المتبصِّر لأبعادها الإلهیّة والأخلاقیّة، حیث تخرج عن کونها مجرّد لعبة تستباح فیها أفهام الغیر ومعارفه ومعتقداته، وخصوصًا حین تتحوّل الحرّیّة‌ لدى المتعرِّف إلى سلوک، بعد أنْ اختُبرت فی حقل التواصل الحمیم.

5. منح المتعرِّف منفسحًا لتوسیع معارفه؛ بما فی معتقد غیره من محاسن وکمالات، لا تتوافر فی مجال ثقافته الدینیّة والأخلاقیّة.

6. التوصّل عبر التعرُّف إلى ملتقى مفتوح یمکِّن المتعرّفین؛ وکلٌّ من موقعیّته، من بلورة استراتیجیّة تفضی إلى الخیر العامّ فی میدان الفکر، والثقافة، والاجتماع، والسیاسة، والتنمیة، ومقاومة الهیمنة الخارجیّة والاستبداد الداخلیّ.

وفی خضم مناخ التحوّلات الکبرى التی تعصف بعالم القیم ومسارات المعرفة، نجد أنّ الدیانات الکبرى، بما تختزنه من قیم متعالیة، قادرة على توفیر الأطر الضروریّة لصیاغة مبادئ عالمیّة للتعرُّف، حتّى فی ظلّ الانقسام والصراع والعنف والتعصّب. فضلًا عن إمکان تقدیم رؤیة شاملة تؤکّد الحاجة إلى التضامن الإنسانیّ ومواجهة مواقف الانقسام.

وبهذا ربّما یعود المسلمون والمسیحیّون للوصول إلى هندسة معرفیّة، تفضی إلى استراتیجیّة عمل مؤدّاها احترام التغایر فی التعبیر عن الإیمان، وصولًا إلى بلورة منظومة قیمیّة إیمانیّة تستطیع حلّ إشکالات النظام العالمیّ فی واقعنا المعاصر...

وإذا کان بإمکان الأدیان الکبرى أنْ تنشئ إطارًا نظریًّا للسلم العالمیّ بین الحضارات والثقافات، فمثل هذه الإمکانیّة ستبقى لأمد غیر منظور تحت طائلة الامتناع عن التحوّل إلى حقیقة واقعیّة عند المؤمنین بها، وما ذاک إلا لأنّ الأدیان لدیهم فی تموضعها التاریخیّ والحضاریّ لا تغادر حقول الاحتدام، فهی فی قلب تلک الحقول؛ بل إنّها فی أحوال ومطارح شتّى مولّدة للتصادم والاحتراب. وذلک کلّه یفترض الرجوع إلى العمل؛ انطلاقًا من قواعد الإیمان بالقصد الإلهیّ من الخلق. وهنا، یُطرَح التساؤل مجدّدًا حول المدى الذی یمکن فیه للإیمان أنْ یحتلّ المجال الفسیح الذی تنمو فیه رحمانیّة اللقاء والتعرّف والحوار الخلاّق.

وقد یبدو الجواب شاقًّا وعسیرًا؛ ربّما لأمر متّصلٍ بالسِمَة "فوق التاریخیّة" للإیمان، وصعوبة صیرورة الإیمان الفردیّ المجرّد عن المصلحة حاکمًا على تاریخیّة الاجتماع البشریّ. ومع ذلک، فإنّ مثل هذا التوصیف لن یؤدّی بنا إلى المستحیل؛ ذلک أنّ قاعدة الإیمان فی المسیحیّة، کما فی الإسلام، هی القاعدة الکلّیّة التی تؤسّس لانبثاق الروح الدینیّ لیأخذ ظهوراته الإلهیّة فی التاریخ.

ولأنّ ثمّة "واحدیّة غیر قابلة للفصل" بین الإیمان بوصفه وحیًا، والدین بوصفه قانونًا إلهیًّا ینظّم حرکة الإنسان فی الزمان والمکان، فلن یستوی الحال على تناقض بین طورین لا یقوم أحدهما إلا على نفی الآخر؛ بل هناک تراتب طولی یجری فیه نظام الدین فی عالم الإنسان مجرى الأصالة المتّصلة بعالم الوحی.

وأمّا الشیء الذی ینعقد همًّا أساسًا الیوم بین المراکز اللاهوتیّة المسیحیّة والمؤسّسات الدینیّة الإسلامیّة، فهو ضرورة العثور على منطقة وسطى یتسامى فیها الإیمان الدینیّ عن مصالح الدول ونزاع الهویّات على اختلافها...

 

سابعًا: نحو أممیّة أخلاقیّة للتعرُّف:

إذا کان التحاور المقترح الیوم، یتغیَّا سلامًا عالمیًّا مسدَّدًا بالایمان والأخلاق، فلا بدّ من أنْ یقوم على سیاق متوازن ومتسامح، وعلى النحو الذی یفضی إلى إنجاز هدفین متلازمین:

- الأوّل: تعرُّف المؤمنین على ما تبتنی علیه عقائد التوحید فی المسیحیّة والإسلام؛ بهدف تعزیز قیم الإیمان المشترک بالله الواحد الأحد.

- الثانی: إقامة جسور متوازنة ومتکافئة بین الحضارتین: الإسلامیّة والغربیّة المسیحیّة، واستبعاد فکرة الهیمنة والتبعیّة؛ فضلًا عن إنهاء الشعور بالخوف والریبة، و"الإسلاموفوبیا"؛ بوصفها ثقافة إمبریالیّة مستأنفة.

وثمّة من یرى أنّ الحیاة الإنسانیّة الیوم بحاجة إلى حدّ أدنى من المبادئ الأخلاقیّة المشترکة تحظى بإجماع عالمیّ. وأیًّا تکن الاجتهادات فی هذا المجال، فالدیانات قادرة بلا شکّ على توفیر المصادر الضروریّة لصیاغة عالمیّة جدیدة؛ بالتعاون المستمرّ بین أتباعها، حتّى فی ظلّ الانقسام والصراع والعنف والتعصّب. وبإمکانها -کذلک- تقدیم رؤیة شاملة، أو ربّما عالمیّة، تؤکّد على الحاجة إلى التضامن الإنسانیّ ومواجهة مواقف الانقسام. وإذا ما توافرت إمکانیّة واقعیّة لتطبیقها فی سیاق المساعی لصیاغة أخلاق عالمیّة جدیدة،  یتوجّب على عالم الإیمان أنْ یلتمس التحدّیات الداخلیّة الجوهریّة.

ویستطیع المسلمون والمسیحیّون الوصول إلى ملتقى دائم على المستوى الفکریّ، یقوم على احترام التغایر العقدیّ واللاهوتیّ، والاشتغال الجدّیّ باتّجاه بلورة إمکانیّات معرفیّة‌ وعملیّة لمعالجة إشکالات النظام العالمیّ الراهنة. ولا شکّ ولا ریب فی أنّ صیاغة شراکة فعّالة بین الأدیان هو الهدف النهائیّ لعالمنا الراهن، وهو الشیء الذی یؤمِّن القاعدة الضروریّة لأخلاق مشترکة نابعة من روح دینیّة عالمیّة.

إنّ رسالة الإسلام التی ترى فی الإنسان خلیفة الله -تعالى- على الأرض، هی فی حقیقتها رسالة تغییریة‌ للتراجیدیا العالمیّة الراهنة. وأمّا المسیحیّة التی تنعقد رؤیتها الإیمانیّة على النشأة نفسها، فترى المصیر النهائیّ للإنسان الذی کُلِّفَ وحده بمهمّة خدمة الربّ، أنْ یکون عاملًا فی التحوّل الروحی لهذا العالم. ومهما یکنْ من شیء، فلا ینأى الإیمان المسیحیّ، فضلًا عن الفکر الفلسفیّ الأخلاقیّ فی الغرب، عمّا ینطوی علیه مفهوما التوحید والاستخلاف فی الإسلام. وعلى هذه النشأة المشترکة ینفسح حقلٌ خصیبٌ لإمکان الشروع باستراتیجیّة دینیّة لسلام العالم.

 

خاتمة:

عندما کتب الفیلسوف الإلمانیّ إیمانویل کانط مشروعه للسلام الدائم فی العالم قبل أکثر من مائة وخمسین سنة، کان مدفوعًا بشغفٍ مریر من أجل أنْ لا تتحوّل المدن -کما کان یقول-  إلى فرادیس مؤقّتة تقابلها مقابر أبدیّة. لم یکنْ یهمّ کانط یومئذٍ أنْ یسقط فعل الکتابة لدیه لیصبح مجرّد أحلام کاذبة. وکان یقول: "لا ینبغی أن یکون هناک حرب أصلًا". لقد أراد أن یتحوّل بالسلم العالمیّ من کونه موضوع رجاء دینیّ، إلى مشروع فلسفیّ غایته تهذیب الإنسان الحدیث، والارتقاء به من بربریّة المتوحّشین القائمة على العنف والحرب، إلى ما یسمّیه بـ "الضیافة الکونیّة". لقد کانت غایته الکبرى إنجاز مشروع سلام دائم یحلّق فی أفق المواطنة الکونیّة. لکنّ کانط فی شغفه بالسلام العالمیّ الدائم، کان على یقین بأنّ ما کتبه فی ذلک الوقت هو ترجمة فلسفیّة مستعادة لروح الکتاب المقدّس؛ بعیدًا عن سلطة الکهنوت ولاهوتها السیاسیّ الصارم.



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من لبنان.

[2] یبیِّن الفیلسوف الفرنسیّ الراحل بول ریکور جدّیّة الذات والآخر على نحو مسهب فی کتابه الأخیر "الذات عینها کآخر" الذی صدر قبیل وفاته بقلیل عام 2005م، عن المنظّمة العربیّة للترجمة، ونقله إلى العربیّة وعلّق علیه البروفسور جورج زیناتی.

[3] سورة فصِّلت، الآیة34.

[4] انظر: رویس، جوزایا: فلسفة الولاء، ترجمة: أحمد الأنصار، مراجعة: حسن حنفی، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م، ص90.

[5] - Mahmoud haidar- La théologie du rapprochement – le christianisme catholoque contemporain t le dialogue avec l'Islam– Centre Delta–Beyrouth - 2011.

[6] انظر: غیتون، جون: الفکر والحرب، ترجمة: هیثم الأیوبی؛ أکرم دیری، بیروت، المؤسسة العربیة للدراسات والنشر، 1988م، ص102.

[7] سورة آل عمران، الآیة 64.

[8] سورة الحجرات، الآیة 13.

[9] انظر: ابن هشام، محمد: السیرة النبویّة، تحـ. محمد محیی الدین عبد الحمید، لا ط، مکتبة محمد علی صبیح وأولاده، مصر، 1383هـ.ق/ 1963م، ج2، ص348.

[1] سورة فصِّلت، الآیة34.
[1] انظر: رویس، جوزایا: فلسفة الولاء، ترجمة: أحمد الأنصار، مراجعة: حسن حنفی، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2000م، ص90.
[1]- Mahmoud haidar- La théologie du rapprochement – le christianisme catholoque contemporain t le dialogue avec l'Islam– Centre Delta–Beyrouth - 2011.
[1]انظر: غیتون، جون: الفکر والحرب، ترجمة: هیثم الأیوبی؛ أکرم دیری، بیروت، المؤسسة العربیة للدراسات والنشر، 1988م، ص102.
[1] سورة آل عمران، الآیة 64.
[1] سورة الحجرات، الآیة 13.
[1] انظر: ابن هشام، محمد: السیرة النبویّة، تحـ. محمد محیی الدین عبد الحمید، لا ط، مکتبة محمد علی صبیح وأولاده، مصر، 1383هـ.ق/ 1963م، ج2، ص348.