العلاقة بین الأخلاق والکمال الإنسانیّ عند الشهید مطهّری -دراسة مقارنة-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تناولت هذه المقالة فکرة الکمال الإنسانیّ عند الشهید مرتضى مطهّری، مثیرة السؤال عن طبیعة القیم.
وجاء فیها أولًا عرض لمحوریّة سؤال الأخلاق فی المدارس الفلسفیّة؛ بدءًا من الفلسفة الیونانیّة، وصولًا إلى عصر الفلسفة الإسلامیّة التی انتقل إلیها هذا السؤال مع غیره من المباحث التی عالجتها الفلسفة الیونانیّة. وقد بیّنت الدراسة أنّ الاهتمام بهذا السؤال عند المسلمین کان دینیًّا وفلسفیًّا. وکان علاج المتکلّمین لهذه القضیّة میتافیزیقیًّا، من خلال السؤال عن مصیر فاعل الکبیرة، فی ما ارتبط الموضوع عند الفلاسفة بفلسفة السعادة والفضیلة.
   وتناولت الدراسة ثانیًا، فکرة الکمال الإنسانیّ عند الشهید مرتضى مطهّری؛ وقد بیّنت أهمّیّة هذا الموضوع بالنسبة لمطهّری، وأنّ الغایة منه بناء مجتمع کامل، کما قارنت الدراسة بین وجهة نظر مطهّری والفیلسوف الألمانیّ نیتشه الذی أشار إلى فکرة الإنسان الأعلى؛ منطلقًا من رفضه للمذاهب الأخلاقیّة السائدة فی أوروبا وللمیتافیزیقا بشکل عامّ.
   وخلصت الدراسة إلى الارتباط بین الأخلاق والدین، وإلى عدم وجود التعارض بینهما؛ فالأخلاق هی جوهر الدین.

نقاط رئيسية

أولًا: سؤال الأخلاق فی المدارس الفلسفیّة

ثانیًا: الأخلاق فی فکر الشهید مطهّری

ثالثًا: مفهوم الإنسان الکامل بین نیتشه ومطهّری

الكلمات الرئيسية


العلاقة بین الأخلاق والکمال الإنسانیّ عند الشهید مطهّری -دراسة مقارنة-

الدکتور مازن أبو دیة[1]

 

خلاصة المقالة:

تناولت هذه المقالة فکرة الکمال الإنسانیّ عند الشهید مرتضى مطهّری، مثیرة السؤال عن طبیعة القیم.

وجاء فیها أولًا عرض لمحوریّة سؤال الأخلاق فی المدارس الفلسفیّة؛ بدءًا من الفلسفة الیونانیّة، وصولًا إلى عصر الفلسفة الإسلامیّة التی انتقل إلیها هذا السؤال مع غیره من المباحث التی عالجتها الفلسفة الیونانیّة. وقد بیّنت الدراسة أنّ الاهتمام بهذا السؤال عند المسلمین کان دینیًّا وفلسفیًّا. وکان علاج المتکلّمین لهذه القضیّة میتافیزیقیًّا، من خلال السؤال عن مصیر فاعل الکبیرة، فی ما ارتبط الموضوع عند الفلاسفة بفلسفة السعادة والفضیلة.

   وتناولت الدراسة ثانیًا، فکرة الکمال الإنسانیّ عند الشهید مرتضى مطهّری؛ وقد بیّنت أهمّیّة هذا الموضوع بالنسبة لمطهّری، وأنّ الغایة منه بناء مجتمع کامل، کما قارنت الدراسة بین وجهة نظر مطهّری والفیلسوف الألمانیّ نیتشه الذی أشار إلى فکرة الإنسان الأعلى؛ منطلقًا من رفضه للمذاهب الأخلاقیّة السائدة فی أوروبا وللمیتافیزیقا بشکل عامّ.

   وخلصت الدراسة إلى الارتباط بین الأخلاق والدین، وإلى عدم وجود التعارض بینهما؛ فالأخلاق هی جوهر الدین.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

          الدین، الأخلاق، القیم، المیتافیزیقا، السعادة، الفضیلة، الإنسان الکامل، الإنسان الأعلى.

مقدّمة:

تفرض أسئلة الأخلاق نفسها على العقل البشریّ فی کلّ حین؛ وذلک منذ فجر البشریّة، امتدادًا إلى عصرنا الراهن الذی باتت البشریّة فیه تواجه أزمات قیمیّة کبیرة، أفرزت أسئلة إشکالیّة عدّة تتطلّب أجوبةً وحلولًا؛ أبرزها:

-       هل من معیار ثابت یحدّد طبیعة القیم؟

-       هل هناک من ثبات فی منظومة القیم أم إنّ هذه المنظومة خاضعة لسنّة التغیّر والتحوّل التی تحکم حرکة المجتمعات البشریّة عبر التاریخ؟

-       ما السبیل إلى معالجة أزمة العلاقة بین النظریّة والتطبیق قیمیًّا؛ بغیة الوصول بالإنسان إلى أعلى مراتب الکمال الإنسانیّ؟

وانطلاقًا من هذه الإشکالیّات السابقة، تأتی فکرة هذه الورقة البحثیّة لتبیّن وجهة نظر عَلَم من أعلام الفلسفة الإسلامیّة المعاصرة فی المسألة، وهو الأستاذ الشهید مرتضى مطهّری الذی یملک مشروعًا إسلامیًّا نهضویًّا، یقوم على فکرة ضرورة الإصلاح، ولاسیّما فی الجوانب الثقافیّة والفکریّة للأمّة.

وسیعمل هذا البحث على بیان وجهة نظر الشهید مطهّری الأخلاقیّة، مستعرضًا إجاباته على مسائل جوهریّة؛ منها: نسبیّة الأخلاق، ومفهوم الإنسان الکامل وعلاقته بالقیم، مع إجراء مقارنة بین مفهوم الإنسان الکامل عند الشهید مطهّری ومفهوم الإنسان الأعلى عند الفیلسوف الألمانیّ نیتشه.

 

أولًا: سؤال الأخلاق فی المدارس الفلسفیّة:

حاز السؤال عن القیم منزلة رفیعة فی الفکر الفلسفیّ عبر التاریخ؛ بدءًا من الفلسفة الیونانیّة؛ وصولًا إلى الفلسفة المعاصرة، مع تفاوت فی درجة الاهتمام من عصر إلى آخر.

وقبل الحدیث عن موقعیّة السؤال الأخلاقیّ فی الفکر الفلسفیّ عبر التاریخ، لا بدّ من تحدید هذا المفهوم وبیان المراد منه فلسفیًّا.

لقد دأب فلاسفة الأخلاق على مرّ التاریخ على وضع تعریف لموضوع بحثهم؛ أی علم الأخلاق، ومع صعوبة إحصاء هذه التعریفات کلّها، یمکن استخلاص تعریف مشترک للأخلاق؛ فـ"الأخلاق فی اللغة جمع خلق؛ وهو السجیّة والعادة والطبع، ویردّها البعض إلى ملکة أو حسّ تصدر بها عن النفس الأفعالُ بسهولة، من غیر تقدّم فکر ورویّة وتکلّف؛ فغیر الراسخ من صفات النفس، کغضب الحلیم، لا یکون خُلُقًا... والأخلاق هی علم السلوک، وموضوعه الفضائل والرذائل وطبیعتها وظهورها، وکیفیّة اقتنائها أو توقیتها"([2]).

وإذا کانت الأخلاق هی علم السلوک؛ أی العلم الذی یحدّد مبادئ السلوک الإنسانیّ، فما هو المعیار الذی یحدّد طبیعة هذه المبادئ؟ وهل هذه المبادئ عامّة ومشترکة بین مختلف المجتمعات وعبر کلّ العصور؟ وإذا کان الأمر کذلک، لماذا ثمّة مذاهب أخلاقیّة متعدّدة ومختلفة؟

وفی معرض الإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من التمییز بین الأخلاق والقانون، مع الإشارة إلى أنّ کثیرین یخلطون بین الأمرین، وهذا أمر غیر صحیح؛ فبما أنّ القوانین التی سادت المجتمعات عبر التاریخ وضعیّة، فهی لیست ثابتة، بل محکومة بالتحوّل. وبالتالی؛ فما هو قانونیّ لیس أخلاقیًّا بالضرورة، وما هو أخلاقیّ لیس قانونیًّا بالضرورة؛ لأنّ کثیرًا من القوانین والدساتیر تاریخیًّا قد سُنَّت على قیاس الحکّام والملوک، بشکل یحفظ مصالحهم وتواجدهم على رأس السلطة.

وبالعودة إلى سؤال القیم، نشیر إلى أنّ هذا السؤال کان سؤالًا جوهریًّا منذ ربیع الفلسفة الیونانیّة؛ ففلسفة سقراط لم تکنْ فلسفة طبیعیّة على غرار فلسفة هرقلیطس وبارمنیس... وإنّما کان محور فلسفته الإنسان باعتباره کائنًا عاقلًا؛ وهو "قد اتّجه إلى سبر غور الروح الإنسانیّة، یستطلع الافتراضات، ویستجوب الیقینیّات. وإذا تحدّث الناس عن العدالة المتعارفة کان یسألهم بهدوء، ما هی هذه العدالة؟ وماذا تعنون بهذه الکلمات المجرّدة التی تحلّون بها بمثل هذه السهولة مشاکل الحیاة والموت؟"([3]).

وقد اقتصرت فلسفة سقراط على الإنسان، "وانحصرت عنده فی دائرة الأخلاق؛ باعتبارها أهمّ ما یهمّ الإنسان... وهذا معنى قول شیشرون: إنّ سقراط أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض؛ أی إنّه حوّل النظر من الفلک إلى النفس"([4]).

وکان سقراط معنیًّا بإیجاد حلول للمجتمع الأثینی الذی نشأ فیه، وإجراء إصلاحات جذریّة فی هذا المجتمع؛ ولذلک کان السؤال الأبرز عنده کیف السبیل إلى إیجاد قیم أخلاقیّة جدیدة فی أثینا من أجل إنقاذ الدولة؟

وقد أدّت الإجابة عن هذه الأسئلة إلى الحکم على سقراط بالموت من قبل السلطة الأرستقراطیة، التی وجّهت إلیه تهمة الفساد الأخلاقیّ؛ قائلة: إنّک تفسد عقول الشباب([5]).

واستمرّ الاهتمام بالسؤال الأخلاقیّ عند أفلاطون تلمیذ سقراط؛ إذ عنی بإیجاد المجتمع المثالیّ والدولة الفاضلة التی یرأسها الفلاسفة، والتی لا یمکن تحقّقها إلا من خلال نظام تربویّ صارم؛ ولذلک کان کتابه "الجمهوریّة"، الذی یبیّن فیه أخلاق الناس وصلاتهم الاجتماعیّة؛ کما یبیّن فیه أنواع الملک متحدّثًا عن نظم الحکم.

ویبحث کتاب الجمهوریة «فی العدالة وماهیّتها، ویتدرّج إلى بیان أنّ الدولة الکاملة عادلة، وأنّها صنو المواطن العادل. وعلى أساس المقارنة بین خصائص الفرد المواطن والدولة یقوم الحکم العادل»([6]).

وانتقل السؤال عن الأخلاق إلى أرسطو؛ تلمیذ أفلاطون، الذی امتاز بأنّه بحث فی العلم الطبیعیّ، وما بعد الطبیعة؛ کما امتاز بوضعه لعلم المنطق الذی یمثّل القواعد التی تجعل من تفکیر الإنسان سلیمًا.

وبعد أن استغرق أرسطو فترة من الزمن باحثًا فی الأمور الطبیعیّة والمنطق، وبعد أنْ التفّ حوله الشباب، اتّجه بشکل أکبر باتّجاه المشاکل الأخلاقیّة، فـ"بدا له بوضوح أنّ السؤال الأساس الذی یفوق جمیع الأسئلة التی تناولت العالم الطبیعیّ هو السؤال عن الحیاة الفاضلة، فما هی الحیاة الفاضلة؟ وما هو الخیر الأعظم فی الحیاة؟ وما هی الفضیلة؟ وکیف نستطیع بلوغ السعادة وتحقیقها؟"([7])

کما بحث أرسطو فی مفهوم الفضیلة، واعتبر أنّ الفضیلة الخلقیّة هی الوسط بین رذیلتین؛ أی بین الإفراط والتفریط؛ فالشجاعة هی فضیلة وسط بین الجبن والتهوّر، والکرم هو فضیلة وسط بین البخل والإسراف.

واعتبر أرسطو أنّ الفضائل فی مواجهة اللذائذ والآلام؛ کما اعتبر أنّ سبب انحراف الناس وتوجّههم نحو الرذائل هو إمّا میلهم الشدید باتّجاه اللذائذ، أو ابتعادهم المفرط عن الآلام. وتبیّن أنّ ما یؤثّر فینا أشیاء ثلاثة؛ هی: الجمیل والنافع واللذیذ، وأضدادها القبیح وغیر النافع والمکروه. وصاحب الفضیلة هو من یحسن التعامل مع هذه المؤثّرات([8]).

وقد قرن أرسطو فی کتابه "الأخلاق إلى نیقوماخوس" بین الفضیلة والسعادة، معتبرًا أنّ السعادة تتحقّق باتّباع الفضائل؛ فـ"السبب الفعّال حقًّا فی السعادة إنّما یقوم فی الفعل الموافق للفضیلة، بینما الفعل المنافی لها هو السبب فی الحالة المضادّة، والصعوبة التی نناقشها الآن تشهد على صحّة برهاننا؛ ذلک أنّه لا یوجد فی أیّ فعل إنسانیّ ثبات مشابه لثبات الأفعال الموافقة للفضیلة، وهی تبدو أکثر ثباتًا من المعارف العلمیّة نفسها. ومن بین هذه الأفعال الفاضلة نفسها، فإنّ أسماها هی الأوفر ثباتًا؛ لأنّه فی ممارستها یمضی الإنسان السعید الشطر الأکبر من حیاته وعلى نحو أکثر اتّصالًا، وهذا هو السبب فی أنّ النسیان لا یصیبها... وإذا کانت أفعالنا هی التی تکوّن العامل المحدّد فی حیاتنا، کما قلنا، فلا یمکن لإنسان سعید أنْ یصبح شقیًّا؛ لأنّه لنْ یرتکب أبدًا أفعالًا کریهة وخسیسة"([9]).

وبناءً على ما تقدّم، یلاحظ اهتمام الفلسفة الیونانیّة بسؤال الأخلاق؛ باعتباره سؤالًا مرکزیًّا برز فی وجهات نظر أبرز فلاسفة الیونان؛ بدءًا من سقراط، ومرورًا بأفلاطون، ثمّ أرسطو.

ومع انتقال الفلسفة الیونانیّة إلى العالم العربیّ والإسلامیّ فی عصر الترجمة، انتقل معها أهمّ المباحث التی أثارها فلاسفة الیونان فی الأنطولوجیا، والمیتافیزیقا، والمنطق، وغیرها من المباحث. وکان سؤال القیم من أهمّ الأسئلة المنتقلة إلى الفکر العربیّ والإسلامیّ؛ لأنّه سؤال حیویّ فرضه الواقع فی المشرق، وخصوصًا فی شبه الجزیرة العربیّة؛ وقد أتى هذا الطرح فلسفیًّا إلى جانب الطرح الدینیّ؛ إذ اهتمّ الإسلام بوصفه رسالة سماویّة بهذا الموضوع؛ هادفًا إلى تغییر منظومة القیم التی کانت سائدة عند القبائل العربیّة قدیمًا، والتی کانت تقوم فی معظمها على مبادئ التفکیر القبلیّ الذی تحکمه الغریزة الحیوانیّة، والعصبیّة العمیاء التی بقیت رواسبها حتّى بعد مجیء رسالة الإسلام.

وقد أکّد الإسلام على الجانب الأخلاقیّ؛ باعتباره الأساس، وتجلّى ذلک بتوجیه الخطاب إلى الرسول (ص) بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّکَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِیمٍ ([10]). وقد ورد عن رسول الله (ص) قوله: "إنّما بعثت لأتمم مکارم الأخلاق"[11]، وورد عن الإمام جعفر الصادق قوله: "إنّ الله خصّ رسوله بمکارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسکم، فإنْ کانت فیکم، فاحمدوا الله وارغبوا إلیه فی الزیادة منها. فذکرها عشرة: الیقین، والقناعة، والصبر، والشکر، والحلم، وحسن الخُلُق، والسخاء، والغیرة، والشجاعة، والمروّة"([12]).

وقد اهتمّ المفکّرون المسلمون بموضوع الأخلاق وأولوه عنایة بالغة، فبحثه المتکلّمون ضمن بحثهم عن الفعل الإنسانیّ لجهة حسنه وقبحه، فسمّوا فاعل القبیح فاسقًا، وفاعل الحسن فاضلًا. وقد ورد بیان معنى الفسق والفضیلة فی مباحث المتکلّمین، مع وجود الاختلاف بینهم حول مفهوم الفاسق والکافر وحدود هذین المفهومین؛ أی فی أیّ الأحوال یکون الإنسان فاسقًا وفی أیّها یکون کافرًا؟

ومن المتکلّمین من اعتبر الفاسق کافرًا، ومنهم من اعتبره مؤمنًا، ومنهم من وقف موقفًا وسطًا بین الرأین؛ وقد ورد عن القاسم الرسّی فی معرض حدیثه عن الفاسق قوله: "کلّ من أتى کبیرة من الکبائر، أو ترک شیئًا من الفروض المنصوصة، على الاستحلال لذلک، فهو کافر مرتد، حکمه حکم المرتدّین، ومن فعل شیئًا من ذلک؛ اتّباعًا لهواه وإیثارًا لشهواته، کان فاسقًا فاجرًا؛ ما أقام على خطیئة، فإنْ مات علیها غیر تائب منها، کان من أهل النار خالدًا فیها وبئس المصیر"([13]).

وورد عن المعتزلة اعتبارهم أنّ الفاسق لا مؤمن ولا کافر؛ وإنّما هو فی منزلة بین المنزلتین، وقد أورد أبو الحسن الأشعری عنهم ذلک بقوله: "المعتزلة بأسرها؛ إلا الأصم، تنکر أنْ یکون الفاسق مؤمنًا، وتقول: إنّ الفاسق لیس بمؤمن ولا کافر، وتسمّیه منزلة بین المنزلتین، وتقول: فی الفاسق إیمان لا نسمّیه به مؤمنًا، وفی الیهودی إیمان لا نسمّیه به مؤمنًا"([14]).

ونلحظ فی ما تقدّم أنّ منشأ البحث فی المسألة الخُلُقیّة عند المتکلّمین میتافیزیقیّ، یرتبط بالسؤال عن مصیر الإنسان بعد الموت؛ وتمّ التعبیر عنه بالسؤال عن فاعل الکبیرة هل هو کافر أم لا؟ وهذا السؤال یبحث عن مصیر فاعل الکبیرة بعد الموت؛ ذلک أنّ کفر فاعل الکبیرة یؤدّی إلى نتیجة تختلف عن کونه مجرّد فاسق.

کما إنّ للمسألة عند المتکلّمین ارتباطًا بقضیّة التحسین والتقبیح؛ أی هل الحسن والقبح فی الأشیاء شرعیّان أم عقلیّان؟ وقد انقسم المتکلّمون المسلمون إزاء هذه القضیّة إلى فریقین: الأوّل یرى أنّ الحسن والقبح فی الأشیاء شرعیّان؛ أی إنّنا لا نستطیع أنْ نعرف حسن الأشیاء أو قبحها إلا من خلال النصوص الشرعیّة. ویمثّل هذا الفریق الأشاعرة؛ وفی ذلک یقول الباقلانیّ: "جمیع قواعد الشرع تدلّ على أنّ الحسن ما حسّنه الشرع وجوزه وسوّغه"([15]). وأمّا الفریق الثانی المتمثّل بالمعتزلة والإمامیّة الاثنی عشریّة، فیرى أنّ الحسن والقبح فی الأشیاء عقلیّان؛ أی إنّ العقل یستطیع أنْ یدرک الحسن والقبح فی الأشیاء؛ ولو لم یرد نصّ شرعیّ على ذلک؛ إذ إنّ ثمّة کثیرًا من الأمور التی یمکن للعقل أنْ یدرکها بنحو مستقلّ؛ منها: شکر المنعم، وردّ الودیعة، والصدق النافع، وقبح الظلم... وقد أورد متکلّمو الإمامیّة على ذلک أدلّة عدّة؛ أبرزها: أنّ الحسن والقبح لو کانا شرعیّین فقط؛ لَمَا قبح من الله شیء، کأنْ یظهر المعجزة على ید الکذّابین؛ وذلک یسدّ باب النبوّة؛ إذ لا یمکن حینئذ تصدیق أیّ نبی أتى بالمعجز([16]).

وأمّا عند الفلاسفة المسلمین؛ کالفارابیّ، وابن سینا، فقد أخذ الموضوع أبعادًا مختلفة، فاستمدتّ نظریّة الأخلاق عند الفارابی أصولها من النظریّة الأخلاقیّة الیونانیّة عمومًا، التی ترى أنّ السعادة هی الخیر الأقصى للحیاة الإنسانیّة بأنشطتها المختلفة([17]).

والسعادة -بحسب الفارابیّ- غایة کلّ إنسان، وهی لا تدرک إلا باتّباع الفضائل الخُلُقیّة، وفی ذلک یقول الفارابی: "الأشیاء الإنسانیّة التی إذا حصلت فی الأمم وفی أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة الدنیا فی الحیاة الأولى، والسعادة القصوى فی الحیاة الأخرى؛ أربعة أجناس: الفضائل النظریّة، والفضائل الفکریّة، والفضائل الخلقیّة، والصناعات العملیّة"([18]).

ونستنتج من کلام الفارابیّ إیمانه بعالم ما بعد الموت، وهو لذلک یرى أنّ السعادة دنیویّة وأخرویّة؛ متماهیًا مع الخطاب الدینیّ، الذی ذمّ الباحثین عن السعادة الدنیویّة فقط، منبِّأً إیّاهم بالخسران؛ وفی ذلک یقول تعالى فی کتابه الکریم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ یَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِی الدُّنْیَا وَمَا لَهُ فِی الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ *  وَمِنْهُمْ مَنْ یَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِی الدُّنْیَا حَسَنَةً وَفِی الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾([19]).

وتحدّث الفارابی فی نظریّته الأخلاقیّة عن الفضائل؛ ذاکرًا فضائل ثلاث؛ هی: الفضائل النظریّة، والفضائل الخلقیّة، والفضائل الفکریّة، وطارحًا السؤال عن التفاضل بین الفضائل والفضائل الأسمى؟ أی هل هناک فضیلة أکمل؟ أم إنّ الکمال باجتماع الفضائل کلّها؟

ویرى الفارابی أنّ الکمال الإنسانیّ یتحقّق باجتماع الفضائل کلّها فیه؛ "فإنْ لم یتّفق أنْ تحصل فیه هذه الفضائل کلّها، حتّى إذا أراد أن یوفّی أفعال الفضیلة استعمل أفعال الفضیلة الجزئیّة فیه، کانت فضیلته الخُلُقیّة تلک فضیلة تستعمل فیها أفعال الفضائل الکائنة فی کلّ مَنْ سواه؛ من أمم، أو مدن فی أمّة، أو أقسام مدینته، أو أجزاء من قسم، فهذه الفضیلة هی الفضیلة الرئیسة التی لا فضیلة أشدّ تقدّمًا منها فی الریاسة"([20]).

وقد حذا ابن سینا حذو الفارابیّ فی إعطاء أهمّیّة لموضوع الفضیلة والسعادة والعلاقة بینهما؛ فقد أشار ابن سینا إلى وهم شائع عند الناس، وهو أنّ السعادة تکمن فی الحصول على اللذات الحسّیّة؛ فهی القویّة والحقیقیّة، وما دونها ضعیف وغیر حقیقیّ. وقد بیّن ابن سینا فساد ذلک الرأی؛ إذ إنّ کثیرًا من البشر یرفضون الحصول على الملذات الحسّیّة؛ حفاظًا على کرامتهم؛ وذلک لیس عند الإنسان فحسب، بل عند الحیوان؛ إذ غالبًا ما تفضّل أنثى الحیوان ولیدها على نفسها. وقد شبّه ابن سینا حال الراغب بالملذّات الحسّیّة بالأنعام، وحال المتعالی عن هذه الملذّات بالملائکة، مستنکرًا الحالة الأولى؛ بقوله: "فلا ینبغی أنْ نستمع إلى قول من یقول: إنّا لو حصلنا على جملة لا نأکل فیها ولا نشرب ولا ننکح، فأیّة سعادة تکون لنا. والذی یقول هذا فیجب أن یبصَّر ویقال له: یا مسکین! لعلّ الحال التی للملائکة وما فوقها ألذّ وأنعم من حال الأنعام، بل یمکن أنْ یکون لأحدهما إلى الآخر نسبة یعتدّ بها"([21]).

وبهذا نکون قد قدّمنا عرضًا لموضوع الأخلاق؛ کما طرحته بعض الاتّجاهات الفلسفیّة عیر التاریخ، ویأتی الکلام الآن على المسألة الخُلُقیّة عند الشهید مرتضى مطهّری.

 

ثانیًا: الأخلاق فی فکر الشهید مطهّری:

اهتمّ الشهید مطهّری بموضوع الأخلاق، فظهر هذا الاهتمام من خلال أکثر من مؤلَّف له؛ وضمّن بعض مؤلّفاته عرضًا لآراء أستاذه السید محمد حسین الطباطبائیّ، مع شرح مفصّل لما جاء به أستاذه أو تقریرٍ لمحاضراته.

وقد جاء بحث الشهید مطهّری فی الموضوع الأخلاقیّ بهدف الکشف عن مسالک الکمال الإنسانیّ؛ من منطلق أنّ الکمال هو طموح وغایة شریفة لکلّ إنسان، والإنسان الکامل هو الإنسان الذی یمثّل الأنموذج الأفضل للبشریّة.

ومعرفة الإنسان الکامل هی ضروریّة بالنسبة إلى الفرد المسلم؛ بحسب رأی الشهید مطهّری؛ لأنّ الإنسان الکامل هو القدوة والمثال لغیره من الناس؛ وقد أراد الله تعالى من کلّ إنسان أنْ یکون الکامل، وهذا هو الهدف من الخلق؛ وفی ذلک یقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّکَ لِلْمَلَائِکَةِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِیهَا مَنْ یُفْسِدُ فِیهَا وَیَسْفِکُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِکَ وَنُقَدِّسُ لَکَ قَالَ إِنِّی أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾([22]).

وبناءً علیه، فکلّ إنسان معنیٌّ بالوصول إلى مقام الخلافة، ولیس الأنبیاء (عله) فقط. ومقام الخلافة هو المقام الذی یتحقّق فیه الکمال لدى الإنسان، ویکون بذلک مستحقًّا لمقام خلافة الله فی الأرض.

ویبیّن الشهید مطهّری الغایة من وجوب معرفة الکمال الإنسانیّ؛ وهی بناء مجتمع إنسانیّ کامل؛ فمتى ما عرف المسلمون الإنسان الکامل استطاعوا أن یکونوا على شاکلته، وأن یکونوا أفرادًا کاملین؛ وبهذا یستطیعون بناء المجتمع الکامل. وسبیل معرفة الإنسان الکامل یکمن فی التعرّف على صفاته فی القرآن الکریم وفی السنّة النبویّة([23]).

ونجد فی القرآن الکریم والسنّة النبویّة مجموعة وافیة من الصفات التی تدلّ على الکمال الإنسانیّ، والتی تصلح لأنْ تکون مرجعًا للراغبین فی السیر والتقدّم فی مراتب الکمال، وربّما تکون المرجع الوحید الصالح فی هذه الحالة، على اعتبار أنّ مصدرها إلهیّ، والله تعالى مصدر الکمال، وهو الکامل المطلق؛ کما یرى الفیلسوف الفرنسی رینیه دیکارت([24]).

ویرى الشهید مطهّری أنّ الإنسان الکامل لیس فکرة ذهنیّة فقط، بل على العکس، له وجود واقعیّ وتحقّق عینیّ؛ وهناک من الأمثلة ما یمکن أن یتّخذه الإنسان قدوة ومثالًا؛ کرسول الله محمد (ص)، والإمام علی بن أبی طالب (ع). ومعرفة الإنسان الکامل هی معرفة شخصیّته بأبعادها المتنوّعة، ولیست مجرّد معرفة لشخصه([25]).

وقد ورد مصطلح الکمال بمعناه الصریح فی القرآن الکریم، وجاء مقرونًا بمصطلح التمام؛ وذلک فی قوله تعالى: ﴿الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلَامَ دِینًا﴾([26]). فهل هناک من فارق بین المصطلحین أم إنّهما یؤدّیان إلى المعنى نفسه؟

والجواب أنّه یوجد تمایز معنویّ بین المصطلحین، وإلا لکان ورودهما معًا فی الآیة نفسها من باب اللغو الذی لا فائدة منه، وقد أشار الشهید مطهّری إلى تمایز المصطلحین معنویًا، من خلال الحدیث عن الآیة الآنفة الذکر، مبیّنًا أنّ لفظ التمام یدلّ على وجود نقص قد جرى إتمامه؛ فالتمام عبارة عن الدرجات التی تجعل من الناقص مکتملًا. وعلى خلاف ذلک، فإنّ الکمال هو عبارة عن الدرجات التی یرتقی إلیها الموجود بعد أنْ یکون تامًّا. ویمکننا أن نوضّح الفرق بین المصطلحین من خلال المثال الآتی: شخصان قد نجحا فی امتحانهما فی الریاضیّات، ففی هذه الحالة یکونان قد حقّقا معًا تمام المطلوب؛ وهو النجاح، ولکنّ الکمال أنْ یکون أحدهما قد نجح بدرجة ستّین من مئة، وأنْ یکون الآخر قد نجح بدرجة سبعین من مئة؛ فنجاح الثانی أکمل من نجاح الأوّل.

وبناءً على ذلک، فالإنسان الکامل هو "الذی بلغ أرفع حدود الإنسانیّة"([27]).

وقد أشار الشهید مطهّری إلى أنّ محیی الدین بن عربی هو أوّل من استخدم مصطلح الإنسان الکامل؛ وذلک واضح فی الفتوحات المکّیّة؛ إذ یقول ابن عربی فی ذلک: "الإنسان الکامل، وإنّما قلنا الکامل؛ لأنّ اسم الإنسان قد یطلق على المشبّه به فی الصورة، کما تقول فی زید إنّه إنسان، وفی عمرو إنّه إنسان، وإنْ کان زید قد ظهرت فیه الحقائق الإلهیّة، وما ظهرت فی عمرو، فعمرو فی الحقیقة حیوان على شکل إنسان..."([28]).

والإنسان الکامل -بحسب فلسفة ابن عربی- هو الذی حقّق إنسانیّته؛ تلک الإنسانیّة التی هی مرتبة الخلافة عن الله تعالى؛ هذه المرتبة التی یتحلّى بها الخلیفة بصفات المستخلِف، وبالتالی فلیس کلّ فرد خلیفة، بل الخلیفة هو الذی تجرّد من حیوانیّته ووصل إلى تحقیق إنسانیّته([29]).

هل الإنسان الکامل عند ابن عربی هو جنس عامّ یندرج تحته أفراد کثر، أم إنّه اسم لحقیقة واحدة؟

یظهر من کلام ابن عربی أنّ الإنسان الکامل هو محمد (ص)، وهذا المصطلح یشیر إلى الحقیقة المحمّدیّة التی "هی قطب یدور فی فلکه کلّ طالب للکمال، فلا یزال یدور؛ أی یتحقّق بالصفات المحمّدیّة، ویدور... وفی دورانه یصغر قطر الدائرة ویصغر، حتّى یتلاشى القطر، ویتحقّق الطالب بوحدته الذاتیّة مع مرکز الدائرة؛ أی الحقیقة المحمّدیّة. وهنا، یُطلَق علیه فی تحقّقه اسم من تحقَّق به؛ أی اسم الإنسان الکامل"([30]).

وبینما جاء حدیث ابن عربی عن الإنسان الکامل ضمن إطار عرفانیّ محض، أتى حدیث الشهید مطهّری ضمن إطار أخلاقیّ؛ انطلاقًا من فهم إشارات القرآن الکریم للإنسان الکامل. وعلى هذا الأساس، یأتی الاهتمام بالمنظومة الأخلاقیّة، على اعتبار أنّها شرط ضروریّ للوصول إلى مرتبة الکمال الأخلاقیّ. ولذا، یمکن الحدیث عن تمامیّة هذه المنظومة فی الرسالة المحمّدیّة؛ لأنّه من دون التمام لا یمکن الوصول إلى الکمال أبدًا.

وبناءً على ما تقدّم، یأتی السؤال عن طبیعة المنظومة الأخلاقیّة المُوصِلة إلى الکمال الإنسانیّ، هل ما یحکم هذه المنظومة هو الثبات؟ أم إنّ ما یحکمها هو مبادئ التطوّر والتحوّل والتغیّر؟ وبصیغة أخرى: هل البنیة الأخلاقیّة والقانونیة جامدة ومقفلة، أم إنّها متحرّکة ومفتوحة، قابلة لاستیعاب عناصر جدیدة، وربّما بدیلة للعناصر الموجودة؟

وإذا لم تکن عناصر البنیة الأخلاقیّة لأیّ مجتمع ثابتة، فما هو المعیار الذی یحدّد الصحیح من غیره؟ وما هی السلطة الحاکمة التی تحکم بضرورة تجاوز بعض العناصر والإبقاء على عناصر أخرى؟

وفی معرض بحثه عن مسألة ثبات الأخلاق، أجرى الشهید مطهّری مقارنة بین الأخلاق والحقیقة، متسائلًا عن سبب تمییز الفلاسفة بین الأخلاق والحقیقة.

وربط الشهید مطهّری مسألة ثبات الأخلاق وخلودها بثبات التعالیم الإسلامیّة؛ إذ إنّ البنیة الأخلاقیّة هی من أسس المنظومة الدینیّة الإسلامیّة، وهی مرتبطة بالبنائین العقدیّ والفقهیّ. وعلیه، إذا لم تکنْ القیم الأخلاقیّة ثابتة؛ فهذا یعنی أنّ التعالیم الإسلامیّة لیست ثابتة أیضًا([31]).

وتجدر الإشارة إلى أنّ أیّ محاولة للفصل بین الجانب الأخلاقیّ والجانب الإسلامیّ لیست صحیحة، وهی محاولة تشبه الدعوات التی تدعو إلى الفصل بین الدین والدولة، أو بین الدین والسیاسة، على قاعدة أنّ ما لقیصر لقیصر وما لله لله، أو بناءً على اعتبار أنّ الناس لم یُخلقوا لیکونوا عبیدًا، تفرض علیهم السلطة الغیبیّة منظومة قیمیّة وقانونیّة، لا دخل لهم فی وضعها، وتلزمهم بها، وتحاسبهم علیها؛ بل الناس مفطورون على الحرّیّة التی تخوّلهم أنْ یسنّوا بأنفسهم القوانین التی تناسبهم، والتی تلزمهم من منطلق أنّ الحرّیّة هی التحدید الذاتیّ؛ بحسب التعبیر الهیغلیّ.

ویمکننا القول فی هذا الإطار: ثمّة خلط بین مفهومی الحرّیّة والعبودیّة؛ کما إنّ ثمّة قصورًا فی فهم معنى الحرّیّة والعبودیّة، وهذا ما یؤدّی إلى الخطإ فی تطبیق هذین المفهومین على مصادیقهما المتعدّدة. فکثیرٌ من التصرّفات التی تصدر عن الناس تدلّ فی ظاهرها على الحرّیّة، بینما تجسّد فی واقعها حقیقة العبودیّة، لکنْ لیس لمبدأ سامٍ؛ ومثال ذلک: تناول المخدرات، فهذا الفعل یعبّر فی ظاهره عن الحرّیّة الفردیّة، لکنّه فی حقیقته یخالف جوهر الحرّیّة، لأنّ الإنسان یصبح أسیرًا له، وبالتالی یؤدّی هذا الأمر إلى هلاک الجسد والنفس.

ویمکننا أن نشیر أیضًا، إلى عدم إمکانیّة الفصل بین أیّ دین سماویّ وبین المنظومة الأخلاقیّة التی یتقبّلها العقل البشریّ والفطرة السلیمة؛ فإنّ أیّ دین یخالف هذه المنظومة، یکون قد خالف وظیفته التی لأجلها وُجِد، کما إنّ أیّ عنصر منسوب إلى الدین یخالف المنظومة الأخلاقیّة، أو لا ینتسب إلیها، فهو لیس من حقیقة الدین السماویّ.

ویقترن القول بثبات الأخلاق بثبات المنظومة الدینیّة، ولکن کیف یمکن تحدید ثبات الأخلاق؟ أو بأیّ الأمور تثبت الأخلاق؟ وکیف یمکن البرهنة على أنّ هذه الأخلاق حسنة والأخرى سیّئة؟

نقل الشهید مطهّری رأی أستاذه السیّد محمد حسین الطباطبائیّ فی أنّ هذه المسائل لا یمکن البرهنة علیها؛ لأنّها من الأمور الاعتباریة([32]). والأمور الاعتباریّة هی التی یکون المعیار فیها الإنسان، وبالتالی، فإنّ الحکم فیها یختلف بین شخص وآخر، وبین مجتمع وآخر.

ومن هنا، یأتی السؤال عن دور العقل فی إدراک المسائل الاعتباریّة والمسائل الأخلاقیّة، مع وجود الاختلافات بین المجتمعات الإنسانیّة؟ ألا ینبغی أنْ یکون العقل هو الحاکم فی هذه الأمور؟

وإنْ کان یصحّ رأی بعضهم فی أنّ العقل عاجز عن إدراک کثیرٍ من الأمور المیتافیزیقیّة، وعِلل بعض الأحکام الدینیّة والتشریعیّة، لکنْ لا ینبغی فی المقابل التشکیک فی قدرة العقل الإدراکیّة للمسائل الأخلاقیّة. فصحیح أنّ ثمّة بین الناس فی المجتمعات المتعدّدة اختلافات على صعید القیم، ولکنّ ذلک لا یعود إلى أحکام العقل الصادرة بحرّیّة تامّة ومن دون قیود، وإنّما یعود إلى المنطلقات الأیدیولوجیّة التی لبست لبوس المقدَّس، فآمن بها الناس إیمانًا قلبیًّا -إنْ صحّ القول- إلى أنْ أصحبت جزءًا من الموروث الثقافیّ الذی لا یمکن تجاوزه.

وبناءً علیه، نعود لنؤکِّد على ارتباط الأخلاق بفکرة الکمال؛ إذ لا یمکن لأیّ فرد أنْ یصل إلى الکمال الإنسانیّ إلا من خلال منظومة أخلاقیّة سلیمة ومتکاملة، مع ضرورة الإشارة إلى أنّ مفهوم الإنسان الکامل قد طُرح فی الفلسفة الغربیّة، من الفیلسوف الألمانی نیتشه على وجه الخصوص، فما هی عناصر التمایز بین مفهوم نیتشه ومفهوم الشهید مطهّری للإنسان الکامل؟

 

ثالثًا: مفهوم الإنسان الکامل بین نیتشه ومطهّری:

الظاهر من فلسفة الفیلسوف الألمانی نیتشه نزعته التشاؤمیّة، التی ترى کلّ شیء أسود، وترى الشرّ یسود على حالات الخیر فی المجتمع.

لاحظ نیتشه أنّ جهود البشر على تنوّعها تصبّ فی هدف واحد، هو: صنع ما ینفع لحفظ النوع؛ ولیس ذلک حبًّا بالنوع، وإنّما هو غریزة ضاربة بجذورها، ومتمکّنة فی البشر؛ "لأنّ هذه الغریزة هی بالضبط ماهیّة النوع التجمّعی الذی نشکّله"([33]).

وبناءً على مبدإ حفظ النوع، یرى نیتشه عدم مقبولیّة المنهج الذی یصنّف الناس ضمن صنفین: خیّر وشرّیر؛ إذ ربّما یکون أسوأ الناس هو الأفضل؛ انطلاقًا من وجهة نظر حفظ النوع؛ "لأنّه یحتفظ فی نفسه، أو یحتفظ الآخرون بتأثیره بغرائز من دونها کانت الإنسانیّة قد تراخت وفسدت منذ زمن طویل"([34]).

وانطلاقًا من هذا المبدإ، فجمیع الحالات العدوانیّة التی تشهدها البشریّة، من حالات النهب، والسیطرة، والتملّک، هی حالات شریرة فی ظاهرها، ولکنّها تصبّ فی خدمة النوع.

وطرح نیتشه إشکالیّة علاقة العلم بالعمل؛ متسائلًا عن مدى إمکانیّة تأسیس العلم للعمل، وعن الغایة المرجوة من العلم، متناولًا المعتقد الشائع؛ وهو أنّ الغایة من العلم أنْ یحقّق للإنسان أکبر قدر من اللذّة، وأنْ یبعد عنه أکبر قدر من الکدر، "ولکنْ کیف سیتمکّن العلم من ذلک إذا کان اللذّة والکدر یشکّلان عقدة واحدة، إلى درجة أنّ من یرید أنْ یحصل على أکبر قدر ممکن من اللذّة؛ فعلیه أنْ یعانی من الکدر بالقدر عینه -على الأقلّ-، وإذا کان من یرید أنْ یصل إلى جنّات النعیم؛ فعلیه أنْ یستعدّ لیکون حزینًا حتّى الموت؟"([35]). وبذلک فقد أصبحت المعادلة: إمّا أقلّ قدر من اللذّة، وإمّا أکبر قدر من الکدر والتعاسة.

لقد ثار نیتشه على المنظومة الأخلاقیّة السائدة فی زمنه فی أوروبا؛ کما ثار على دین آبائه، معلنًا على لسان زردشت موت الآلهة، هازئًا بالمیتافیزیقا وبالوعود السماویّة التی وعدت بها المسیحیّة أتباعها المؤمنین، باحثًا عن الإله الجدید، فمن هو یا ترى؟ إنّه الإنسان الأعلى "السوبرمان"([36]).

الإنسان الأعلى هو الکائن المنحدر من الإنسان والمتفوّق علیه، وبهذا المعنى یکون الإنسان فی الفلسفة (النیتشویّة) جسر عبور، ولیس هدفًا؛ والعبور هو عبور إلى العود الأبدیّ؛ إذ یتحقّق الإنسان الأعلى الذی ستصبح الأرض مسکنه([37]).

ونلاحظ هنا أنّ الإنسان الأعلى الذی سیأتی فی رحلة العود الأبدیّ، یختلف عن الإنسان الموعود فی الأدبیّات الدینیّة، فبینما الموعود فی الأدبیّات الدینیة هو المخلِّص الذی سیظهر فی آخر الزمان؛ لیخلِّص الناس، ویطهّر العالم من الشرور، نجد الإنسان الأعلى فی فلسفة نیتشه کائنًا من سنخ آخر، أسمى من سائر الناس، وهو لیس نتاج تطوّر وارتقاء؛ کما ترى الداروینیّة؛ لأنّ الأشکال الدنیا برأیه لا تنتج أشکالًا عُلیا([38]).

ویتکوّن الإنسان الأعلى فی الفلسفة (النیتشویّة) نتیجة عملیّة تربویّة منظّمة، ولیس نتاج الإنتخاب الطبیعیّ، وربّما فی ذلک یتقارب نیتشه من الفلسفة الأفلاطونیّة التی تتحدّث عن إقامة نظام تربویّ صارم، یخضع له الفرد؛ لیصل إلى مرتبة تؤهّله لأنْ یکون على رأس السلطة.

وإذا ما أردنا أنْ نقارن بین الفهم (النیتشویّ) وفهم الشهید مطهّری للإنسان الکامل، یمکننا القول: إنّ فکرة الإنسان الأعلى (السوبرمان) عند نیتشه تنطلق من مبدإ رفض الأدیان، وبالتالی رفض المنظومة المیتافیزیقیّة للدین، التی تطلب من الإنسان الضعیف، أو الفقیر، أو المظلوم، الصبر لقاء وعدها له بأجر مقابل تحمّله ذلک، یناله فی الآخرة. ولذلک، فالإنسان الأعلى فی الفلسفة (النیتشویّة) هو الذی یأتی بدیلًا لموت الآلهة؛ وموت الآلهة -هنا- عبارة عن سقوط هذه المنظومات الدینیّة والمیتافیزیقیّة.

وفی المقابل، فإنّ مفهوم الإنسان الکامل فی فلسفة الشهید مطهّری ینطلق من الدین؛ والإنسان الکامل هو الذی یلتزم أشدّ الالتزام بالتعالیم الدینیّة، وبالمنظومة الخُلُقیّة للدین.

 

خاتمة:

بناءً على ما تقدّم فی هذه المقالة، یمکن التأکید على جملة من الأمور؛ هی:

-       علاقة مفهوم الإنسان الکامل بالمنظومة الأخلاقیّة؛ إذ لا یمکن الوصول إلى مصداق هذا المفهوم إلا من خلال التمسّک بالمنظومة الأخلاقیّة.

-       لا یمکن الحدیث عن معنًى مطلق للکمال الإنسانیّ إلا من خلال الإجابة عن السؤال الآتی: هل الأخلاق ثابتة أم متغیّرة؟ فإذا کان ثمّة اتّفاق على الثبات فی الأخلاق، فمن الممکن أنْ یکون ثمّة اتّفاق على معنى الکمال فی الإنسان، أمّا إذا اعتقدنا بأنّ الأخلاق متغیّرة، فهذا لن یؤدّی إلى فهم واحد للکمال الإنسانیّ؛ إذ إنّ هذا المفهوم یتغیّر تبعًا لتغیّر المنظومات الأخلاقیّة.

-       لا یمکن فصل الدین عن المنظومة الأخلاقیّة؛ لأنّها جوهره، وبالتالی، فإنّ أیّ تعالیم دینیّة تناقض الأخلاق، تکون مناقضة لجوهر الدین، وعلیه؛ لا یمکن أنْ یکون ثمّة أیّ تناقض بین التعالیم الدینیّة والأخلاقیّة.



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من لبنان.

[2]  الحفنی، عبد المنعم: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ط3، القاهرة، مکتبة مدبولی، 2000م، ص 231.

[3]  دیورانت، ول: قصة الفلسفة، ترجمة: فتح الله؛ محمد المشعشع، ط6، بیروت، دار المعارف، لا ت، ص12.

[4]  کرم، یوسف: تاریخ الفلسفة الیونانیّة، لا ط، بیروت، دار القلم، لا ت، ص53.

[5]  انظر: دیورانت، قصة الفلسفة، م.س، ص13.

[6]  أفلاطون: الجمهوریة، ترجمة: نظلة الحکیم؛ محمد مظهر سعید، ط3، القاهرة، دار المعارف، لا ت، ص12.

[7]  دیورانت، قصة الفلسفة، م.س، ص86.

[8]  انظر: السند، محمد: العقل العملی، ط1، بیروت، دار الهادی، 2000م، ص74.

[9]  أرسطو: الأخلاق إلى نیقوماخوس، ترجمة: حنین بن إسحق، تحقیق: عبد الرحمن بدوی، الکویت، ص79.

[10]  سورة القلم، الآیة 4.

[11]  الطبرسی، الحسن بن الفضل: مکارم الأخلاق، ط6، قم المقدّسة، منشورات الشریف الرضی، 1392هـ.ق/ 1972م، ص8.

[12]  ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): من لا یحضره الفقیه، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، 1404هـ.ق، ج3، ح4901، ص554-555.

[13]  الرسّی، القاسم: کتاب العدل والتوحید، تحقیق: محمد عمارة، ضمن کتاب رسائل العدل والتوحید، ج1، لا ط، القاهرة، دار الهلال، 1971م، ص154.

[14]  الأشعری، أبو الحسن: مقالات الإسلامیّین، تحقیق: هیلمون ریتر، ألمانیا-فیسبادن، 1963م، ص269.

[15]  الباقلانی، أبو بکر: الإنصاف فی أسباب الخلاف، تحقیق: زاهر بن حسن الکوثری، القاهرة، مؤسّسة الخانجی، 1963م، ص50.

[16] انظر: الحلی، الحسن بن یوسف: الرسالة السعدیة، تحقیق: عبد الحسین بقال، ط1، بیروت، دار الأضواء، 1992م، ص54-55.

[17]  انظر: أبو ریان، محمد علی: تاریخ الفکر الفلسفیّ فی الإسلام، لا ط، بیروت، دار النهضة العربیّة، لا ت، ص256.

[18]  الفارابی، أبو نصر: تحصیل السعادة، ط1، بیروت، دار ومکتبة الهلال، 1995م، ص24.

[19]  سورة البقرة، الآیتان 200-201.

[20]  الفارابی، تحصیل السعادة، م.س، ص64.

[21]  ابن سینا، أبو علی: الإشارات والتنبیهات، تحقیق: مجتبى الزارعی، ط1، قم المقدّسة، مرکز النشر التابع لمکتب الإعلام الإسلامیّ، 1423هـ.ق، ص342-343.

[22]  سورة البقرة، الآیة 30.

[23]  انظر: مطهّری، مرتضى: الإنسان الکامل، ترجمة: جعفر صادق الخلیلی، ط2، بیروت، مؤسّسة البعثة، 1992م، ص6.

[24]  بعد أنْ أثبت دیکارت وجود النفس معبّرًا عن الکوجیتو بقوله: "أنا أفکر؛ إذًا أنا موجود"، انطلق لیثبت وجود الله تعالى من خلال براهین عدّة؛ منها: برهان الکمال الذی یقوم على ثلاث مقاربات؛ هی:

الأولى: أنا أملک فکرة الکمال مع کونی ناقصًا، وبما أنّنی کائن ناقص لا یمکن أنْ أکون أنا من صاغ فکرة الکمال هذه؛ إذًا فلا بدّ من وجود کائن کامل مطلق قد أوجد فکرة الکمال لدی.

الثانیة: بما أنّنی متأکّد من وجودی أنا الکائن الناقص، فلا یمکننی أن أتصوّر أنّنی خالق نفسی؛ فلو کنت خالق نفسی لجعلت من نفسی کاملًا؛ فمن أوجدنی إذًا؟ الکامل المطلق هو الذی أوجد فیّ فکرة الکمال؛ وهو الله تعالى.

الثالثة: هذا البرهان هو البرهان الأنطولوجیّ الدالّ على وجود الله تعالى، والذی ینصّ على أنّ فکرة الکمال تستبطن الوجود؛ فلو کان الله غیر موجود لم یعد الکائن المطلق. (انظر: دیکارت، رینیه: تأمّلات میتافیزیقیّة فی الفلسفة الأولى، ترجمة: کمال الحاج، ط1، بیروت، منشورات عویدات، 1982م، ص114-115).

[25]  انظر: مطهّری، الإنسان الکامل، م.س، ص7.

[26]  سورة المائدة، الآیة 4.

[27]  مطهّری، الإنسان الکامل، م.س، ص11.

[28]  ابن عربی، محیی الدین: الفتوحات المکّیّة، لا ط، بیروت، دار صادر، لا ت، ج2، ص396.

[29]  انظر: الحکیم، سعاد: المعجم الصوفی، ط1، لا م، دندرة للطباعة والنشر، 1981م، ص154-155.

[30]  م.ن، ص161.

[31]  انظر: مطهّری، مرتضى: ثبات الأخلاق ونظریّة الإدراکات الاعتباریّة، لا ط، لا م، لا ن، لا ت، ص3.

[32]  انظر: مطهّری، ثبات الأخلاق ونظریة الإدراکات الاعتباریة، م.س، ص51.

[33]  نیتشه، فریدریک: العلم الجذل، ترجمة: سعاد حرب، لا ط، بیروت، دار المنتخب العربی، لا ت، ص31.

[34]  م.ن، ص31.

[35]  م.ن، ص42.

[36]  انظر: دیورانت، قصّة الفلسفة، م.س، ص521.

[37]  انظر: دیورانت، قصّة الفلسفة، م.س، ص522.

[38]  انظر: غرانییه، جان: نیتشه، ترجمة: علی بو ملحم، ط1، بیروت، منشورات مجد المؤسّسة الجامعیّة للدراسات والنشر والتوزیع، 2008م، ص130.

[1] الحفنی، عبد المنعم: المعجم الشامل لمصطلحات الفلسفة، ط3، القاهرة، مکتبة مدبولی، 2000م، ص 231.
[1] دیورانت، ول: قصة الفلسفة، ترجمة: فتح الله؛ محمد المشعشع، ط6، بیروت، دار المعارف، لا ت، ص12.
[1] کرم، یوسف: تاریخ الفلسفة الیونانیّة، لا ط، بیروت، دار القلم، لا ت، ص53.
[1] انظر: دیورانت، قصة الفلسفة، م.س، ص13.
[1] أفلاطون: الجمهوریة، ترجمة: نظلة الحکیم؛ محمد مظهر سعید، ط3، القاهرة، دار المعارف، لا ت، ص12.
[1] دیورانت، قصة الفلسفة، م.س، ص86.
[1] انظر: السند، محمد: العقل العملی، ط1، بیروت، دار الهادی، 2000م، ص74.
[1] أرسطو: الأخلاق إلى نیقوماخوس، ترجمة: حنین بن إسحق، تحقیق: عبد الرحمن بدوی، الکویت، ص79.
[1] سورة القلم، الآیة 4.
[1] الطبرسی، الحسن بن الفضل: مکارم الأخلاق، ط6، قم المقدّسة، منشورات الشریف الرضی، 1392هـ.ق/ 1972م، ص8.
[1] ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): من لا یحضره الفقیه، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، 1404هـ.ق، ج3، ح4901، ص554-555.
[1] الرسّی، القاسم: کتاب العدل والتوحید، تحقیق: محمد عمارة، ضمن کتاب رسائل العدل والتوحید، ج1، لا ط، القاهرة، دار الهلال، 1971م، ص154.
[1] الأشعری، أبو الحسن: مقالات الإسلامیّین، تحقیق: هیلمون ریتر، ألمانیا-فیسبادن، 1963م، ص269.
[1] الباقلانی، أبو بکر: الإنصاف فی أسباب الخلاف، تحقیق: زاهر بن حسن الکوثری، القاهرة، مؤسّسة الخانجی، 1963م، ص50.
[1]انظر: الحلی، الحسن بن یوسف: الرسالة السعدیة، تحقیق: عبد الحسین بقال، ط1، بیروت، دار الأضواء، 1992م، ص54-55.
[1] انظر: أبو ریان، محمد علی: تاریخ الفکر الفلسفیّ فی الإسلام، لا ط، بیروت، دار النهضة العربیّة، لا ت، ص256.
[1] الفارابی، أبو نصر: تحصیل السعادة، ط1، بیروت، دار ومکتبة الهلال، 1995م، ص24.
[1] سورة البقرة، الآیتان 200-201.
[1] الفارابی، تحصیل السعادة، م.س، ص64.
[1] ابن سینا، أبو علی: الإشارات والتنبیهات، تحقیق: مجتبى الزارعی، ط1، قم المقدّسة، مرکز النشر التابع لمکتب الإعلام الإسلامیّ، 1423هـ.ق، ص342-343.
[1] سورة البقرة، الآیة 30.
[1] انظر: مطهّری، مرتضى: الإنسان الکامل، ترجمة: جعفر صادق الخلیلی، ط2، بیروت، مؤسّسة البعثة، 1992م، ص6.
[1] بعد أنْ أثبت دیکارت وجود النفس معبّرًا عن الکوجیتو بقوله: "أنا أفکر؛ إذًا أنا موجود"، انطلق لیثبت وجود الله تعالى من خلال براهین عدّة؛ منها: برهان الکمال الذی یقوم على ثلاث مقاربات؛ هی:
الأولى: أنا أملک فکرة الکمال مع کونی ناقصًا، وبما أنّنی کائن ناقص لا یمکن أنْ أکون أنا من صاغ فکرة الکمال هذه؛ إذًا فلا بدّ من وجود کائن کامل مطلق قد أوجد فکرة الکمال لدی.
الثانیة: بما أنّنی متأکّد من وجودی أنا الکائن الناقص، فلا یمکننی أن أتصوّر أنّنی خالق نفسی؛ فلو کنت خالق نفسی لجعلت من نفسی کاملًا؛ فمن أوجدنی إذًا؟ الکامل المطلق هو الذی أوجد فیّ فکرة الکمال؛ وهو الله تعالى.
الثالثة: هذا البرهان هو البرهان الأنطولوجیّ الدالّ على وجود الله تعالى، والذی ینصّ على أنّ فکرة الکمال تستبطن الوجود؛ فلو کان الله غیر موجود لم یعد الکائن المطلق. (انظر: دیکارت، رینیه: تأمّلات میتافیزیقیّة فی الفلسفة الأولى، ترجمة: کمال الحاج، ط1، بیروت، منشورات عویدات، 1982م، ص114-115).
[1] انظر: مطهّری، الإنسان الکامل، م.س، ص7.
[1] سورة المائدة، الآیة 4.
[1] مطهّری، الإنسان الکامل، م.س، ص11.
[1] ابن عربی، محیی الدین: الفتوحات المکّیّة، لا ط، بیروت، دار صادر، لا ت، ج2، ص396.
[1] انظر: الحکیم، سعاد: المعجم الصوفی، ط1، لا م، دندرة للطباعة والنشر، 1981م،ص154-155.
[1] م.ن، ص161.
[1] انظر: مطهّری، مرتضى: ثبات الأخلاق ونظریّة الإدراکات الاعتباریّة، لا ط، لا م، لا ن، لا ت، ص3.
[1] انظر: مطهّری، ثبات الأخلاق ونظریة الإدراکات الاعتباریة، م.س، ص51.
[1] نیتشه، فریدریک: العلم الجذل، ترجمة: سعاد حرب، لا ط، بیروت، دار المنتخب العربی، لا ت، ص31.
[1] م.ن، ص31.
[1] م.ن، ص42.
[1] انظر: دیورانت، قصّة الفلسفة، م.س، ص521.
[1] انظر: دیورانت، قصّة الفلسفة، م.س، ص522.
[1] انظر: غرانییه، جان: نیتشه، ترجمة: علی بو ملحم، ط1، بیروت، منشورات مجد المؤسّسة الجامعیّة للدراسات والنشر والتوزیع، 2008م، ص130.