جدلیّة التفسیر والتأویل -مُداورات الفکر الهرمنیوطیقیّ-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تتناول هذه الدراسة بالبحث والتحلیل نظام البنیة القرآنیّة بلحاظ اشتماله على جملة من الآلیّات التعبیریّة التّی تُکوّن مجاله الدّلالیّ، وتصنع جهازاً للتّواصل بینه وبین مختلف المقامات الثقافیّة؛ ما یجعل من القرآن مُحَاوراً معرفیّاً للواقع بکلّ مستویاته الفکریّة والعقدیّة.
ویبرهن النصّ القرآنیّ، فی کنَف هذه الآلیّات البیانیّة، عن کینونته المیتافیزیقیّة (حقیقته الغیبیّة) وعن الاستراتیجیا الدّینیّة التّی یعرضها على جموع المتلقّین من أجل صیانة فکر کونیّ؛ إلهیّ المرجع.
ویؤلّف نظام التّفسیر والتّأویل -بوصفه ممارسة تعبیریّة- العناصر الجمالیّة والأسلوبیّة التّی یقوم علیها معمار الأداء، أو "البلاغ" الدّینی؛ بمعنى أنّه یؤسّس لتأویل التّنزیل فی ما وراء العبارة الظاهرة، وإنْ بدَت مغلقة لسانیّاً ونهائیّة المعنى.
ومن هنا؛ فإنّ العمل والتّحقیق وبذْل الجهد فی تأویل التّنزیل وفتح مغالق النّصّ من أجل الظفَر بالدّلالة القرآنیّة، لیس نهایةَ الممارسة العلمیّة، ولا خاتمةً لمنظومة المعارف الدّینیّة... إنْ هو إلاّ نقطةُ جوازٍ وعبورٍ إلى مشاریعَ دینیّة ذات أبعاد ثقافیّة وحضاریّة لا تتناهى ولا تنضَب؛ لأنّ القرآن، وإنْ تمایز بالذّاتیّة؛ أی بالاستقلالیّةَ عن شروط الإنتاج البشریّ، فإنّ نصّه اللّغوی لا یجد دلالته المشخّصة وقابلیّة الفهم البشریّ إلاّ فی إطار العالم الطّبیعی الّذی ینزل فیه ویُحیل إلیه (أی الکلمات والأشیاء والعلامات الکونیّة)؛ من أجل التمثّل المادّی المباشر للمعانی الغیبیّة.
وبما أنّ العالَم الفیزیائیَّ أو عالَم الطبیعة لا یتوقّف عن الحرکة وعن التجدّد والعطاء؛ فإنّ العبارة القرآنیّة کذلک لا تتوقّف عن التّعبیر؛ وهذا یعنی أنّ النّزول القرآنی جاء ببیّنة سیمیائیّة (الإعجاز القرآنیّ)، وببنیة لغویّة طافحة بإمکانات التّولید الدّلالیّ، والفهم، ومعاودة الفهم؛ طبقاً لتجدّد الآلیّات والمنهج لدى القرّاء.
وبناءً علیه، لا یمکن للکتاب الکریم أن یکون واحدیّ الدّلالة ونهائیّ المعنى أو محکماً ظاهراً بحسب التّصنیف التّقنیّ المتداول فی علوم القرآن؛ إذْ لو کان کذلک، ما کان لِیَفِیَ بمستلزمات التغیّر التّی تَـعْرِضُ لهویّة الإنسان ذی القیَم کثیرةِ التّـقلّب والانقلابِ؛ بسبب تغیّر الآفاق الثقافیّة والرُؤى الإنسانیّة الّتی تقتضی فی کلّ عصر تحْـیِـینَ الفهم، وتـتطلّب التّأویل والاجتهادَ، وتجدیدَ القراءة للعالم وللوجود الإنسانیّ عامّة. فلا إشکال فی أن یکون اللّسان هو صلةَ الرّبط بین عالم الطبیعة وعالم ما فوق الطّبیعة.

نقاط رئيسية

أولاً: الهرمنیوطیقا.. کلمة ومعـنى

ثانیاً: القرآن والتّأویل.. سیاسة الکلمة الدّینیّة

ثالثاً: التّأویل القرآنیّ والآثار الواقعیّة

رابعاً: الحداثة والتّأویل.. استراتیجیا التّمرّد على المیتافیزیقیا

خامساً: إشکالیة العلمیّة فی الفهم التفسیریّ

سادساً: العلم والعقل الإسلامیّ

الكلمات الرئيسية


جدلیّة التفسیر والتأویل -مُداورات الفکر الهرمنیوطیقیّ-

الدکتور محمد الخضراوی[1]

خلاصة المقالة:

تتناول هذه الدراسة بالبحث والتحلیل نظام البنیة القرآنیّة بلحاظ اشتماله على جملة من الآلیّات التعبیریّة التّی تُکوّن مجاله الدّلالیّ، وتصنع جهازاً للتّواصل بینه وبین مختلف المقامات الثقافیّة؛ ما یجعل من القرآن مُحَاوراً معرفیّاً للواقع بکلّ مستویاته الفکریّة والعقدیّة.

ویبرهن النصّ القرآنیّ، فی کنَف هذه الآلیّات البیانیّة، عن کینونته المیتافیزیقیّة (حقیقته الغیبیّة) وعن الاستراتیجیا الدّینیّة التّی یعرضها على جموع المتلقّین من أجل صیانة فکر کونیّ؛ إلهیّ المرجع.

ویؤلّف نظام التّفسیر والتّأویل -بوصفه ممارسة تعبیریّة- العناصر الجمالیّة والأسلوبیّة التّی یقوم علیها معمار الأداء، أو "البلاغ" الدّینی؛ بمعنى أنّه یؤسّس لتأویل التّنزیل فی ما وراء العبارة الظاهرة، وإنْ بدَت مغلقة لسانیّاً ونهائیّة المعنى.

ومن هنا؛ فإنّ العمل والتّحقیق وبذْل الجهد فی تأویل التّنزیل وفتح مغالق النّصّ من أجل الظفَر بالدّلالة القرآنیّة، لیس نهایةَ الممارسة العلمیّة، ولا خاتمةً لمنظومة المعارف الدّینیّة... إنْ هو إلاّ نقطةُ جوازٍ وعبورٍ إلى مشاریعَ دینیّة ذات أبعاد ثقافیّة وحضاریّة لا تتناهى ولا تنضَب؛ لأنّ القرآن، وإنْ تمایز بالذّاتیّة؛ أی بالاستقلالیّةَ عن شروط الإنتاج البشریّ، فإنّ نصّه اللّغوی لا یجد دلالته المشخّصة وقابلیّة الفهم البشریّ إلاّ فی إطار العالم الطّبیعی الّذی ینزل فیه ویُحیل إلیه (أی الکلمات والأشیاء والعلامات الکونیّة)؛ من أجل التمثّل المادّی المباشر للمعانی الغیبیّة.

وبما أنّ العالَم الفیزیائیَّ أو عالَم الطبیعة لا یتوقّف عن الحرکة وعن التجدّد والعطاء؛ فإنّ العبارة القرآنیّة کذلک لا تتوقّف عن التّعبیر؛ وهذا یعنی أنّ النّزول القرآنی جاء ببیّنة سیمیائیّة (الإعجاز القرآنیّ)، وببنیة لغویّة طافحة بإمکانات التّولید الدّلالیّ، والفهم، ومعاودة الفهم؛ طبقاً لتجدّد الآلیّات والمنهج لدى القرّاء.

وبناءً علیه، لا یمکن للکتاب الکریم أن یکون واحدیّ الدّلالة ونهائیّ المعنى أو محکماً ظاهراً بحسب التّصنیف التّقنیّ المتداول فی علوم القرآن؛ إذْ لو کان کذلک، ما کان لِیَفِیَ بمستلزمات التغیّر التّی تَـعْرِضُ لهویّة الإنسان ذی القیَم کثیرةِ التّـقلّب والانقلابِ؛ بسبب تغیّر الآفاق الثقافیّة والرُؤى الإنسانیّة الّتی تقتضی فی کلّ عصر تحْـیِـینَ الفهم، وتـتطلّب التّأویل والاجتهادَ، وتجدیدَ القراءة للعالم وللوجود الإنسانیّ عامّة. فلا إشکال فی أن یکون اللّسان هو صلةَ الرّبط بین عالم الطبیعة وعالم ما فوق الطّبیعة.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

          النصّ الدینیّ، النصّ القرآنیّ، التفسیر، التأویل، الهرمنیوطیقا، المیتافیزیقا، اللغة، الدلالة، الفهم، الاجتهاد، التجدید، ...

 

مقدّمة:

یعتمد نظام البنیة القرآنیّة على جملة من الآلیّات التعبیریّة التّی تُکوِّن مجالَه الدّلالیّ، وتصنع جهازاً للتّواصل بینه وبین مختلف المقامات الثقافیّة؛ ما یجعل من القرآن محوراً معرفیّاً للواقع بکلّ مستویاته الفکریّة والعقدیّة. وفی کنف هذه الآلیّات البیانیّة، یبرهن النصّ الکریم عن کینونته المیتافیزیقیّة (حقیقته الغیبیّة)، وعن الاستراتیجیا الدّینیّة التّی یعرضها على جموع المتلقّین من أجل صیانة فکر کونیّ إلهیّ المرجع. ونظام "التّفسیر" و"التّـأویل"، بوصفه ممارسة فکریّةً وحرّیّةً تعبیریّة، یرصدُ العناصر الجمالیّة والأسلوبیّة التّی یقوم علیها معمار الأداء أو "البلاغ" الدّینیّ، ویؤسّس لمنهجیّةِ تحلیلِ التّنزیل فی ما وراء العبارة الظاهرة، وإنْ بدتْ العبارة القرآنیّة للتّـیّارات المحافظة مغلقةً لسانیّاً ونهائیّة المعنى؛ ذلک أنّ العمل والتّحقیق وبَـذْلَ الجهد فی تأویل التّنزیل وفی فتحِ مغالق النّص من أجل الظّفَـر بالدّلالة الشّرعیّةِ لیس نهایةَ الممارسة العلمیّة، ولا خاتمةً لمنظومة المعارف الدّینیّة، إنْ هو إلاّ نقطة جواز وعبور إلى مشاریعَ دینیّةٍ ذاتِ أبعاد ثقافیّة وحضاریّة لا تتناهى ولا تنضَبُ؛ لأنّ القرآن وإنْ تمایز بالذّاتیة؛ أی بالاستقلالیّةَ عبْـرَ مرجعیّته اللاّتاریخیة (الإلهیّة)، فإنّ نصّه اللّغویَّ لا یأخذُ دلالته المشخّصةَ، ولا یجد قابلیّةً للفهم البشریِّ إلاّ فی إطار العالم الطّبیعیّ الّذی ینزل فیه ویُحیل إلیه (الکلمات، والأشیاء، والآیات الکونیّة)، من أجل التمثّل المادّیّ المباشر للمعانی الغیبیّة. وبما أنّ العالم الفیزیائیّ أو عالم الطبیعة لا یتوقّف عن الحرکة وعن التجدّد والعطاء، فإنّ العبارة القرآنیّة کذلک لمْ تتوقّف عن التّعبیر منذ عصر التّنزیل (18 آب 610 م) وما تَـلاهَا من العصور الهجریّة الأولى، حیث کان العیش فی العالم یعتمد على محدّدات حضاریّة محدودة، ولم تکن تلک الأزمنة تمتلک من القوّة العلمیّة أو الصّناعیّة ما یمکّنها من أن تناوئ المیتافیزیقیا أو تبطلَها، ولم یکن لها أن تساندها إلاّ بمقدارٍ من القناعات تحدّدها التّـقالید والموروثات الثّقافیّ المنبثقة من نظام الصّنمیّة.

 وجاءَ النّزول القرآنی ببیِّـنَةٍ لسانیّة معجزةٍ، وبِـبِنْیَةٍ لغویّة طافحةٍ بإمکانات التوالد والتّولید الدّلالیّ، وهذا المعنى یقتضی الفهمَ ومعاودةَ الفهمِ؛ طبقاً لتجدُّد الآلیّات والمناهج لدى القرّاء، ولا شکّ فی أنّ اختیارَ اللّغة قناةً للتّواصل بین عالم الغیب وعالم الشّهادة، لیس شیئاً عشوائیّاً أو صدفویّاً، وإنّما هو فعل منهجیّ یُراعی قوّة منطق اللّغة وقدرتها على تشخیص الأشیاء وتقریبها إلى الأذهان، ویُراعی بصفة أخصّ تعدّدیَّـتَها وإمکانات الاستنباط منها والاختلاف فیها.

وبناءً علیه، لا یمکن للکتاب الکریم أنْ یکون واحدیّ الدّلالة ونهائیَّ المعنى، أو محکَماً ظاهراً؛ بحسب التّصنیف التّقنیّ المتداول فی علوم القرآن؛ إذْ لو کان کذلک، ما کان لِیَفِیَ بمستلزمات التغیّر التّی تعرض لهویّة الإنسان ذی القیم کثیرة التّقلّب والانقلاب؛ بسبب تغیّر الآفاق الثقافیّة والرُؤى الإنسانیّة الّتی تقتضی فی کلّ عصر تحیین الفهم، وتتطلّب التّأویل والاجتهاد وتجدید القراءة للعالم وللوجود الإنسانیّ عامّة، فلا إشکال فی أن یکون اللّسان هو صلة الرّبط بین عالم الطبیعة وعالم ما فوق الطّبیعة.

وتکمن تجاوزیّة اللّغة فی کونها تنطوی على نظام من العلامات والرّموز کامن وراء التّصامیم اللّفظیّة، یتمایز بالتّعدّد والخفاء، ولا یتسنّى وعیه بالشکل النّهائی[2]؛ ولهذا لم یستنفذ فعل الاستخلاف الإنسانیّ، وهو التّداول الثقافیّ على اللّغة (من آدم (ع) وأسمائه إلى الرّسالة القرآنیّة)، مفاهیمَ الکلمة ووظائفَها التّعبیریّةَ، بل إنّ العقل البشریّ لم یتوقّف عن استقدام النّصوص المتقدّمة عنه واستحضارِها فی مختلف لحظات التاریخ؛ باحثاً عن الإشارات الثقافیّة والعقلانیّة الکائنة فیها؛ لیقرأها طبقاً لقناعاته وتأویلاته الخاصّة؛ کما هو الحال بالنّسبة إلى القضایا العقدیّة والفلسفیّة والأدبیّة وسائر التراث الإنسانیّ، وبما أنّ معجزة الإسلام کانت قرآناً؛ أی کلاماً ووحیاً إلهیّاً، فإنّ هذا التّنزیل، استند -لغایة الإقناع- إلى وظائف تعبیریّة وتواصلیّة تُجسّد هویّتَه ذاتَ المنطلقات والمقاصد المفارِقة للسّائد الثقافیّ، وتفتح على مختلف الأفعال المعرفیّة حتّى تدعم مکتسبات الإنسان وحقائق الغیب على مستوى التمثّل العقلیّ والاستیعاب الذّهنیّ؛ إذ لولا الکلام "لم یثبُتْ للربّ ربوبیّة، ولا لنبیّ حجّة، ولم یُفصل بین حجّة وشبهة، وبین الدّلیل وما یُخیّل فی صورة الدّلیل"[3]. وعلم الکلام مستحصل من النصّ؛ لأنّ الأدّلة الشّرعیّة لا تنافی قضایا العقول؛ إذ لو نافتها لکانت الأحکام تکلیفاً بما لا یُطاق، ولامتنع عن العقل التّصدیق؛ لأنّ مورد التّکلیف هو العقل[4].

ومن هنا، کانت نصّیة النّصّ الدّینیّ هی مقبولیّته للقراءة وللفهم والتّأویل؛ طبقاً لإمکانات التّناول والتّداول؛ إذ النّاس فی العلم طبقات، وموقعهم من العلم بقدر درجاتهم فی العلم بالقرآن[5]، ولاسِیَّما أنّ الکلمة القرآنیّة -بما هی حضور لسانیّ یمثّل الإمکان الوحید للتّواصل مع الإنسان- تشتمل على بُعد أنطولوجیّ؛ لأنّها تربط عالم الذّات بعالم الوجود من جهة ما یکون هو الآخر (الوجود) کلمة میتافیزیقیّة؛ أی فعلاً من أفعال الله خاضعاً للمعاینة المفاهمیّة. وبما أنّ الحقل المعرفیّ الّذی یستمدّ منه الکائن المفکّر قیَمه العقلیّة لا حدودَ له ولا نهایاتٍ، فإنّ مساءلاتِه للمعنى ومهاراتِه فی تحلیل الخطاب لا تتناهى ولا تتحدّدُ.

لقد اکتسب القرآن -بحکم وضعه اللّغویّ الخاصّ- صفةَ الکونیّة على المستویَـیْن الجغرافیّ والتّاریخیّ، وعلى مستوًى آخرَ هو: معاصرة الحضارات؛ باعتبار مقاصده الّتی تـتـکیَّـفُ مع الواقع الاجتماعیّ ومع ما یستجدّ فیه من وقائع ومستحدثاتٍ. فهی إذَاً مقاصدُ لامتـناهیةٌ، ولا یمکن غلقُها واعتبارُ ما کُـتب فیها من المسلّمات المُلزمة. وهذا یُحیل على معنى آخر دقیقٍ فی قراءة النصّ الدینی، وهو رحابة عبارة القرآن وانفتاحُها على العالم بکلّ زماناته ومستحدثاته وبناه الحضاریّة، وهذا أمرٌ لم یکنْ إلاّ بسبب انفتاح لغة القرآن الکریم على التّأویل وقابلیّتها للتعدّدیة والاختلاف.

 

أولاً: الهرمنیوطیقا.. کلمة ومعـنى:

اقتصرت الهرمنیوطیقا أو علم التّأویل -تاریخیّاً- على تفسیر الکلام الإلهیّ؛ لأجل الخروج بقانونٍ ما لفهم الکتاب المقدس، ولاسیّما العهد القدیم (التوراة) الذی تباعدَ به الزمن وتعقّدت قضایا التعامل معه. ویذکّـرُ هنری کوربان، بأنّ التّـأْوِیلَ قَـبْـلَ أنْ یکونَ مِحْـوَرًا مَـرْکَـزِیًّــا فی الفلسفة کان دَرْسـاً منتظِما ًضمن قائمة العلوم الدینیة، ولم یظهر إلاّ من خلال هذه البوّابة الشّرعیة، ویلاحَظُ أنَّ الفَـیْـلسُوفَ الألمانیَّ هَـایْدغـرْ لمْ یکْـتَـشفِ التّـأویلَ إلاّ من خلال دراساته التّـیولوجیّة؛ تماماً کما کان الأمر بالنسبة إلى الفَـیْلسُوفَـیْنِ الآخرَیْنِ دِلْـتَـایْ وشْلَیرمَاخِـرْ[6]، بل إنّ هَـایْدِغِـرْ صرّح  فی بعض الحوارات بالقول: "بدأتُ تعلیمی فی المدارس الدّینیّة، ولوْلاَ هذه الوِجهةُ الدّینیّةُ ما کنتُ لأصِلَ إلى هذا الدّرْبِ الفکریِّ. إنَّ المصدرَ الدینیَّ هو على الدوام وجهةٌ مستقبلیّةٌ"[7].

ویمکن -تأطیراً للموضوع- أن نحدّد موضوعَ الهرمنیوطیقا الحدیثةِ ضمن منظورین: تاریخیّ ودلالیّ. أمّا على مستوى التطور التاریخی، فیجْدُرُ التذکیر بأنّ الهرمنیوطیقا برزتْ خلال القرن الثّامن عشر بوصفها فنَّ تأویل النصوص، ثمّ صارت منهجاً للعلوم الإنسانیّة خلال القرن التّاسع عشر، وفی القرن العشرین تحوّلَـتْ مع هَایْدِغِـرْ إلى مدرسة فلسفیّة، لکنّها لم تَـأْخُـذْ وضْعَها الحقیقیَّ إلاّ مع تلمیذه غَادَامِـیرْ، ولا یمکن کذلک نِسْیَـانُ شأنِ الفـیْـلسوف الفرنسیّ بُول رِیکُـورْ.

یفصّل جون غریش وجهة النظر التاریخیّة ویفرّقُ بین مراحلَ ثلاثٍ کبرى تطوّر خلالها هذا المنهجُ، تبدأ المرحلة الأولى قبل قرون، حین کان التأویل تخصُّصـاً عمَلـیّاً یتوزَّع على سائرَ المیادینِ التّطْبِیقِیَّةِ؛ إذْ یُـمَارَس فنُّ التأویل بصفةٍ أساسیّةٍ فی مجال تفسیر الکتاب المقدّس؛ کما فی مجالَیْ القضاء والقانون، حیث تطبّق القواعدُ والقوانینُ العامّة على مسائلَ خاصّة، وتبدأ المرحلة الثّـانیة مع فجْـرِ القرْن التّاسع عشر، حیــنَ حدَث تغیّرٌ حاسمٌ فی الأنّموذج أثَّرَ فی فَـتَـرَاتَ التّطوّر اللاحقة، حیثُ أُخْرِجَتْ الهرمنیوطیقا من المجالات الدّینیّة والقانونیّةِ إلى سائر أنظمة المعرفة، وتحوّلَتْ إلى نظریّة فی الفهم والتأویل، وبدأ تأسیسُ الهرمنیوطیقا الفلسفیة مع شلایرماخر (1768-1834م). وأمّا المرحلة الثّالثة، فقد ظهرتْ فیها مع دلتای (1833-1911م) دائرة الفلسفة التأویلیّة بالمعنى الدقیق للکلمة، وهو ما یصحّ أن یقع التعبیر عنه بـ "العصر التّأویلیّ للعقل"[8] الّذی بلغ أَوْجَهُ مع هایدغر وغادامیر وریکور.

وإذا راجَعْـنَـا النّشأةَ الحداثیّةَ الأولى بحثاً عنْ منَابِعِ الفَهْمِ والتّأویل ألْفَیْنَا العقلَ الدّیکارتیّ (1596-1650م) رِیَادیًّـاً فی تَــثْـوِیرِ الفلسفة، وتطویرِ منهجیّةِ البحْـثِ العلمیّ، وتأسیس المنطقِ الحداثیّ. وقد عبّر الفیلسوف هیغل (1770-1833م) عن هذه الرِّیادة بالقول: إنّ دیکارت هو بطل الفکر الإنسانیّ"[9]، وتبدو میزَةُ دیکارت الأولى فی ابتکاره للشکّ المنهجیّ الّذی أرادَه لأجل تصحیح المفاهیم، فکان ذا شأنٍ إیمانیّ، کما عند أبی حامد الغزالی (450-505هـ.ق) الّذی جعل الشّکّ طریقاً إلى الیقین. لکنّ زمَنَ الحداثة تحوّل بهذا الشّک المنهجیّ إلى بُنًــى رادیکالیّةٍ صَـنَعَتْ رؤًى مغایِـرةً للتّفکیر فی العالم، نذکرُ من ذلک: الشکَّ الارتیابیَّ الذی أراد من خلاله دیفِـید هـیُومْ (1711-1776م) وبشکلٍ جذریّ ونهائیّ استئصالَ المیتافیزیقیا الدینیّة اعتماداً على اتّجاهه التجریبیّ المتأسّس على اعتبارات حسِّـیّـة خارجیّة بالتّحایث مع الإحساس الباطنی (مرتبطًا مع تجربة الخارج)، وقد أحدث هذا المنظور الإقصائیُّ الإرْباکَ لدى العقل الحداثیّ النّاشئِ. کذلک کان لرادیکالیّة نیتشه دور استئصالیّ منبعث من اعتبار التأویل فعلَ هیمنة وإرادةً للقوّة، حاول من خلاله إعدامَ القناعات الإیمانیة ونسْـفَ الإِیتِـیکْ المسیحیّ حین أسّس ما أسماه "جِـینْـیَالُوجْـیَا الأخلاق". ویُضَافُ إلى هذا التّوجُّه، دورُ فروید فی علم النفس، وما أدخل علیه من ممارساتٍ إشکالیّة مبنیّة على الشّکوکیّة وعدم الموضوعیة. والنّاتجُ: أنّ هذا الانقسامَ الکبیرَ فی قراءة العالم ومن ورائه قراءة النّصوص، یکشفُ عن دوْرٍ جدید لسلطة القراءة، على مستویات التنظیر والأداء والاستعمال.

وحاصل القول أنّنا صرنا إزاء نمطین من الفَهْـمِ؛ أحدُهما: النمطُ الفلسفیّ الدّیکارتیّ الّذی استَـنَـدَ إلى الممارسة الارْتِـیَابِـیَّةِ فی قراءة العالم[10] منهجیّاً لغرَضِ الوصول إلى الحقیقة الدّینیّة الّتی أثْبَتَها باستدلالاتٍ عقلیّةٍ، والنّمطُ الآخرُ هو الشکُّ العدَمیّ الذی لم یُهَادِنْ الفکر المیتافیزیقیّ فی کلّیاته وفی تفاصیله، وزعماء هذا الاتّجاه قد أسْمَاهُـمْ الفیلسوف الفرنسیّ ریکُورْ (Ricoeur Paul): "أساتذةَ الشکّ"؛ وهُمْ: کارل مارکس، فریدیریک نیتشه، وسیغموند فروید[11]؛ ذلک أنّهم استعملوا التأویل بوصفه تِقْـنِـیَةٍ جاهِـزة لتفْـنِـیدِ حقائق المیتافیزیقیا. إلاّ أنّ فلسفةَ الشکّ لا تُعدّ من الهرمنیوطیقا فی شیْءٍ؛ لأنّ الهرمنیوطیقا بحث عن الحقیقة من خلال اللاّمعنى ولیست دحْـضاً لها[12]؛ وبهذا، فإنّ اللحظة التّنویریّةَ للمنهج الدیکارتیّ اکتسحت مختلفَ مجالاتِ الفکر والعلوم، ومنها العلومُ الإنسانیّةُ ومناهجُ القراءة والکتابة (التألیف)، کما اتّخذتْ صیاغاتٍ وأنساقاً رسمَتْ معالمَ الإبداعِ وثوَّرَت المفاهیم والمناهج؛ لکنّ فعلَ التّأویل مع هذا، لم یَسْتَوْفِ رهاناتِه العلمیّةَ فی بلَد دیکارت؛ ولهذا فقد کتب الفرنسی جون غریش متسائلاً، ثمّ مقرّاً بأنّ الهرمنیوطیقا الفلسفیةَ لیست سوى بضاعة مهرَّبَـةٍ إلى فرنسا![13] وهذا طبیعیّ ما دامت الأفکار تخضع إلى لحظات فکریّة مهیمِنَةٍ، حیث کانت الهرمنیوطیقا خلال الثمانینات لغة مشترکة بین الفاعلین الثقافیّین الغربیّین، تماما ًکما کانت الشیوعیّة فی السّـتّـیـنات، والبنیویّة  فی السّبعینات[14].

وأمّا على مستوى الدّلالة، فسنُـبَـیِّنُ بعضَ المفاهیم، دون أن نغرَقَ فی تفاصیلها. یقول ریکور: "التّـفسیر هو تأویل النصّ بوصفه مجموعة من العلامات"[15]، ویقول أیضاً: "التّأویل هو تعیین معنى غیر مباشر من خلال معنى حرفی مباشر"[16]. وبکلام مختلف لریکور: "إنّ التّأویل هو تفکیک الرموز اللّغویّة"[17]، ویختزل الفیلسوف التّعریف فی کلمة مفتوحة على کلّ المعانی، فیقول: "إنّ التّأویل هو قول شیءٍ ما عن شیءٍ ما"[18]. وأمّا فیلسوف التّـأویل الآخر -غادامیر- فقد جعَـلَ کلّ الممارسات الذّهنیّةِ البشریّةِ تأویلاً (التّــأمّل والتّدبّر والتّفکیر)، فقال: "کلُّ فَهْمٍ تأویلٌ"[19]، ورأى أنّ الفهمَ هو فعلُ تأویلٍ دائمٍ[20]، وأنّ کَـشْـفَ التعدّدیةِ فی العبارة اللّسانیة تأویلٌ[21]، کما أنّ کلَّ إعادةِ إنتاجٍ للمعنى تأویلٌ[22]. وهذا یعنی، أنّ فنَّ التّأویل، هوَ استقصاءُ المعنى النصّی من خلال تعدّدِ الاختصاصات وتداخلِها، وهو ما یجب أن ینطبق على المجال الدّینیّ[23].

وبناءً على ما تقدّم، یمکن القول إنّ الهرمنیوطیقا تقوم بدوْرِ الوَسَاطة فی الوصول إلى المعانی المتوارِیَة خلفَ العبارة الظاهرة بطریقة منهجیّة، ومن ثَمَّ إعادةِ توزیعها وبثِّـهَــا من جدید[24].

ویَـکْــمُــنُ توسُّع الهرمنیوطیقا فی الخروج بالنصّ من إطار القراءة اللّغویة، لیکون بحثاً فی الکوْن وفی الکائن البشریّ الحیّ؛ ولذلک ارتبطت بالأنطولوجیا، وتحوّلَتْ إلى تأمّل فلسفیّ فی الوجود؛ انطلاقاً من قراءة النصّ وتأویله، وأضحت بحثاً فی نظام الوجود ذاته (من خلال النّصوص اللّغویّة)[25]، وذلک من جهتین: إحداهما أنَّ کلّ علم یحمل کلّ إنسان مفکّر على التفکیر فی أناه (أیْ فی ذاته)؛ کما قال هایدغر[26]، وعلى التفکیر فی العالم، وفی نظام الوجود فیه، فإنّ التجربة الشخصیّة لکلّ فرد ترتبط بالوجود وبالتفکیر فی الموت وفی الفناء -والکلامُ لغادامیر-[27]. ونخلُصُ بذلک إلى أنّ الهرمنیوطیقا تعنی وضعَ خصوصیّاتٍ للفهم، ولقواعد التأویل[28]، وهی فی کلمة: "علمُ قواعدِ التّـفسیر"، غیرَ أنّ الهرمنیوطیقا لا تتوقّـفُ عـنْـدَ هذا الحدّ، وإنّما تتوسّعُ إلى آفاقٍ فلسفیّةٍ بعیدَةِ المدى.

 

ثانیاً: القرآن والتّأویل.. سیاسة الکلمة الدّینیّة:

یحیلنا المستوى المعجمیّ لمصطلح التّأویل إلى جذر کلمة "أَوَلَ"؛ وهو بمعْـنى الرّجوع، وآلَ یؤول (بالتّخفیف): إذا رجع، وهو مشتقّ من الأوّل بتشدید الواو؛ کما یرى ابن فارس، وأَوَّلَ الحکم إلى أهله: أرجعه وردّه إلیهم، وأَوَّلَ الکلام: عاد بالمفردة اللّغویّة إلى مجالها القاموسیّ. هذا حسب الاستعمالات العربیّة الأولى، وقد کان أهلُ الجاهلیّة یُـسمُّونَ یَـوْمَ الأحد: الأوّل، ولکنّ کلمة التّأویلِ تعنی کذلک: العاقبة والمآل، وتأویل الکلام: عاقبتُه وما تَـؤُولُ إلیه الأمور من نهایاتٍ وخواتیمَ[29]. فالتّأْویلُ بهذا المعنى، هو الأوّلُ والآخرُ، فهو بدایةٌ ونهایةٌ. والنّاتجُ من هذه التّعریفات أنّ التّأویل فی القرآن یتأسّس على المعنى الاستعمالیّ الأوّلِ، لکنّه لا یتحدّد به ولا ینتهی عنده. وعدمُ التّحدُّدِ یُحیلُ إلى المستوى الثّانی، حیثُ یَعْنِی التّأویلُ "التّـقْـدیرَ والتّدبیرَ"، وهو معنى ثقافیٌّ یفتَحُ مجالَ القراءةِ واسعاً، ویُـفِـیدُ أنّ للقارئ دَوْرًا أساسیّاً فی تقدیرِ المعنى وتحدیدهِ من منظوره الخاصِّ، والتّـقْـدِیر یدخُـل فی معنى "التّصْـیِــیــرِ"؛ وهو التّحوُّلُ الثّـقافیُّ بالکلام من معناه الظّاهرِ إلى دلالاتٍ یسْتَحْدِثُها المُؤَوِّلُ بحسَـب المُعْـطَـیَـاتِ المعرفـیّة المتوافرة.

ثمّ یأتی المعنى الثّالث، وهو معنًى سیاسیٌّ یفـتح على دلالاتٍ غیرِ حصریّة. وفی اعتقادنا أنّه لا یمکن القَـفْــزُ على هذا المعنى المتجذِّر بطبیعته الزّمنیّةِ فی عمقِ القراءة الدیّنیّة إلاّ بعد بیَانِ أنّ هذا المعنى مستمَدٌّ من عادة العرب فی کلامهم، وأنّه یتنزّل ضمن القوانین الوجودیّةِ المُتَآلفة مع القوانین الکونیّةِ.

 لقد تحدّث السّیوطی عن طابَع التّأویل السّیاسیِّ، فرأى أنّ التّـأویل مأخوذ من الإیالة؛ وهی السّیاسة، فکأنّ المؤوّل یسُوس الکلام ویضعه فی موضعه، وأکّد الزمخشری ذاتَ المعنَى فی أساس البلاغة: "آل الرّعیّة یؤولها إیَـالَـةً حسَـنَـةً وهو حسَـن الإیالة لقومه سائسٌ محْـتَـکِم، وأُلْـــنـا: سُسْـنَا وسِسْــــنَا. وأوّلَ القرآنَ وتأوّلَه، وهذا متأوِّلٌ حسنٌ، أی لطیف التّأویل جدّاً"[30]. إذاً فقد صنّفَ الزّمخشریّ السّیاسةَ فی إطار "الحُـسْـنِ"، بمعنى حُسْنِ إدارةِ شؤون النّاس فی المدینة، وکأنّه یقول: لاَ سیاسةَ إلاّ السّیاسةَ الحسنةَ، وعلى هذا المستوى قاس التّأویلَ، بوصْفِه حُسْنَ إدارةِ المعنى. وأقـرّ اللّغویّ أحمد بن فارس القزوینیّ دلالة المصطلح، وأکّــد أنّ الإیالة هی السیاسة، وهی من باب التّأویل بمعنى الرّجوع؛ لأنّ مرجع الرّعیّة إلى راعیها، من حیث التّدبیرُ، وآل الرّجلُ رعیَّـتَه یؤولُها إذا أحسنَ سیاستَها[31]. وبهذا یَـجِــدُ المصطَـلَحُ المذکورُ شرعیَّـتَـه من تعدّد الإحالات علیه، فقد توحّدتْ على هذا المعنى ثلاثُ مقولاتٍ مختلفةُ الاتّجاهات؛ فالسّیوطیّ مُـمَـثِّــلٌ لمدرسة التّـفسیر المنقول، والزّمخشریّ متخصّص فی التّفسیر العقلیّ، وابنُ فارسٍ یمثّـِــلُ الاتّجاهاتِ اللّغویّةَ.

ویبدو أنّ استخدامَ مصطلح السّیاسة فی البیئة العربیّة القدیمة، لا یختلف من حیث المعنى عن الاستخدامات المعاصرة له، فقد قال الطّبیب والفیلسوف العراقی ابن الأکفانی: إنّ علم السیاسة یعلم منه أنواع الریاسات والسیاسات والاجتماعات المدنیة وأحوالها، وموضوعه معرفة المراتب المدنیّة وأحکامُها، ومنفعـتُه الاجتماعاتُ المدنیّة الفاضلة[32]. وضمن هذ النّسق، اعتبر المسلمون إدارةَ الحیاة فی العالم من قِـبَلِ القوانین الإلهیّة، سیاسَةً؛ إذِ الشّـرْعُ مصالحُ وسیاساتٌ من الله تعالى فی حقّ العباد، والمصالح تختلف باختلاف الأزمنة؛ کما یقول الفقیه العراقی أحمد بن برهان[33].

وبناءً على ما تقدّم، یمکن القول: إنّ إطلاقَ الدّلالة السّیاسیّة على فعلِ التّـــأویلِ، یجعل من هذا الفعل ممارسةً سیاسیّةً بامتیاز، مع ملاحظةٍ تحدّدُ طبیعةَ هذه الممارسة؛ وهیَ أنّ التّأویل لا یَـنْـتَـظِمُ ولا یکونُ، إلاّ مَـتَى ما ارْتَـبَـطَ بتعدُّدِ الاختصاصات وتنوُّع المناهج والأطروحات الفکریّة؛ لأنّ السّیاسة الّتی قَـاسَ بها السّیوطیُّ والآخرون التّــأویلَ هیَ عِـلْـمٌ متعدّد الرّوافد والمناهج کسائر العلوم الإنسانیّة. والنّاتج أنّ فعلَ التّأویلِ مُـنْـفَــتِحٌ على الاختلاف والتّعدّد والحرّیّة بوصفها مفاهیمَ ومقوّماتٍ تؤسّسُ إدارةَ المعنى؛ کما تؤسّس کلَّ عمل سیاسیّ، والتّأویلُ عملٌ سیاسیّ -کما تقدّم الشّرح-. والّذی یعْنینا فی الموضوع هو اعتبارُ التّعدّدیّةِ لُـبَابَ المنهجِ وقلبَه النّابِـضَ؛ لأنّها تَــتَــنَـزّلُ فی إطار بِـیدَاغُـوجْــیَـا التّـوْضِیحِ والإفهامِ الّتی تعتمد على الخبرة الثّقافیّة والاجتماعیّةِ للمتلقّین، ویتمیّز بها علمُ الاتّصال القرآنیّ.

ویتقاسمُ الأدیبُ الرّاغب الأصفهانیّ مع متخصِّصِی علوم القرآن دلالة المصطلح، ویدعمها فلسفیّاً؛ لیجعل فعلَ السیاسةِ أساساً من أُسس الإیجاد الإنسانیّ. فـ«الإنسان أُوجِـدَ لیکون کاملاً فی المعنى الذی أوجِـدَ لأجله، ویختصّ الإنسان بثلاثة أشیاء: التعمیر والعبادة والخلافة (...) [والخلافة] هی الاقتداء بالباری سبحانه بقدر الطّاقة البشریّة فی السیاسة باستعمال مکارم الشریعة (...) الخلافة تُستَحَقّ بالسیاسة، والسیاسة نوعان: أحدهما سیاسة الإنسان نفسه وبدنه وما یختصّ به، والثانی سیاسة غیره وذویه وأهل بلده، وهذه السیاسة العامّة لا تکون إلاّ بتحرّی مکارم الشّریعة، بمعنى الحکمة والعدل»[34]. وکذلک فقد فصّل أبو نصر الفارابی القولَ فی الفکر السّیاسیّ الإسلامیّ حین تحدّث عن المدینة والسّیاسة والمدنیّة فی "آراء أهل المدینة الفاضلة"، وفی "السّیاسة المدنیّة"، وسمّى حاکم المدینة "الرّئیس"، رئیس الأمّة، وتحدّث عن مجلس رئاسیّ عند تعذّر الشّروط الفکریة والجسدیة والأخلاقیّة للرّئیس الفیلسوف[35].

ولا شکّ فی أنّ التّمازج بین التّأویل، بما هو قراءة للقرآن الکریم من جهة، والخلافةِ الإنسانیّة من جهة أخرى، والفلسفة من منظور ثالث، ومکارم الشّریعة فی إطار متّصلٍ، یدلّ على أنّ فعلَ التّـأویل یتّخِـذُ مقاماً مرکزیّاً فی قائمة العلوم الإسلامیّةِ النّظریَّةِ، کما فی عُـمْـقِ الأفعالِ الدیّنیّة. ولا شکّ فی أنَّ هذا التّرابطَ بین النّظریّ والعملیّ یُــؤَکِّــدُ أنّ التّعامل مع القرآن الکریمِ هو أکبـرُ مِـنْ أَنْ یَـکُـونَ مجرّدَ ریاضةٍ ذهنیّةٍ یمارسُها العقلُ بِغَـرَضِ الاستعراضِ الفکریّ أَوِ الجدَل الإیدیولوجیّ، إنّه ممارسةٌ علمیّة لأجل فَهْـمِ لغة القرآن وإحالاتها الکونیّة والغیبیّة، عبر العلم والفهم والتّجْرِبَة الوجودیّة للحیّ (الکائن الحیّ).

ویؤکّد الفیلسوف النّیسابوری أبو حامد الغزالی عمقَ الممارسة العلمیّة الّتی تستبطنُ لغةَ القرآن، وتدفعُ إلى الفهمِ والتّأویلِ وتعدُّدِ المعارفِ؛ لأجْـلِ اسْـتِـکْـنَاهِ الدَّلالات الإلهیّة، فَــیَـصِفُ القرآنَ بالبحر الّذی لا تَــتَــنَـاهَـى حدودُه، ویحاول الغزالی استکمالَ الصورة بطریقةٍ تشخیصیّة، فــیَطْـرَحُ أنَمُوذَجاً تأویلیّاً تحتویه العبارةُ؛ لیبیّنَ للناس معنى "القراءة الأنّموذجیّة" للقرآن الکریم، ویُثْبِتَ دَوْرَ القارئِ فی إنْـتاج المعنى وَفْـقاً لمنهجیّة النّصّ الدّینیّ. یقول الفیلسوف الفقیه: «إنّه لا یمکن معرفة أفعال الله فی الشفاء والمرض فی مثل قوله تعالى حکایةً عن إبراهیمَ: {وإذا مرضتُ فَهْـوَ یَــشْــفِــینِ}[36] إلاّ بمعرفة الطّب بکماله؛ إذْ لا معنى للطبّ إلاّ بمعرفة المرض بکماله وعلاماته، ومعرفةِ الشّفاء وأسبابِه، والبحثِ عَـنْ حَـقِــیقَـةِ ذلک، وکذلک الشأن بالنسبة إلى علم الهَـیْـئَةِ والنّجومِ وغَـیْـرِهَـا (...)؛ لأنّ القرآنَ هو البحرُ الّذی لا شاطئَ له»[37]، ولا نهایةَ لإحالاتِه المعرفیّةِ.

ولا شکّ فی أنّ العبارةَ الأخیرةَ تَـسْـتَــوْقِـفُ الانتباهَ؛ لأنّها تُحِـیلُ إلى معنًى إشکالیّ یتعلّق بالتّأویل اللاّمُتَــنَاهِی؛ ذلک أنّ فعلَ التّأویلِ مسألةٌ عقلانیّةُ لا تتحدّدُ بسقْـفٍ یتوقّفُ العقل دونه عن القول. فالقرآن هو البحرُ الّذی لا حدود له، والنّشاط الذّهنیّ هو حرکة الإنسان الوجودیّةُ الّتی لا تتحدّدُ ولا تتوقّفُ. والنّتیجةُ أنّ التّأویلَ إبْـداعاتٌ عقْـلیّةٌ متواصلةٌ، وبما أنّ العقْـلَ متضامِـنٌ مع الحقیقة، فإنّه یتّسمُ بالصِّدْقِــیّةِ؛ ولذلک فقد اعتُبِرَ أصلاً لفَهْـمِ الشّریعة، کما إنّ المعارفَ النّقلیّة أصلٌ. وهذا الأمر یَـدْرَأُ التّعارضَ بین العقل والشّرع؛ ولهذا من کذّبَ العقلَ فقد کذّبَ الشّرْعَ؛ إذْ بالعقل عُـرف صدقُ الشّـرْعِ، وبالعقـل ثَـبَـتَـتِ النّـبُـوَّةُ، وبالعقل ثَــبَـتَ الشرعُ، وهکذا تحدّث أبو حامد الغزالی فی قانون التّأویل[38].

 

ثالثاً: التّأویل القرآنیّ والآثار الواقعیّة:

یظهر من خلال المتابعة السابقة للمراجع المتخصّصة فی مجال العلوم الإسلامیّة، أنّ التّأویل یمثّــلُ مصطلحاً علمیّاً کبیراً، وأنّه وَرَدَ فی القرآن الکریم باعتباره قانوناً علمیّاً وضرورةً نظامیّةً وخارطةَ طریقٍ لا یمکنُ التّوصّلُ إلى الحقیقة من دون اعتمادها. وهنا تُمکن ملاحظةُ أنّ العقلَ القرآنیّ المُؤَسّسَ للمعنى الدّینیِّ لا یتناقضُ من حیثُ عقلانیّةُ الفهمِ والبحثِ عن المعنى مع نظریّاتِ الحداثة. وقد تبیّــنَ فی تاریخِ القرآنِ أنّ الثّراءَ المنهجیّ-القرآنیَّ یتوضّحُ من خلال ألوانِ القراءاتِ الدّینیّةِ المتنوّعَةِ ومن خلال الاتّجاهات والمناهج المتعدّدة الّتی ملأتْ ساحةَ المعرفةِ الإسلامیّة منذُ بدایةِ استقبال النّصّ الکریم فی زمن النّبوّة. وتکفی، لفهم هذا الواقع، نظرةٌ بانورامیّةٌ فی بنْـیة النّصوص التّفسیریّة الّتی أخصبَتْ خلالَ العقودِ الأربعة الأولى من التّـقویم الهجریّ، حین تعدّدت المدارسُ العقدیّة والمکوِّناتُ الفکریّةُ الإسلامیّةُ.

صحیحٌ أنّ الممارساتِ التّأویلیّةَ الأولى بَـدَتْ سیاسیّةً حین تظافرت نشأتها مع الفتنة الکبرى والاغتیالات السّیاسیّة والانشقاقاتِ العقائدیّة الّتی حدثَـتْ خاصّةً مع مقتل عثمان بن عفّان سنة 35 من التّقویم الهجریّ، لکنّ المراهناتِ السّیاسیّةَ لم تدُمْ طویلاً، فقد تطوّرَ المشهدُ المعرفیّ وامتزج بالعلوم الصّحیحة، واندلعَـت المناقشاتُ والمناظراتُ الفکریّةُ، وأسهمَت فی صیاغةِ منظومات قِـرائـیَّة تبلْـوَرَتْ فی الأزمنة البعْدیّة على النّحو العلمیّ متعدّدِ الاختصاصات.

 وبدأت التعدّدیّة المنهجیّةُ عملـیّاً فی مجال العلوم الإسلامیّة حین استقلّ تفسیر القرآن بوصفه نظاماً علمیّاً خاصّاً، وأُخْرجَ من دائرة المدوَّنات الحدیثیّة، فـلَمْ یعُـدْ تفسیرُ القرآن مجرّدَ بابٍ من أبواب کتب الحدیث. ثـمّ اختلفتْ ثقافةُ المفسّر، وانتظمَت قراءاتُ القرآن تحت عناوینَ مختلفة: التّفسیر المأثور (النّقل الخالص)، والتّفسیر بالمأثور (النّقلُ المتمازِج مع الرّأْی)، والتّفسیر العقلیّ (المستقلّ بمساراته الفکریّة). ولم تلبث التخصّصات العلمیّة أن شقّـتْ طریقها ضمن هذه المناخاتِ واستقلّت بمکوّناتها الوظیفیّة. هنالک ظهر المنهج اللّغویّ، والفقهیّ، والصّوفیّ، والباطنیّ، والرّمزیّ، والأدبیّ، والعلمیّ، والفلسفیّ، ...، ثـمّ تنوّعت الأنماط، ما بین التّفسیر التّرتیبیّ، والتّحلیلی، والموضوعیّ، ...، ووصلت فی أیّامنا إلى أصناف منهجیّة جدیدة أُسهِم بها من خارج المنظومة الإسلامیّة، ویمکن البناء علیها؛ وذلک مثل: التّفسیر السّیمونطیقیّ، الّذی کتبه الیابانیّ توشیهیکو إیزوتسو، ویتعلّق بتطبیق منهج التّحلیل الدّلالیّ، فهو دراسة تحلیلیّة لمعانی الألفاظ القرآنیّة (دراسة معانی المصطلحات الأساسیّة والتّأسیسیّة المستمدّة من المعجم القرآنیّ)، وعلى هذا یکون العنوان: "علم دلالة القرآن"[39].

 وقد حاول الیابانی توشیهیکـو أن یبدوَ موضوعیّاً حین قدّم تحلیلاً دلالیّاً ودرسَ مفاهیم مثـلَ "الإیمان" فی علم الکلام الإسلامیّ، وذکرَ أنّ الشّرط الأساس للممارسة الصّحیحة للتّأویل هو أن یکون هناک برهانٌ محدّدٌ یُظْهر استحالةَ التّفسیر الظّاهر[40]. وصحیح أنّه لم یلتزم بهذا المسار بل مارس الإسقاطَ والمصادرةَ، لکنّ المَـنْظَرَ الشامل للإنتاجیّات المنهجیّة الجدیدة یظلُّ مثمراً؛ لأنّها لم تَعْدِل بمشاریعها عن القضایا الإشکالیّة الّتی طرحتها المنظومةُ القرآنیّةُ فی إطار عقلانیّة المعرفة وعلمیّتها، وإنْ کان منها ما یتضارب مع بعض الأساسیّات المنهجیّة، وتختلف الرّؤْیة لدیها؛ لأنّ المِلَــلَ والأهواءَ والنِّحَـلَ، وسائر الآفاقِ الثّـقافیّةِ المسیْطِـرَةِ، کثیراً ما تـنْـتهک لحظة الموضوعیّة، وتساهم فی مُـنَاوءَة المعرفة.

  وإذا اتّبعْـنا المسار ذاته، فسیثبُتُ ما سبق تقریرُه؛ وهو أنّ المعادلاتِ الحداثیّةَ اختلفت نوْعیّاً حین انْـتَهَجَـتْ فی قراءات النّصوص الدّینیّة مُسْبَـقاتٍ ومَـرْجَعِـیّاتٍ ومُسلَّماتٍ غیر دینیّـةٍ، إلاّ أنّها من حیثُ الجوهرُ العلْمیُّ الخالصُ لا تمثّــل صدامًــا مع المُحدّدات الدّینیّة، کما وقع التّرْوِیجُ لذلک؛ لأنّ المُغَایَرَةَ (الفکر المُغَایِـر) لاَ یمکن أنْ تکونَ تهدیداً للمعنى عموماً، ولا للمعنى الدّینیّ خصوصاً. وقدْ تقدّمَ الکلام على أنّ مرکزَ الاهْـتِـمامِ فی القرآن الکریم هو التّـأْسیسُ لِمَوْضُوعیّةِ المعرفةِ فی إطار التّعدّد والاختلاف، ویمکن أن نلاحظَ أنّ الآیاتِ -غالباً- ما تنتقدُ الّذین فی قلوبهم "زیـــغٌ " وتدعو إلى اجتناب "الهوى"، وغیر ذلک من النّزعات الفردیّة، فکانت -بذلک- تهدفُ إلى تقلیص تأثیرِ الذّاتیّة والهیْمَنة على النّصوص والانفراد بصیاغة المعنى. وللتّذکیرِ، فإنّ الوحْیَ نزلَ فی مجالٍ سُوسْـیُوثقافیّ واجتماعیّ مناوِئٍ للنّصّ القرآنیّ، ولم تــنْشَأْ بینه وبین مجاله قطیعةٌ؛ ولهذا، کان الخطّ المنهجیّ للعقل الإسلامیّ یستوعبُ الاختلافَ ویتعایشُ مع تعدّد المعتقدات. 

لقد ائْـتلَـف العقلُ الإسلامیّ فی التّاریخ مع العقل الیونانیّ وسائرِ ثقافات العالم لیسْـتَحدِثَ بأدواته المنهجیّة مُـنْـتَجاتِه المعرفیّةَ الخاصّةَ. ولا شکّ فی أنّ القناعاتِ الإیمانیّةَ الّتی توحِّـد بَـیْن الأدیان السّماویّةِ تؤکّـدُ هذا المسارَ؛ وهو أنّ الشّرائعَ الإلهیّةَ طرائقُ ومناهجُ مرتبطةٌ بأنظمة التّفکیر الخاصّة بالمجموعات البشریّة المُخاطَـبَة بالتّنزیلِ؛ أی إنّ التّـعدّدیّــةَ الشّرائعیّةَ تعکس اختلافَ الثقافاتِ والبُـنَى الاجتماعـیّةِ الّـتی تستقبل الوحْیَ الإلهیَّ. وإذا کان الله -تعالى- قد أرسل إلى مختلف شعوب العالم عدداً من الأنبیاء (عله) والرّسل (عله) یبلُغ ثلاثَمئةٍ وأربعةً وعشرین ألفاً (على اختلاف)؛ فهذا یعنی أنّه أنزل مئات المناهجِ نظیراً لذلک، وإذا کانتْ هذه الشّرائعُ تنظرُ إلى العالم ضمن أنظمةٍ مفهومیّةٍ متعدّدةٍ بتعدّد مراحلها التّاریخیّة، فإنّ صورةَ الواحدیّةِ تَــتجلّى فیها، وبهذا المعنى کانت استراتیجْـیَــا التّأویل القرآنیّ حالةً تنویریّةً ترتکزُ على نظامٍ داخلیٍّ یعتمد على الأنشطة الاستقْـصَائِـیّةِ لأجْـلِ استجْلاءِ المُراداتِ الإلهیّةِ من خلال التّـفَـاعُلاَتِ الثّقافیّةِ والعقائدیّةِ الّتی تنتُـجُ فی زمن القراءة، وهذا الموْقِــفُ الاتّصالی مبنیٌّ على أنّ اتّجاهاتِ التّـفکیر الإنسانی مشترِکَةٌ فی البحث عن الحقیقة؛ فهی بهذا المعنى إیجابیّةٌ وإنْ تناقضتْ نتائجُ تحقیقاتِها وفحوصِها العلمیّة، لکنّ هذه النّتائجَ لیستْ حقائقَ مطلَقةً تستوجِبُ التّـقْـدیسَ.

وما دامت التّأویلیّةُ تمثّل محوراً للـتّـفکیر العلمیّ فی عالم الحداثة التّکنولوجیّ، وما دام هذا المنْحى الحداثیُّ الجدیدُ فضاءً للمُقایسة والمقارنة، یبقى لزاماً علینا أن نرسُم حدود المقاربات الدّلالیّة والمفهومیّة بین النّصّ المقدّس قبل أنْ ننظرَ فی اتّجاهات الحداثة المُؤَدْلَجَةِ الّتی حرِصَتْ بعض تیّاراتها على الإعراض عن القداسة الدّینیّة من أجل أن تتمحورَ حول ذاتها اللاّدینیّةِ وتُمسکَ -وبطریقة شمولیّة- بکلّ شیء، فتقصیَ الدّینَ والنّصَّ والمُقدّسَ من ساحة التّـفکیر، وتصنعَ، على أنقاض ذلک، عُلْـویّـتَها وقداسـةَ نفْـسها.

 

رابعاً: الحداثة والتّأویل.. استراتیجیا التّمرّد على المیتافیزیقیا:

بدأت إشکالیّة التّأویل المعاصر من محاولة عدیدٍ من المستشرقین استجلابَ بعض القراءات الدّینیّة-الکتابیّةِ لأجل تطبیقها میکانیکیّاً على القرآن الکریم، بعد سحبها من بیئتها الأصلیّة (الغربیّة)، من دون مراعاةٍ للتّمایُـزِ والاختلاف بینها وبین القرآن. وقد بدأ التّسویق مع نولْـدِکه (1836-1930م) الذی جعل من نبیّ الإسلام مؤسّساً ناقلاً، ولیس رسولاً من عند الله![41] ثمّ جاءت المرحلة الإشهاریّة والدِعائیّة مع بلاشیر الذی روّج لتماثُــل القرآن مع الإنجیل، ولمقُـولة أنّ النبی محمّداً کان منخرطاً فی بعض الطّوائف ذاتِ المعتقَـد المسیحیّ![42] ثمّ تابَعهما فی ذلک هشام جعَیْط![43]

ویبدو أنّ هذا التّبایُنَ الّذی یعبّر عن إسقاطات إیدیولوجیّةٍ تتناقض مع الوقائع التّاریخیّة، قد أهمل المصادر الّتی أکّدتْ أنّ القرآن الکریم قد کُـتِـبَ من إملاء النّبیّ (ص) ذاته، بصفة فوریّة ومحایِـثَـةٍ للتّنزیل فی الزمان وفی المکان، وحسب التّاریخ الکرونولوجی (التّسلسل الزّمنی) الّذی استمرّ ثلاثاً وعشرین سنةً. وفی تباین واضح، تحدّث نولْـدِکه عن مسألة التّدوین القرآنیّ، فکتب: «إنّ الفضل الرّئیس فی تماسک النّـقل یعود إلى النبی نفسه، فهو قرّر على الأرجح منذ اللّحظة الأولى [للوحی]، أن یکون وثیقةً صادقة غیرَ محرّفة للإرادة الإلهیّة فی مواجهة کتاب الیهود والنصارى المقدّس. ولذا کان لزاماً أن یهتمّ بالتثبیت الخطّی لِما أُوحیَ به إلیه؛ لیُحفَـظَ من الاندثار أو التّحریف. والنّقلُ لا یسمّی الکُتَّاب الذین کان محمّد یُـمْلی علیهم الآیات فحسب؛ بل یزوّدنا بمعلومات هامّة عن شکل هذه المکتوبات»[44]. وفی المقابل، یذکر أنّ یسوع لم یترک کتابات مُوحَاةٍ ولا مِنْ نوعٍ آخر، ولم یکن للمسیحیّة کتاب مقدّس[45].

ویؤکّد اتّجاه البحث أنّ قراءة النصّ القرآنیّ لا بدّ منْ أنْ تخضع، وبحکم الضرورة الموضوعیّة، إلى اعتبار مسألة الوحی أساساً للوصول إلى المعانی الموضوعیّة التّی تنطوی علیها العبارة القرآنیّة. وهنا سیکون مفهوم القداسة -بالمعنى الإسلامیّ- القاعدةَ المرکزیّة لفهم القرآن الکریم؛ لأنّ غایة النصّ القرآنیّ من البلاغ الدّینی هو تقدیم المعتقد المقدّس کلّیّاً فی إطار الوحی الجدید -کما یقول بلاشیر[46]-. وأمّا إذا قُـرِئَ خارج هذا المجال المقاصدیّ، فإنّه یمکن تطویع المعنى القرآنیّ حسب المقتضیات الإیدلوجیّة التّی یتمَوْضَعُ فیها القارئ (یضع نفسه فیها)، فینزلق إلى التّحریفیّة وفوضى الدّلالة. فإذا تضاربت المقاصد، وانتهى القارئ إلى إزاحة المقصد الأصلیّ للوحی -بتعبیر جارک بارک- تضیع المعانی المرادةُ من القول الإلهیّ؛ لأنّ القرآن الکریم یتنزّل فی أعلى مراتب البیان؛ لکونه تحدّیاً ثقافیّاً یتجاوز الواقع ببـنْـیَـتِه المعرفیّة ومنظومته البیانیّة[47]. وهذه مسألة تستدعی الاعتراف بالمرجعیّة الدینیّة؛ لأنّ الاعتراف بهذه المرجعیّة یعنی تفسیر النصّ الشرعیّ داخل الحقل الدّینیّ ابتداءً، ولیس انطلاقاً من مقاربات شخصیّة ومرجعیّة بشریّة یخضع لها القارئ، ویسعى إلى إخضاع الدّلالات الدّینیّةِ لها؛ لأنّ اللّغة کانت وسیلة اتّصالِ الله بالإنسان[48]، ویذکر الجاحظ أنّ اللّغة عطاء من الله ابتداء[49].

وفی ضوء هذا السّیاق، لا نمْلِـک أن نرسُم حدودَ المقدّس إلاّ من خلال المرجعیّة الإسلامیّة، ولیس بالاعتماد على التصوّرات الخــاصّـةِ المناهِــضة للحقائق الدینیّة التی استبدلت الوحیَ بالعقل البشریّ، والإلَهَ بالإنسان، ثمّ تمحْوَرَتِ الذّات الإنسیّة حوْل نفسها بشکل میتافیزیقیّ سحَـبَـتْه من مقام الروحیّة إلى ذاتها[50]، وحصَـرت القداسةَ فی الذّات البشریّة وفی المجال الأرضیّ الذی تعیش فیه، وحاولَت تغْـیِـیبَ الواقع الدّینیّ عن الزّمان والمکان الذی تملّکتْه بصِـفَـةٍ عَرَضیّة، لکنّها لم تسلَم البتّة من الرّعب المیتافیزیقی ومن کابوس العدم، وهو تفلُّـت الحیاةِ عن الإنسان، من الوجود والبقاء إلى الفناء. وذاک لُــغْــزٌ عجزَ العقل المحْضُ عن اختراقه، فلمْ یفسّرْهُ، ولمْ تتکشّفْ له الحقائق الدّینیّة تبَعًـا لذلک.

 

خامساً: إشکالیة العلمیّة فی الفهم التفسیریّ:

طرح التّونسی محمد الطّاهر ابن عاشور إشکالیّة "العلمیّة" فی قراءة النّصّ الدّینیّ، واستنتجَ أنّ تفسیر القرآن لا یدخل ضمن دائرة العلوم؛ لأنّ العلم یعنی أساساً الیقین[51]، فقال: «ما کنت أرى التّـفسیر یُعدّ علماً إلا لو کان شرح الشعر یعدّ علماً، ولکنّی رأیت التّفسیر معدوداً فی مقدّمة العلوم؛ لأنّه منبع العلوم الشّرعیة، ورأیت لأسباب تأخّره أثراً قویّاً فی تأخّر کثیرٍ من العلوم الإسلامیّة؛ خصوصاً الفقه، والنحو، واللغة، أحببتُ أنْ أتابعهم فی عدّه علماً»[52]. ولا شکّ فی أنّ إنکار عِلْـمیّةِ تفسیر القرآن الکریم من قِـبَـلِ قارئ متمیّزٍ للنّصّ القرآنی، مثلَ محمّد الطّاهر ابن عاشور، یمثّل منعرَجاً منهجیّاً فی فَـهْم الحقائق الشّرعیّة. ویظلّ الإشکالُ قائماً فی حقلیْ علوم القرآن والتفسیر حول مدى علمیّةِ کلٍّ من الاختصاصیْـن. والمفارقةُ أنّ هذا الموضوع لم تُعاوِد البحوثُ الدّینیّة إثارته للبحث من بعده؛ لأنّ البحث عنْ مسمّى العلم ومضمونِه لم یکن موضوعاً للدّراسة فی مجال التّخصّصات القرآنیّة؛ ولهذا لا تتعرّض إلیه الکتب المختصّة بالتّعریف، فضلاً عن الفحص والمتابعة والتّحقیق. ولکنّ طرحَ السّؤال التالی یظلّ ضرورة مُـلِحّــةً: هل یبقى للمعارف الشّرعیّة ولمضامینها منطِـقٌ تستَـنِد إلیه لتشریع وجودها الثّقافی والحضاریّ إذا ما افتقدت الدلالةَ العلمیّة؟ ثمَّ إنّ القولَ بأنّ التفسیرَ علمٌ، وبأنّ علومَ القرآن علومٌ، هل یمکن الحدیث عنها بوصفها علوماً فعلیّة؟ وإذا کان ذلک کذلک، فهْیَ علومٌ بأیِّ معنًى؟

وللتّوسّع فی فهم المصطلح؛ انطلاقاً منْ التّصنیف اللاّعلمی للتّفسیر -کما ذکر ذلک محمد الطّاهر ابن عاشور-، وبما أنّ العلمیّةَ تُــمثّـل عنواناً لکافّة الحضارات والثّقافات، تجدُر ملاحظة أنّ ثمّةَ هُــوَّةً تصوُّریَّـةً للمصطلح بین العلوم القدیمة والعلوم المعاصرة، فالمفاهیم الحدیثة لمصطلح العلم تتعلّق بمضامینَ خاصّةٍ لا تندرج ضمنَها مسمَّـیاتُ العلم فی المفاهیم الدّینیّة. فَمَنْ تُسمّیه المنظومة الإسلامیة "عالماً"؛ کالفقیه أو المحدّث، لا یُسَمّى عالماً فی مفاهیم الحداثة[53]؛وذلک لأجل الاختلاف فی تحدید العلم وفی ماهیته.

وسنذکر لذلک مثالیْن:

 أوّلهما یمثّل القطیعةَ بین العلوم الدیّنیّة والعلوم الدّقیقة، فـالفرنسیّ غاستون باشلار تحدَّثَ فی المجال العلمیّ عمّا أسْمَاهُ "Obstacle" بمعنى القطیعة (coupure) المعرفیّة بین الماضی والحاضر، وهذا یعنی مناهضةً واضحةً لمفهوم الاستمراریّة فی حقل العلوم (le continuisme). ویرى باشلار أنّ من ضمن هذه العوائق: المیتافیزیقیا والدّین؛ باعتبارهما ینتمیان إلى المرحلة "ما قبل العلمیة" فی تقسیمه الثلاثی للتطوّر العلمی[54].

 والمثال الآخر ذکره الفرنسی ریجیس دوبری مشخّصاً على المستوى العملی الفرقَ بین لغة الدّین ولغة العلم، قال: لو أنّ عالِمیْن؛ أحدهما متخصّصٌ فی الفیزیاء الفلَـکیّة (un astrophysicien) من العام 2002م، والآخر متخصّص فی العلوم الکونیّة(un cosmologue)  من العام 1402م التقَـیَا، فلن یکون بینهما مجال للحدیث؛ بل سیکون بینهما حوار الطُّرْشان، وعلى العکس من ذلک، لو أنّ مسلماً أو مسیحیاً أو یهودیاً، من أی الأزمان کانوا، التقوا فی الجنّة، لکان التفاهم بینهم قائماً؛ لأنّ المعارف والرموز الدینیّة هی ذاتها لا تتغیّر، والنتیجة: هناک عقل علمیّ جدید مناهض ومناقض لما سلف[55]. وللبیان، سنذکر بصفة مختَصَرَةٍ الفروق التّعریفیّة لمصطلح العلم الّذی یمثّل مفتاحَ التّفسیر والتّأویل، فی مجالیْ العلوم القدیمة والحدیثة.

استخلص النّظام المعرفیّ الغربیّ أنْ لیس ثمّةَ تعریف نهائیّ للعلم. وما تزال البحوث العلمیّة تنطلق من المعاجم لتحدید رؤیتها العلمیّة، وإنْ کان المنظور الجماعیّ یتّحد فی تصنیف العلوم وتحدید مضامینها. وقد أکّد البریطانیّ آلاَن فْـرانْسیس شالْمَرس، المتخصّصُ فی تاریخ العلوم والإبستیمولوجیا، أکّد أنْ لیس ثـمّةَ مفهوم أبدیّ وکونیّ للعلم وللمنهج العلمیّ[56]، کما إنّ القوامیسَ لا تقدّم تحدیداً إضافـیّاً للموضوع؛ ومن ذلک أنّ الموسوعةَ الفلسفیّةَ للفرنسیّ أندریه لالاند، کانت فضفاضةً على هذا المستوى، وکانت غیرَ دقیقة، حیث أوردَت مفهومَ العلم فی کلمة جامعة تشمل سائر المعارف، من جهة ما تقوم على الوحدة والشّمول والموضوعیّة، وبوصفها قابلةً للإثبات والبرْهنة، وأنّها تنظر إلى حقائق العالم خارج معایــیر الذّاتیّة: «العلم هو جملة من المعارف والبحوث، الّتی تتمیّز بالوحدة والشمول، وتقود إلى نتائج متناسقة فی اکتشاف قوانین العالم بطریقة موضوعیّة تتأکّد بالفحص المنهجیّ لا تخضع للأهواء ولا للأذواق والمصالح الخاصّة، وإنّما تنظر إلى العالم من جهة ما هو هو»[57].

وجملة الرّأی أنّ تعریف العلم تجاوزَ الحدودَ التّقلیدیّةَ المتمثّــلةَ فی دوغمائیّة النّـظام الکنسیّ، واتّخذ مَـنْحًى معاصراً منذ الفیزیائیّ الإیطالیّ غالیلی (Galilée) (1564-1642م)، وأضحى یختصّ بالعلوم الصّحیحة دون سواها، وانحصر فی علم الفیزیاء الّذی صار مقیاساً لکلّ العلوم. ولا یمکن الحدیث عن نشأة العلم المعاصر من دون التّوقّف عند النّمط الفکریّ الجدید للفرنسی أُوغُـسْت کُـونْـت (1798-1857م)، الّذی أسّس الفلسفة الوضعانیّة؛ باعتبارها فلسفة العلم ورمز العقلانیّة، ولأنّها الأقدر على مواکبة مسیرة التّقـدّم فی الحیاة. وقد اعتمد کُونْـت على "العلمیّة"؛ بوصفها مبدأً استراتیجیّاً لمناهضة الفلسفة التّیولوجیّة والمیتافیزیقیّة؛ وذلک لمّا ارْتَــأَى أنّ العالم دخل عصر الإیجابیّة (أی الوضعانیّة) عبر هیمنة العلوم السّتّة: الفیزیاء، والکیمیاء، والرّیاضیّات، والفلَـک، والبیولوجیا، والسّوسیولوجیا، الّتی تحتکر القول الفصل فی جمیع الحقائق الدّنیویّة والغیبیّة[58]. وبما أنّ أوغُـسْت کُونْـت قد دمَج علم الاجتماع أو السّوسیولوجیا فی دائرة العلوم الصّحیحة، فإنّ ذلک باعتبار خاصّ؛ وهو کونُه المؤسّسَ الأوّلَ لهذا التّخصّص الجدید الّذی تولّد عن لحظة الحداثة وحَـفِظَ مقوّماتِها العقلانیّة، فحوّل بذلک محاورَ الاهتمام الوضعانیّة من التّنظیر العقلیّ إلى مجالات تطبیقیّة، وکان علمُ الاجتماع من منظوره هو الحاضنة العملیّةَ للوضعانیّة (العلمیّة)؛ ولذلک أرادَ أنْ یؤسّسَهُ على الـتّحلیل المنهجیّ لیکون علْماً دقیقاً صالحاً لدراسة التّحوّلات والتّطوّرات الاجتماعیّة. وقد رأى أحد المتخصّصین أنّ السّوسیولوجیا بما هی إرادةٌ لدراسة المجتمعات، وتحلیلٌ لتطوّراتها وفقاً لطریقة منهجیّة وموضوعیّة مُـثْلى، قد انبثقت من التّحوّلات الاجتماعیّة الّتی أدّت إلى ظهور مجتمع الحداثة[59].

واضح أنّ الجُمُوحَ الوضْعانیَّ أراد فرضَ رقابةٍ عامّةٍ على آفاقِ الفهم اللاّمحدودة الّتی یُتیحُها فعل التّأویل للمتخاطبین عبر أنظمة اللّغة، ومن ذلک أنّ أُوغُـسْت کُونْت أرادَ محاصَرَةَ العلومِ الإنسانیّةَ (الّتی أسماها الفیزیاء الاجتماعیّة)، وإخْضَاعَـها إلى نظامٍ صارمٍ من القواعد والمعادَلاتِ الرّیاضیّةِ من أجْـل أن تُفْـضیَ إلى نتائجَ دقیقة، کما هو الحال فی العلوم الصّحیحة. وفی الإطار ذاته، اعتمد کُـونْتْ آلیاتِ الحصار نفسها لنفْـیِ المعتقداتِ والمعارفِ الدّینیّةِ المرافِقَة لها، ویُضاف إلى ذلک أنّه استـند إلى مُقَـایَساتٍ زمنیّةٍ غرِیبةٍ لیَخْلِطَ بین ماضٍ إنسانیّ سحیقٍ (ظهرت فیه الأدیان)، وعصرٍ حداثیّ جدید (زمن النّهضة)، وقفزةٍ علمیّة نوعیّة (الوضعانیّة)، ویلغیَ على إثر ذلک کلَّ أمرٍ سابقٍ لوضعانیّته.

وخلاصةُ الأمرِ أنّ کُونْــت رأى أنّ الحالة التِّـیُـولُوجیّة الّتی صنّفها ضمن بدایات الاعتقاد التّاریخیّ، تعکس التّضادّ الکلّیَّ والتّـناقضَ الرّادیکالیَّ العمیقَ مع علوم الفیزیاء الّتی تُعـتـبر المُعتمدَ والأساس للعلمیّة، بما هی القیمةُ المرکزیّةُ الّتی تستند إلیها الوضعانیّة فی مجال قیادة المجتمع صوب التّطوّر، وبهذا فقد بلغ هذا التّفکیر مداه فی زمن الحداثة الأوّل. لقد کانت التّحوّلات الوضعانیّةُ الصّاعدةُ تبتغی صیاغةَ رؤیة جدیدة للعالم وبناءَ قِــیَمٍ عُلْوِیّةٍ من خلال تدمیر المعتقدات الدّینیّة وکلِّ المشتقّات الحضاریّة المتقدّمة فی تاریخ الإنسانیّة.

وضمن هذا النّسق من التّفکیر الرّادیکالیّ، رأى أوغست کونت أنّ فلسفتَه أضْحَـتْ شیئاً ثابتاً وحتمیّاً لا یُمکن الحیْدةُ عنه أو استحداثُ بدیلٍ عنه، وانتهى الأمرُ لدیه إلى نفْیِ الإیجابیّة الأصلیّة عن المنهجیْن التّیولوجیّ والمیتافیزیقیّ، وأراد لهما أن یدْخُلا دائرةَ الإهمال والـنّــبْــذِ لیترُکَـا المجالَ للعلوم التّجریبیّة وللفلسفة الوضعانیّة المظفَّـرَةِ. لکنّ منطقَ الرّفض الوضعانیّ لا یعبّر عن حقیقة علمیّةٍ نهائیّةٍ وقاطعةٍ؛ إذْ لا یمکن للعلم أن یکون نافیاً للمیتافیزیقیا، وکلُّ علم یبثّ الشّکوک -بقول دیکارت- لا یمکن اعتبارُه علماً[60]. وضمن هذا الاعتبار، رأى المغربیّ عبد الله العروی أنّ وضعانیّةَ کُـونْت لا تَـقِــلُّ ذاتـیّةً عن التّصوّرات الأسطوریّة الّتی سبَــقَــتْـهَـا[61].

لقد انزاح مؤسّسُ الوضعانیّة عن الموضوعیّة حین رأى أنّ کلّ شیء یجب أن یکون موضوعاً للعلم الدّقیق، وأراد أن یفرِضَ مناهجَ العلوم الدّقیقةِ والمُغْـلَـقَـةِ على العلوم الإنسانیّة وعلى حقْـلِ المعارفِ الدّینیّة، وما یستـتْـبِعُهُـمَا من فُـنُونِ التّفکیر والإبداع. کذلک أخطأ التّقدیرَ حین أرادَ أنْ یکونَ الدّینُ والإنسانُ والمیتافیزیقیا أشیاءَ خاضعةً للدّراسة العلمیّةِ والفلسفیّة والاجتماعیّةِ، ککُـلِّ مَـوْجوداتِ الطّبیعة، لا تختلف عنها بممیِّزاتٍ وخصائصَ وامتداداتٍ متعالِیَةٍ.

 

سادساً: العلم والعقل الإسلامیّ:

درجت منظومة العلوم الإسلامیّة على تعریف "العـلم" وفقاً لحدود منطقیّة، جعلها ابن سینا مفتـتَحاً لکتابه "النّـجاة" فجعل الفصل الأوّلَ منه تعریفاً للعلم أورده تحت عنوان: "فصل فی التصوّر والتصدیق وطریق کلٍّ منهما"، وقد سار التّعریف على الشّکل المنطقیّ المعهود، وهو أنّ العلم تصوّر.

 ویمکن إعادة توضیح المعنى بالقول: إنّ التّصوّر هو الإدراک والتّعقّــل وتمثُّــل الأشیاء (JUDGEMENT) فکریّاً دونَ إبداء رأیٍ من أیّ نوع کان، وهذا لا یکون إلاّ بحصول صورة الشّیء فی الذّهن؛ تمـاماً کما هو الشّأنُ بالنّسبةِ إلى علم اللغة، حیث تـتکوّن العلامة من الدالّ والمدلول. ویُـعَرَّف المدلولُ بوصفه الصّورةَ الذّهنیةَ للشّیء الّذی تحیل إلیه الکلمة (الدّالّ). ,کذلک نجدُ لهذا المعنى نظیراً ضمن منظومة أصول الفقه، وهو ما أُطلقَ علیه مُسمَّـى الإرادة التصوُّریَّـةِ، ویعنی البحثَ فی معنى اللّـفـظ من دون النّظرِ إلى القرائن وإرادةِ المتکلِّم، حیث لا یُشتَرطُ التّطابق بین المعنى والقرینة أو المقصد.

 وأمّا التّصدیق، فهو الحکم الّذی یبدأ من إدراک الشّیء وتصوّره فی الذّهن وفقاً للقاعدة المعروفة فی أصول الفقه: الحکم على الشّیء فرع تصوّره، والحکم -هنا- هو قضیّة معرفیّة، وموضوعٌ علمیٌّ یـعْـتمد على البرهان والاستدلال، أی إنّه لیسَ حُـکْـماً بالمعنى القضائیّ (الذی یستلزم التقبیح والإدانة)، ولا یکونُ حکماً عاطفیّاً وإیدیولوجیّاً.

 وعلى العموم، فإنّ التّصوّرَ والتّصدیقَ ینطبقان کلاهُـمَا على جملة من المصطـلحات؛ مثل الموضوع والمحمول فی علم المنطق، والمبتدإ والخبر فی علم النّحو، والمسنَـد والمسنَـد إلیه فی البلاغة، والمحکوم علیه (المبتدأ) والمحکوم به (الخبر) فی علم أصول الفقه. وکلُّها بمعنًى واحد، وتـتـبـیّن إذا ما طُبِّقَت على مثالٍ، ولْیکنْ: "محمّدٌ موجُـودٌ "، فمحمّدٌ: موضوع ومبتدأ ومسنَـد ومحکوم علیه...

ویبقى أن نذکُـر تعریفاً تـقـنیّاً للعلم من دائرةِ علوم القرآن، ونبحثَ بعد ذلک فی أبعادِه العملیّة والاستعمالیّة فی المجال القرآنیّ. وقد ورد هذا التّعریف التقنیّ لدى الرّاغب الأصفهانی الّذی عرّف العلم بکونه إدراکًا لمَاهِـیَاتِ الأشیاء «العلم هو إدراک الشّیء بحقیقـته، وهو نوعان: أحدهما إدراک ذات الشّیء، والثّانی هو الحکم على الشّیء بوجود شیء هو موجود له، أو نفی شیء هو منفیّ عنه». ثمّ یعاود تقسیم العلم إلى نظریّ وعملیّ، وإلى عقلیّ وسمعیّ[62]. وأمّا من جهة الأبعاد العمَـلِـیّة لهذا المصطَـلَح فی منظومة التّفکیر الإسلامیّ، فقد ارتبط مفهومُ العلم بفلسفة الدّلالة الدّینیّة، حیثُ استُعملَ فی أزمنة النّبوّة بمعنى الاستقصاءِ وإنتاجِ المعرفة؛ انطلاقاً من علوم الوحی من جهةٍ، وربْـطاً للقِــیَمِ الدّلالیّةِ عبرَ المنهج العلمیّ بالظّواهر الطّبـیعـیّة والاجتماعیّة من جهة ثانیةٍ. وضمن هذا المعنى، طرَح المسلمون الأوائل مفهوم الثّورة العلمیّة، فقد ذکر المصریّ بدرُ الدّین الزّرکشی فی کتابه المرجعیّ "البرهان فی علوم القرآن"، ذکر عن الصّحابی عبد الله بن مسعود (المُتَوفَّى سنة 32 للهجرة) أنّه قال: «من أراد علمَ الأوَّلین والآخِـرین، فَـلْـیُـثَـوِّر القرآن»[63].

 إنّ مُفرَدَةَ "التّـثْـویر" مستَمَدّةٌ من مصطَلَحٍ سیاسیّ هــو الثّوْرة، وتعنی الانتقالَ الرّادیکالیّ من مرحلةٍ زمنیّة إلى مرحلَةٍ مختلفةٍ تحمل مشروعاً مناقضاً، یُـلْغی مشاریعَ المرحلة السّابقة جمیعاً. ویَـبْـدُو أنّ مشروعَ "تَــثْـویر القرآن" یتـنزّل ضمن هذا النّسَـقِ من التّغْـیِــیر الرّادیکالیّ لنمط المعرفة القدیم (الجاهلیّ)، وإحداثِ نَقلةٍ نوعیّةٍ فی منهجیّةِ البحث العلمیّ، تفتح على عهدٍ حضاریٍّ جدیدٍ، ولا شکّ فی أنّ مشروعَ التّـــثویرِ لم یتوقّف عند الزّمن الهجریّ الأوّل؛ وإنّما سار تصاعدیّاً بنسق تـقَـدُّمیٍّ نحوَ الإبداع واستــثمار تعدّد الاختصاصاتِ فی کافّة مجالات العلوم والدّراسات الإنسانیة؛ لأجلِ استنباط المعارف من النّصوص القرآنیّـةِ، ولا شکَّ فی أنّ تعدّد مصادر الفهم یُعتبرُ من مآثر المنهج الإسلامیّ الّذی یجعل للکلمة قوّةً وسلطةً وسیادةً عابرةً للأزمان. وتبعاً لهذا، تمنح التّعدّدیّةُ القرآنَ إمکانَ الاستمرار والدَّیْمومة؛ لیکون معاصراً لکلّ الأزمان والحضاراتِ الّتی تَـتَـنَـشَّـأُ فی التّاریخ. وإذا استندنا إلى هذا الأساس، فإنّ القرآن بعلومه ومعارفه، یُـــشکِّــلُ عناصرَ معرفیّةً استثنائیّةً فی طبائع القراءة الدّینیّة لا ترتبط بزمانها التّاریخیّ فحسْب؛ وإنّما تُزامن کلّ لحظات الفهم -فهم النصّ المقروء- وفقاً للمُتَغیّرات الثّقافیّة والعلمیّة، وما ذاک إلاّ لکونها ترتکز على حافز تطبیقیّ أساسٍ یُعیّن المعنى الدّینیّ ضمن نسیج اللّغة العامّ المتعدّد، واللاّمتناهی.

وإذا أردنا تقصّی الدّلالة الواقعیّة لمفهوم "التّـــثْویر" -المذکور-، أمکنَـنا استحضارُ أنموذَجٍ قرآنیٍّ لأجل تعقُّبِ هذا المعنى فی المجال العلمیّ، والبحث عن امتداداتٍ معاصرةٍ لهُ فی مجالاتٍ ذاتِ صلَةٍ. والمثالُ هو قوله تعالى: {وعلّمَ آدمَ الأسماءَ کلَّها}[64]. وبالنَّظَر إلى اختیارِ منظومة الأسماءِ أساساً تعلیمیّاً یهدف إلى فهم العالم واستیعاب الوجود من خلالِ الاسم وما یحیل إلیه من أشیاء فی عالم الطّبیعة، فقد استُحدِثَ من نظام الأسماء فی الزّمن المعاصر علومٌ دقیقةٌ ترصُدُ عبرَ المنهج العلمیّ أصولَ الأسماء وتواریخَها ودلالاتِها، وتبدأ من أحد فروع اللّسانیّات المعجمیّة المتخصّصة فی علم الألفاظ ودراسة الکلمات وتعریفاتها: (La lexicologie)، ویـتفرّع منه علمُ الهیئات والجماعات (l' onomastique )، کما یتفرّع من هذا التخصّص الدّقیق نظام أسمائیّ آخر، هو علم أسماء الأشخاص (l'anthroponymie)، ویمکن الحدیث أیضاً عن علم أسماء الأماکن (la toponymie)؛ لأنّ الکائناتِ الإنسانیّةَ لا تعیش إلاّ فی محیطِ المکان، ولا توجد من دونه؛ ولذلک کان عِـلْم المکان من عِـلْم الإنسان.

والحاصل أنّه لمّا تعلّم آدمَ (ع) منظومة الأسماء، فقد ارتبط ذلک عملیّاً بالمواقع الجغرافیّة الّتی تـتموْقَعُ فیها الأشیاء والکائنات والمجموعات البشریّة الصغیرة الّتی نشأتْ من بعد ذلک؛ لتـجعلَ (تلک المجموعات) من الأسماء رموزًا تُعیِّـن بها الأشیاءَ وتــتّخذها نمطاً من التّواصُل اللّغویّ، بعد أن تستخرجَ منها مشتقّاتِها من الأفعالِ وسائر مستلزَماتِ الکلامِ؛ لأنّ الأسماء وُجِدَتْ أوّلاً، ثمّ استخرج الإنسانُ منها الأفعالَ والکلماتِ وسائرَ مستلزماتِ صناعةِ الحوار. ولا شکّ فی أنّ نشْـأةَ المدینة الإسلامیّة بالمعنى المدنیّ کانت تــثْویراً للعلمیّة القرآنیّة الّتی ولّدَتِ المعارف الحضاریّةَ المُثْـبَـتَـةَ فی المدوّنات التّاریخیّة. ولا بدّ من الإشارةِ إلى أنّ الإنسانَ -داخل هذا النّظامِ- هو من یمتلکُ القولَ الفصلَ الذی یمنح قارئَ القرآن مقاماً مرکزیّاً فی تحقیق الفهم الذّاتی وصناعةِ المعنى. وقد عبّر علیّ بن أبی طالب (ع) عن دور القارئ فی صیاغة الدّلالة القرآنیّة، حینَ جعل استنطاقَ النصّ وتـثْویرَ المعنى شرطاً للقراءة الدینیّة، ومن کلامه فی نهج البلاغة: «هذا القرآن إنّما هو خطّ مسطور بین دفّتین لا ینطق بلسان، ولا بدّ له من تَـرْجُمانٍ، وإنّما ینطق عنه الرّجال»[65]. ودوْر التَّـرْجُمَان (الـتُّـرْجُمَان) الّذی یمنحه نظام الإرسال القرآنیّ للقرّاء یمثّــلُ إنجازًا منهجیّاً، ورهاناً تواصلیّاً یُـؤسّس لنمط استقبالیّ جدید، ویسعى إلى تَـفْعیل دور القارئ ودعم الحوار مع علوم الوحی من جهة، ومع المکوِّنات الثقافیّة والاجتماعیّة المستقبِـلة للنصّ القرآنیّ من جهة أخرى.

ویجدر التّذکیر -ونحن فی مجال القراءة الدّینیّة وتعدُّدِ الاختصاصاتِ- أنّ التّفرقةَ بین العلوم الدّینیّة والدّنیویّة لم تکن مطروحةً فی إطار العقل الإسلامیّ الأوّل؛ إِذْ لا فرقَ بین الریاضیاتِ والفلسفةِ وعلوم القرآن والفقه وغیرِهما فی فهم الکلام الإلهیّ، فجمیعُها یــندرجُ فی إطار العلم الشرعیّ ومُسْتَــتْـبَعاته؛ بلْ هی جزء من النّسیج الإیمانیّ ذاته. یقول الرّاغب الأصفهانی: «إذْ غایة معرفة الإنسان بربّه أن یعرف أجناس الموجودات؛ جواهرها وأعراضها المحسوسة والمعقولة، ویعرف أثر الصّنعة فیها، وأنّها محدَثَـة، وأنّ مُحْـدِثَها لیس إیّاها ولا مِـثْلاً لها؛ بل هو الّذی یصحّ ارتفاع کلّها مع بقائه ولا یصحّ بقاؤها وارتفاعه»[66]. ولهذا لم یحصلْ أنْ أَدَانَ أحدُ المسلمین العلومَ الصحیحةَ، وإن اختلفوا فی شرعیّة الفلسفة وعلم المنطق أحیاناً. ویمثّـــلُ أبو حامد الغزالی فی کتابه "تهافت الفلاسفة" أحدَ هذه النّماذج؛ حیث هاجم الفلاسفة منتقداً مواقــفَهم المتعلّقةَ بالمعتقدات الدینیة، لکنّه لم ینازعهُم فی القضایا العلمیّة، على الرغم من أنّ الفلسفة کانت شاملة لعلوم عدیدة؛ مثْــل: الرّیاضیّات، والعلوم الطّـبیعیّة، والفلَـک، ... ویمکن أنْ نذکر أنموذَجاً آخرَ مختلفاً، اعتمدَ فیه المفسّرون على مسائل فلسفیّةٍ لفهم القرآن الکریم: فالأندلسی محمّد بن جُـزیّ الکِـلْـبی فسّر فی کتاب "التّـسهیل فی علوم التّنزیل" الآیةَ 125 من سورة النحل: {ادع إلى سبیل ربّک بالحکمة والموعظة الحسنة}، فسّرها قائلاً: «المراد بالسبیل هنا: الإسلام»، ثمّ فسّر معنى الحکمة والموعظة والجدال حیث قال: «وهذه الأشیاء الثّلاثة یسمّیها أهل العلوم العقلیّة بالبرهان والخطابة والجدال». وهذا الکلام معروف لدى ابن رشد فی "فصل المقال فی ما بین الحکمة والشریعة من الاتّصال"[67].

 

خاتمة:

          وفی الختام یکمن محصّل القول فی التالی:

1- تحدّثت المنظومة الإسلامیّة منذ بدایة تاریخ القراءة الدّینیّة، عن القرآن الکریم بوصفه مراسَلةً "المراسلة القرآنیّة". ویبدو أنّ هذه الاستراتیجیا الإرسالیّة آتَتْ نتائجَها المُثْمِـرةَ فی بناء مدینة الإسلامِ المدَنیّة. لأجل هذه الوظیفة التّواصلیّة الجدیدة، لم یتحوّل النصّ الدینیّ إلى مؤسّسة معزولة عن الأحداث الیومیّة، وظلّت الوظیفةُ الإبلاغیّةُ ذاتَ صبغة جماهیریّة اشتراکیّة، تـتجاوز حواجز الزّمان والمکان؛ لِـتَـصِلَ إلى جمیع الشّرائح الاجتماعیّة والمُکوِّنات الثّقافیّة دون کبیرِ عناء. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ اعتبارَ القرآن رسالةً یمثّلُ نُـقْــلةً تواصلیّةً غیّرتْ مفاهیمَ العلاقة مع المقدَّس، والانتقالَ العقلانیَّ من الانجذاب نحو المعجزات المرئیّة إلى التّحاور الفکریِّ مع المفاهیم والقضایا الدّینیّة الکبرى الّتی یطرحها الکتاب. وقد أعطى الطبری، وهو المرجعُ والمؤسّسُ المنهجیّ لمدرسة  التّفسیر بالمأثور، أعطى لدلالة النّص القرآنی بعداً انفتاحیاً غیر محدود، حین أعلن فی مقاربة عقلیّة أنّ القرآن الکریمَ رسالةٌ فی التّواصل لا تتجسّد إلاّ بمشارکة القارئ فی صناعة المعنى: «إذا کان غیر مبیّن منّا عن نفسه من خاطب غیره بما لا یفهمه عنه المخاطب، کان معلوماً أنّه غیر جائز أن یخاطب جلّ ذکْره أحداً من خلقه إلاّ بما یفهمه المخاطب، ولا یرسل إلى أحدٍ منهم رسولاً برسالة إلاّ بلسان وبیان یفهمه المرسل إلیه، فحاله قبل الخطاب وقبل مجیء الرّسالة إلیه وبعده سواء؛ إذ لم یفده الخطاب والرّسالة شیئاً کان به قبل ذلک جاهلاً، والله جلّ ذکره یتعالى عن أن یخاطب خطاباً أو یرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خوطب أو أرسلت إلیه؛ لأنّ ذلک فینا من فعل أهل النّقص والعبث، والله تعالى عن ذلک متعال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لیبین لهم[68].

أنجز الطبری سبقاً ثقافیّاً حین حدّد التنزیلَ بوصفه تواصلاً، وأثبت فی تفسیره أنّ القرآن رسالةٌ، بما یحمل معنى الإرسال من نظام علاماتیّ (نظام العلامات والرّموز والمفاهیم) مبثوثٍ فی المحیط الدّلالیّ العامّ، وموجّهٍ من قبَل باثّ إلى متقبّلٍ بقصْد الإقناع. وتـتمثّـل الفاعلیّة التواصلیّة فی النبوّة ذاتها بوصفها مفهوماً تواصلیّاً، حسب تحدید الطبری؛ لأنّ الرسولَ -أیُّ رسول- یُـبْعَـثُ بصفة حضریّةٍ ومُمَـنْهَجَةٍ إلى متقـبِّلین ینْتمون إلى ذاتِ الطبیعة اللّسانیّة، وَهُـمُ الفاعلون الاجتماعیّون الّذین یشکّلون التّجمّعات البشریةَ، ویخضعون إلى إیدیولوجیا مهیمنةٍ تُــمْسِـکُ بها فــئــةٌ متنَفِّــذَةٌ تحدّدُ هویّةَ المجموعة البشریّةِ وتـنازع أمرَ النّبوّةِ أهلَهُ، وإلیها أشارَ القرآن بمصطلح "القوم". وإذا کان التّحاور العقدیّ بین النبیّ (ع) وقومِه المرسَلِ إلیهم یستـند إلى حوار اللّغة الیومیّة، فهذا یعنی أنّ الأداء اللّغویَّ یشکّل الاهتمام المرکزیّ لإرساء علاقةٍ تفاهُـمیّــةٍ بین المقدَّس والدّنیویّ ضمن هذه الحاضنة التّواصلیّة.

ثمّ إنّ مفهوم الرّسالة لدى الطّبریّ یؤسّس لأمرین:

- أحدهما موضوعیّة القراءة، باعتبار أنّ النصّ متضمّنٌ لقصدیّة متعیّنة، أریدَ بثُّها فی إطار ثقافیّ-معرفیّ، یتوجّـب على فعل القراءة مراعاتُه عبر تفکیک الشّفرات اللّسانیّة التّی تتضمّن المعنى؛ أی إنّ اللّغة المتداولة خلال عملیّة التّواصل تحفظ وجود المعنى ولا تُخطئ فی التّعبیر عنه، ولا تحول دون إدراک القارئ له.

- والأمر الآخر هو أنّ قراءة النصّ القرآنیّ لا یمکن أن تکون إنشائیّة، أو بکلام آخر "إنتاجیة" تعتمد على إرادة القول ضمن مقاییس معیاریّة متعیّنة ضمن سیرورة اجتماعیّة تنفتح لزمان وجودیّ واجتماعیّ محدّدین، أو أن تکون نتاجاً لأسئلة تطرحها منهجیّة التّعامل مع الآثار الأدبیّة المتغیّرة بتغیّر الأسئلة: من یقول النصّ؟ ماذا یقول النصّ؟ کیف یقول النصّ ما یقول؟[69] ثمّ تفترع طُرق القراءة وتنتظم ضمن مسارات منهجیة تبحث فی ماهیة المعنى وفقاً للحظتها الثّقافیّة، ویسوّغ إلغاء القواسم التّعبیریّة والدلالیّة التّی تُبنى علیها المعانی اللّغویّة ذاتها.

2- دعا محمد الطاهر بن عاشور إلى مراجعة تاریخ النتاج الفکری الإسلامیّ من أجل أن تُسْـتَسَاغَ المعارفُ الدینیّة فی مختلف مناحیها الفکریّة وخصوصیّاتها الثقافیّة، وأن تُفهَم ضمنَ منطق المعاصرَة. وهذا لا یکون إلاّ بتجدید مناهج دراسة العلوم الشّرعیّةِ من خلال الاطّلاع على المعارف الکونیّة: «وبالجملة، فالحاجة الیوم إلى مترجمین نابغین لینقلوا ما یحتاج إلیه من هاته العلوم (القانون، الفلسفة، الجیولوجیا، التاریخ، الاقتصاد) لأهل اللّسان العربی، فیکفوهم کلّ الخبط فی ما لا طائل تحته، ویسمو بهم إلى منزلة قرنائهم من الأُمم المعاصرة، ونحن بین أیدینا من بعض هاته العلوم؛ مثل الحساب والجغرافیا والفزیولوجیا والزوولوجیا وحوادث الجوّ، والطبّ، والریاضة البدنیّة، والاقتصاد والسیاسة، والتّاریخ، وعِلم العُمران، والفِلاحة والصنائع، والفلک، والجبر، وتهذیب الأخلاق، والتجارة، والموسیقى»[70].

لم یخرج محمد الطّاهر بن عاشور عن  الحقل المعرفی الّذی یستمدّ منه الکائن المفکّر/ الإسلامیّ قیَمَه العقلیّةَ ومساءلاتِه للمعنى ضمن مهارات متعدّدةٍ استعملها فی تحلیل الخطاب، ولم یختلفْ عن خطّ التّفسیر العلمیّ الّذی طبع المراحل الإسلامیّة الأولى، وإنْ کان محطَّ نقاشٍ عمیقٍ أحیاناً. من ذلک تعلیقُهم على فخر الدّین الرازی فی تفسیر أشیاء کثیرة طویلة، لا حاجة لها فی علم التّفسیر، حـتّى قال بعض العلماء: "فیه کلّ شیء إلاّ التّفسیر"[71]. لکنّ هذا التّعلیق على الإنجازات العلمیّة الکبرى الّتی حقّقها القرّاء الکبار للنّصّ القرآنیّ، لم یبقَ دون ردٍّ، فقد ذکر الرّازی وهو یفسّر سورة الفاتحة، أنّ الرّؤیة والعبارة کلاهما اتّسعتا لقول ما لم یُقَــلْ من الدّلالات العقلیّة والروحانیّة الخافیة عن المفسّرین التّـقـلیدیِّـین، فکتب ما نصّه: «اعلم أنّه مرّ على لسانی فی بعض الأوقات أنّ هذه السّورة الکریمة (سورة الفاتحة) یمکن أن یستنبط من فوائدها ونفائسها عشره آلاف مسألة، فاستبْعد هذا بعض الحسّاد، وقومٌ من أهل الجهْــل والغِیّ والعِنَادِ، وحمَلوا ذلک على ما ألِفوه من أنفسهم من التعلُّقَـات الفارغة عن المعانی، والکلمات الخالیة عن تحقیق المعاقِـد والمبانی»[72]. لقد تحمّل الرّازی مسؤولیّةَ التَّـأْویل، ولم یخرج عن خارطة البحوث الدینیّة، ولم یتجاوز حدودَ التّـطلعات العلمیّة التی انتهجها المهتمّون بتفسیر القرآن الکریم، وکانت نابعة من الظّروف التأسیسیّة الأولى. وتجدُر الإشارة إلى جملة من الإحالات فی هذا الشّأن، ومن ذلک ما ذکر ابن العربی أنّ سورة البقرة مشتملة على ألف أمرٍ، وألف نهْیٍ وألف خبرٍ، ولعظیم فقهها أقام ابن عمر فی تعلّمها ثمان سنین[73]. وفی الإتقان للسّیوطیّ أنّ علیَّ بن أبی طالب (ع) قال عن تفسیر سورة الفاتحة: "لو شئت أن أُوقِــرَ سبْعین بعیراً من تفسیر أمّ القرآن لفعلت"[74]. ونقل الزّرکشی عن أبی الدّرداء أنّه قال: "لا یفقه الرّجل حتّى یجعل للقرآن وجوهاً"[75].

وتعبّر هذه العیّنة من النّصوص عن أنّ الحقل المعرفیّ الجدیدَ، وهو التّفسیر، یقوم على البحث العلمیّ وعلى التأمّل والتّنظیر. ومن الواضح أنّه على الرغم من الاختلافات المطروحة فی عالم التفسیر بالرأی والتأویل، لم یُـلْغِ العقلُ الإسلامیّ حقَّ القارئ فی التّعامل العقلیّ مع القرآن الکریم، کلّما کان ذلک ضمن المشروعیّة العلمیّة والآفاق المعرفیّة التّی تسوِّغها البنْـیة المضمونیّة للقرآن ذاته، وبخاصّة أنْ لیس ثَــمَّــةَ مجالٌ لاستمرار القرآنِ وبقائه فی التّاریخ، إلاّ متى حافظ على صلاحیاته الدّلالیّة، وهذا لا یکون إلاّ بتسدیدِ القراءة وتجدیدِ المعنى.

وبذلک یتّضح لنا أنّه لا یمکن تجدید القراءة إلاّ بنقل النّصوص من زمانها الأصلیّ إلى الأوضاع الرّاهنة التّی تتــمُّ فیها عملیّة القراءة. وفهْمُ الکتاب الدّینی لا یتسنَّى إلاّ متى ما ارتبَط بفهم العالم ومعرفة الوقائع الحیاتیّة التّی تعبّر عنها لغة القرآن الکریم فی کلّ زمان، من خلال التّأویل والتّفکیر وإجراء المقایسات العقلیّة. ومن هذا المنطلق، فقد حظِـیَـتِ القراءة الدینیّة -فی التّاریخ الإسلامیّ- بالتجدید المنهجیّ الذی تنوّعَ بتنوُّع التیّارات والفِرق الإسلامیّة، فأضْحَـتِ القراءة مشروعاً فکریّاً شرّع له العقل الإسلامیّ الأوّلُ حین أکّــدَ معنى التّواصل اللّغویّ المفتوح، وکان ذلک على مستوى الواقع التجریبیّ الذی کان الکائن العربیُّ القدیمُ یُـتَـرْجِم فیه التصوّرَ والإحساسَ واستشرافَ الحیاة وِفْـقاً لبنیته الذّهنیّة وبیئته الصّحراویّة المُغلَقَة، ثمّ صار یُنتجُ العلاماتِ والرّموزَ اللّغویّة لیمثّل الخواطر الإیمانیّةَ والحقائقَ الغیبیّةَ بطریقةٍ ذاتیّةٍ، بوصفها مظهراً إبداعیّاً انقطعتْ مناظَرتُه وانعدمتْ مشابهتُـه فی التّاریخ.

وإذا کانت اللّغة تفتح على الاختلاف وتؤدّی إلیه؛ لأنّها مجال التصوّرات الذّهنیّة والصیاغة الذّاتیة، فإنّ تأویل القرآن باعتباره بحثاً عن الحقیقة وتواصلاً بین العقل البشریّ وبین الله تعالى، سیتحوّل إلى وعْـیٍ فلسفیّ ونظام وجودیّ، وإلى قضیة فکریّة تـتحقّق بها ذات القارئ وشخصیّتُه الوجودیّةُ فی العالم.



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من تونس.

[2] Emile Benveniste: Problèmes de linguistique générale, Gallimard, 1974, 1/21-33.

[3] ابن حسّان، عبید الله: رسائل الجاحظ، تحقیق: عبد السلام هارون، لا ط، بیروت، دار الجیل، لا ت، ج4، ص245.

[4] انظر: الشاطبی، أبو إسحاق إبراهیم بن موسى: الموافقات فی أصول الشریعة، شرح وتخریج أحادیث ووضع تراجم: عبد الله دراز، تخریج الآیات وفهرسة الموضوعات: عبد السلام عبد الشافی، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1422هـ.ق/2001م، مج2، ج3، ص19.

[5] انظر: ابن إدریس الشافعی، محمد: الرسالة، تحقیق وشرح: أحمد محمد شاکر، لا ط، بیروت، المکتبة العلمیة، لا ت، ص19.

[6] E.Brito : Heidegger et l'hymne du sacré, Presses Universitaires de Louvain, Belgique 1999, P 315                      

[7] Françoise Dastur: Heidegger et la Théologie, Revue philosophique de Louvain, Volume 92, N° 2-3,  Belgique 1994, P 227.         

[8]  Jean Greisch: L'age herméneutique de la raison, Cerf 1985.

 * Jean Greisch: Herméneutique et métaphysique, in: Philosophie (comprendre et interpréter: le paradigme herméneutique de la raison), Institut catholique de Paris, by beauchesne Editeur 1993, P 406-407.

[9] Le monde des livres et le livre du monde in: Les cahiers de science et vie : René Descartes (1596-1650), n°66, décembre 2001, P 18.

 Pour Scepticisme – doute sceptique, André Lalande : Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Delta, Beyrouth et PUF, Paris, 1996, pp 949-950.

[10] René Descartes : Méditations métaphysiques, Cérès, Tunis, 1994., / 56-57.

[11]  أساتذة الشکّ: فریدیریک نیتشه (1844-1900م)؛ سیغموند فروید (1856-1939م)؛ کارل مارکس (1818-1883م)؛ دیفید هیوم (1711-1776م).

[12] Paul Ricœur: de l’interprétation, essai sur Freud, Seuil, 1965  / 40.

   Jean Lyon: les 50 mots clés de la théologie moderne, Ed. Privat, 1970 / 60.

[13]  Jean Greich: Le cogito herméneutique (l'herméneutique philosophique et l'héritage cartésien), Librairie philosophique - Vrin 2000, P 53- 54

[14] Gianni Vattimo: Éthique de l’interprétation , La Découverte Paris 1991, p 45-58.

[15] Paul Ricœur: de l’interprétation, essai sur Freud, Seuil 1965, P35.

[16] Paul Ricœur : Du texte à l’action , Seuil 1986, P 21.

[17] Max  Kohn: Le récit dans la psychanalyse, éditions érès, 1998 / 109. 

[18] Paul Ricœur: le conflit  des interprétations, essais d’herméneutique, Seuil 1969, P 8.

[19] Hans Georg Gadamer: Vérité et méthode, Les grandes lignes d’une herméneutique, Seuil, 1976, P235.

[20] Hans Georg  Gadamer: Vérité et méthode,  (ibid), P148.

[21] Paul Ricœur: Le conflit  des interprétations (ibid), P 26.

[22] Hans Georg  Gadamer: Vérité et méthode, : (ibid), P 12.

[23] Jean Lyon : les 50 mots clés de la théologie moderne, Ed. Privat, 1970, P59.

[24] Encyclopédie philosophique universelle, PUF 1998, 1 / 1129.

[25] André Lalande : Vocabulaire de la philosophie, PUF et Delta Beyrouth1996,  P 714-715.

[26] Martin Heidegger : qu’est-ce qu’une chose, Gallimard 1992, P186.

[27] Gadamer Hans Georg  : Vérité et méthode (ibid), PP 202-203.

[28] Encyclopédie philosophique universelle (ibid) 2 / 1133.

[29] انظر: ابن فارس، أحمد: معجم مقاییس اللغة، تحقیق وضبط: عبد السلام محمد هارون، لا ط، قم المقدّسة، مکتب الإعلام الإسلامی، 1404هـ.ق، ج1، ص162.

[30] الزمخشری، جار الله: أساس البلاغة، تحقیق: محمد باسل عیون السود، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1419هـ.ق/ 1998م، ج1، ص39.

[31] یذهب ابن فارس إلى أنّ الأصل "أَوَلَ" یعنی ابتداءَ الأمر وانتهاءَه، والأوّل هو مبتدأ الشّیء، وآل یؤول: رجع، وأوَّل الحکم إلى أهله: أرجعه وردّهُ إلیهم (انظر: ابن فارس، معجم مقاییس اللغة، م.س، ج1، ص158؛ 159؛ 160).

[32] انظر: ابن الأکفانی، محمد بن إبراهیم بن ساعد الأنصاری: إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فی أنواع العلوم، تحقیق وتعلیق : عبد المنعم محمد عمر، مراجعة: أحمد حلمی عبد الرحمن، لا ط، القاهرة، دار الفکر العربی، لا ت، ص221.

[33] انظر: ابن برهان، أحمد: الوصول إلى الأصول، لا ط، الریاض، مکتبة المعارف، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص386.

[34] الأصفهانی، الراغب: الذریعة إلى مکارم الشّریعة، لا ط، مصر، دارالسلام، 1428هـ.ق/ 2007م، ص82-83.

[35] انظر: الفارابی، أبو نصر محمد: آراء أهل المدینة الفاضلة ومضاداتها، لا ط، مصر، مؤسسة هنداوی للتعلیم والثقافة، 2012م، ص75-77.

[36] سورة الشّعراء، الآیة 80.

[37] الغزالی، أبو حامد: جواهر القرآن، تحقیق: محمد رشید رضا القبانی، ط2، بیروت، دار إحیاء العلوم، 1406هـ.ق/ 1986م، ص44-46.

[38] انظر: الغزالی، أبو حامد: قانون التأویل، ط1، لا م، لا ن، 1413هـ.ق/ 1993م، ص19-20.

[39] انظر: إیزوتسو، توشیهیکو: اللّه والإنسان فی القرآن -علم دلالة الرّؤیة القرآنیّة للعالم-، ترجمة وتقدیم: هلال محمد الجهاد، ط1، بیروت، المنظمة العربیة للترجمة، 2007م، ص29-33.

[40] انظر: إیزوتسو، توشیهیکو: مفهوم الإیمان فی علم الکلام الإسلامیّ -تحلیل دلالیّ للإیمان والإسلام-، ترجمة وتقدیم: علی عیسى العاکوب، ط1، حلب، دار الملتقى، 1431هـ.ق/ 2010م، ص64-65.

 

[41] انظر: نولدکه، تیودور: تاریخ القرآن، تعدیل: فریدیریش شفالی، تعریب: جورج تامر، ط2، نیویورک، نشر: جورج ألمز، لا ت، ج1، ص3-9.

[42] Regis  Blachère: introduction au Coran, maison neuve et Larose 2002, P23-24.

[43] انظر: جعَیْط، هشام: تاریخیة الدعوة المحمدیّة فی مکة، ط1، بیروت، دار الطلیعة، 2007م، ص162-163.

[44] نولدکه، تاریخ القرآن، م.س، ص232.

[45] انظر: م.ن، ص342.

[46] Régis Blachère : Regards sur un passage parallèle des évangiles et du Coran, in Mélange d’Islamologie, Pierre Salman, Leiden-Brill, 1994, P 96..

[47] Jacques Berque: Relire le Coran, Albin Michel, Idées 1993,11

[48] Michel  Foucault: Les mots et les choses, Gallimard, 1966. , P 92.

[49]  الجاحظ، عمرو: البیان والتبیین، تحقیق وتقدیم: فوزی عطوی، ط1، مصر، المطبعة التجاریة الکبرى، 1345هـ.ق/1926م، ص19.

[50] Luc Ferry : L’homme – Dieu, Grasset, 1994 / 43.

[51] سبب التّحرّج من إطلاق صفة العلم على التّفسیر هو مسألة الدّقّة الاستدلالیّة؛ لأنّ العلم  کما یقول ابن حزم الأندلسیّ: «هو تیقّن الشّیء على ما هو علیه إمّا عن برهان ضروری موصل إلى تیقّنه (سواء أکان ذلک بالحسّ أم بالعقل) (...)، وإمّا عن اتّباعٍ لمن أمر الله باتّباعه وهو النبیّ صلى الله علیه وسلّم، وإن لم یکن ذلک عن ضرورة ولا عن استدلال(...)" (ابن حزم الأندلسی، علی: الإحکام فی أصول الأحکام، تقدیم: إحسان عباس، ط2، بیروت، دار الآفاق الجدیدة، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص36).

[52] ابن عاشور، محمد الطاهر: ألیس الصبح بقریب، ط1، القاهرة، دار السلام؛ دار سحنون، 1427هـ.ق/2006م، ص160.

[53]  Les sciences ont changé de nature et de forme, il y a une rupture avec celles qui précèdent.

* La théologie et la physique st si profondément incompatibles, leurs conceptions ont un caractère si radicalement opposé ( Auguste Comte, Cours de philosophie positive, leçon 1 et 2,Cérès Editions, 1994, P 25).

[54]  Gaston Bachelard : La formation de l’esprit scientifique, Vrin 1967, P 16.

[55]Régis Debray: Dieu un itinéraire, Edition Jacob 2001, P 376- [55].

[56]  Alan Chalmers: Qu’est ce que la science ? La Découverte, 1988 , P 219.

[57] André Lalande: Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Delta Beyrouth et PUF Paris 1996, P 954          

[58]  Auguste Comte: Cours de philosophie générale: Cérès Editions1994, P16 -22.     

[59]  Paul Williame: Sociologie des religions. Que sais- je  ? PUF 1995, P 87. 

العقل العلمی الجدید: حدّد باشلار العام 1905م بوصفه فاتحة عهد جدید؛وذلک حیث قسّم العهود العلمیّة إلى ثلاث: المرحلة ما قبل العلمیّة، والمرحلة العلمیّة، ومرحلة العهد العلمی الجدید.

 

[60]  “Tte connaissance qui peut être rendue douteuse, ne doit pas être appelée du nom de science».

[61] انظر: العروی، عبد اللّه: ثقافـتـنا فی ضوء التّاریخ، ط2، بیروت، المرکز الثقافی العربی، 1988م، ص22-23.

[62] الأصفهانی، حسین (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن، تحقیق: صفوان عدنان داوودی، ط2، قم المقدّسة، طلیعة النور، 1427هـ.ق، ص343.

کذلک قارب الأصفهانی بین التّعلیم والإعلام، باعتبار سرعة الخبر فی الإعلام (...)، أمّا التّعلیم، فإنّه تنبیه النّفس لتصوّر المعانی، والتعلّم تنبّه النّفس لتصور ذلک. وقد یُستَعمل التّعلیم فی معنى الإعلام (انظر: م.ن).

[63] الزرکشی، بدر الدین الزرکشی: البرهان فی علوم القرآن، تحقیق: محمد أبو الفضل إبراهیم، ط1، القاهرة، دار إحیاء الکتب العربیة، ج1، ص454.

* علی الماوردی (364- 450 هـ) حین کتب "أعلام النبوة"، جعل الباب الأول "فی مقدّمة الأدلّة" وخصّص الحدیث فیه عن العلم بما هو تمییز بین الحق والباطل وعن العقل بوصفه "قوّة التمییز بین الحق والباطل"، وجعل الباب الثانی "فی معرفة الله"، ولم یتحدّث عن النبوات إلا فی الباب الرابع (انظر: الماوردی، علی: أعلام النبوة، ضبط وتقدیم وتعلیق: محمد المعتصم بالله البغدادی، ط1، بیروت، دار الکتاب العربی، 1407هـ.ق/ 1987م، ص23؛ 31).

* التّذکیر بتعریف الجرجانی: "العلم هو اعتقاد الشیء على ما هو به على سبیل الثقة" (الجرجانی، علی بن محمد: التعریفات، وضع هوامش وفهرسة: محمد باسل عیون السّود، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1421هـ.ق/ 2000م، ص157).

[64] سورة البقرة، الآیة 30.

[65] العلویّ، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضیّ): نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412هـ.ق، ج2، ص5.

[66] الأصفهانی، الذریعة إلى أحکام الشریعة، م.س، ص155.

[67] انظر: الغرناطی الکلبی، محمد بن جزیّ: التسهیل لعلوم التنزیل، تحقیق: عبدالله الخالدی، بیروت، دار الأرقم، لا ت، ج1، ص438-439.

 * ابن رشد، أبو الولید محمد بن أحمد: فصل المقال وتقریر ما بین الحکمة والشریعة من الاتصال، تقدیم وتعلیق: ألبیر نصری نادر، ط8، بیروت، دار المشرق، 2000م، ص50-51.

[68] الطبریّ، محمد بن جریر: جامع البیان عن تأویل آی القرآن، تقدیم: خلیل المیس، ضبط وتوثیق وتخریج: صدقی جمیل العطار، لا ط، بیروت، دار الفکر، 1415هـ.ق/ 1995م، ج1، ص18-19.

[69] Groupe d’Entrevernes: Analyse sémiotique des textes, Toubkal, Maroc, 1987 / 7-8.

Umberto Eco: Les limites de l’interprétation (trois types d’intentions), Grasset, 1992 / 29.

[70] ابن عاشور، ألیس الصبح بقریب، م.س، ص198.

[71] ابن مصطفى، أحمد (الشهیر بطاش کبرى زاده): مفتاح السعادة ومصباح السیادة فی موضوعات العلوم، لا ط، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1405هـ.ق/ 1985م، ج2، ص76.

[72] الرّازی، فخر الدّین: مفاتیح الغیب (المعروف -أیضاً- بالتفسیر الکبیر)، ط1، بیروت، دار الفکر، 1401هـ.ق/ 1981م، ج1، ص11.

[73] ابن العربی، محمد: أحکام القرآن، تحقیق: محمد عبد القادر عطا، لا ط، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج1، ص15.

[74] السیوطی، جلال الدین: الإتقان فی علوم القرآن، تحقیق: سعید المندوب، ط1، بیروت، دار الفکر،1416هـ.ق/ 1996م، ج2، ص490.

[75] الزرکشی، البرهان فی علوم القرآن، م.س، ج1، ص454.

[1]Emile Benveniste: Problèmes de linguistique générale, Gallimard, 1974, 1/21-33.
[1] ابن حسّان، عبید الله: رسائل الجاحظ، تحقیق: عبد السلام هارون، لا ط، بیروت، دار الجیل، لا ت، ج4، ص245.
[1]انظر: الشاطبی، أبو إسحاق إبراهیم بن موسى: الموافقات فی أصول الشریعة، شرح وتخریج أحادیث ووضع تراجم: عبد الله دراز، تخریج الآیات وفهرسة الموضوعات: عبد السلام عبد الشافی، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1422هـ.ق/2001م، مج2، ج3، ص19.
[1]انظر: ابن إدریس الشافعی، محمد: الرسالة، تحقیق وشرح: أحمد محمد شاکر، لا ط، بیروت، المکتبة العلمیة، لا ت، ص19.
[1]E.Brito :Heidegger et l'hymne du sacré, Presses Universitaires de Louvain, Belgique 1999, P 315                      
[1]Françoise Dastur: Heidegger et la Théologie, Revue philosophique de Louvain, Volume 92, N° 2-3,  Belgique 1994, P 227.        
[1] Jean Greisch: L'age herméneutique de la raison, Cerf 1985.
 * Jean Greisch: Herméneutique et métaphysique, in: Philosophie (comprendre et interpréter: le paradigme herméneutique de la raison), Institut catholique de Paris, by beauchesne Editeur 1993, P 406-407.
[1]Le monde des livres et le livre du monde in:Les cahiers de science et vie : RenéDescartes (1596-1650), n°66, décembre 2001, P 18.
 Pour Scepticisme – doute sceptique, André Lalande : Vocabulaire technique et critique de la philosophie, Delta, Beyrouth et PUF, Paris, 1996, pp 949-950.
[1]RenéDescartes : Méditations métaphysiques, Cérès, Tunis, 1994., / 56-57.
[1] أساتذة الشکّ: فریدیریک نیتشه (1844-1900م)؛ سیغموند فروید (1856-1939م)؛ کارل مارکس (1818-1883م)؛ دیفید هیوم (1711-1776م).
[1]PaulRicœur: de l’interprétation, essai sur Freud, Seuil, 1965  / 40.
   Jean Lyon: les 50 mots clés de la théologie moderne, Ed. Privat, 1970 / 60.
[1] Jean Greich: Le cogito herméneutique (l'herméneutique philosophique et l'héritage cartésien), Librairie philosophique - Vrin 2000, P 53- 54
[1]Gianni Vattimo: Éthique de l’interprétation,La Découverte Paris 1991, p 45-58.
[1]Paul Ricœur: de l’interprétation, essai sur Freud, Seuil 1965,P35.
[1]Paul Ricœur : Du texte à l’action , Seuil 1986, P 21.
[1]Max  Kohn: Le récit dans la psychanalyse, éditions érès, 1998 / 109. 
[1]Paul Ricœur: le conflit  des interprétations, essais d’herméneutique, Seuil 1969,P 8.
[1]Hans Georg Gadamer: Vérité et méthode, Les grandes lignes d’une herméneutique, Seuil, 1976, P235.
[1]Hans Georg  Gadamer: Vérité et méthode,  (ibid), P148.
[1]Paul Ricœur: Le conflit  des interprétations (ibid),P 26.
[1]Hans Georg  Gadamer: Vérité et méthode, : (ibid), P 12.
[1]Jean Lyon : les 50 mots clés de la théologie moderne, Ed. Privat, 1970, P59.
[1]Encyclopédie philosophique universelle, PUF 1998, 1 / 1129.
[1]André Lalande : Vocabulaire de la philosophie, PUF et Delta Beyrouth1996,  P 714-715.
[1]Martin Heidegger : qu’est-ce qu’une chose, Gallimard 1992, P186.
[1]Gadamer Hans Georg  : Vérité et méthode (ibid), PP 202-203.
[1]Encyclopédie philosophique universelle (ibid) 2 / 1133.
[1] انظر: ابن فارس، أحمد: معجم مقاییس اللغة، تحقیق وضبط: عبد السلام محمد هارون، لا ط، قم المقدّسة، مکتب الإعلام الإسلامی، 1404هـ.ق، ج1، ص162.
[1] الزمخشری، جار الله: أساس البلاغة، تحقیق: محمد باسل عیون السود، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1419هـ.ق/ 1998م، ج1، ص39.
[1] یذهب ابن فارس إلى أنّ الأصل "أَوَلَ" یعنی ابتداءَ الأمر وانتهاءَه، والأوّل هو مبتدأ الشّیء، وآل یؤول: رجع، وأوَّل الحکم إلى أهله: أرجعه وردّهُ إلیهم (انظر: ابن فارس، معجم مقاییس اللغة، م.س، ج1، ص158؛ 159؛ 160).
[1]انظر: ابن الأکفانی، محمد بن إبراهیم بن ساعد الأنصاری: إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد فی أنواع العلوم، تحقیق وتعلیق : عبد المنعم محمد عمر، مراجعة: أحمد حلمی عبد الرحمن، لا ط، القاهرة، دار الفکر العربی، لا ت، ص221.
[1]انظر: ابن برهان، أحمد: الوصول إلى الأصول، لا ط، الریاض، مکتبة المعارف، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص386.
[1] الأصفهانی، الراغب: الذریعة إلى مکارم الشّریعة، لا ط، مصر، دارالسلام، 1428هـ.ق/ 2007م، ص82-83.
[1]انظر: الفارابی، أبو نصر محمد: آراء أهل المدینة الفاضلة ومضاداتها، لا ط، مصر، مؤسسة هنداوی للتعلیم والثقافة، 2012م، ص75-77.
[1]سورة الشّعراء، الآیة 80.
[1] الغزالی، أبو حامد: جواهر القرآن، تحقیق: محمد رشید رضا القبانی، ط2، بیروت، دار إحیاء العلوم، 1406هـ.ق/ 1986م، ص44-46.
[1]انظر: الغزالی، أبو حامد: قانون التأویل، ط1، لا م، لا ن، 1413هـ.ق/ 1993م، ص19-20.
[1] انظر: إیزوتسو، توشیهیکو: اللّه والإنسان فی القرآن -علم دلالة الرّؤیة القرآنیّة للعالم-، ترجمة وتقدیم: هلال محمد الجهاد، ط1، بیروت، المنظمة العربیة للترجمة، 2007م، ص29-33.
[1]انظر: إیزوتسو، توشیهیکو: مفهوم الإیمان فی علم الکلام الإسلامیّ -تحلیل دلالیّ للإیمان والإسلام-، ترجمة وتقدیم: علی عیسى العاکوب، ط1، حلب، دار الملتقى، 1431هـ.ق/ 2010م، ص64-65.
 
[1]انظر: نولدکه، تیودور: تاریخ القرآن، تعدیل: فریدیریش شفالی، تعریب: جورج تامر، ط2، نیویورک، نشر: جورج ألمز، لا ت، ج1، ص3-9.
[1]Regis  Blachère: introduction au Coran, maison neuve et Larose 2002, P23-24.
[1]انظر: جعَیْط، هشام: تاریخیة الدعوة المحمدیّة فی مکة، ط1، بیروت، دار الطلیعة، 2007م، ص162-163.
[1] نولدکه، تاریخ القرآن، م.س، ص232.
[1]انظر: م.ن، ص342.
[1]RégisBlachère : Regards sur un passage parallèle des évangiles et du Coran, in Mélange d’Islamologie, Pierre Salman, Leiden-Brill, 1994, P 96..
[1]JacquesBerque: Relire le Coran, Albin Michel, Idées 1993,11
[1]Michel  Foucault: Les mots et les choses, Gallimard, 1966. , P 92.
[1] الجاحظ، عمرو: البیان والتبیین، تحقیق وتقدیم: فوزی عطوی، ط1، مصر، المطبعة التجاریة الکبرى، 1345هـ.ق/1926م، ص19.
[1]Luc Ferry : L’homme – Dieu, Grasset, 1994 / 43.
[1] سبب التّحرّج من إطلاق صفة العلم على التّفسیر هو مسألة الدّقّة الاستدلالیّة؛ لأنّ العلم  کما یقول ابن حزم الأندلسیّ:«هو تیقّن الشّیء على ما هو علیهإمّا عن برهان ضروری موصل إلى تیقّنه (سواء أکان ذلک بالحسّ أم بالعقل) (...)، وإمّا عن اتّباعٍ لمن أمر الله باتّباعه وهو النبیّ صلى الله علیه وسلّم، وإن لم یکن ذلک عن ضرورة ولا عن استدلال(...)" (ابن حزم الأندلسی، علی: الإحکام فی أصول الأحکام، تقدیم: إحسان عباس، ط2، بیروت، دار الآفاق الجدیدة، 1403هـ.ق/ 1983م، ج1، ص36).
[1]ابن عاشور، محمد الطاهر: ألیس الصبح بقریب، ط1، القاهرة، دار السلام؛ دار سحنون، 1427هـ.ق/2006م، ص160.
[1]  Les sciences ont changé de nature et de forme, il y a une rupture avec cellesqui précèdent.
* La théologie et la physique st si profondément incompatibles, leurs conceptions ont un caractère si radicalement opposé ( Auguste Comte, Cours de philosophie positive, leçon 1 et 2,Cérès Editions, 1994, P 25).
[1] Gaston Bachelard : La formation de l’esprit scientifique, Vrin 1967, P 16.
[1]Régis Debray: Dieu un itinéraire, Edition Jacob 2001, P 376- [1].
[1]  Alan Chalmers: Qu’est ce que la science ? La Découverte, 1988 , P 219.
[1]André Lalande:Vocabulaire technique et critique de la philosophie,Delta Beyrouth et PUF Paris 1996, P 954         
[1]  Auguste Comte:Cours de philosophie générale: Cérès Editions1994, P16 -22.     
[1]  Paul Williame: Sociologie des religions. Que sais- je  ? PUF 1995, P 87. 
العقل العلمی الجدید: حدّد باشلار العام 1905م بوصفه فاتحة عهد جدید؛وذلک حیث قسّم العهود العلمیّة إلى ثلاث: المرحلة ما قبل العلمیّة، والمرحلة العلمیّة، ومرحلة العهد العلمی الجدید.
 
[1]  “Tte connaissance qui peut être rendue douteuse, ne doit pas être appelée du nom de science».
[1]انظر: العروی، عبد اللّه: ثقافـتـنا فی ضوء التّاریخ، ط2، بیروت، المرکز الثقافی العربی، 1988م، ص22-23.
[1]الأصفهانی، حسین (الراغب): مفردات ألفاظ القرآن، تحقیق: صفوان عدنان داوودی، ط2، قم المقدّسة، طلیعة النور، 1427هـ.ق، ص343.
کذلک قارب الأصفهانی بین التّعلیم والإعلام، باعتبار سرعة الخبر فی الإعلام (...)، أمّا التّعلیم، فإنّه تنبیه النّفس لتصوّر المعانی، والتعلّم تنبّه النّفس لتصور ذلک. وقد یُستَعمل التّعلیم فی معنى الإعلام (انظر: م.ن).
[1]الزرکشی، بدر الدین الزرکشی: البرهان فی علوم القرآن، تحقیق: محمد أبو الفضل إبراهیم، ط1، القاهرة، دار إحیاء الکتب العربیة، ج1، ص454.
* علی الماوردی (364- 450 هـ) حین کتب "أعلام النبوة"، جعل الباب الأول "فی مقدّمة الأدلّة" وخصّص الحدیث فیه عن العلم بما هو تمییز بین الحق والباطل وعن العقل بوصفه "قوّة التمییز بین الحق والباطل"، وجعل الباب الثانی "فی معرفة الله"، ولم یتحدّث عن النبوات إلا فی الباب الرابع (انظر: الماوردی، علی: أعلام النبوة، ضبط وتقدیم وتعلیق: محمد المعتصم بالله البغدادی، ط1، بیروت، دار الکتاب العربی، 1407هـ.ق/ 1987م، ص23؛ 31).
* التّذکیر بتعریف الجرجانی: "العلم هو اعتقاد الشیء على ما هو به على سبیل الثقة" (الجرجانی، علی بن محمد: التعریفات، وضع هوامش وفهرسة: محمد باسل عیون السّود، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1421هـ.ق/ 2000م، ص157).
[1] سورة البقرة، الآیة 30.
[1]العلویّ، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضیّ): نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین الإمام علی بن أبی طالب(ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، دار الذخائر، قم المقدّسة، 1412هـ.ق، ج2، ص5.
[1]الأصفهانی، الذریعة إلى أحکام الشریعة، م.س، ص155.
[1]انظر: الغرناطی الکلبی، محمد بن جزیّ: التسهیل لعلوم التنزیل، تحقیق: عبدالله الخالدی، بیروت، دار الأرقم، لا ت، ج1، ص438-439.
 * ابن رشد، أبو الولید محمد بن أحمد: فصل المقال وتقریر ما بین الحکمة والشریعة من الاتصال، تقدیم وتعلیق: ألبیر نصری نادر، ط8، بیروت، دار المشرق، 2000م، ص50-51.
[1] الطبریّ، محمد بن جریر: جامع البیان عن تأویل آی القرآن، تقدیم: خلیل المیس، ضبط وتوثیق وتخریج: صدقی جمیل العطار، لا ط، بیروت، دار الفکر، 1415هـ.ق/ 1995م، ج1، ص18-19.
[1] Groupe d’Entrevernes: Analyse sémiotique des textes, Toubkal, Maroc, 1987 / 7-8.
Umberto Eco: Les limites de l’interprétation (trois types d’intentions), Grasset, 1992 / 29.
[1]ابن عاشور، ألیس الصبح بقریب، م.س، ص198.
[1]ابن مصطفى، أحمد (الشهیر بطاش کبرى زاده): مفتاح السعادة ومصباح السیادة فی موضوعات العلوم، لا ط، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1405هـ.ق/ 1985م، ج2، ص76.
[1]الرّازی، فخر الدّین: مفاتیح الغیب (المعروف -أیضاً- بالتفسیر الکبیر)، ط1، بیروت، دار الفکر، 1401هـ.ق/ 1981م، ج1، ص11.
[1]ابن العربی، محمد: أحکام القرآن، تحقیق: محمد عبد القادر عطا، لا ط، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج1، ص15.
[1]السیوطی، جلال الدین: الإتقان فی علوم القرآن، تحقیق: سعید المندوب، ط1، بیروت، دار الفکر،1416هـ.ق/ 1996م، ج2، ص490.
[1]الزرکشی، البرهان فی علوم القرآن، م.س، ج1، ص454.