الأخلاق والهویّة الإنسانیّة -قراءة فی فکر المفکّر طه عبد الرحمن-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تناولت هذه المقالة مجموعة من الأفکار الرئیسة التی تخصّ المسألة الأخلاقیّة، بمقاربة وجه الحاجة إلى الممارسة الأخلاقیّة من خلال ثلاثة اعتبارات؛ أهمّها التحوّل الذی یشهده العالم فی مختلف مجالات الحیاة، ثمّ تطرّقت للحدیث عن قضایا أخرى لها أهمّیّة خاصّة ترتبط بالمسألة الأخلاقیّة؛ کالتفریق بین العقل والشرع ومدى صوابیّة هذا التفریق، والتفرقة بین العقل والقلب وعدم استقامة تلک التفرقة. ثمّ فصّلت الکلام فی أرکان النظریّة الأخلاقیّة الإسلامیّة، وتوصّلت من خلال ذلک إلى أنّنا مطالبون الیوم، أکثر من ذی قبل، بوضع فلسفة أخلاقیّة إسلامیّة جدیدة تجیب عن أسئلة السائل فی العالم المنتظر؛ بتعبیر المفکّر طه عبد الرحمن.  

نقاط رئيسية

أولًا: وجه الحاجة إلى الممارسة الأخلاقیّة

ثانیًا: معالم النظریّة الأخلاقیّة الإسلامیّة

1. الصفة الأخلاقیّة للإنسان

2. الصفة الدینیّة للأخلاق

3. عدم الفصل بین العقل والشرع

4. عدم الفصل بین العقل والقلب

5. عدم الفصل بین العقل والحسّ

ثالثًا: أرکان النظریّة الأخلاقیّة الإسلامیّة

1. المیثاق الأوّل والأخلاق الکونیّة

2. القلب والتطهیر الأخلاقیّ

3. تحویل القبلة والأخلاق الحرکیّة

الكلمات الرئيسية


الأخلاق والهویّة الإنسانیّة -قراءة فی فکر المفکّر طه عبد الرحمن-

الدکتور حفیظ اسلیمانی[1]

خلاصة المقالة:

تناولت هذه المقالة مجموعة من الأفکار الرئیسة التی تخصّ المسألة الأخلاقیّة، بمقاربة وجه الحاجة إلى الممارسة الأخلاقیّة من خلال ثلاثة اعتبارات؛ أهمّها التحوّل الذی یشهده العالم فی مختلف مجالات الحیاة، ثمّ تطرّقت للحدیث عن قضایا أخرى لها أهمّیّة خاصّة ترتبط بالمسألة الأخلاقیّة؛ کالتفریق بین العقل والشرع ومدى صوابیّة هذا التفریق، والتفرقة بین العقل والقلب وعدم استقامة تلک التفرقة. ثمّ فصّلت الکلام فی أرکان النظریّة الأخلاقیّة الإسلامیّة، وتوصّلت من خلال ذلک إلى أنّنا مطالبون الیوم، أکثر من ذی قبل، بوضع فلسفة أخلاقیّة إسلامیّة جدیدة تجیب عن أسئلة السائل فی العالم المنتظر؛ بتعبیر المفکّر طه عبد الرحمن.  

 

مصطلحات مفتاحیة:

الإسلام، العقل، القلب، الشرع، الأخلاق، الإنسان، الهویّة، الکونیّة، المیثاق.

 

مقدّمة:

لا خلاف فی مقولة "إنّه أینما وُجِدَت الأخلاق، فثمّة الرقی والتحضّر"؛ إذ القیم والمعانی الشریفة مطلوبة فی کلّ زمان ومکان، والمتأمّل فی السنّة النبویّة یجد أنّ الفعل الأخلاقیّ متأصّل فی طبیعة الإنسان، حیث روی عن الرسول الأکرم (ص) أنّه قال: "إنّما بُعثت لأتمّم مکارم الأخلاق"[2]. فالأخلاق أمر مطلوب، بل نجده (ص) یصرّح بأنّ أحب الناس إلیه یوم القیامة أهل الأخلاق الحسنة: "إنَّ من أحبکم إلیَّ وأقربکم منّی مجلسًا یوم القیامة أحاسنکم أخلاقًا"[3].

وفی الوقت الذی کثرت فیه العدید من الظواهر السلبیّة فی المجتمعات البشریّة، أصبح الحدیث عن فضیلة الأخلاق أمرًا ضروریًّا وملحًّا؛ لأنّ الأخلاق تُعدّ من الدعائم الأساسیّة التی یلزم أن یقوم علیها نظام الحیاة البشریّة؛ بحیث تسهم فی بناء مجتمع متماسک مبنیٍّ على الاحترام والتسامح بین أفراد المجتمع.

ونظرًا إلى أهمّیّة المسألة الأخلاقیّة ودورها فی الرقیّ الحضاریّ، سوف نخصّص هذه المقالة لتقدیم مقاربة فی تصوّر المفکّر المغربیّ طه عبد الرحمن للأخلاق وفاعلیّتها فی بناء مجتمع حضاریّ.

 

أولًا: وجه الحاجة إلى الممارسة الأخلاقیّة:

یرى طه عبد الرحمن أنّ الحاجة إلى التأمّل فی الممارسة الأخلاقیّة من قِبَل المفکّر المسلم باتت الیوم أشدّ منها فی أیّ وقت مضى؛ وذلک لاعتبارات ثلاثة؛ هی:

-       أنّ الآفات التی تحملها حضارة اللوغوس إلى الإنسان؛ وهی النقص والظلم والتأزّم والتسلّط، تؤذی الإنسان فی صمیم وجوده الأخلاقیّ؛ بما ییأس معه من الصلاح والفلاح فی مآله. وهذا یدعونا إلى الشروع ببناء حضارة جدیدة یکون فیها السلطان للإیتوس (الخُلُق) ولیس للّوغوس.

-       أنّ العالم، بلا شکّ، مُقبِل على تحوّل أخلاقیّ عمیق، فی ظلّ ما یشهده من تحوّلات متلاحقة فی جمیع مناحی الحیاة الفردیّة ومیادین الحیاة المجتمعیّة.

-       أنّ هناک غیابًا کلّیًّا للمساعی التی تعمل على تجدید النظر فی الأخلاق الإسلامیّة؛ بما یجعل هذا النظر یضاهی الفلسفات الأخلاقیّة الغربیّة الحدیثة، ویمکّنه من مواجهة التحدّی الأخلاقیّ المقبل؛ وهذا الغیاب المؤسِف لنْ یزید المسلمین إلا تضعضعًا فی مرکزهم.

 

ثانیًا: معالم النظریّة الأخلاقیّة الإسلامیّة:

انطلاقًا من الاعتبارات المتقدّمة، یرسم طه عبد الرحمن جملةً من المعالم الأساسیّة لنظریّة أخلاقیّة إسلامیّة، وهی بمثابة مسلَّمات، تسهم فی ملء الفراغ الذی قد یُلحق الضرر بالمسلمین. ویمکن إیجاز هذه المعالم بالآتی:

1. الصفة الأخلاقیّة للإنسان:

مقتضى هذه المسلَّمة حسب طه، أنه لا إنسان بغیر أخلاق، یقول: "فلا یخفى أنّ الأخلاق الحسنة صفات مخصوصة الأصل فیها معانٍ شریفة أو قل: قیم علیا؛ کما لا یخفى أنْ لیس فی کائنات هذا العالم مثل الإنسان تطلّعًا إلى التحقّق بهذه المعانی والقیم، بحیث یکون له من وصف الإنسانیة على قدر ما یتحقّق به منها، فإذا زادت هذه المعانی والقیم زاد هذا الوصف، وإذا نقصت نقص"[4]. هذه المسلّمة تترتّب علیها ثلاث حقائق: أولًا؛ إنّ هویة الإنسان ذات طبیعة أخلاقیة. ثانیًا؛ إنّ هذه الهویة لیست رتبة واحدة بل متعددة. والثالثة؛ هویّة الإنسان متغیّرة ولیست ثابتة.

2. الصفة الدینیّة للأخلاق:

مقتضى هذه المسلَّمة للأخلاق الإسلامیّة أنّه لا أخلاق بغیر دین؛ وهنا یرى طه عبد الرحمن أنّ هذه المسلَّمة لا یطیقها کثیر من الناس؛ کأصحاب التوجّه العلمانیّ المقرون بسلطان العقل، والتوجّه الناسوتیّ المقرون بقیمة الإنسان بعیدًا عن الألوهیّة، وغیرهما. و"یکفی أنْ نشیر إلى أنّ الأخلاق قد تنبنی على الدین بطریقین اثنین؛ أحدهما: الطریق المباشر، ویقوم فی تلقّی خبر هذه الأخلاق من الوحی الإلهیّ والتأسّی فیها بالرسول (ص) الذی جاء بهذا الوحی، والثانی الطریق غیر المباشر، ویقوم فی اقتباس الأخلاق من الدین، مع العمل إلى إخراجها عن وصفها الدینیّ أو مع التستّر المبیّت على أصلها الدینیّ"[5]. ویترتّب على هاتین المسلَّمتین أنّه "لا إنسان بغیر دین"، ومن ثمّة یمکن تعریف الإنسان بأنّه الکائن الحیّ المتدیّن؛ لکون الهویّة الإنسانیّة فی حقیقتها هویّة دینیّة.

3. عدم الفصل بین العقل والشرع:

اعترض طه عبد الرحمن على تسلیم فقهاء المسلمین بالفرق بین العقل والشرع؛ کقولهم: یجوز شرعًا وعقلًا، أو قولهم: یجوز فی العقل ولا یجوز فی الشرع، فذکر اعتراضین على هذه التفرقة؛ أولهما: الراجح أنّ هذه التفرقة لم تحدث فی هذا الخطاب، أو على الأقلّ لم تتقرّر فیه، إلا بعد استئناس المسلمین ببعض الأفکار الیونانیّة التی نشرتها بین ظهرانیهم المدارس اللاهوتیة فی الشام والعراق وفارس... فکانوا یعدّون مجموع ما نقل عن الیونان بمنزلة نتاج العقل الصریح، وأنّ ما جاء به الشرع فله منزلةُ ما لیس من نتاج العقل. والاعتراض الثانی، "أنّ الذی یفرِّق بین العقل والشرع یقع فی مغالطة الإبهام؛ ذلک أنّه لا یبیّن الوجه الذی تحصل به المقابلة بین العقل والشرع"[6]. ویرى طه عبد الرحمن أنّه لا یمکن التفریق بینهما؛ لکون العقل الإنسانیّ صادرًا عن الله تعالى، وکذلک القول الشرعیّ؛ فالله تعالى هو المُوجِد لهما.

4. عدم الفصل بین العقل والقلب:

یرى طه عبد الرحمن أنّ التفریق بین العقل والقلب لا یستقیم البتّة، وذلک من خلال اعتراضین اثنین: أولهما؛ أنّ ذلک الفصل أفضى إلى تشییء العقل؛ وکأنّه ذات داخل جسم الإنسان، مع العلم أنْ لیس فی القرآن أو فی الحدیث الشریف ما یؤیّد ذلک التشییء، "بل إنّ ما نجده هو، على العکس من ذلک، شواهد تنفی هذا التشییء، فقد جاء فعل العقل فیها مسندًا إلى القلب؛ بوصفه الفعل الذی یختصّ به، کما تختصّ العین بفعل النظر، وتختصّ الأذن بالسمع، فیکون الواقع فی تشییء العقل کمن یُشیّئ النظر أو السمع..."[7]. والاعتراض الثانی؛ أنّ هذا الفصل بین العقل أفضى إلى الغلوّ فی تفقیه الممارسة الدینیّة؛ والمراد بذلک "التقنین الفقهیّ" لأفعال المکلّفین؛ بما یجعل الاعتبار فیها أساسًا لظاهر موافقتها للأحکام المقرّرة، مع إهمال المعانی الخُلُقیّة التی تنطوی فیها، والتی لو تصوّرنا هذه الأحکام مجرّدة من إفادتها، لصارت أحکامًا لاغیة، والحال أنّ الناظر فی النصّ الشرعیّ الأصلیّ لا یسعه إلا أنْ یلحظ بأنّ الحکم الواحد من أحکامه ینضبط دائمًا بصفة خُلُقیّة أو أکثر، یتوجّب على المکلِّف أن یحصّلها، فیکون الأصل فی الحکم الفقهیّ هو القیمة الخُلُقیّة"[8]. وعلیه؛ یکون العقل فعلًا قلبیًّا صریحًا، وکلّ فعل قلبیّ فهو فعل خُلُقیّ تتحدّد به إنسانیّة صاحبه؛ حسب تعبیر طه عبد الرحمن.

5. عدم الفصل بین العقل والحسّ:

یرى طه عبد الرحمن أنّ التفرقة بین العقل والحسّ سادت مختلف شُعَب المعرفة الإسلامیّة، فعدّوا العقل والمعقول أشرف، والحسّ والمحسوس أخسّ، ویردّ طه على هذه التفرقة، بأنّنا "لا نجد لهذه التفرقة أصلًا فی النصّ الشرعیّ؛ کتابًا منزلًا أو سنّة مطهّرة، بل کلّ الشواهد تدلّ على أنّ هذا النصّ یصل بین العقل والحس وصلًا قویًّا، بحیث یکون فی الحسّ عقل، وفی النظر عقل، وفی السمع عقل، وفی النطق عقل، وأمّا إذا لم یکنْ فی الحس عقل، فلا یُعدّ حسًّا..."[9]، فـ"الفصل بین العقل والحسّ أفضى إلى تقدیس العقل؛ بما یَقرُب من التألیه، حتّى إنّ هذا الکلام یجوز بهذا الصدد عن نوع من الوثنیّة العقلانیّة... وباختصار،؛ فإنّ الفعل الحسّیّ کالفعل العقلیّ؛ یصدر عن القلب، فهو مثله یحمل أسبابًا عقلیّة؛ کما إنّ الفعل العقلیّ، على العکس من ذلک، یحمل أسبابًا حسّیّة؛ ولا مسوِّغ للمفاضلة فی الطبیعة بین الفعلین، ولا بالأولى لتمجید أحدهما على الآخر"[10].

 

ثالثًا: أرکان النظریّة الأخلاقیّة الإسلامیّة:

یرى طه عبد الرحمن أنّ الممارسة الأخلاقیّة تتبع أحد طریقین؛ إمّا طریق الإلزام؛ وهو الأوامر والنواهی التی تُفرض من خارج على إرادة الإنسان، وإمّا طریق الاعتبار؛ وهو عبارة عن القیم التی یستنبطها الإنسان تلقائیًّا ممّا یشهده من أفعال ویتلقّاه من أقوال، وطریق الاعتبار هو الطریق الأنسب للإنسان؛ وذلک لسببین اثنین؛ أحدهما أنّ قلب الإنسان ینفر من أنْ یأمره أحد؛ لشدّة تشبّثه بالحرّیّة، وعلیه؛ فالإنسان کلّما تلقّى مضمون حکم خُلُقیّ بغیر صورة الإکراه یکون أکثر استعدادًا لقبوله. والثانی "أنّ الحیاة الخُلُقیّة للإنسان لیست لحظات منفصلة فی ما بینها، تحکم کلّ لحظة منها أوامر أو زواجر معیّنة، وإنّما هی واحدة من الأفعال التی تشکّل تاریخًا خاصًّا بصاحبها؛ وبهذا یکون کلّ فعل خُلُقیّ عبارة عن حدث فی هذا التاریخ، وتکون هویّة الإنسان قائمة، لا فی هذه الفترة أو تلک من فترات تاریخه، وإنّما قائمة فی هذا التاریخ بکامله منذ ولادته إلى نهایته"[11]. وهنا، یرى طه عبد الرحمن ضرورة الأخذ بطریق الاعتبار؛ أی إیراد الأحکام الخُلُقیّة فی صورة أخبار لا صورة أوامر، صورة قصص لا صورة نسق؛ لأنّ "الأخلاق أفعال حیّة؛ والأفعال الحیّة هی تاریخ؛ والتاریخ لا یحیا إلا بالقصّة؛ فتکون أخلاق الإنسان هی قصّته التی تحدّد هویّته"[12]. وبذلک یدعو إلى الاجتهاد فی عرض مضامین الأخلاق الإسلامیّة فی صورة أخبار محمّلة بالإشارات، وأحداث غنیّة بالدلالات، لیرکّز على جموع ثلاثة: الجمع بین العقل والشرع، والجمع بین العقل والقلب، ثمّ الجمع بین العقل والحسّ.

1. المیثاق الأوّل والأخلاق الکونیّة:

یرى طه عبد الرحمن أنّه لا یمکن الوصل بین العقل والشرع إلا إذا جرى بین العاقل والشارع ما یشبه الاتّفاق، على أساس أنْ یکون مضمون اتّفاقهما هو أنّ ما یدرکه الأوّل هو نفسه ما یُقرّه الثانی، والعکس بالعکس. وینبغی التنبیه إلى أنّ الشارع هو الله تعالى؛ ویستحیل فی حقّه نقض الاتّفاق، وهنا یجب على الإنسان أن یکون اتّفاقه عبارة عن تعهّد ملزم. ویؤصِّل طه عبد الرحمن لذلک بالاستشاد الإلهیّ یوم خاطب الله بنی آدم کافّة، وهو فی عالم الغیب، قائلًا: {ألست بربّکم}، فأجابوه أجمعین شاهدین على أنفسهم: {بلى شهدنا}؛ ذلک هو المیثاق الذی أخذه الشارع الأسمى من العقلاء وعقولهم. والأخلاق التی ینتجها هذا المیثاق تتّصف بالخصائص التالیة:

أ. أخلاق المیثاق الأوّل أخلاق مؤسَّسة؛ أی إنّ العقل هو الذی یطلب هذه الأخلاق، وهو لیس مؤسِّسًا لها؛ وبالتالی فالمؤسِّس لها هو الشارع.

ب. أخلاق المیثاق الأوّل متعدّیة إلى العالم کلّه؛ أی إنّ هذه الأخلاق لا تخصّ صلاح الفرد الواحد، ولا الأمّة الواحدة؛ وإنّما تخصّ صلاح البشریّة کلّها؛ "ذلک أنّها ترفع همّة الإنسان إلى أنْ یأتی بأفعاله على الوجه الذی یجعل نفعها یتعدّى نفسه وأسرته ووطنه إلى العالم بأسره، بحیث تکون کلّ بقعة من العالم وطنًا له، ویکون کلّ إنسان فیها أخًا له، ویکون کلّ کائن سوى الإنسان نظیرًا له فی الخَلق. انظر کیف إنّ الشارع الإلهیّ أخذ المیثاق من البشر، وهم فی مشهد واحد؛ بوصفهم من صلب واحد، ینزلون إلى أرض واحدة!"[13].

ج. أخلاق المیثاق الأوّل شاملة لکلّ أفعال الإنسان؛ أی لمّا کانت کلّ أفعال الإنسان صادرة عن عقله الذی أعطى هذا المیثاق؛ لزم -إذًا- أنْ تشملها هذه الأخلاق جمیعًا؛ بلا استثناء.

2. القلب والتطهیر الأخلاقیّ:

یرمز القلب فی الممارسة الإسلامیّة إلى ذات کامنة فی الإنسان تعبّر عن حقیقته، وتصدر عنها أفعاله کلّها؛ إذا صلحت صلح الإنسان کلّه، وإذا فسدت فسد الإنسان کلّه. وهنا، یتحتّم التصدّی لهذه الذات الخفیّة فی الإنسان ومباشرة إصلاحها، "بید أنّ أحقّ الذوات الخفیّة بهذه المباشرة إنّما هی الذات الخفیّة للإنسان الأوّل، والإنسان الأوّل على نوعین اثنین: الإنسان الابتدائیّ -أو إنسان الفتح-؛ وهو الإنسان الذی تلقّى أوّل طور من أطوار تحقیق میثاق الجمع بین العقل والشرع -أی الطور الفاتح-؛ ألا وهو أبو البشر آدم (ع)! والإنسان النموذجیّ -أو إنسان الختم-؛ وهو الإنسان الذی تلقّى آخر طور من هذا التحقیق للجمع بین العقل والشرع -أی الطور الخاتم-؛ ألا وهو سیّد البشر محمد (ص)! ولمّا کان هذا الطور النهائیّ الطورَ الأکمل والأتمّ؛ فقد استوجب أکثر من غیره العنایة بهذه الذات الخفیّة"[14].

3. تحویل القبلة والأخلاق الحرکیّة:

یرى طه عبد الرحمن أنّ المتأمّل فی حادثة تحویل القبلة، لا بدّ له من أنْ یجد أنّ الأخلاق التی تولّدها تتّصف على الأقلّ بالخصائص التالیة:

أ. أخلاق القبلة أخلاق إشاریّة؛ حیث "یقع التوجّه إلى القبلة عند الصلاة؛ وفی هذا مفارقة عجیبة؛ ذلک أنّه لیس فی الأجسام أدلّ من محلّ القبلة على معنى الحسّ والمکان والجهة"[15]؛ فالتوجّه نحو القبلة توجّه محسوس، والإنسان یرى فی ذلک معقولًا وهو یؤدّی صلواته.

ب. أخلاق القبلة أخلاق انفتاحیّة: وسمّیت القبلة کذلک لخاصّیّتین اثنتین: أُوْلاهما الاستقبال؛ فهی الجهة التی یستقبلها المصلّی، وثانیهما المقابلة؛ فهی الجهة التی یقابلها وتقابله. "وعلى قدر المتوجَّه إلیه تزداد قیمة الانفتاح علیه کما تزداد واجباته. ولمّا کان المتوجَّه إلیه حسًّا: البیت، والمتوجَّه إلیه عقلًا: الحامی له؛ کان هذا الانفتاح أنفع أشکال الانفتاح وأوجبها للأدب. ولا أقدر على أنْ ینهض بحقوق هذا الأدب من المتوجِّه الذی یکون قد اجتاز عملیّة شقّ الصدر، هذا النهوض الذی یجعل أخلاقیّته تزداد بما لا یزداد به غیرها"[16].

ج. أخلاق القبلة أخلاق اجتماعیّة: تعتبر القبلة مرکز اجتماع بمعنیین اثنین؛ أحدهما: أنّها الوجهة التی یستقبلها المسلمون أهل المیثاق، والثانی: أنّها الوجهة التی یقصدها أهل الاستطاعة کلّ سنة. "وجملة القول فی حادثة تحویل القبلة أنّها تمدّ الإنسان بأخلاق تجعله یتوسّل بالعبارة المحسوسة؛ للانتقال إلى الإشارة المعقولة؛ کما تجعله یطلب الانفتاح والتعرّف على الأشیاء من حوله، ویندفع فی الحیاة الجماعیّة متقلّبًا مع أطوراها المختلفة؛ أی إنّها تمدّ الإنسان بأخلاق تخرجه إلى العالم؛ دلالة، ومحیطًا، ومجتمعًا؛ وبهذا، تکون أخلاق تحویل القبلة هی الأخلاق الحرکیّة بحقّ، ولیس العالم المنتظر بأقلّ حاجة إلى أخلاق الحرکة منه إلى أخلاق العمق"[17]. ومن هنا، نکون قد وقفنا على مکانة القبلة؛ باعتبارها تاریخًا أخلاقیًّا للإنسان.

"إنّنا مطالبون، أکثر من ذی قبل، بوضع فلسفة أخلاقیّة إسلامیّة جدیدة تجیب عن أسئلة السائل فی العالم المنتظر؛ وقد اجتهدنا فی استخراج بعض الأصول العامّة التی یمکن أنْ تُبنى علیها مثل هذه الفلسفة؛ فکان أن انطلقنا من مسلَّمتین أساسیّتین؛ هما: لا إنسان بغیر أخلاق، ولا أخلاق بغیر دین، بُنیت علیهما النتیجة الحاسمة؛ وهی: لا إنسان بغیر دین"[18].

 

خاتمة:

لقد أبدع المفکّر المغربیّ طه عبد الرحمن فی تقدیم رؤیة خاصّة عن المسألة الأخلاقیّة، من خلال دعوته إلى بناء حضارة جدیدة یکون فیها السلطان للإیتوس، مؤکِّدًا على قضیّة جوهریّة قوامها رفض الفصل والتفرقة بین العقل والشرع، وبین العقل والقلب، وکذلک بین العقل والحسّ، ومستنتجًا أن "لا إنسان بغیر أخلاق، ولا أخلاق بغیر دین"؛ ما یعنی أنّ المسألة الأخلاقیّة هی هویّة الإنسان.



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2]  البیهقی، أحمد بن الحسین: السنن الکبرى، لا ط، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج10، ص192.

[3]  الترمذی، محمد بن عیسى: سنن الترمذی (الجامع الصحیح)، تحقیق وتصحیح: عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بیروت، دار الفکر، 1403هـ.ق/ 1983م، ج3، ح2041، ص235-236.

[4] عبد الرحمن، طه: سؤال الأخلاق (مساهمة فی النقد الأخلاقیّ للحداثة الغربیّة)، ط1، المرکز الثقافیّ العربیّ، 2000م، ص147.

[5] م.ن، ص148.  

[6] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص150.

[7] م.ن، ص152.

[8] م.ن، ص153.

 [9] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص154.

[10] م.ن، ص155-156.

[11] م.ن، ص156.

[12]  عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص175.

[13] م.ن، ص158.

[14] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص160-161.

[15] م.ن، ص165.

[16] م.ن.

[17] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص166-167.

[18] م.ن، ص169.

[1] البیهقی، أحمد بن الحسین: السنن الکبرى، لا ط، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج10، ص192.
[1] الترمذی، محمد بن عیسى: سنن الترمذی (الجامع الصحیح)، تحقیق وتصحیح: عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بیروت، دار الفکر، 1403هـ.ق/ 1983م، ج3، ح2041، ص235-236.
[1] عبد الرحمن، طه: سؤال الأخلاق (مساهمة فی النقد الأخلاقیّ للحداثة الغربیّة)، ط1، المرکز الثقافیّ العربیّ، 2000م، ص147.
[1] م.ن، ص148.  
[1] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص150.
[1] م.ن، ص152.
[1] م.ن، ص153.
 [1] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص154.
[1] م.ن، ص155-156.
[1] م.ن، ص156.
[1] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص175.
[1] م.ن، ص158.
[1] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص160-161.
[1] م.ن، ص165.
[1] م.ن.
[1] عبد الرحمن، سؤال الأخلاق، م.س، ص166-167.
[1] م.ن، ص169.