نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولًا: علاقة المسلم بالمسلم وبالآخر فی الإسلام
1. أصالة احترام الإنسان فی الإسلام
2. المساواة الإنسانیَّة والأخوّة الإسلامیَّة
3. مستویات العلاقة فی المنظومة الاجتماعیّة
ثانیًا: الوحدة الإسلامیَّة والإنسانیَّة فی القرآن
1. الأنا والآخر فی القرآن
2. التأصیل القرآنیّ للوحدة
3. مفهوم الوحدة فی القرآن
ثالثًا: أصالة الوحدة فی التشریع الإسلامیّ
رابعًا: مشروع الوحدة الإسلامیَّة
خامسًا: عناصر الوحدة الإسلامیَّة
1. وحدة العقیدة
2. وحدة العمل والاتّباع
3. وحدة القیادة
4. وحدة الهدف
5. الوحدة فی الخصال ومکارم الأخلاق
6. عنصر الوحدة الثقافیّة
سادسًا:کیفیّة تحقّق مشروع الوحدة
1. تأصیل الوحدة
2. فقه الوحدة
3. أخلاقیَّة الوحدة
4. آلیّات الوحدة
الكلمات الرئيسية
الوحدة الإنسانیّة والإسلامیّة فی القرآن الکریم والسنّة الشریفة -دراسة تأصیلیّة-
الشیخ محمود سرائب[1]
خلاصة المقالة:
تتناول هذه المقالة قضیّة الوحدة الإنسانیّة والإسلامیّة من منظار القرآن الکریم والسنّة الشریفة؛ مبیّنةً أنّ مبدأ الوحدة فی الرؤیة القرآنیّة لیس مجرّد فکرة نظریّة أو فلسفیّة مثالیّة؛ وإنّما هو متجذّر اجتماعیًّا فی وحدة الجنس البشریّ، وروحیًّا فی وحدة الدِّین ورسالته؛ من حیث مصدرها وغایتها معًا. ومقتضى الرؤیة الوحدویّة القرآنیّة هی أصالة السلم والسلام فی نشر الدعوة الإسلامیّة فی جمیع أقطار الدنیا. وأیّ تفرقة تُصیب المجتمعات الإنسانیّة، وبالأخصّ المجتمعات الإسلامیّة، هی خروج عن أصالة السلام والرحمة اللذین هما أساس بنیة الدعوة الإسلامیّة.
إنّ الوحدة لیست تنظیرًا سیاسیًّا أو عملًا مجاملیًّا أو آنیًّا ینطلق من انفعالات محدّدة، بل هی من صمیم رؤیة الإسلام بجمیع تشریعاته ونظمه، وهی جزء أصیل من مشروع الإسلام وحاکمیّته فی الأرض؛ حیث إنّه دین التوحید والوحدة.
وعلیه، فإنّ الوحدة الإسلامیّة مشروعنا الثقافیّ، والسیاسیّ، والاقتصادیّ، الحاضر والمستقبلیّ. وهذا المشروع الإسلامی العالمیّ هو المشروع المؤهّل لمواجهة التحدّیات الحضاریّة، والسیاسیّة والاقتصادیّة الکبیرة التی یواجهها العالم الإسلامیّ الیوم.
ولذا، لا بدّ من العمل على إرساء عناصر الوحدة الإسلامیّة على مستوى العقیدة، والعمل، والاتّباع، والقیادة، والهدف، والخصال ومکارم الأخلاق، والثقافة، وتأصیلها فی المجتمع الإسلامیّ؛ بجعلها أساسًا ومعیارًا علمیًّا وعملیًّا للتعامل مع مواضع الاختلاف العلمیّ، والفکریّ، والسیاسیّ، والاقتصادیّ... بین المسلمین. والقیام بتنظیم فقهیّ لأمر التعایش الفقهیّ بینهم، وتطبیق أخلاق الوحدة فی المجتمع الإسلامیّ؛ من قبیل: "الألفة"، و"الرفق"، و"المداراة"، و"العفو"، و"المسامحة"، و"اتّباع الحقّ"، و"التجرّد من العصبیّة"، ووضع آلیّات علمیّة وعملیّة لإرساء قیم الوحدة وصیانتها وتعزیز أواصرها وتقویتها.
کلمات مفتاحیّة:
الإسلام، القرآن الکریم، السنّة الشریفة، الإنسان، المجتمع، الوحدة الإنسانیّة، الوحدة الإسلامیّة، المساواة، الأخوّة، التعایش، السلام.
مقدّمة:
إنّ الإسلام هو أوّل من قرّر المبادئ الخاصّة بحقوق الإنسان فی أکمل صورة وأوسع نطاق؛ وذلک حینما قرّر مبدأ کرامة الإنسان باعتباره إنسانًا؛ فالناس جمیعًا أمّة واحدة، ربّهم واحد، وأصلهم واحد: {یَا أَیُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا کَثِیرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِی تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ کَانَ عَلَیْکُمْ رَقِیبًا}[2]، {یَا أَیُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاکُم مِّن ذَکَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ}[3].
وتقوم أساس العلاقة الاجتماعیّة فی الإسلام على مبدأین أو رکیزتین اثنتین؛ هما: المساواة، والأخوّة.
وقد توصّل بعض الباحثین -على سبیل المثال لا الحصر- فی دراسته عن حقوق الإنسان فی الإسلام إلى النتائج التالیة:
1. إنّ الحقوق التی تضمّنها البیان العالمیّ لحقوق الإنسان، هی من أبجدیّات التعالیم الإسلامیّة المقرّرة فی دیننا الحنیف.
2. أصالة المنهج الإسلامیّ فی حفظ حقوق الإنسان وتمیُّزه؛ بوضعه حقوق الإنسان وآلیّات حفظها.
3. حدیث الحضارة الغربیّة عن مبادئ حقوق الإنسان هی أثر من آثار الفکر الإسلامیّ التی انتقلت للغرب عبر وسائط الاتّصال والتفاعل التاریخیّ الذی اعترفوا به[4].
أولًا: علاقة المسلم بالمسلم وبالآخر فی الإسلام:
1. أصالة احترام الإنسان فی الإسلام:
فی بحث أصالة احترام الإنسان یحضر هذا السؤال: هل الأصل فی الإنسان أنْ یکون محترم النفس والعرض والمال، مع صرف النظر عن معتقده ودینه وعرقه، أم إنَّ الأصل هو عدم الاحترام؛ إلاّ مَنْ أخرجه الدلیل؛ وهو المسلم، أو مَنْ کان بینه وبین المسلمین عقد معیّن یمنحه الاحترام؛ کأهل الذمّة؟
إذا طرحنا السؤال بهذه الکیفیّة، فالإجابة الطبیعیّة أنّ الفقهاء، سنّةً وشیعة، یذهبون إلى الرأی الثانی؛ أی أن لا احترام للإنسان إلا ما أخرجه الدلیل؛ وهو المسلم، وأهل الکتاب؛ بلحاظ عقد الذمّة، وما شابه ذلک. وأمّا إذا التفتنا إلى اللغة الفقهیّة وأسالیب الفقهاء فی الاستدلال؛ وهی أنّهم یکتفون بعرض الأدلّة من دون نقاش مستلزماتها؛ بمعنى أنّ ما وصل إلیه الدلیل هو احترام المسلم مطلقًا، وأهل الکتاب، أو بتعبیر أدقّ: "أهل الذمّة"، فنجد أنّ هذا لا یستلزم هتک حرمة الآخرین إلا إذا وجد دلیل على ذلک، ولا یوجد دلیلٌ کهذا من القرآن الکریم ولا من السنّة الشریفة المأثورة.
ومن المنبّهات على هذا الموضوع: ما یستدلّ به الفقهاء على بعض القواعد الفقهیّة؛ کقاعدة "لا ضرر"، حیث اعتبر جملة منهم أنّ القاعدة فطریّة ارتکازیّة؛ بمعنى أنّ الإنسان بفطرته وطبعه یرفض الضرر مطلقًا. وبعضهم اعتبر أنّ هذه القاعدة من صغریات أصالة احترام النفس، والمال، والعِرْض[5].
وینظر الإسلام إلى الآخر من منطلق الکرامة الإنسانیّة واعتبارها قیمة مطلقة یبنی علیها الإسلام رؤیته الثقافیّة والاجتماعیّة، ویجعلها القاعدة الأساس فی تشریعاته، فالآخر أیًّا کان، ولأیّ أمّة انتمى یشمله قول الله تعالى: {وَلَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِی آَدَمَ}[6]. والآیة -کما هو واضح- جاءت بصیغة العموم؛ أی إنّ تکریم الله هو لبنی آدم، ولیس لجماعة المؤمنین، أو لفئة دون غیرها من الناس، فالتکریم هنا مطلق یشمل البشر کافّة.
وعلیه، فمن خلال الرؤیة القرآنیّة، فالإنسان مکرّمٌ مع غضّ النظر عن جنسه، ومعتقده، وقیمته فی الهرم الاجتماعیّ، حیث خلقه الله مکرّمًا، ولا یملک أحدٌ أن یُجرّده من کرامته التی أودعها الله فی جبلَّته، وجعلها من فطرته وطبیعته، یستوی فی ذلک المسلم الذی یؤمن بالقرآن کتاب الله، وبمحمد بن عبد اللّه رسول اللّه ونبیّه، وغیر المسلم من أهل الأدیان الأخرى، أو مَنْ لا دین له.فالکرامة البشریّة حقٌّ مشاعٌ یتمتّع به الجمیع من دون استثناء، وهذه ذروة التکریم وقمّة التشریف. وعندما یصدر الخطاب الإلهیّ لبنی آدم، فإنّ هذا الخطاب یُعتبر من أعلى الخطابات القرآنیّة من ناحیة الشمولیّة والعمومیّة للأفراد. وقد تعدّدت مستویات الخطاب الذی یوجّهه الله إلى عباده فی القرآن؛ فمن المؤمنین، إلى أهل الکتاب، إلى المسلمین، إلى بنی آدم،... ولکلّ مستوى من الخطاب الإلهیّ دلالته الموحاة، والمدى الذی یبلغه معناه، والله سبحانه وتعالى یُخبر فی هذه الآیة بأنّه کرّم بنی آدم کافّة؛ بصیغة الإطلاق.
هذا، وقد قامت مبادئ الإسلام وتعالیمه وقیمه کلُّها على احترام الکرامة الإنسانیّة وصونها وحفظها، وعلى تعمیق الشعور الإنسانیّ بهذه الکرامة. وما دامت الرسالة الإسلامیّة تبتغی فی المقام الأوّل: سعادة الإنسان وصلاحه، وتبتغی جلب المنفعة له ودرء المفسدة عنه، فإنّ هذه المقاصد الشریفة هی منتهى التکریم للإنسان؛ بجمیع الدلالات الأخلاقیّة والمعانی القانونیّة للتکریم.
والإسلام فی إحاطته للکرامة الإنسانیّة بهذا السیاج المانع من جمیع الآفات والأضرار التی یُمکن أنْ تَلحق بالکرامة الإنسانیّة، یتفوّق على جمیع القوانین الوضعیّة والمواثیق الدولیّة الخاصّة بحقوق الإنسان.
ومن خلال هذا الـتأصیل للکرامة الإنسانیّة فی التشریع، نستنتج أصالة احترام النفس الإنسانیّة؛ باعتبارها من أبرز مصادیق الکرامة لبنی آدم.
2. المساواة الإنسانیّة والأخوّة الإسلامیّة[7]:
إنّ محتوى العلاقة التی یطرحها القرآن الکریم تعتمد على أمرین -کما تقدّم-؛ وهما: المساواة، والأخوّة.
وینبغی -دائمًا- تقویم أساس هذه العلاقة، وتشخیص مضمونها ومحتواها؛ الأمر الذی یجعل العلاقة الاجتماعیّة قائمة على أساس نظرة واقعیّة لحقیقة الإنسان وقیمته من ناحیة، وطبیعة العلاقة الاجتماعیّة وتکوُّن البنیة الاجتماعیّة من ناحیة أخرى.
وفی هذا المجال یُقیم الإسلام أفضل العلاقات بین الناس على أساس أنّهم "متساوون" و"متکافئون" فی الأصل، وأنّ بعضهم هو نظیر بعضهم الآخر؛ فلا یمتاز أحدهم -بالأصل- على الآخرین؛ کما قال النبی الکریم (ص): "أیها الناس، إنّ ربّکم واحد، وإنّ أباکم واحد، کلّکم لآدم؛ وآدم من تراب: {إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ}، ولیس لعربی على عجمی فضل؛ إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: فلیُبلِّغ الشاهد الغائب"[8]، وإنّما تنشأ الاختلافات والامتیازات لعوامل وأسباب طارئة تنشأ من حرکة الإنسان والمجتمع؛ بعضها حقّة وصحیحة؛ مثل: الامتیاز بـ "التقوى"، و"العلم"، و"الجهاد"...، وبعضها باطلة وغیر واقعیّة؛ مثل: الامتیاز بکثرة الأموال والأولاد، أو القدرة والسلطة المادّیّة... وأمّا طبیعة العلاقة الاجتماعیّة التی یجب أنْ یقوم علیها البناء الاجتماعیّ ومحتواها؛ فهی علاقة الأخوّة الإسلامیّة والإیمانیّة، وهی -أیضًا- علاقة مساواة بین أبناء المجتمع الذی یقوم على أساس الإسلام والعقیدة الإسلامیّة.
فالمسلمون إخوة یتکافؤون ویتساوون فی قیمتهم المعنویّة؛ وفی الوقت نفسه فإنّ أواصر العلاقة والصلة بینهم تکون شبیهة بالأواصر والصلات التی تربط بین الناس؛ عندما یکونون من أب وأُمّ واحدة. وبذلک وضع الإسلام الصلة والعلاقة فی العقیدة اجتماعیًّا موضع الصلة والعلاقة النسبیّة التکوینیّة (الأخوّة) وفی قیمتها وأهمّیّتها.
روى ثقة الإسلام الکلینیّ فی الکافی من قصّة زواج "جویبر"؛ وهو رجل من أهل الیمامة، أسلم فحسن إسلامه، وکان رجلًا قصیرًا دمیمًا محتاجًا، حیث أمره رسول الله (ص) أنْ یخطب من زیاد أحد رؤساء قبائل المدینة، وقال له رسول الله: "... یَا جُوَیْبِرُ، إِنَّ اللَّه قَدْ وَضَعَ بِالإسلام مَنْ کَانَ فِی الْجَاهلیَّةِ شَرِیفًا، وشَرَّفَ بِالإسلام مَنْ کَانَ فِی الْجَاهلیَّةِ وَضِیعًا، وأَعَزَّ بِالإسلام مَنْ کَانَ فِی الْجَاهلیَّةِ ذَلِیلًا، وأَذْهَبَ بِالإسلام مَا کَانَ مِنْ نَخْوَةِ الْجَاهلیَّةِ وتَفَاخُرِهَا بِعَشَائِرِهَا وبَاسِقِ أَنْسَابِهَا، فَالنَّاسُ الْیَوْمَ کُلُّهُمْ أَبْیَضُهُمْ وأَسْوَدُهُمْ وقُرَشِیُّهُمْ وعَرَبِیُّهُمْ وعَجَمِیُّهُمْ مِنْ آدَمَ، وإِنَّ آدَمَ خَلَقَه اللَّه مِنْ طِینٍ، وإِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّه -عزّ وجلّ- یَوْمَ الْقِیَامَةِ أَطْوَعُهُمْ لَه وأَتْقَاهُمْ، ومَا أَعْلَمُ یَا جُوَیْبِرُ لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِینَ عَلَیْکَ الْیَوْمَ فَضْلًا؛ إِلَّا لِمَنْ کَانَ أَتْقَى لِلَّه مِنْکَ..."[9].
ولم یغفل عن العلاقة بالآخر التی قوامها العلاقة الإنسانیّة؛ کما یُفهَم ذلک من قول الإمام علی (ع) فی عهده لمالک الأشتر: "وأَشْعِرْ قَلْبَکَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِیَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَکُونَنَّ عَلَیْهِمْ سَبُعًا ضَارِیًا تَغْتَنِمُ أَکْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَکَ فِی الدِّین، وإِمَّا نَظِیرٌ لَکَ فِی الْخَلْقِ"[10].
وقد حثّت الراویات على المجاملة العامّة وحسن الخلق مع الناس جمیعًا؛ ما یعنی أنّ الأصل هو الاحتفاظ بالعلاقة الاجتماعیّة على المستوى الإنسانیّ؛ ما لم تطرأ أوضاع استثنائیّة تفرض موقفًا آخر؛ کالبراءة، أو القطیعة. یقول الإمام الصادق (ع): "مُجَامَلَةُ النَّاسِ ثُلُثُ الْعَقْلِ"[11].
ومن خلال هذا العرض، یُمکننا فهم موقف الإسلام من الکفّار الذین ذکرهم القرآن الکریم، حیث فصّل القرآن فی العلاقة العامّة بین الکفّار والأعداء الذین یتّخذون موقفًا سیاسیًّا أو عسکریًّا عدوانیًّا ضدّ المسلمین، وبین الکفّار العادیّین الذین لا موقف لهم عدائیّ، حیث نهى القرآن الکریم عن ولاء القسم الأوّل ومودّته، وأجاز البرّ والقسط للقسم الثانی[12]: {لَا یَنْهَاکُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِینَ لَمْ یُقَاتِلُوکُمْ فِی الدِّین وَلَمْ یُخْرِجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَیْهِمْ إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ * إِنَّمَا یَنْهَاکُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِینَ قَاتَلُوکُمْ فِی الدِّین وَأَخْرَجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِکُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ یَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[13].
ویشیر إلى ذلک -أیضًا- ما ورد من تأکیدٍ على أهمّیّة الدعوة لله -تعالى- والحوار بالأسلوب الذی یتّسم بالعقلانیّة والمحافظة على العلاقة الإنسانیّة الاجتماعیّة العامّة، من خلال الحکمة، والموعظة الحسنة مع الکفّار، أو الآخرین من غیر المسلمین، أو الناس عامّة؛ بدون فرق بین المسلم وغیره. وکذلک ما ورد فی القرآن الکریم والحدیث الشریف من النهی عن سبّ الکفّار؛ وذلک من أجل تجنّب تصعید الموقف السلبیّ منهم، حیث إنّهم سوف یردّون السبّ بمثله بطبیعة الحال.
وبالنتیجة، فـإنّ کیان الإسلام ومجد المسلمین یستدعیان الحفاظ على الاستقلال فی الثقافة والسیاسة والاقتصاد، والحذر من وقوعهم فی حبائل الکفر، ولکنّ ذلک کلّه لا یُنافی مداراة الکفّار ودعوتهم إلى الحقّ، بل والبرّ والإحسان إلیهم وتألیفهم؛ کیما یرغبوا فی الإسلام، بل وإیجاد العلاقات السیاسیّة والاقتصادیّة معهم؛ إذا کان صلاحًا للإسلام والمسلمین مع رعایة الاحتیاط.
قال -تعالى- بعد الأمر بقتال الکفّار: {وَدُّوا لَوْ تَکْفُرُونَ کَمَا کَفَرُوا فَتَکُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِیَاءَ حَتَّى یُهَاجِرُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَیْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِیًّا وَلَا نَصِیرًا}[14]، ثمّ بعد الأمر بقتال الکفّار، قال -تعالى-: {إِلَّا الَّذِینَ یَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ مِیثَاقٌ أَوْ جَاءُوکُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ یُقَاتِلُوکُمْ أَوْ یُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَیْکُمْ فَلَقَاتَلُوکُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوکُمْ فَلَمْ یُقَاتِلُوکُمْ وَأَلْقَوْا إِلَیْکُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَکُمْ عَلَیْهِمْ سَبِیلًا}[15]. وقد عاهد رسول الله (ص) مشرکی مکّة، ویهود المدینة، ونصارى نجران، وغیرهم، وکان یُعاشرهم ویُعاملهم بالآداب والأخلاق الحسنّة. فعنه (ص): "ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو کلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شیئًا بغیر طیب نفس؛ فأنا حجیجه یوم القیامة"[16].
وترى النبیّ (ص) یحترم بنفسه أموات أهل الذمّة، ویأمرنا بذلک -أیضًا-؛ کما ورد فی الحدیث.
وبلغ احترام الإسلام للذمّیّ حدًّا یسمح له أنْ یُخاصم إمام المسلمین ویُطالبه بالبیّنة لدعواه؛ کما اتّفق ذلک فی قصّة درع أمیر المؤمنین ومخاصمته فی عصر خلافته مع رجل من الیهود عند شریح القاضی. ففی الروایة "أنّه مضى علیّ فی حکومته إِلى شریح مع یهودیّ، فقال: یا یهودیّ، الدرع درعی، ولم أبع، ولم أهب. فقال الیهودی: الدرع لی؛ وفی یدی، فسأله شریح البیّنة، فقال (ع): هذا قنبر والحسین یشهدان لی بذلک. فقال شریح: شهادة الابن لا تجوز لأبیه، وشهادة العبد لا تجوز لسیّده؛ وإِنّهما یجرّان إِلیک. فقال أمیر المؤمنین: ویلک یا شریح، أخطأت من وجوه: أمّا واحدة؛ فأنا إِمامک تدین اللّه بطاعتی، وتعلم أنّی لا أقول باطلًا، فرددت قولی وأبطلت دعوای، ثمّ سألتنی البیّنة، فشهد عبد، وأحد سیّدی شباب أهل الجنّة، فرددت شهادتهما، ثمّ ادّعیت علیهما أنّهما یجرّان إِلى أنفسهما. أما إِنّی لا أرى عقوبتک إلاّ أن تقضی بین الیهود ثلاثة أیّام. أخرجوه. فأخرجه إِلى قبا، فقضى بین الیهود ثلاثًا، ثمّ انصرف. فلمّا سمع الیهودیّ ذلک، قال: هذا أمیر المؤمنین جاء إِلى الحاکم، والحاکم حکم علیه، فأسلم، ثمّ قال: الدرع درعک سقطت یوم صفّین من جمل أورق فأخذتها"[17].
وقد وجد الیهود والنصارى والمجوس فی ظلّ الحکومات الإسلامیّة من کرامة العیش والحرمة فی جمیع مجالات الحیاة؛ من السیاسة، والاقتصاد، والحرّیة فی اکتساب العلوم والصنائع...؛ ما لم یجدوه فی ظلّ الحکومات الأخرى[18].
3. مستویات العلاقة فی المنظومة الاجتماعیّة:
إنّ الإسلام، على الرغم من نظرته بالمساواة فی أصل العلاقة الإنسانیّة ومحتواها المتمثّل فی "الأخوّة" بین أبناء المجتمع الإسلامیّ، لم یغفل فی هذه النظرة عن "الواقع الاجتماعیّ"، و"الحقائق الموضوعیّة" القائمة فی أطراف العلاقة الاجتماعیّة؛ حیث نرى أنّه لاحظ فی هذه العلاقة مستویین رئیسین ینطلقان من الواقع الاجتماعیّ وتطوّر العلاقة ضمن هذا الواقع؛ بسبب الوضع النفسیّ، والروحیّ، والفکریّ لأطراف العلاقة؛ وهی:
أ. العلاقة العامّة التی تفرضها طبیعة وجود الإنسان فی المجتمع، والتی یُحقِّق الإنسان من خلالها ارتباطه بأفراد المجتمع الذی یعیش فیه، ویکوِّن جزءًا منه ضمن الإطار العامّ للعلاقات. وفی هذا المجال یُمثِّل الإسلام الإطار العامّ لهذه العلاقة، والقاسم المشترک بین أطرافها فی نظرته لوحدة المجتمع التی تقوم على أساس الالتزام بالإسلام والقبول به.
وفی هذا المستوى من العلاقة تحفظ الدماء والأموال والمواثیق والعهود، وکذلک المشارکة والمساهمة فی المسؤولیّة الاجتماعیّة العامّة؛ کالأمر بالمعروف، والنهی عن المنکر، وکذلک الالتزام بالشعائر الإسلامیّة والآداب الاجتماعیّة العامّة؛ مثل: حضور صلوات الجماعة، وتشییع الجنائز، وعیادة المرضى، والمراسیم الاجتماعیّة؛ کالزواج، وغیرها.
ب. العلاقة الخاصّة التی یُطلق علیها فی الفهم والنظر الاجتماعیّین العرفیّین (الصداقة)؛ بأنْ یتّخذ الشخص الآخر صدیقًا ورفیقًا.
وهذا المستوى، وإنْ کان یشارک المستوى الأوّل فی عموم الآثار والنتائج والالتزام، ولکنّه یمتاز عنه ببعض الشروط والحقوق والواجبات الإضافیّة؛ مثل: الحقوق المالیّة، وبعض الحقوق الثقافیّة، وغیر ذلک.
وأهمّ علاقة أکّد علیها الإسلام هی الأخوّة فی الله -تعالى-. وقد سعى أهل البیت (عله) إلى تطویر هذه العلاقة؛ روحیًّا ونفسیًّا؛ لتصل إلى درجتها العالیة، فتصبح متقدِّمة على الأخوّة النسبیّة فی مضمونها الإنسانیّ والاجتماعیّ والروحیّ، حیث یکون الحبّ والودّ فیها خالصًا لله -تعالى- ومن أجله، وتتّصف فی آثارها ونتائجها بالمساواة للإنسان بنفسه، بل حتّى إیثار أخیه المؤمن على نفسه.
وقد بیّن الإسلام، فی مجال العلاقات الاجتماعیّة العامّة، اختصاص بعض الفئات والأصناف من الناس بمعاملة اجتماعیّة خاصّة، وإنْ کان یؤمن بالمساواة بین الناس فی الأخوّة الإنسانیّة، کما تقدّم، حیث نُلاحظ أنّ أهل البیت (عله) خصّوا فئات اجتماعیّة بمعاملة خاصّة فی هذه العلاقات؛ لأسباب موضوعیّة مختلفة، تُقرّها الفطرة الإنسانیّة أو المقاییس العقلیّة الواقعیّة القائمة على أساس المصالح الاجتماعیّة العامّة.
وهذه الأسباب قد تکون إنسانیّة أو دینیّة أو سیاسیّة ترتبط بالأبعاد المختلفة للرؤیة الإسلامیّة عمومًا، أو فی مجال العلاقات الاجتماعیّة؛ بصفة خاصّة، ما یجعل الأمور تأخذ نصابها وموقعها الطبیعیّ فی الهیکلیّة العامّة للمجتمع وأطراف العلاقة الاجتماعیّة.
وقد أشار القرآن الکریم إلى هذه المعاملة الخاصّة فی مواضع عدّة؛ منها: قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِکُوا بِهِ شیئًا وَبِالْوَالدِّین إِحْسَانًا وَبِذِی الْقُرْبَى وَالْیَتَامَى وَالْمَسَاکِینِ وَالْجَارِ ذِی الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِیلِ وَمَا مَلَکَتْ أَیْمَانُکُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا یُحِبُّ مَنْ کَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}[19].
وعلاقة کهذه مع الأرحام، والأقربین منهم خاصّة، والأبوین بصفة أخصّ، تمنح لهم امتیازات فی التعامل الاجتماعیّ، حیث یجب الاحتفاظ بأصل العلاقة الاجتماعیّة مع الرحم، ولا یجوز قطیعته، ویجب إکرام الأبوین، والبرّ بهما حتّى لو کان ذلک بالتزام الطاعة لهما، وامتثال أوامرهما ضمن الحدود الشرعیّة.
وکذلک العلاقة مع العلماء وأهل الفضل والمعرفة؛ حیث یخصّهم الإسلام بمعاملة اجتماعیّة خاصّة أیضًا؛ لاعتبارات أخلاقیّة موضوعیّة واجتماعیّة.
وکذلک العلاقة مع الجیران؛ حیث یستحقّون معاملة خاصّة فی العلاقات العامّة. ویبدو واضحًا أنّ البعد فی هذه المعاملة الخاصّة إنّما هو اجتماعیّ؛ حیث یُراد من خلال ذلک توطید دعائم العلاقات الاجتماعیّة من خلال الواقع الجغرافیّ للمجتمع، وتحقیق التعاون فی إیجاد البنیة الاجتماعیّة المحلّیّة السلیمة والقویّة.
وکذلک العلاقة مع الضعفاء من الناس، فلا بدّ من معاملتهم معاملة خاصّة أیضًا؛ سواء أکان هذا الضعف بسبب الوضع الطبیعیّ للترکیبة الجسمیّة؛ مثل: الأطفال، والنساء، والشیوخ، أم کانوا من قبیل الذین یعرض لهم الضعف؛ مثل: المعوّقین، والمتخلِّفین؛ حیث یبدو من الواضح البعد الإنسانیّ فی هذا الجانب من التعامل؛ فعن الإمام أمیر المؤمنین علی (ع) أنّه قال فی حدیث له: "وارحموا ضعفاءکم، واطلبوا الرحمة من الله بالرحمة لهم"[20]، أم کان هذا الضعف بسبب الأوضاع الاقتصادیّة؛ مثل: الفقراء، والمساکین، وأبناء السبیل، وغیرهم من المحتاجین؛ فعن أمیر المؤمنین، عن رسول الله، أنّه قال فی خطبة له: "وتصدّقوا على فقرائکم ومساکینکم، ووقّروا کبارکم، وارحموا صغارکم، وصلوا أرحامکم"[21]، أم کان بسبب الأوضاع الاجتماعیّة؛ مثل: الیتامى، والمملوکین، والعمّال، والمستأجَرین والمستخدَمین من الناس، الذین تفرض علیهم ظروفهم الاجتماعیّة أن یکونوا تحت إدارة بعض الأشخاص وولایتهم.
ونختم بالعلاقة مع ذرّیة الرسول (ص)؛ فهناک رعایة ومعاملة خاصّة لذرّیة رسول الله (ص)؛ من أولاد الإمام علی (ع) والسیّدة فاطمة الزهراء (علیها) جاء تأکیدها؛ وذلک بسبب انتمائهم إلى رسول الله (ص)، وإکرامًا له، وتقدیرًا لحقّه، وتقدیسًا لشأنه؛ فعن الإمام أبی عبد الله الصادق (ع) أنّه قال: "لَا یُقَبَّلُ رَأْسُ أَحَدٍ ولَا یَدُه؛ إِلَّا یَدُ رَسُولِ اللَّه، أَوْ مَنْ أُرِیدَ بِه رَسُولُ اللَّه"[22]. وعن الحسین بن خالد، عن أبی الحسن الرضا (ع) أنّه قال: "النظر إلى ذرّیّتنا عبادة، قلت: النظر إلى الأئمّة (عله) منکم، أو النظر إلى ذرّیّة النبیّ (ص)؟ فقال: بل النظر إلى جمیع ذرّیّة النبیّ (ص) عبادة؛ ما لم یفارقوا منهاجه، ولم یتلوّثوا بالمعاصی"[23].
ثانیًا: الوحدة الإسلامیّة والإنسانیّة فی القرآن:
تُعدّ قضیّة "الوحدة الإنسانیّة والإسلامیّة" إحدى الهبات والنعم الإلهیّة الکبرى، ومن الأهداف الرئیسة للشرائع السماویّة؛ فمفهوم الوحدة والتضامن ضرورة فطریّة، وعقلیّة، وشرعیّة، وسیاسیّة، واجتماعیّة، وهو من أبرز مقوّمات المجتمع والحضارة الإنسانیّة. ولیس أمام الإنسان من خیار غیر القبول بها، لیس من أجل استمرار الحیاة الاجتماعیّة فحسب؛ وإنّما من أجل تحقُّق الحیاة المنشودة.
وفی عصرنا الراهن، وبالأخصّ فی القرنین الماضیین، ومنذ تأسیس الحرکة الوهّابیة؛ وصولًا إلى تأسیس الصهیونیّة العالمیّة، إلى ما نشهده فی الأعوام الأخیرة من تفعیل للحرکات التکفیریّة، فقد شهد العالم الإسلامیّ العدید من الاختلافات المدمّرة؛ نتیجةً لعمل تلک الحرکات، طبعًا مضافًا إلى عوامل عدّة أخرى؛ ما مهّد الأرضیّة لهجوم الغرب وأعداء الأمّة الإسلامیّة لا على المسلمین فحسب؛ بل على الإسلام نفسه وعلى نبیّه (ص)، حیث شکّلت الاختلافات والتفرقة تهدیدًا حقیقیًّا للعالم الإسلامیّ، ولکلّ مجتمع من مجتمعاته.
ولکن على الرغم من هذا الواقع المأساویّ، فقد بُذِلَت جهودٌ قیّمة خلال القرون الأخیرة على طریق وحدة المسلمین، اضطلع بها مفکِّرون وعلماء کبار؛ أمثال: الشیخ جعفر کاشف الغطاء، والسیّد جمال الدِّین الأسد آبادی، وعبد الرحمن الکواکبیّ، والشیخ محمد عبده، والشیح محمود شلتوت، والسید عبد الحسین شرف الدِّین، والشیخ محمد حسین کاشف الغطاء، والسیّد البروجردیّ؛ کما نهض رجال کبار فی العدید من المجتمعات الإسلامیّة على خطى هؤلاء العظماء، رافعین نداء الوحدة، ومبادرین إلى مشاریع تأسیسیّة؛ من قبیل: دار التقریب بین المذاهب الإسلامیّة، فاستطاعوا أن یُحقِّقوا إنجازات قیّمة فی هذا المجال؛ وعلى رأس هؤلاء کلّهم کان الإمام الخمینی (قده)؛ بصفته مفکِّرًا وفقیهًا کبیرًا، وباعتباره قائدًا للنهضة الإسلامیّة فی إیران، ومُلهمًا لجمیع حرکات التحرُّر فی العالم، فقد أولى الإمام (قده) قضیّة الوحدة وأبعادها المختلفة اهتمامًا خاصًّا، واستطاع أن یخطو خطوات عملیّة أساس على طریق تحقیقها بین المجتمعات الإسلامیّة، وخطى على خطاه ونهجه قائد الثورة الإسلامیّة الإمام السیّد علی الخامنئیّ (دام ظلّه).
1. الأنا والآخر فی القرآن:
الأنا والآخر فی الرؤیة القرآنیّة الکونیّة والخطاب القرآنیّ، ذکرًا کان أم أنثى، أسود أم أبیض، مؤمنًا أم غیر مؤمن؛ هم جمیعًا "إنسان"، یجمعهم ویوحِّد بینهم انتماء وحدة الکلّ الإنسانیّ، وقد خُلِقُوا سواسیّة فی "الأسرة الإنسانیّة الکبرى"، وهم ینتمون إلى نفس واحدة یتفرّعون منها، فیکوّنون شعوبًا وأممًا تجمعهم المودّة والرحمة: {یَا أَیُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا کَثِیرًا وَنِسَاءا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِی تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ کَانَ عَلَیْکُمْ رَقِیبًا}[24]. فالإنسان -أیًّا کانت هویّته- هو فی الرؤیة القرآنیّة کائن واحد وکیان واحد.
والاختلاف فی الرؤیة القرآنیة لیس اختلافًا عنصریًّا، ولیس استعلاءً، ولکنّه تکامل إنسانیّ إعماریّ "خیِّر" ضروریّ لوجود الفرد والجماعة. والأنا والآخر ألوان وألسنة یظهر فیها إبداع الله -تعالى- فی خلقه؛ بدایة بالأفراد، وانتهاءً بالشعوب والقبائل، وأمّا فی الجوهر الإنسانی فـ«لا فضل لعربیّ على أعجمیّ، ولا لأبیض على أسود؛ إلا بالتقوى»[25]، یقول تعالى: {وَمِنْ آیَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِکُمْ وَأَلْوَانِکُمْ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِّلْعَالِمِینَ}[26].
2. الـتأصیل القرآنیّ للوحدة:
إنّ مبدأ الوحدة فی الرؤیة القرآنیة لیس مجرّد فکرة نظریّة أو فلسفة مثالیّة؛ وإنّما هو متجذّر اجتماعیًّا فی وحدة الجنس البشریّ، وروحیًّا فی وحدة الدِّین ورسالته؛ من حیث مصدرها وغایتها معًا؛ وبیان ذلک من خلال النقاط التالیة:
أ. تأکید القرآن الکریم على وحدة الجنس البشریّ؛ فقد قرّر القرآن وحدة الجنس والنسب للبشر جمیعًا، فالناس لآدم (ع)، وإنّ حکمة التقسیم إلى شعوب وقبائل؛ إنّما هی التعارف لا التخالف، والتعاون لا التخاذل، والتفاضل بالتقوى والأعمال الصالحة التی تعود بالخیر على المجموع والأفراد: {یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُمْ مِنْ ذَکَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاکُمْ إِنَّ اللهَ عَلِیمٌ خَبِیرٌ}[27].
ب. تأکید القرآن الکریم على وحدة الأدیان السماویّة، فالأدیان دین واحد من ناحیة المصدر والغایة. ولذا، رسمت الآیات القرآنیة وحدة "الدِّین" فی أصوله العامّة بشکل لا یقبل اللبس، وعدّت الفرقة فی الدِّین والخصومة باسمه إثمًا یتنافى مع أصوله وقواعده، ویتناقض مع غایته ومقاصده: {شَرَعَ لَکُمْ مِنَ الدِّین مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِی أَوْحَیْنَا إِلَیْکَ وَمَا وَصَّیْنَا بِهِ إِبْرَاهِیمَ وَمُوسَى وَعِیسَى أَنْ أَقِیمُوا الدِّین وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِیهِ}[28].
ج. رسمت الآیات القرآنیّة مسارًا دقیقًا فی تعامل المسلمین مع غیرهم هو الأصل فی أیّ علاقة مع غیر المسلم ما لم یکنْ کافرًا حربیًّا، فیُعتبر خارجًا عن دائرة العلاقات البشریّة المبنیة على أساس الإنسانیّة؛ کما أسلفنا. وهذه المسارات هی التالیة:
- المسار الأوّل: وهو یقوم على أساس المصلحة الاجتماعیّة والخیر الإنسانیّ بین المسلمین وغیرهم من أهل العقائد والأدیان. یقول تعالى: {لاَ یَنْهَاکُمُ اللهُ عَنِ الَّذِینَ لَمْ یُقَاتِلُوکُمْ فِی الدِّین وَلَمْ یُخْرِجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَیْهِمْ إِنَّ اللهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ*إِنَّمَا یَنْهَاکُمُ اللهُ عَنِ الَّذِینَ قَاتَلُوکُمْ فِی الدِّین وَأَخْرَجُوکُمْ مِنْ دِیَارِکُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِکُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ یَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[29].
- المسار الثانی: تأصیل ثقافة الحوار أو الجدال بالتی هی أحسن مع الآخر، ولیس ثقافة العدوان. قال تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أهل الْکِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِی أُنْزِلَ إِلَیْنَا وَأُنْزِلَ إِلَیْکُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُکُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}[30].
د. إنّ مقتضى هذه الرؤیة الوحدویّة القرآنیّة هی أصالة السلم والسلام فی نشر الدعوة الإسلامیّة فی جمیع أقطار الدنیا، فالنبیّ ما بُعِثَ إلا رحمة للعالمین: {وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِینَ}[31]. وأیّ تفرقة تُصیب المجتمعات الإنسانیّة، وبالأخصّ الإسلامیّة، هی خروج عن أصالة السلام والرحمة اللذین هما أساس بنیة الدعوة الإسلامیّة.
3. مفهوم الوحدة فی القرآن:
إنّ مفاهیم الوحدة والاتّحاد وغیرهما تقع فی قِبَال غیرها من المفاهیم؛ کالتکثُّر، والتشتُّت، والاختلاف، والتفرقة، ونظائرها. ومن الناحیة الفلسفیّة: الوحدة فی مقابل الکثرة.
وأیّ عمل أو تنظیر فکریّ وثقافیّ، أو أیّ حراک اجتماعیّ یتّجه باتّجاه الإقصاء أو التخفیف من حدّة التکثُّر والتشرذم والتشتُّت وما شابه ذلک، فهو یتّجه باتّجاه الوحدة إلى أنْ یصل إلى وحدة واتّحاد حقیقیّین.
والمنطلق الأساس لفهم معنى الوحدة هو قول الله -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْکُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَکُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَکُمْ مِنْهَا کَذَلِکَ یُبَیِّنُ اللَّهُ لَکُمْ آَیَاتِهِ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ}[32].
ومفهوم الوحدة فی هذه الآیة له جانبان: إیجابیّ؛ وهو الأمر بالاعتصام بحبل الله -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا}، وسلبیّ؛ وهو: النهی عن التفرُّق: {وَلَا تَفَرَّقُوا}.
والأسلوب التربویّ المعتمد فی الآیة هو أسلوب التذکیر بالنعم والنعمة الإلهیّة الکبرى؛ وهی الوحدة والاتّحاد بین أبناء المجتمع التی حصلت بعد الإسلام وبعثة النبی (ص)، وإنّ تَرْک ذلک سیؤدّی بشکل طبیعیّ ضمن السنن الکونیّة الإلهیّة للرجوع إلى المجتمع الجاهلیّ، حیث قال تعالى: {وَاذْکُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}.
ولهذا الأسلوب آثار إیجابیّة جمّة، فعندما یذکر الإنسان النعم الإلهیّة یُصبح شکورًا حامدًا للّه -تعالى-، وتزداد محبّته به. ولهذا الأسلوب -أیضًا- آثار إیجابیّة عدّة؛ مثل: العبادة، والتقوى، واتّباع الصراط المستقیم، والأمل، والفلاح، والأمان من العذاب.
یقول العلامة الطباطبائی (قده) بصدد تفسیره لهذه الآیة: "هذه الآیة تتعرّض لحکم الجماعة المجتمعة؛ والدلیل علیه قوله: {جمیعًا}، وقوله: {ولا تفرّقوا}، فالآیات تأمر المجتمع الإسلامیّ بالاعتصام بالکتاب والسنّة؛ کما تأمر الفرد بذلک"[33].
ویقول الإمام الخمینی (قده): "لقد أمر الله -تبارک وتعالى- بالاجتماع والاعتصام بحبل الله: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا}. أمر بالاجتماع والتمسُّک بحبل الله؛ إذ لیس کلّ اجتماع مطلوبًا؛ بل الاعتصام بحبل الله هو المطلوب، والأمر ذاته بالنسبة إلى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّکَ}. اسم الربّ هو هذا الحبل الذی یجب على الجمیع أن یعتصموا به، ادعوا الناس إلى الوحدة، ادعوهم لئلّا یتشتّتوا فئات وجماعات[34].
فالذی یُشکِّل حقیقة الوحدة والاتّحاد وماهیّتهما؛ إنّما هی "العبودیة" تجاه "ربوبیّة" الحقّ المتعالی و"ألوهیّته"، و"الاعتصام بحبل الله" یُفید هذا المعنى. وإنّ ما یُستنبط من الآیة الکریمة ثلاث نکات رئیسة؛ هی:
- (جمیعًا) التی تُشیر إلى الإرادة الجماعیّة والاجتماع.
- (واعتصموا بحبل الله)؛ وهو الاعتصام بالحبل الإلهیّ فی حالة الاجتماع، ومثل هذا یوضّح محور الوحدة وبنیانها وماهیّتها؛ وهو المجتمع.
- (ولا تفرّقوا)؛ وتعنی النهی عن التفرقة والتباعد. فمع وجود الاعتصام بحبل الله -تعالى- تنتفی فی الحقیقة التفرقة والتشتُّت؛ لأنّ طیّ طریق الحقّ ینبغی أن یکون بصورة جماعیّة وشاملة، وبمعزل عن الاختلاف والفرقة.
وقد یتصوّر أحد أنّ الوحدة فی اتّفاق المسلمین فی جمیع شؤونهم العقدیّة والعبادیّة، وفی جمیع العادات والتقالید… أی أنْ ینضوی المسلمون فی مشارق الأرض ومغاربها تحت لواء حکومة واحدة، وقانون واحد، وسیاسة واحدة، ونظام سیاسیّ واقتصادیّ واحد، أو فی انصهار القومیّات والعناصر والشعوب فی مجموعة بشریّة واحدة خالیة من هذه الاختلافات کلّها. مثل هذه التصوّرات الخیالیّة تجعل مفهوم الوحدة مستحیلًا؛ لأنّه یتعارض مع سنن اللّه -تعالى- والفطرة والطبیعة البشریّة.
ولننظر فی تحدید الإسلام للوحدة ومراده منها، لا بدّ من تحرّی ثلاثة مجالات؛ هی:
- الاسم الذی أطلقه الإسلام على المجموعة الإسلامیّة الموحَّدة.
- ما ذکره الإسلام من صفات وواجبات لهذه المجموعة.
- أهداف هذه المجموعة ومقاصدها.
وتتّضح هذه الأمور الثلاثة فی ما یلی، حیث یطلق القرآن الکریم على هذه المجموعةِ البشریّةِ المقصودةِ اسمَ المؤمنین أو المسلمین؛ لما یتحلّى به أفراد هذه المجموعة من إیمان وإسلام. وهذه التسمیة تُقابل المجموعات البشریّة الأخرى؛ من الیهود، والنصارى، والمجوس، والصابئین، أو المشرکین.
وثَـمَّة لفظ آخر یُطلقه القرآن هو "الأمّة"، ویظهر أنّه أکثر تبیینًا لمفهوم الوحدة بین الجماعة الإسلامیّة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاعْبُدُونِ}[35]، {وَکَذَلِکَ جَعَلْنَاکُمْ أُمَّةً وَسَطًا}[36]، {وَلِکُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ}[37]، {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِی کُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا}[38]. فهذه الآیات الکریمات وأمثالها تُطلق على أتباع کلّ دین إلهیّ اسم "الأمّة"، فما الذی تنطوی علیه هذه الکلمة من معان؟
الأمّة من "أمم" وتتضمّن معانی الاقتداء والاتّباع، والقصد والهدف، والقیادة والزعامة، وفی القرآن بمعنى المجموعة البشریّة المنضویة تحت لواء دین واحد، وعلى هذا المعنى فُسّرت الآیة الکریمة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ کما وردت بمعنى المقتدى والمحتذى؛ وعلیه فُسِّرت الآیة: {إِنَّ إِبْرَاهِیمَ کَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِیفًا}.
وانطلاقًا من المعانی اللغویّة لکلمة "أمّة" واستعمالها فی القرآن الکریم، نفهم أنّ "الأمّة" جماعة بشریّة ذات مسلک واحد وطریقة واحدة وهدف واحد وقیادة واحدة. إنّها تتضمّن مفهوم الحرکة تجاه قبلة واحدة وجهة واحدة. ومثل هذه المجموعة، بهذه الخصائص، لا بدّ من أن تتوافر فیها مشترکات أخلاقیّة وروحیّة وثقافیّة[39].
ثالثًا: أصالة الوحدة فی التشریع الإسلامیّ:
إنّ الوحدة لیست تنظیرًا سیاسیًّا، أو عملًا مجاملیًّا أو آنیًّا ینطلق من انفعالات محدّدة، بل هی من صمیم رؤیة الإسلام بجمیع تشریعاته ونظمه، وهی جزء أصیل من مشروع الإسلام وحاکمیّته فی الأرض؛ حیث إنّه دین التوحید والوحدة.
وقد أکد الإمام موسى الصدر فی کثیرٍ من خطاباته أنّ الطائفیّة مؤدّیة إلى التشتُّت والتشرذم، وأنّ التشیُّع لیس معزولًا عن حرکة الأمّة الإسلامیّة، بل هو فی صمیمها وفی طلیعتها وصفوتها التی تدافع عن مقدّسات الإسلام ومصالح المسلمین، حیث یقول: "وبذلک نتمکّن أن نعتبر التشیُّع لعلیّ (ع) فی ینابیعه هو رؤیة الطلیعة المناضلة وسلوک الروّاد؛ وبتعبیر آخر: إنّه محاولة الاحتفاظ بالإسلام بوصفه حرکة، لا مؤسّسة ذات مصالح ومنافع ذاتیّة. وقد برز بعد وفاة الرسول (ص) موقف محدّد من علیّ (ع) وشیعته؛ وهو أنّهم أصرّوا على ضرورة تعیین خلیفة الرسول (ص) بالنصّ الدِّینیّ، لا بالاختیار والتعیین، واعتبروا أنّ هذه المهمّة، وهی بناء المجتمع الجدید على ضوء القیم والمفاهیم الإسلامیّة، والذی بدأ ببنائه الرسول (ص) نفسه، هذه المهمّة تبلغ من الدقّة درجة لا یمکن تفویضها إلى الناس؛ وهم فی بدایة إسلامهم؛ ذلک لأنّ تطبیق المبادئ للمرّة الأولى بصورة تسمو على المصالح الذاتیّة وعلى الآراء المختلفة، هو مسألة بالغة الخطورة والتأثیر على واقع الإسلام وعلى التاریخ... وعلى الرغم من هذا الموقف الأساس، فقد لاحظ علیٌّ (ع) وشیعته بعد الإعلان عن موقفهم، لاحظوا خطورة الوضع وحداثة عهد الناس بالإسلام، وإمکانیّة انفجار المجتمع الجدید، فوقفوا مع الخلفاء مؤیّدین، ناصحین، مدافعین عن النظام، وأمدّوا الأمّة بما کان عندهم من روایات نبویّة واجتهادات ومواقف، وکانوا فی صمیم المجتمع الإسلامیّ غیر منفصلین ولا متربّصین ولا شامتین، حتّى أصبح القول المأثور عن أحد الخلفاء الراشدین: لا أبقانی الله لمعضلة لیس فیها أبو الحسن؛ أصبح مثلًا. واستمرّ الأئمّة من آل البیت (عله) فی هذا الخطّ، یصونون الإسلام بمواقفهم، التی کانت تتنوّع حسب مواقف الخلفاء وحسب استجابة الأمّة... ومهما فعلوا بنا، بقینا نحن الشیعة فی خدمة المسلمین جمیعًا، لسنا فئویین؛ فنحن طلیعة المسلمین، نموت لأجل الجمیع، لا لأجلنا نحن. هذا هو السلوک التاریخیّ للشیعة، هکذا أنا أفهم التشیُّع، أمّا مذهب لهذا أو فئة لهذا لها مصالح وتنظیمات خاصّة، فلیس هناک شیء من هذا. من الطبیعی أن یکون هناک مواقف وآراء تختلف عن هذا الخطّ العامّ، ولاسیّما بعد القرن العاشر الهجریّ، عصر الانحطاط. کثیرٌ من الکتب والخطب والمواقف والعادات عند الشیعة کان فی مقام ردّ فعل، والردّ العاطفیّ على الاضطهاد العنیف الذی کان یمارس ضدّهم"[40].
إنّ الوحدة الإسلامیة تعتبر قاعدة من قواعد التشریع الإسلامیّ؛ وبالأخصّ فی الفکر المقاصدیّ للشریعة، ومن أوائل هذه القواعد: قاعدة مقصد تحقیق الوحدة الإسلامیّة، فأوّل مقصد من مقاصد الأحکام السلطانیّة توخّی تحقیق الوحدة الإسلامیّة؛ فهی مقصد من المقاصد الکبرى على مستوى الأمّة فی التشریع الإسلامیِّ، ولا شکَّ فی أنَّ هذا المفهوم مقتبس من توحید الله عزّ وجلّ، وأنَّ هذه الأمَّة أمَّة توحید واتّحاد: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاعْبُدُونِ}، {وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاتَّقُونِ}، ففلسفة المقاصد تنطوی على أحکام تتناسب وتحقیق مقصود الشارع من خلقهم إخوة متعاونین متحابّین.
وعلى الرغم من أهمّیّة مقصد الوحدة؛ فقد ظلّ غائبًا عن منظومة الأحکام السلطانیّة؛ إذ لا یوجد فی حدود المراجع المستقرأة من القدامى أو المعاصرین مَنْ نبّه صراحة إلى مقصد الشریعة فی أنْ تتحوّل الدولة أو الأمّة الإسلامیّة إلى قوّة عظمى؛ مثلما فعل المفکّر الطاهر ابن عاشور، حیث عقد فصلًا خاصًّا فی کتابه "مقاصد الشریعة" عنونه بـ "مقصد الشریعة من نظام الأمّة أنْ تکون قویّة مرهوبة الجانب مطمئنّة البال"[41]؛ وقد عبّر عن ذلک فی موضع آخر بـ "انتظام أمر الأمّة، وجلب الصالح إلیها، ودفع الضرّ والفساد عنها"؛ إشارة إلى دور الانفعال المتبادل فی ما بین مختلف مکوّنات الأمّة؛ لجلب الصالح العامّ، وإحقاق الشهود الحضاریّ على العالمین. ولذلک، نجد الطاهر بن عاشور یدعو فی مقاصده إلى ضرورة رعایة مقصد الشریعة من نظام الأمّة ووحدتها، وفی هذا یقول: "إنّنا بحاجة إلى علماء أهل نظر سدید فی فقه الشریعة، وتمکُّن من معرفة مقاصدها، وخبرة بمواضع الحاجة فی الأمّة، ومقدرة على إمدادها بالمعالجة الشرعیّة؛ لاستبقاء عظمتها، واسترفاء خروقها، ووضع الهناء بمواضع النقب من أدیمها"[42].
ولا یخفى أنّ التنظیر لهذه القاعدة فی الکتب الفقهیّة للسنّة والشیعة لم یأخذ حقّه، وما زال بحاجة إلى کثیر من البحث والتحقیق، ولکنْ کان من المفید الإشارة إلى أهمّیّة هذه القاعدة، على أنّ أبحاث الفقه المقاصدیّ فی کتب علماء الإمامیّة غیر مطروحة بالشکل المطلوب، وهذا له أسباب منهجیّة لا مجال لذکرها فی هذه المقالة.
رابعًا: مشروع الوحدة الإسلامیّة:
قال تعالى: {وَأَطِیعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِیحُکُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِینَ}[43].
فالتنازع یوجب تبدید القوى المعنویّة؛ مضافًا إلى تبدیده وإضاعته للقوى المادیّة، وذهابه بالدولة والحکم. وقد شُبّهت الدولة بالریح فی الآیة؛ لأنّها تُشبهها بلحاظ هبوبها وسیطرتها على الأشیاء ونفوذ أمرها[44].
إنّ الوحدة الإسلامیّة أمل الأمّة الإسلامیّة قاطبة، وهی المطمح الذی عمل من أجله روّاد نهضتها وقادة شعوبها والصفوة من علمائها ومفکّریها، وهی مصدر من مصادر القوّة للأمّة الإسلامیّة، والوسیلة الناجعة للتغلّب على عوامل الفرقة والتمزّق وعناصر الضعف والعجز، وهی فوق کلّ خلاف، وتعلو على کلّ نزاع.
ولذا ینبغی علینا تفعیل العمل؛ من أجل الوصول إلى مشروع حقیقیّ فی الوحدة الإسلامیّة، والالتفات إلى المخاطر التی تُحیط بهذا الموضوع الحسّاس والبالغ الأهمیة، وما هو جدیر بالانتباه إلیه فی هذا السیاق أنّ الغرب قد تنبّه إلى بشائر النهضة الإسلامیّة وملامح الحرکة الإسلامیّة بالمفهوم العامّ الشامل، ولیس بالمفهوم الضیّق المتداول فی مرحلتنا الحالیة قبل عقود من السنین؛ ولذلک تربّص الغرب بفکرة الوحدة الإسلامیّة، وسعى بکلّ الوسائل إلى تشویه مقاصدها، وتحریف مضامینها، وشنّ حملات التشهیر ضدّ المتبنّین لها الدّاعین إلیها والعاملین من أجلها[45].
إنّ مشروع الوحدة لا بدّ من أن یتحوّل إلى حرکة مؤسّساتیّة؛ کما فعل الشیخ الأکبر جعفر کاشف الغطاء، والإمام البروجردی، والإمام شرف الدِّین، وغیرهم من أعلام الأمّة؛ فقد شجّع السید البروجردی المبادرة الطیّبة التی قام بها الشیخ محمّد تقی القمی؛ بذهابه إلى مصر، والانفتاح على علماء الأزهر، وطرحه تأسیس دار للتقریب بین المذاهب الإسلامیّة. وکان من نتائج ذلک التواصل والحوار العلمیّ صدور فتوى شیخ جامع الأزهر الشیخ محمود شلتوت بجواز التعبُّد بمذهب أهل البیت (عله)؛ وأنّه أحد المذاهب الإسلامیّة.
کما قدّم السیّد البروجردی أکبر دعم مالی لدار التقریب بین المذاهب الإسلامیّة فی القاهرة ولنشاط مؤسّسها الشیخ محمد تقی القمّی. وبلغ من حرصه واهتمامه بهذا المشروع الوحدویّ أنّه عندما کان على فراش المرض الذی توفّی بسببه؛ قال لمن حوله: "قولوا للشیخ القمّی أن یوصل رسالتی للشیخ شلتوت، وأن یُصلح ما بین إیران ومصر؛ لأنّی أخشى أن تذهب الجهود لعدّة سنوات سدى"، وفی اللحظات الأخیرة من حیاته کان یسأل: "هل ذهب الشیخ القمّی إلى مصر أم لا؟ لماذا تأخّر؟"[46].
ویقول الشیخ محمد مهدی الآصفی واصفًا مشروع الوحدة الإسلامیّة: "الوحدة الإسلامیّة مشروعنا الثقافیّ والسیاسیّ والاقتصادیّ الحاضر والمستقبلیّ. وهذا المشروع الإسلامیّ العالمیّ هو المشروع المؤهَّل لمواجهة التحدّیات الحضاریّة والسیاسیّة والاقتصادیّة الکبیرة التی یواجهها العالم الإسلامیّ الیوم.
وهو فی الوقت نفسه یحمل فی المقابل مشروعًا للتحدّی على مستوى العالم… فهو مشروع مزدوج للتحدّی ومواجهة التحدّی، غیر أنّ مشروع التحدّی الإسلامیّ یحمل للبشریّة خیرًا کثیرًا؛ بعکس المشاریع الغربیّة فی تحدّی العالم الإسلامیّ الذی یحمل للمسلمین خرابًا وفسادًا حضاریًّا وثقافیًّا، وتبعیّة سیاسیّة واقتصادیّة.
وهذا المشروع یحتاج إلى دراسةٍ کثیرةٍ وتخطیطٍ شاملٍ من قِبَل المفکّرین والعلماء والمثقّفین الإسلامیّین، ولیس خطابًا إنشائیًّا وشعارًا؛ وإنّما هو مشروع عمل ثقافیّ، وسیاسیّ، وفقهیّ، واقتصادیّ، واجتماعیّ، وأخلاقیّ.
وینقل الشیخ الآصفی حدیثًا عن رسول الله (ص)؛ مبیّنًا القیمة العظمى للجماعة والوحدة. قال (ص): "ید الله على الجماعة، والشیطان مع مَنْ خالف الجماعة یرکض"[47].
وفی السیاق نفسه یقول أمیر المؤمنین الإمام علی (ع): "فَإِنَّ یَدَ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ. وإِیَّاکُمْ والْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّیْطَانِ، کَمَا إنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ. أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ[48] فَاقْتُلُوهُ، ولَوْ کَانَ تَحْتَ عِمَامَتِی هَذِهِ..."[49].
خامسًا: عناصر الوحدة الإسلامیّة:
إنّ العناصر التی توحِّد دون أن تتعارض مع الأصول الطبیعیّة والاجتماعیّة ومع السنن الإلهیّة الحاکمة فی المجتمعات البشریّة هی:
1. وحدة العقیدة:
لا بدّ للأمّة الواحدة من أنْ یکون لها أصولٌ اعتقادیّة واحدة، وهذه الأصول لدى الأمّة الإسلامیّة -بإجماع جمیع علماء المذاهب- هی: التوحید، والنبوّة، والمعاد. وإنکار واحد من هذه الأصول، أو عدم الإیمان به، یُخرج الفرد من دائرة الإسلام؛ بإجماع العلماء، وبنصّ القرآن والسنّة. وإذا کان ثمّة أصول أخرى فهی أصولٌ للمذهب، لا أصول للدِّین؛ کالإمامة لدى الشیعة، والعدل لدى الشیعة والمعتزلة. والاعتقاد بهذه الأصول الثلاثة -إذًا- کافٍ لإیجاد وحدة عقدیّة بین أبناء الأمّة الإسلامیّة.
2. وحدة العمل والاتّباع:
تقدّم أنّ کلمة "الأمّة" تنطوی على معنى الاتّباع؛ والاتّباع یکون فی الأصول والفروع. وقد بیّنّا المقدار الضروریّ من الإیمان بالأصول؛ ممّا یستلزمه الإسلام والوحدة الإسلامیّة. وهنا نذکر -أیضًا- لزوم اتّباع المنهج الإسلامیّ فی الفروع؛ بمقدار ما اتّفقت علیه جمیع المذاهب الإسلامیّة، وفرضه الکتاب، وأوجبته السنّة؛ بوضوح ودون أیّ إبهام.
ولا یوجد مذهب من المذاهب الإسلامیّة المعروفة یُنکر الصلاة، والصوم، والزکاة، والحجّ، والجهاد. ولو أنکر فرد وجوب واحد من هذه الأعمال صراحة (لا بالملازمة)؛ فإنّه یَخرج من رِبْقة الإسلام.
3. وحدة القیادة:
إنّ کلمة "أمّة" تتضمّن معنى القیادة، والاتّباع الذی تحدّثنا عنه یستلزم القیادة. وللقیادة فی الإسلام مصداقان؛ أحدهما: صامت وخالد، والآخر: حیٌّ ومتغیّر.
والقیادة الصامتة هی بإجماع المسلمین: کتاب اللّه، وسنّة رسوله، ولا یوجد بین المذاهب الإسلامیّة من یُنکر قیادتهما، وهما دعامتان هامّتان لوحدة المسلمین، والاختلاف فیهما له مجالان:
- الأوّل: اختلاف المجتهدین فی منطوق الکتاب والسنّة ومفهومهما، وفی شروط حجیّتهما وحدودها، وأمثال ذلک من البحوث المطروحة فی المذاهب الکلامیّة والفقهیّة. وهذا الاختلاف لا یتعارض مع أصل اتّفاق المسلمین على حجّیّة الکتاب والسنّة.
- الثانی: الاختلاف فی الصدور؛ ویرتبط بالسنّة فقط؛ لأنّ صدور جمیع الأحادیث المرویة غیر قطعیّ، ورُبَّ روایة صحّت فی نظر عالم، لم تصحّ فی رأی عالم آخر. ولا یصدق ذلک على الکتاب؛ لتواتر جمیع ألفاظه وآیاته. والاختلاف بین السنّة والشیعة فی سنّة رسول اللّه (ص) إنّما هو اختلاف فی المقدّمة الصغرى، لا الکبرى -على حدّ تعبیر المنطقیّین-، فالفریقان متّفقان على حجّیّة السنّة؛ وأنّها واجبة الاتّباع؛ کالقرآن. والاختلاف فی أنّ هذا القول من السنّة أم لا؟
وأمّا القیادة الحیّة المتحرّکة، فتتمثّل أوّل ما تتمثّل فی شخص القائد الأوّل رسول اللّه (ص)؛ الذی مضافًا إلى إمامته الدِّینیة، هو قائد المجتمع الإسلامیّ وزعیمه السیاسیّ.
4. وحدة الهدف:
إنّ مفهوم الأمّة یتضمّن الحرکة نحو هدف واحد. ووحدة الهدف مثل وحدة العقیدة، ووحدة العمل، ووحدة القیادة؛ تُشکِّل أصلًا إسلامیًّا هامًّا، غیر أنّها وردت فی النصوص الإسلامیّة بلُغة التوجیهات الأخلاقیّة، ولُغة الحثّ على اکتساب المکارم والفضائل، لکنّها لُغة فیها تأکید على أهمّیّة الهدف، وعلى عدم افتراق الهدف عن المسؤولیّة المشترکة. یقول سبحانه: {کُنْتُمْ خَیْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[50]، فامتیاز هذه الأمّة وأهمّ خصائصها: مسؤولیّة الدعوة والإیمان باللّه، ولأهمّیّة هذه المسؤولیّة قدّمها على الإیمان باللّه سبحانه.
ویُمکن تلخیص أهداف الإسلام والمسؤولیّات المشترکة التی یحملها المسلمون لبلوغ هذه الأهداف فی ما یلی:
- الفلاح والفوز فی الدارین، وکسب رضا اللّه سبحانه؛ فعبارة: {لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ}[51] تتکرّر فی القرآن بعد کثیرٍ من الأوامر والتعالیم.
- استتباب حاکمیة الدِّین فی الأرض: {وَیَکُونَ الدِّین لِلَّهِ}[52]، {لِیُظْهِرَهُ عَلَى الدِّین کُلِّهِ}[53].
- استتباب حاکمیّة عباد اللّه الصالحین فی الأرض: {وَلَقَدْ کَتَبْنَا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّکْرِ أَنَّ الْأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ الصَّالِحُونَ}[54].
- السعی إلى إشاعة الخیر والمعروف، وإزالة المنکر والشرّ والفساد. وآیات الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر کثیرة تنحو هذا الاتّجاه.
- إنقاذ المستضعفین والمحرومین: {وَمَا لَکُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِی سَبِیلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِینَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ}[55].
- إزالة الفتنة من الأرض: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّین لِلَّهِ}.
- تنمیة الإحساس بالمسؤولیّة المشترکة الإسلامیّة، والاهتمام بأمر المسلمین، والمواساة بینهم، واتّحادهم مقابل الأعداء: "من أصبح ولم یهتمّ بأمور المسلمین فلیس بمسلم"، "المسلم من سلم المسلمون من یده ولسانه"، "… وهم ید واحدة على من سواهم"… وأمثالها من الروایات المشهورة التی تخلق هذه المشاعر الإنسانیة.
- إحلال روح الأخوّة الإسلامیة بین المسلمین، حتى إنّ الفرد المسلم یتمنّى لغیره ما یتمنّاه لنفسه، وإنّ المؤمنین بمنزلة نفسٍ واحدة.
5. الوحدة فی الخصال ومکارم الأخلاق:
من الطبیعی أنّ المجموعة البشریّة المشترکة فی عقائدها وأعمالها وأهدافها وقیادتها تشترک -أیضًا- فی الخصال والملکات النفسیّة. وکثیرٌ من النصوص تُبیّن هذه الوحدة الأخلاقیّة والاشتراک الروحیّ بین المسلمین، حین تتحدّث هذه النصوص عن صفات المؤمنین؛ مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، وعفّة البطن والفرج، وأمثالها. ولا یمکن أن نتوقّع بلوغ المسلمین جمیعًا مستوًى واحدًا فی هذه الخصال؛ کما إنّهم لا یرتفعون إلى مستوى واحد من العقیدة، ولکنْ ثمّة طابعٍ مشترکٍ ینبغی أنْ یسود جمیع أفراد المسلمین فی هذا الإطار.
6. عنصر الوحدة الثقافیّة:
إنّ الاشتراک فی العناصر السابقة المذکورة یستتبع اشتراکًا فی ثقافةٍ تُوحِّد بین أبناء العالم الإسلامیّ، فلو نظرنا إلى البلدان الإسلامیة لرأینا -على الرغم من اختلاف تقالیدها ولغاتها وعاداتها، والهجوم الثقافیّ الغربیّ على ربوعها- سیادة ثقافة مشترکة بین أبنائها.
وهذه الثقافة المشترکة تُشکِّل أکبر رصید للتفاهم، والتلاحم، والتعاضد، والإحساس بالأخوّة والانتماء الواحد. ومن هنا، یسعى أعداء الأمّة إلى إزالة هذا المُشترک الهامّ بین المسلمین عن طریق المسخ والغزو. وفی الروایات الإسلامیة حثٌّ على عدم تقلید الکفّار فی الزیّ ومظاهر المعیشة: "من تشبّه بقوم فهو منهم"، من أجل بقاء طابع الثقافة الإسلامیة سائدًا بین المسلمین[56].
سادسًا: کیفیّة تحقُّق مشروع الوحدة:
یقول الشیخ محمد مهدی الآصفیّ إنّ الوحدة هی عبارة عن "أصل"، و"فقه"، و"أخلاق" و"آلیّات علمیّة وعملیّة"، وما لم تجتمع هذه النقاط جمیعًا فإنّ هذا المشروع لن یستطیع أن یُحقّق أهدافه الکبیرة على وجه الأرض. وهی على الشکل التالی:
1. تأصیل الوحدة:
الوحدة، فی الإسلام، وفی المجتمع الإسلامیّ، هی "أصل"؛ ومعنى الأصل أنّه أساس ومعیار علمیّ وعملیّ للتعامل مع مواضع الاختلاف العلمیّ والفکریّ والسیاسیّ والاقتصادیّ؛ فکلّما واجهنا فی حیاتنا العملیّة أو السیاسیّة أو الاقتصادیّة موضعًا من مواضع الخلاف… کانت الوحدة أصلًا ومنهجًا فی التعامل مع نقاط الخلاف… ولا یعنی ذلک إلغاء الخلاف والرأی والاجتهاد المخالف، فذلک أمرٌ غیر ممکن وغیر صحیح… ولکنْ، لا بدّ من التعامل مع نقاط الخلاف العلمیّ والعملیّ والسیاسیّ بین المسلمین بمنهجیّة علمیّة وعملیّة… والوحدة هی هذه المنهجیّة العلمیّة والعملیّة للتعامل مع مواضع الخلاف بین المسلمین.
2. فقه الوحدة:
للوحدة فقه وقانون، وهذا الفقه نابع من ذاک الأصل، وفقه الوحدة هو تنظیم فقهیّ لأمر التعایش الفقهیّ بین المسلمین، والتعایش الفقهیّ من ضرورات الحیاة الاجتماعیّة، حیث إنّ المجتمعات الإسلامیّة تجمع بین مذاهب فقهیّة مختلفة فی العبادات، والأحوال الشخصیّة والمدنیّة، والقضاء، والعقود، وهی لا تجتمع على فقهٍ واحد، وفی فقه أهل البیت أحکام خاصّة بـ "التعایش الفقهیّ"؛ ومن هذه القواعد:
- قاعدة الإلزام والالتزام[57].
- قاعدة الحصانة والحرمة[58].
3. أخلاقیّة الوحدة[59]:
للوحدة أخلاق؛ کما إنّ للتفرقة والخلاف أخلاقًا أخرى. ومن أخلاق الوحدة: "الألفة"، "الرفق"، "المداراة"، "العفو"، "المسامحة"، "اتّباع الحقّ"، و"التجرّد من العصبیّة". ومن أخلاق الاختلاف والفرقة: "الحسد"، و"المشاکسة"، و"اللجاج"، و"العناد"، و"الغضب".
ومن أخلاق الوحدة: "التجرّد والتحرّر من العصبیّة والالتزام بالحقّ"، کما إنّ من أخلاق الخلاف والفرقة: "العصبیة". ومن أخلاق الفرقة: "البطش" و"سوء المعاشرة". ومن أخلاق الوحدة: "الألفة والرفق".
وللوحدة أخلاق خاصّة تُحضِّر الجوّ الأخلاقیّ للتعایش والتفاهم بین المسلمین. وللتعایش بین المسلمین أعراف وأصول أخلاقیّة لا بدّ منها، ولا یتحقّق من دونها. فلا یمکن الانفتاح، والتعاون، والتعامل، والتعایش المشترک بین المسلمین من دون هذه الأخلاق، کما لا یمکن أن یُحقِّق المسلمون الغایات والأهداف الکبیرة لهذا الدِّین على وجه الأرض، ولا یُمکنهم مواجهة التحدّیات الکبیرة السیاسیّة والثقافیّة والاقتصادیّة؛ ما لم یتمکّنوا من أن یُحقِّقوا هذا الجوّ الذی لا بدّ منه من التعایش، والانفتاح، والتعامل المشترک، والتفاهم، والتعاون.
4. آلیّات الوحدة:
الوحدة لیست مجرّد شعار وخطاب؛ وإنّما هی مشروع عمل فقهیّ وسیاسیّ واجتماعیّ، وهو مشروع واسع وکبیر، یحتاج إلى تظافر العقول والجهود. ولهذا المشروع آلیّات علمیّة وعملیّة، ولا تتحقّق الوحدة من دون توفیر هذه الآلیّات العلمیّة والعملیّة فی أجواء التعایش الإسلامیّ. وبیان ذلک فی ما یلی:
أ . الآلیّات العلمیّة:
- البحث عن المساحات العلمیّة المشترکة بین المسلمین فی الأصول والفروع والثقافة العامّة ومصادر التشریع، وهی مساحات واسعة فی العقائد، والفقه، والتفسیر، وعلوم القرآن، وآیات الأحکام، والحدیث، والجرح والتعدیل، وأصول الفقه، وبسط الکلام فی ما اتّفق فیه الفریقان الکبیران من المسلمین الشیعة والسنّة[60].
- تسلیط الأضواء العلمیّة على مواضع الخلاف بین المذاهب الإسلامیّة، فلا یصحّ تسطیح الخلاف بین المذاهب الإسلامیّة، ولا تعمیق الخلاف بینها؛ فکلٌّ منهما خطأ، والصحیح هو تسلیط الأضواء العلمیّة على مواضع الخلاف بین المسلمین فی الأصول والفروع بشکل موضوعیّ وعلمیّ وهادئ.
- التلاقی العلمیّ بین علماء المسلمین من المذاهب الإسلامیّة المختلفة، فقد کان بین فقهاء المسلمین وعلمائهم فی السابق تلاقٍ علمیّ واسع فی مواضع الخلاف الفکریّ والفقهیّ والأصولیّ والعقدیّ، حیث کان یحضر فقهاء من أهل السنة عند أئمّة الشیعة وعلمائهم، وبالعکس کان یحضر علماء من الشیعة عند فقهاء وعلماء من أهل السنّة.
ب. الآلیّات العملیّة:
- الطاعة: فالله -تعالى- الذی دعانا إلى توحید الأمّة المسلمة بقوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاعْبُدُونِ}، جعل "الطاعة" الأداة المفضّلة والأقوى لتحقیق هذه الوحدة، حیث یقول تعالى: {وَأَطِیعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِیحُکُمْ}، فالانفلات عن الطاعة یؤدّی إلى الخلاف والتنازع بالتأکید. وعلیه، فإنّ الطاعة هی التی تحفظ تماسک الأمّة والموقف والکلمة… وهذه هی المعادلة الأولى: {وَأَطِیعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ}، والمعادلة الثانیة: أنّ التنازع یؤدّی إلى تشتُّت الأمّة والکلمة والموقف، وهو یؤدّی إلى إفشال الموقف والقرار: {تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ}.
وقد أمر الله -تعالى- بطاعة رسوله (ص) وأولیاء الأمور (عله) من بعد رسوله (ص)؛ جیلًا من بعد جیل، من دون أن ینقطع حبل الولایة والطاعة من المجتمع: {أَطِیعُواْ اللّهَ وَأَطِیعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِی الأَمْرِ}.
- المطاوعة: وحیث لا یمکن الوصول إلى حدٍّ مقبول من التفاهم لتسییر أمور المسلمین… لا بدّ من أن یلجأ المؤمنون عندئذ إلى "المطاوعة" عند فشل التفاهم إذا کان ضرر المخالفة أبلغ وأقوى على هذه الأمّة من مطاوعة الرأی الآخر، وحتّى مع الإیمان بخطإ الرأی الآخر وبطلانه، وهذه أشقّ مراحل العمل للمحافظة على وحدة صفّ المسلمین، والمحافظة على الکیان السیاسیّ الإسلامیّ العامّ.
ویخفى على کثیر تفسیر التقیّة ووجهها، فیتصوّرون أنّ صاحب التقیّة یُمارس وجهین فی خیاراته؛ وجهًا یؤمن به، ووجهًا آخر یتظاهر به، ولیس الأمر کذلک؛ بل التقیّة مطاوعة فی السلوک السیاسیّ، والعبادیّ، والعقدیّ؛ لإبراز الوجه الواحد للأمّة الإسلامیّة فی السلوک العبادیّ والسیاسیّ (فی قاعدة التقیة)، وللإعلان عن قبول التعدُّدیّة فی المذهب الفقهیّ، وتقنین التعایش الفقهیّ فی ما بین المذاهب الإسلامیّة (قاعدة الإلزام والالتزام). ویدلّ على ذلک أنّ مشروعیة التقیّة لا تقتصر على حالة الخوف والاضطرار… بل تشمل حالات المداراة العبادیّة والسیاسیّة.
- التعاون على البرّ والتقوى:
وفاقًا والتزامًا بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[61].
- التناصر بین المسلمین:
وهو من شروط الولاء، ومن وجب ولاؤه من المسلمین تجب نصرته؛ کلّما احتاج إلى النصرة واستنصر المسلمین. یقول النبی (ص): "مَنْ أَصْبَحَ لَا یَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِینَ فَلَیْسَ بِمُسْلِمٍ"[62].
- ملازمة جماعة المسلمین:
عَنْ الإمام أَبِی عَبْدِ اللَّه (ع): "أَنَّ رَسُولَ اللَّه (ص) خَطَبَ النَّاسَ فِی مَسْجِدِ الْخَیْفِ فَقَالَ: نَضَّرَ اللَّه عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِی فَوَعَاهَا وحَفِظَهَا وبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ یَسْمَعْهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْه غَیْرِ فَقِیه، ورُبَّ حَامِلِ فِقْه إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَه مِنْه، ثَلَاثٌ لَا یُغِلُّ عَلَیْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّه والنَّصِیحَةُ لأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِینَ واللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِیطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ... الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ تَتَکَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ویَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ"[63]، فلزوم جماعة المسلمین وعدم مفارقتهم فی السرّاء والضرّاء یؤدّی إلى توحید الساحة الإسلامیّة بالضرورة[64].
خاتمة:
بناءً على ما تقدّم فی هذه المقالة، یمکن استخلاص جملة من النتائج والتوصیات؛ وفق التالی:
- یقوم أساس العلاقة الاجتماعیّة فی الإسلام على مبدأین أو رکیزتین؛ هما: المساواة والأخوّة.
- ینظر الإسلام إلى الآخر من منطلق الکرامة الإنسانیّة واعتبارها قیمة مطلقة یبنی علیها الإسلام رؤیته الثقافیّة والاجتماعیّة، ویجعلها القاعدة الأساس فی تشریعاته، فالآخر أیًّا کان، ولأیّ أمّة انتمى یشمله قول الله تعالى: {وَلَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِی آَدَمَ}.
- من خلال الـتأصیل للکرامة الإنسانیّة فی التشریع الإسلامیّ نستنتج أصالة احترام النفس الإنسانیّة؛ باعتبارها من أبرز مصادیق الکرامة لبنی آدم.
- المسلمون إخوة یتکافؤون ویتساوون فی قیمتهم المعنویّة؛ وفی الوقت نفسه فإنّ أواصر العلاقة والصلة بینهم تکون شبیهة بالأواصر والصلات التی تربط بین الناس؛ عندما یکونون من أب وأُمّ واحدة.
- فصّل القرآن فی العلاقة العامّة بین الکفّار والأعداء الذین یتّخذون موقفًا سیاسیًّا أو عسکریًّا عدوانیًّا ضدّ المسلمین، وبین الکفّار العادیّین الذین لا موقف عدائیّ منهم؛ حیث نهى عن ولاء القسم الأوّل ومودّته، وأجاز البرّ والقسط للقسم الثانی.
- ورد التأکید على أهمّیّة الدعوة إلى الله والحوار بالأسلوب الذی یتّسم بالعقلانیّة والمحافظة على العلاقة الإنسانیّة الاجتماعیّة العامّة، من خلال الحکمة والموعظة الحسنة مع الکفّار أو الآخرین من غیر المسلمین أو الناس عامّة، من دون فرق بین المسلم وغیره.
- اتّضح من خلال الأدلّة القرآنیّة والروایات الشریفة "أنّ کیان الإسلام ومجد المسلمین یستدعیان الحفاظ على الاستقلال فی الثقافة والسیاسة والاقتصاد، والحذر من وقوعهم فی حبائل الکفر. ولکنّ ذلک کلّه لا ینافی مداراة الکفّار ودعوتهم إلى الحقّ، بل والبرّ والإحسان إلیهم وتألیفهم؛ کیما یرغبوا فی الإسلام، بل وإیجاد العلاقات السیاسیّة والاقتصادیّة معهم إذا کان صلاحًا للإسلام والمسلمین مع رعایة الاحتیاط.
- الوحدة والتضامن ضرورة فطریّة وعقلیّة وشرعیّة وسیاسیّة واجتماعیّة، ومن أبرز مقوّمات المجتمع والحضارة الإنسانیّة.
- الأنا والآخر فی الخطاب القرآنیّ؛ رجالًا ونساءً، أفرادًا وأناسًا وجماعاتٍ وحدة إنسانیّة تنتمی إلى نفسٍ واحدة یتفرّعون منها، فیکوّنون شعوبًا وأممًا تجمعهم المودّة والرحمة.
- إنّ مبدأ الوحدة فی الرؤیة القرآنیّة لیس مجرّد فکرة نظریّة أو فلسفیّة مثالیّة؛ وإنّما هو متجذّر اجتماعیًّا فی وحدة الجنس البشریّ، وروحیًّا فی وحدة الدِّین ورسالته؛ من حیث مصدرها وغایتها معًا.
- إنّ مقتضى الرؤیة الوحدویّة القرآنیّة هی أصالة السلم والسلام فی نشر الدعوة الإسلامیّة فی جمیع أقطار الدنیا، فالنبی (ص) ما بُعث إلا رحمة للعالمین: {وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِینَ}. وأی تفرقة تُصیب المجتمعات الإنسانیّة، وبالأخصّ المجتمعات الإسلامیّة، هی خروج عن أصالة السلام والرحمة اللذین هما أساس بنیة الدعوة الإسلامیّة.
- إنّ المنطلق الأساس لفهم معنى الوحدة هو قول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِیعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...}.
- إنّ مفهوم "الأمّة" هو الجماعة البشریّة ذات المسلک الواحد والطریقة الواحدة والهدف الواحد والقیادة الواحدة. إنّها تتضمّن مفهوم الحرکة تجاه قبلة واحدة وجهة واحدة. ومثل هذه المجموعة، بهذه الخصائص، لا بدّ من أن تتوفّر فیها مشترکات أخلاقیّة وروحیّة وثقافیّة.
- إنّ الوحدة لیست تنظیرًا سیاسیًّا أو عملًا مجاملیًّا أو آنیًّا ینطلق من انفعالات محدّدة، بل هی من صمیم رؤیة الإسلام بجمیع تشریعاته ونظمه، وهی جزء أصیل من مشروع الإسلام وحاکمیّته فی الأرض؛ حیث إنّه دین التوحید والوحدة.
- إنّ التنازع یوجب تبدید القوى المعنویّة، مضافًا إلى تبدیده وإضاعته للقوى المادّیّة.
- الوحدة الإسلامیّة مشروعنا الثقافیّ والسیاسیّ والاقتصادیّ الحاضر والمستقبلیّ. وهذا المشروع الإسلامیّ العالمیّ هو المشروع المؤهّل لمواجهة التحدّیات الحضاریّة والسیاسیّة والاقتصادیّة الکبیرة التی یواجهها العالم الإسلامیّ الیوم.
- عناصر الوحدة الإسلامیّة؛ قوامها الوحدة على مستوى العقیدة، والعمل والاتّباع، والقیادة، والهدف، والخصال ومکارم الأخلاق، والثقافة.
- الوحدة عبارة عن "أصل"، و"فقه"، و"أخلاق" و"آلیّات علمیّة وعملیّة".
- الوحدة فی الإسلام، وفی المجتمع الإسلامیّ "أصل"؛ ومعنى الأصل أنّه أساس ومعیار علمیّ وعملیّ للتعامل مع مواضع الاختلاف العلمیّ والفکریّ والسیاسیّ والاقتصادیّ.
- للوحدة فقه وقانون، وهذا الفقه نابع من ذاک الأصل. وفقه الوحدة هو تنظیم فقهیّ لأمر التعایش الفقهیّ بین المسلمین، والتعایش الفقهیّ من ضرورات الحیاة الاجتماعیّة.
- من أخلاق الوحدة: "الألفة"، و"الرفق"، و"المداراة"، و"العفو"، و"المسامحة"، و"اتّباع الحقّ"، و"التجرّد من العصبیّة".
- للوحدة آلیّات علمیّة وآلیّات عملیّة ضروریّة لتحقیقها وصیانتها وتمتینها فی المجتمع.
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من لبنان.
[2] سورة النساء، الآیة 1.
[3] سورة الحجرات، الآیة 13.
[4] انظر: الغزالی، محمد: حقوق الإنسان بین تعالیم الإسلام وإعلان الأمم المتّحدة، ط4، القاهرة، نهضة مصر، 2005م، ص7-8.
[5] ولتوضیح الموضوع أکثر نصوّره فی قاعدة لا ضرر، حیث یقول بعض الفقهاء المعاصرین: "إنّ هذه القاعدة هی من القواعد الارتکازیّة الفطریّة عند الإنسان، فإنّ الضرر إنّما یرفضه الإنسان بطبعه وغریزته، والعقلاء یرفضونه؛ سواء أکان على النفس، أم على المال، أم على العرض، ویقبّحون فاعله؛ بل یوقعون العقاب علیه. والقاعدة بهذه المثابة لا حاجة إلى تقریرها من الشارع الأقدس؛ بل یکفی لإمضائها عدم الردع عنها، فکیف إذا ورد التقریر فی الروایات؟! هذا إذا جعلنا القاعدة قاعدة برأسها، وأمّا إذا جعلناها من صغریات أصالة احترام النفس، واحترام المال، والعرض؛ وهی من الأصول النظامیّة التی یقوم نظام المجتمع علیها؛ فالأمر واضح، وکذلک إذا جعلنا الضرر من صغریات الظلم المنهیّ عنه؛ عقلًا، وشرعًا، فهذا الظلم -أیضًا- یکون بحسب قاعدة التحسین والتقبیح العقلیین من صغریات هذه القاعدة؛ ممّا یحکم العقل بقبح الظلم؛ وقد حرّمه الشارع الأقدس". (السبزواری، علی عبد الأعلى: قاعدة لا ضرر (دروس فی بحث الخارج فی الأصول)، النجف الأشرف، 14- 6-1435ه.ق).
[6] سورة الإسراء، الآیة 70.
[7] لمزید من الاطّلاع انظر: الحکیم، محمد باقر: دور أهل البیت (عله) فی بناء الجماعة الصالحة، ط4، النجف الأشرف، مؤسّسة تراث الشهید الحکیم (قده)، 2007م، ج1، الباب السادس، الفصل الأوّل (أبعاد النظریّة الإسلامیّة فی العلاقات)، ص471-500.
[8] الحرّانی، ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول (ص)، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، 1404هـ.ق/ 1363هـ.ش، خطبته (ص) فی حجّة الوداع، ص34.
[9] الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط3، طهران، دار الکتب الإسلامیّة؛ مطبعة حیدری، 1367هـ.ش، ج5، کتاب النکاح، باب أنّ المؤمن کفو المؤمنة، ح1، ص340.
[10] العلویّ، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، ج3، رسالة53، ص84.
[11] الکلینی، الکافی، م.س، ج2، کتاب العشرة، باب التحبّب إلى الناس والتودّد إلیهم، ح2، ص643.
[12] ورد فی کتب الفقه جواز الصدقة على الکافر؛ وهی جزء من آداب تعامل الإسلام مع الآخرین، وهذا یعنی أنّ الکفر لا یسلبه صفته الإنسانیّة؛ ما لم یدخل فی عداد الکافر الحربیّ. وقد ورد فی فتاوى فقهائنا المعاصرین ما یدلّ على أهمّیّة الودّ والإحسان إلى الکفّار؛ ما لم یکونوا من أعداء الإسلام والمسلمین.
[13] سورة الممتحنة، الآیتان 8-9.
[14] سورة النساء، الآیة 89.
[15] سورة النساء، الآیة 90.
[16] السجستانی، سلیمان بن الأشعث: سنن أبی داود، تحقیق وتعلیق: سعید محمد اللحام، ط1، بیروت، دار الفکر، 1410هـ.ق/ 1990م، ج2، کتاب الخراج والإمارة والفیء، باب فی تعشیر أهل الذمّة إذا اختلفوا بالتجارات، ح3052، ص45.
[17] المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقیق: محمد الباقر البهبودی؛ یحیى العابدی الزنجانیّ؛ کاظم الموسوی المیاموی، ط3، بیروت، دار إحیاء التراث العربیّ، 1403هـ.ق/ 1983م، ج41، ص56-57.
[18] انظر: المنتظری، حسین: نظام الحکم فی الإسلام (تلخیص کتاب "دراسات فی ولایة الفقیه وفقه الدولة الإسلامیّة")، تلخیص وتعلیق: لجنة الأبحاث الإسلامیّة- مکتب الشیخ منتظری، ط1، طهران، هاشمیّون، 1380هـ.ش، مداراة الکفّار وحفظ حقوقهم وحرمتهم، ص431-432.
[19] سورة النساء، الآیة 36.
[20] المجلسی، بحار الأنوار، م.س، ج75، ص83.
[21] الحرّ العاملیّ، محمد: وسائل الشیعة، تحقیق ونشر: تحقیق: مؤسّسة آل البیت (عله) لإحیاء التراث، ط2، قم المقدّسة، مطبعة مهر، 1414هـ.ق، ج10، أبواب أحکام شهر رمضان، باب تأکّد استحباب الاجتهاد فی العبادة ولا سیّما الدعاء والاستغفار، ح13494 (20 فی الباب)، ص313.
[22] الکلینی، الکافی، م.س، ج2، کتاب الإیمان والکفر، باب التقبیل، ح2، ص185.
[23] الحرّ العاملیّ، وسائل الشیعة، م.س، ج12، أبواب أحکام العشرة فی السفر، باب استحباب النظر إلى جمیع صلحاء ذرّیة النبی (ص)، ح16383 (1 من الباب)، ص311.
[24] سورة النساء، الآیة 1.
[25] انظر: أبو سلیمان، عبد الحمید: الرؤیة الکونیّة الحضاریّة القرآنیّة: المنطق الأساسیّ للإصلاح الإنسانیّ، ط1، القاهرة، دار السلام للطباعة والنشر والتوزیع والترجمة، 2009م.
[26] سورة الروم، الآیة 22.
[27] سورة الحجرات، الآیة 13.
[28] سورة الشورى، الآیة 13.
[29] سورة الممتحنة، الآیة 8.
[30] سورة العنکبوت، الآیة 46.
[31] سورة الأنبیاء، الآیة 107.
[32] سورة آل عمران، الآیة 103.
[33] الطباطبائی، محمد حسین: المیزان فی تفسیر القرآن، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، لا ت، ج3، ص369.
[34] الخمینی، روح الله: صحیفة النور، ط1، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام الخمینی (قده)، 1430هـ.ق/ 2009م، ج8، ص334.
[35] سورة الأنبیاء، الآیة 92.
[36] سورة البقرة، الآیة 143.
[37] سورة یونس، الآیة 47.
[38] سورة النحل، الآیة 36.
[39] انظر: الخراسانی، واعظ زاده: "الوحدة الإسلامیّة عناصرها وموانعها"، مجلة رسالة التقریب، فصلیّة متخصّصة محکّمة تُعنى بقضایا التقریب بین المذاهب ووحدة الأمّة الإسلامیّة، تصدر عن المجمع العالمیّ للتقریب بین المذاهب الإسلامیّة، السنة الرابعة، العدد ١٥، محرّم-ربیع الأوّل 1418هـ.ق/ 1997م، ص9-10.
[40] مسیرة الإمام السید موسى الصدر، إعداد وتوثیق: یعقوب ضاهر، ط1، بیروت، دار بلال، 2000م، ج12، ص28.
[41] ابن عاشور، الطاهر: مقاصد الشریعة، تحقیق: محمد الطاهر المیساوی، ط2، الأردن، دار النفائس، 1421هـ.ق/ 2001م، ص405.
[42] م.ن، ص407.
[43] سورة الأنفال، الآیة 46.
[44] الشیرازیّ، محمد الحسینیّ: تقریب القرآن إلى الأذهان، ط1، بیروت، دار العلوم، 1424هـ.ق/ 2003م، ج2، ص340.
[45] ینقل تلمیذ الإمام البروجردیّ عنه أنّه کان یرى أنْ لا داعی للانشغال بموضوع الخلافة؛ وإنّما الترکیز على الإمامة والمرجعیّة العلمیّة لأهل البیت (عله). یقول تلمیذه الشیخ محمد واعظ زاده الخراسانی: ما رأیت السید الأستاذ یطرح مسألة "الخلافة" على الإطلاق فی جلساته العامّة والخاصّة، فی الدرس وفی خارج الدرس؛ بل سمعته فی جلساته الخاصّة یقول: "مسألة الخلافة لا جدوى فیها الیوم لحال المسلمین، ولا داعی لإثارتها وإثارة النزاع حولها. ما الفائدة للمسلمین الیوم أنْ نطرح مسألة مَنْ هو الخلیفة الأوّل؟ إنّما المفید لحال المسلمین الیوم هو أنْ نعرف المصادر التی یجب أنْ نأخذ منها أحکام دیننا. من هنا، کان السیّد یؤکّد على حدیث الثقلین: «إنّی تارک فیکم الثقلین، ما إن تمسّکتم بهما لن تضلّوا أبدًا: کتاب الله وعترتی، وإنّهما لن یفترقا حتّى یردا علیّ الحوض»، ولا یکاد یمرّ شهر على دروسه دون أن یذکر فی مناسبة هذا الحدیث". (الخراسانی، محمد واعظ زاده: حیاة الإمام البروجردی، ط1، المجمع العلمیّ للتقریب بین المذاهب الإسلامیّة، 1421هـ.ق، ص186).
وممّا ینسجم مع هذا التوجّه الحکیم ما جاء فی ختام المقدّمة الإضافیّة القیّمة التی کتبها الشیخ محمود شلتوت لطبعة دار التقریب بین المذاهب الإسلامیّة بالقاهرة لتفسیر "مجمع البیان فی تفسیر القرآن"، حیث یقول: "إنّ المسلمین لیسوا أرباب أدیان مختلفة، ولا أناجیل مختلفة، وإنّما هم أرباب دین واحد، وکتاب واحد، وأصول واحدة، فإذا اختلفوا فإنّما هو اختلاف الرأی مع الرأی، والروایة مع الروایة، والمنهج مع المنهج، وکلّهم طلّاب الحقیقة المستمدّة من کتاب الله، وسنّة رسول الله، والحکمة ضالّتهم جمیعًا یُنشدونها من أیّ أفق، فأوّل شیء على المسلمین وأوجبه على قادتهم وعلمائهم، أن یتبادلوا الثقافة والمعرفة، وأن یُقلعوا عن سوء الظنّ وعن التنابز بالألقاب، والتهاجر بالطعن والسّباب، وأن یجعلوا الحقّ رائدهم، والإنصاف قائدهم، وأن یأخذوا من کلّ شیء بأحسنه: {وَالَّذِینَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ یَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِینَ یَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِکَ الَّذِینَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِکَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} (سورة الزمر، الآیتان 17-18). (الطبرسی، الفضل بن الحسن: مجمع البیان فی تفسیر القرآن، تقدیم: الشیخ محمود شلتوت، القاهرة، دار التقریب، ج1، المقدّمة، ص17).
[46] آل نجف، عبد الکریم: من أعلام الفکر والقیادة المرجعیّة، ط1، بیروت، دار المحجّة البیضاء؛ دار الرسول الأکرم (ص)، 1419هـ.ق/ 1998م، ص309.
[47] النسائیّ، أحمد: سنن النسائیّ، ط1، بیروت، دار الفکر، 1348هـ.ق/ 1930م، ج7، ذکر أعظم الذنب، ص92-93.
[48] أیّ مفارقة الجماعة والاستبداد بالرأی. وقوله (ع): (ولو کان تحت عمامتی) کنایة عن أقصى القرب من عنایته؛ أی ولو کان ذلک الداعی فی هذا الحدّ من عنایتی به. وقیل: أراد ولو کان ذلک الداعی أنا. (انظر: المجلسی، بحار الأنوار، م.س، ج33، ص374-375).
[49] الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ج2، الخطبة127، ص8.
[50] سورة آل عمران، الآیة 110.
[51] قد تکرّرت هذه العبارة (11) مرّة فی القرآن/ واللافت أنّ عبارة "لعلکم تفلحون" التی وردت فی الآیات الکریمة جاء قبلها إمّا مجموعة نواهی تنهى عن أمور تؤدّی إلى تفکیک المجتمع وانهیاره من قبیل: الربا، وشرب الخمر، والمیسر، وإمّا جاء قبلها مجموعة أوامر وحالات تعبّر عن مظاهر عزّة الأمّة وتماسکها ووحدتها؛ من قبیل: الحجّ، وصلاة الجمعة، والجهاد، والرباط، وهذا قد یؤشّر إلى أنّ هذه الأمور لا تتحقّق من دون الوحدة التی هی أمر أساس فی دیمومة الأمّة الإسلامیّة.
[52] سورة البقرة، الآیة 193، وتمام الآیة : {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّین لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِینَ}. وهذه الآیة منسجمة مع کثیر من الروایات السنّیّة، وقریب منها بعض الروایات الشیعیّة التی أمرت بقتل المفارق للجماعة، أو ما نقلناه عن أمیر المؤمنین (ع): "أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، ولَوْ کَانَ تَحْتَ عِمَامَتِی هَذِهِ". وهذه الروایات تحدّد المصداق المحقِّق للفتنة؛ وهو ضرب الجماعة أو إضعافها. والآیة أوجبت قتال هولاء حتّى لا تکون فتنة؛ وبالتالی یستتبّ الحکم الإلهیّ، ویکون الدِّین لله.
[53] سورة التوبة، الآیة 33.
[54] سورة الأنبیاء، الآیة 105.
[55] سورة النساء، الآیة 75.
[56] انظر: الخراسانی، "الوحدة الإسلامیّة عناصرها وموانعها"، م.س، ص10-17.
[57] وهذه قاعدة أخرى فی التعایش الفقهیّ بین المسلمین؛ وخلاصة هذه القاعدة أمران:
- الأوّل: الالتزام الفقهیّ بصحّة العقود والمعاملات التی تتمّ فی ما بین أهل المذهب المخالِف لمذهب أهل البیت (عله).
- الثانی: إلزام أتباع المذاهب الأخرى بما یصحّ فی مذهبهم فی التعامل المشترک بین أتباع مذهب أهل البیت (عله)، وأتباع ذلک المذهب.
[58] إنّ قاعدة حصانة المسلم وحرمته تعمّ جمیع المذاهب الفقهیّة فی الإسلام. وإلیک توضیحًا إجمالیًّا موجزًا لهذه القاعدة: یمنح الإسلام، المسلم -من أیّ مذهب ما لم یتنّکر لضرورات الدِّین أصولًا وفروعًا- حصانةً، ولا یحقّ لأحد أنْ ینال منه إلا بحقّ؛ من قبیل: الروایات التی وردت أنّ "حرمة المسلم أعظم من حرمة الکعبة"، أو أنّ "حرمة المسلم أعظم الحرمات"، أو "کلّ المسلم على المسلم حرام"، و "الإسلام یُحصِّن الدماء".
[59] فی دعاء الإمام علی بن الحسین زین العابدین (ع) الاستعاذة بالله -تعالى- من أخلاق الخلاف والفرقة: "اللَّهُمَّ إِنیِّ أَعُوذُ بِکَ مِنْ هَیَجَانِ الْحِرْصِ، وسَوْرَةِ الْغَضَبِ، وغَلَبَةِ الْحَسَدِ، وضَعْفِ الصَّبْرِ، وقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ، وشَکَاسَةِ الْخُلُقِ، وإِلْحَاحِ الشَّهْوَةِ، ومَلَکَةِ الْحَمِیَّةِ ومُتَابَعَةِ الْهَوَى، ومُخَالَفَةِ الْهُدَى، وسِنَةِ الْغَفْلَةِ، وتَعَاطِی الْکُلْفَةِ، وإِیثَارِ الْبَاطِلِ عَلَى الْحَقِّ، والإِصْرَارِ عَلَى الْمَأْثَمِ، واسْتِصْغَارِ الْمَعْصِیَةِ، واسْتِکْثَارِ الطَّاعَةِ. ومُبَاهَاةِ الْمُکْثِرِینَ، والإِزْرَاءِ بِالْمُقِلِّینَ، وسُوءِ الْوِلَایَةِ لِمَنْ تَحْتَ أَیْدِینَا، وتَرْکِ الشُّکْرِ لِمَنِ اصْطَنَعَ الْعَارِفَةَ عِنْدَنَا، أَوْ أَنْ نَعْضُدَ ظَالِمًا، أَوْ نَخْذُلَ مَلْهُوفًا، أَوْ نَرُومَ مَا لَیْسَ لَنَا بِحَقٍّ، أَوْ نَقُولَ فِی الْعِلْمِ بِغَیْرِ عِلْمٍ، ونَعُوذُ بِکَ أَنْ نَنْطَوِیَ عَلَى غِشِّ أَحَدٍ، وأَنْ نُعْجبَ بِأَعْمَالِنَا، ونَمُدَّ فِی آمَالِنَا". (الإمام زین العابدین (ع): الصحیفة السجادیّة، ط1، قم المقدّسة، دفتر نشر الهادی، 1418هـ.ق، مِنْ دُعَائِه (ع) فِی الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الْمَکَارِه وسَیِّئِ الأَخْلَاقِ ومَذَامِّ الأَفْعَالِ، ص56).
[60] من قبیل: الأنشطة العلمیّة التی یقوم بها مجمع التقریب بین المذاهب؛ کطباعة کتب؛ من قبیل: "الحدیث النبویّ المشترک"، و"القواعد المشترکة"، و"التفسیر المقارن"، و"الرواة المشترکون فی إسناد الروایات"؛ من طریق الشیعة والسنّة، والفقه المقارن، والأصول المقارن… وغیر ذلک.
[61] سورة المائدة، الآیة 2.
[62] الکلینی، الکافی، م.س، ج2، کتاب الإیمان والکفر، باب الاهتمام بأمور المسلمین والنصیحة لهم ونفعهم، ح1، ص163.
[63] م.ن، ج1، کتاب الحجّة، باب ما أمر النبی (ص) بالنصیحة لأئمّة المسلمین واللزوم لجماعتهم...، ح1، ص403.
[64] انظر: الآصفی، محمد مهدی: فی رحاب القرآن، ط1، قم المقدّسة، دار القرآن الکریم، 1411هـ.ق، ج13، مشروع الوحدة الإسلامیّة ثقافیًّا وسیاسیًّا، عناصر الوحدة، ص212-237.