العالم الإسلامیّ بین ضرورات الوحدة ومعیقات الاتصال

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تعالج هذه المقالة قضیّة الوحدة الإسلامیّة؛ بالانطلاق من بداهة أنّ الإسلام عنوان جامع بین جمیع من توفّر على نصاب الإسلام. ولکنّ واقع المسلمین فی عدد من أقطار سکناهم یکشف عن بؤر توتّر فکریٍّ بینهم؛ منها: التنافس على الأتباع، وبعض السلوکیّات المقبولة عند طرف والمرفوضة عند طرفٍ، وبعض التّهم التی تُلقَى من هذا الطرف على ذاک، وغیر ذلک من الأمور التی تُعدّ معیقًا من معیقات التواصل بینهم، أو سببًا لإثارة النزاع والاختلاف. وتسعى هذه المقالة إلى معالجة المعیقات هذه بهدف  تظهیر مدى حجمها ومدى صحّة الاستناد إلیها لتحویلها إلى مادّة صراعیة. وأخیرًا تخلص إلى أنّ کثیرًا ممّا ادُّعی إثارته للخلاف وتوسعة شقّته لا یصلح لیکون کذلک؛ لأنّ موقعه من الإسلام لیس بالمستوى الذی یُعطى له فی دوائر الصراع والاختلاف.

نقاط رئيسية

أولًا: الأصل الأوَّلیّ والمنطلق

ثانیًا: دواعی الشقاق

1. الدعوة والتبلیغ بالمذهب

2. سبّ الصحابة

3. التاریخ وإعادة إحیائه بکلّ ما فیه

ثالثًا: الحلول المقترحة

1. الاقتصاد فی التکفیر

2. استبدال التکفیر بالتخطئة

3. التماس العذر بدل الإدانة

الكلمات الرئيسية


العالم الإسلامیّ بین ضرورات الوحدة ومعیقات الاتّصال

الشیخ محمد حسن زراقط[1]

خلاصة المقالة:

تعالج هذه المقالة قضیّة الوحدة الإسلامیّة؛ بالانطلاق من بداهة أنّ الإسلام عنوان جامع بین جمیع من توفّر على نصاب الإسلام. ولکنّ واقع المسلمین فی عدد من أقطار سکناهم یکشف عن بؤر توتّر فکریٍّ بینهم؛ منها: التنافس على الأتباع، وبعض السلوکیّات المقبولة عند طرف والمرفوضة عند طرفٍ، وبعض التّهم التی تُلقَى من هذا الطرف على ذاک، وغیر ذلک من الأمور التی تُعدّ معیقًا من معیقات التواصل بینهم، أو سببًا لإثارة النزاع والاختلاف. وتسعى هذه المقالة إلى معالجة المعیقات هذه بهدف  تظهیر مدى حجمها ومدى صحّة الاستناد إلیها لتحویلها إلى مادّة صراعیة. وأخیرًا تخلص إلى أنّ کثیرًا ممّا ادُّعی إثارته للخلاف وتوسعة شقّته لا یصلح لیکون کذلک؛ لأنّ موقعه من الإسلام لیس بالمستوى الذی یُعطى له فی دوائر الصراع والاختلاف.

 

کلمات مفتاحیّة:

وحدة، نصاب الإسلام، شقاق، اختلاف، فرقة، علاقات إسلامیّة.

 

تمهید:

یحار المرء مطلع الحدیث عن العلاقات بین المسلمین کیف یبدأ، أیبشّر بالخیر ویتفاءل به علّه یجده، وفق ما یُروى عن رسول الله (ص)، أم ینذر والإنذار من الصفات التی وصف الله نبیّه (ص) بها؟ وفی الحالتین یکون المرء متأسّیًا. وسبب التردّد بین الاستبشار والتطیّر، أنّ الحدیث عن تحسین العلاقات الإسلامیّة وکثرة البحث فیها أمرٌ تندب إلیه الشریعة ویحثّ علیه العقل السلیم؛ ولکنّه فی الوقت عینه مؤشّرٌ واضح الدلالة على وجود مشکلة عمیقة ضاربة جذورها فی بنیان الأمّة وتجری منها مجرى الدم فی عروقها. ولکنْ یبدو أنّ واقعیّة الإسلام تأبى إلا أن تظهر بأشکال مختلفة، فهذا هو الله سبحانه یقول فی کتابه الکریم: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتَّى تَفِیءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَیْنَ أَخَوَیْکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ}[2]. إذًا، یمکن للإخوة أن ینزغ بینهم الشیطان حتّى لو کانوا أبناء أنبیاء[3]، ونحن البشر جمیعًا ننتسب إلى النبیّ الإنسان الأوّل.

وقد وُلِدت فکرة التقریب بین المسلمین ولمّ شملهم مع کلّ دعوة صُنّفت خروجًا عن الطاعة أو شقًّا لعصا المسلمین، إلا أنّ هذه المحاولات على توغّلها فی القِدَم، لم تفتأ تراوح مکانها، وکأنّ قدر المسلمین الذی لا مفرّ منه هو المراوحة الدائمة بین الرتق والفتق، والحدیث عن التقریب ومشتقّاته، دون القدرة على ردم الهوّة الفاصلة بین طرفی التقارب المدعوّ إلیه. والأسالیب التی اعتُمدت للمّ الشمل وإعادة اللحمة تراوحت عبر التاریخ بین القمع والإلغاء، وبین المحاولات الجادّة المخلصة التی لم تؤتِ أُکلها حتّى بعد حین. ویکاد المخلص فی دعوة التقریب یستسلم لهذا الفشل القدریّ. ولولا بصیص الأمل الذی تثیره الدعوة القرآنیّة إلى الإصلاح بین الإخوة المتشاکسین، لما فکّر أشدّ الناس إخلاصًا برفع الصوت بنداء الوحدة ورتق ما انفتق.

وفی هذه المقالة سوف أقتبس طریقة الفقهاء فی عملهم الفقهیّ، حیث یبدأون بتحدید الأصل الأوّلی والحالة الأصیلة التی یجب أن یکون الحال علیها، ثمّ أدلف إلى البحث عن أسباب الخروج عن تلک الحالة المطلوبة، لأختم أخیرًا باقتراحات الحلول.

 

أوّلًا: الأصل الأوّلیّ والمنطلق:

لا أجد أفضل من القرآن للرجوع إلیه لتحدید الأصل الأوّلی، والحالة الطبیعیّة للأمّة، والعلاقة بین طرفیها أو أطرافها، وبالرجوع إلیه نجد فیه الآیات الکریمة الآتیة:

1. {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْکُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَیْنَ قُلُوبِکُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}[4]

2. {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُکُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّکُمْ فَاعْبُدُونِ}[5]

3. {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَیْنَ أَخَوَیْکُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ}[6]

ففی الآیة الأولى یذکّر الله -تعالى- المسلمین بما کان یطبع علاقاتهم الإنسانیّة من فرقة وتشاجر، فألّف بین قلوبهم وأصلح بالهم، بتحویلهم من قبائل متناحرة إلى أمّةٍ واحدةٍ؛ کما تشیر الآیة الثانیة، وفی الآیة الثالثة بیانٌ لوجه من وجوه الضعف عند الإنسان یدعو إلى أنْ یبغی أحد الإخوة على إخوته، وفی مثل هذه الحالة لا ینبغی أن ینتشر الخلاف؛ کما النار فی الهشیم؛ بل لا بدّ من محاصرة النزاع بالإصلاح، وإعادة الحقّ إلى نصابه.

والعنصر الثانی الذی یندرج ضمن الخطوط الرئیسة فی تحدید الأصل الأوّلی هو أنّ الخروج عن الإسلام والدخول فیه أمر خاضع لضوابط محدّدة معروفة، یُنطلَق فی تحدیدها -أیضًا- من القرآن والسنّة، وما نما حولهما من تراث فیه من الصحّة الشیء الکثیر؛ ممّا یدعو إلى اتّباعه والاستفادة منه.

وبالعودة إلى القرآن الکریم ثانیة لاکتشاف نصاب الإیمان منه نجده یدعو إلى مجموعة من الأمور لتحقیق نصاب الإیمان، فهو یدعو إلى الإیمان بالله سبحانه[7]، والإیمان بالأنبیاء والرسل[8]، والکتب السماویّة[9]، والیوم الآخر[10]،والغیب؛ ومنه الملائکة[11]. ولا نجد فی القرآن إصرارًا على کثیر من التعقیدات التی ابتکرها المتکلّمون فی أوقات لاحقة وربطوا الإسلام والکفر بها؛ سلبًا أو إیجابًا. وقد اعتمدت بعض المدارس الإسلامیّة الکلامیّة على آیات من القرآن الکریم، أو على روایة مشهورة من السنّة الشریفة لتحدید النصاب الواجب توفّره من ما یُسمّى أرکان الإیمان؛ ومن أشهر ما یُذکر فی هذا المجال: الخبر المرویّ عن رسول الله (ص): "الإیمان أن تؤمن بالله، والیوم الآخر، والملائکة، والکتاب، والنبیّین، والموت، والحیاة بعد الموت، وتؤمن بالجنّة، والنار، والحساب والمیزان، وتؤمن بالقدر کلّه خیره وشرّه"[12].

وأمّا التراث الذی نما على ضفاف النصّ الدینیّ؛ قرآنًا وسنّةً، نجد أنّ نِصاب الإسلام یتحقّق بالشهادتین، ولا یخرجُ الإنسان من الإسلام بعد أنْ دخل فیه؛ إلا بارتکابه ما ینقض شهادتیه، وتوجد نصوص کثیرة تدلّ على هذا المعنى فی نصوص الفقهاء، فی الإشارة إلى بعضها غنى وکفایة؛ وهی: "... لأنّ الإسلام هو الشهادتین"[13]. ویستند الفقیه السیّد محسن الحکیم فی حکمه بإسلام المختلفین مع الشیعة فی المذهب إلى عدد من الروایات عند الإمامیّة؛ منها: روایة عن الإمام جعفر الصادق (ع)، یقول فیها: "الإسلام شهادة أنْ لا إله إلا الله، والتصدیق برسول الله (ص)، به حُقِنت الدماء، وعلیه جرت المناکح والمواریث، وعلى ظاهره جماعة الناس..."[14]. وفی نصوصه هو نفسه یرى أنّ "الکافر هو مَنْ کان منکرًا للألوهیّة أو التوحید، أو الرسالة، أو ضروریًّا من ضروریّات الدین مع الالتفات إلى کونه ضروریًّا..."[15]. ویقول الإمام الخمینیّ (قده): "... أنّ الروایات الواردة فی تشریح حقیقة الإسلام ظاهرة فی أنّ جمیع أحکام الإسلام مترتّبة على مَنْ أقرّ بالشهادتین..."[16]. ویقول الإمام النوویّ: "... قال أصحابنا: وصورة المسألة إذا صلّى ولم یسمع منه الشهادتان، فإنْ سمعتا منه فی التشهد أو غیره؛ فوجهان مشهوران، الصحیح وبه قطع الأکثرون أن یحکم بإسلامه..."[17]. ویقول السرخسیّ: "... إنّ توبة المرتد بالإقرار بالشهادتین، والتبرّی عمّا کان انتقل إلیه، وقد حصل ذلک، فإنّه بالإنکار یحصل نهایة التبرّی..."[18]. ولست أقصد أنّ نصوص التراث خالیة ممّا یدمی القلب من تکفیر متبادل على أدنى اختلاف أو مخالفة، بل أقرّ بذلک وأعترف؛ وهو کثیر تغنی شهرته عن نقله ومحاکمته. وسوف أشیر إلى شیء من ذلک فی ما یأتی.

والعنصر الثالث فی تقریر الأصل الأوّلی هو أنّ الاختلاف مع بُعد المسافة بین النصّ المؤسّس؛ وهو القرآن والسنّة وبین المسلمین فی عصرنا هذا، بل فی ما قبله من العصور یسمح، بل یؤدّی بالضرورة إلى الاختلاف فی الفهم، بل إنّ الاختلاف هو الحالة التی لا ثانی لها فی میدان الإنسان ومجاله، فعندما یترک الله -تعالى- الإنسان لیختار، لا یمکن أنْ یتحقّق؛ إلا ما یریده الله من الاختیار الإنسانیّ، وعندما یتحقّق ما یریده الله؛ لا یحسن بنا أن نضیِّق ما وسّعه الله ضمن الضوابط العامّة، والإبقاء على حقّ الاختلاف تحت سقف هذه الضوابط. ومن هنا، نجد أنّ الصحابة اختلفوا لیس بعد وفاة النبی (ص) -فقط-، بل اختلفوا؛ وهو بین ظهرانیهم یؤمّهم فی صلاتهم، ویشارکهم فی غزواتهم، ویصلّی على شهدائهم، فاختلفوا فی بعض تفاصیل الصلاة التی صلّوها مئات المرّات خلفه، واختلفوا فی أحکام الجهاد؛ وقد غزوا معه مرّات، واختلفوا فی الصلاة على المیّت؛ وقد صلّى على عشرات من موتاهم وشهدائهم[19].

ونتیجة ما تقدّم حتّى الآن: أنّ الأصل الأوّلی فی الأمّة هی الوحدة، وأنّ نصاب الإیمان محدَّد من قِبَل الله -تعالى- ورسوله (ص)؛ کما حدّد نصاب الزکاة، وفرائض الإرث، ولم یترکها سدى، وأنّ طبیعة الإنسان والظروف التی یحیاها تقتضی بالضرورة الاختلاف، وما على المسلمین سوى إدارة اختلافهم بالطرق التی حدّدتها الشریعة وأقرّتها لهم، ولیس منها السیف قطعًا!

والسؤال التالی هو: ما الذی یدعو إلى الطفرة من الاختلاف إلى الشقاق، وخاصّة إذا رکّزنا على واقعنا المعیش؟

 

ثانیًا: دواعی الشقاق:

ربما یصعب استقصاء جمیع أسباب النزاع والشقاق بین المسلمین، وعلى قاعدة ما لا یُدرک جلّه لا یترک کلّه، نکتفی بالإشارة إلى بعض هذه الأسباب؛ بوصفها نماذج مختارةً، یوجد غیرها ممّا یستحقّ التوقّف والتدقیق.

1. الدعوة والتبلیغ بالمذهب:

التنافس على الأتباع والأنصار من القضایا الأساسیّة التی تثیر الخوف المتبادل بین المسلمین بعضهم من بعضٍ. وهو خوف لا یقتصر على جماعة محدّدة، بل یشترک الجمیع فیه، وقد جرّبت کلّ جماعة أو مدرسة من المدارس الإسلامیّة انتقالات إلى المدرسة المنافسة. ولیس هذا حکرًا على التاریخ المعاصر؛ بل حالة طبیعیّة؛ حیث تحوّل أشخاص من مذهب إلى آخر، ومن مدرسة إلى أخرى؛ کما تحوّلت بلاد أیضًا، أو على الأقلّ توسّع انتشار مدرسة أو مذهب ما على حساب مدرسة أو مذهب آخر.

وإزاء هذا الرهاب المتبادل، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذه الحالة هی الحالة الطبیعیّة فی الأمّة؛ بل السنّة التی اعتمدها الله -عزّ وجلّ- فی خلقه؛ حیث المبدأ الأساس هو مبدأ {لَا إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ}[20]. نعم، لا بدّ من التفات دعاة المذاهب جمیعًا، إلى مجموعة أمور تؤثّر على تقییم هذه المعضلة؛ کما یراها بعضهم:

أ. إنّ الدعوة الخارجیّة أولى من الدعوة الداخلیّة، فلا ینبغی أن ینسى أحد من الغیارى على الدعوة الإسلامیّة أنّ القرن الحادی والعشرین ما زال یحتضن عددًا من الوثنیّین المنتشرین فی بقاع الأرض، وبعضهم یعیش على بعد غلوة سهم من "دار الإسلام"، هذا إنْ لم یصدق العیش فی دار الإسلام على بعضهم.

ب. إنّ حرکة الانتقال من مذهب إلى مذهب فی هذا العصر لم تعد خاضعة للمقاییس السابقة ذاتها، فلم یعد کافیًا اعتناق شیخ القبیلة أو الحاکم مذهبًا من المذاهب لتتعبه الرعیّة طائعة، بل صارت عملیّة التحوّل الدینیّ أو المذهبیّ، عملیّة معقّدة تحتاج إلى توفّر مجموعة من العوامل النفسیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة والثقافیّة التی تُعجِز مؤسّساتٍ مختصّصةً، ومن أراد أنموذجًا لذلک، فلیراقب حرکة التبشیر المسیحیّ، وفشل کثیر من الإرسالیّات فی تحقیق أهدافها الکبرى؛ وإنْ حقّقت اختراقات فی بعض الحالات.

ج. بناءً على ما تقدّم آنفًا، نلاحظ أنّ الانتقال من مذهب إلى آخر یتمّ بأعداد قلیلة؛ وهو موجود بین أتباع المذاهب کافّة، ویغلب الانتقال على غیر المتدیّنین بالمذهب السابق الذی ینتمون إلیه بالوراثة، أکثر من الاعتقاد والقناعة. ومثل هذا الانتقال لا ینبغی أن یتحوّل إلى أزمة أو یؤسّس لها، فإنّ التعبّد بمذهب أراه أنا أو غیری خطأ أفضل من إدارة الظهر للدین بشکل کامل.

د. وأخیرًا، لا بدّ من أن ینتبه الحریصون على التوسّع المذهبیّ من أیّ مذهب کانوا، إلى أنّ زیادة عدد الأتباع بشکل مجهریّ، وبأعداد ضئیلة، یفقد أیّةَ قیمة له إذا رافقه توتّر وخوف فی الضفّة الأخرى. ومهما یکن من أمر فلا بدّ من إدارة مثل هذه القضایا بمزید من التحصین الداخلیّ لقادة الفکر والرأی لدى أهل کلّ مذهب، فلا أحد یبحث عن مذهب جدید یتعبّد الله به، ویکون موقنًا بصحّة مذهبه السابق، وبالتالی، لیس الانتقال من غصن إلى غصن من أغصان الشجرة المذهبیّة الإسلامیّة هوایة من الهوایات أو تسلیة من التسالی. ولا ینبغی أن تتحوّل فکرة الدفاع عن المذهب والحرص على نقاء الجغرافیا المذهبیّة، إلى هاجس یصادر حرّیّة التعبیر لعدد کبیر من الناس، فی عصر انفتحت فیه کلّ الکوى، ولم یعد الإقفال وسیلة للحمایة والأمن، بل ربّما کان الفکر فی عصرنا هذا أشبه بالبحر لا یمکن تعلّم السباحة فیه دون تجشّم العناء، ومعانقة الأهوال.

2. سبّ الصحابة:

یضاف إلى ما تقدّم مسألة سبّ الصحابة التی تُشهَر کواحدة من معیقات التقارب بین المسلمین، وتنسب هذه المسألة غالبًا إلى الشیعة؛ حیث یتّهمون بها، ویطالبون بالتوقّف عن هذا الفعل؛ بوصفه شرطًا من شروط التقارب والاتّحاد. وإزاء هذه القضیّة لا بدّ من تأکید ما یأتی:

أ. إنّ السبّ واللعن لیس خُلُقًا إسلامیًّا، فانظر إلى قوله -تعالى-: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِینَ یَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَیَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَیْرِ عِلْمٍ کَذَلِکَ زَیَّنَّا لِکُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَیُنَبِّئُهُم بِمَا کَانُواْ یَعْمَلُونَ}[21]، فإذا کان ینهانا الله -تعالى- عن سبّ آلهة المشرکین، ویبرّر ذلک بأنّه زیّن لکلّ أمة عملهم، فما بالک فی التعامل الداخلیّ بین المسلمین! وإذا عدنا إلى السنّة النبویّة الشریفة، نجد الکثیر ممّا فیها یوجّه المسلمین فی غیر اتّجاه التشاتم والتلاعن، فقد ورد عن الرسول الأکرم (ص) قوله: "لیس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش البذیء"[22]، وکذلک قوله (ص) -أیضًا-: "علیک بتقوى الله، وإن امرؤ عیّرک بشیء یعلمه فیک؛ فلا تعیّره بشیء تعلمه فیه، یکن وباله علیک...، ولا تسبّن شیئًا من خلق الله..."[23]، واستمع إلى قوله (ص) فی جواب مَنْ سأله: "الرجل من قومی یسبّنی؛ وهو دونی، هل علیّ من بأس أن أنتصر منه؟ فقال: المتسابّان شیطانان یتعاونان ویتهاتران"[24]، وأخیرًا قوله (ص):"سباب المؤمن فسوق، وقتاله کفر"[25]. وفی روایة الإمام الصادق (ع): أتى رجل من تمیم إلى النبی (ص)، فقال له أوصنی، فکان فی ما أوصاه أنْ قال: "لا تسبّوا الناس؛ فتکسبوا العداوة لهم"[26]. وعنه (ع) -أیضًا-: "قال رسول الله (ص): سباب المؤمن؛ کالمشرف على الهلکة"[27]. وأخیرًا عن الإمام الباقر (ع): "مَنْ کفّ عن أعراض الناس؛ أقاله الله نفسه یوم القیامة..."[28]. وهذا غیض من فیض ما تزخر به السنّة الشریفة من الخُلُق النبویّ الذی أراد له رسول الله (ص) أن ینتقل إلى الخَلَف من هذه الأمّة.

ب. إنّ الحدیث عن اللعن بهذه الطریقة المثیرة یوحی بأنّ طائفة من المسلمین تتّخذ من سبّ الصحابة وِرْدًا للتقرّب به إلى الله -تعالى-؛ والواقع الاجتماعیّ، على الأقلّ فی عدد کبیر من البیئات الاجتماعیّة الشیعیّة، لیس کذلک أبدًا، وبالتالی لا یحسن بأهل التقریب ودعاته أن یسمحوا لهذه القضیّة أن تحول دون تحقیق التقارب بین المسلمین، فلتکن هذه الفعلة؛ مهما کان تقدیرنا لبشاعتها، معصیةً من المعاصی التی یرتکبها بعض المسلمین هنا وهناک، ولا ینبغی أن یتوقّف تحقّق التقارب على انتفاء المعاصی بین المسلمین. وقد مرّ المسلمون بتجارب مرّة فی تاریخهم، وتلاعنوا، بل وقتل بعضهم بعضًا، وورثنا جزءًا کبیرًا من خلافاتهم، وما یمارس الیوم بین المسلمین باسم الإسلام هو ظواهر طبّقها المسلمون یومًا، وذاقوا وبال أمرها، بل الصحابة أنفسهم تسابّوا وتشاتموا وسفک بعضهم دماء بعض، فهل إنّ قدرنا تکرار تاریخ ورثناه، أم علینا نحن أنْ نصنع تاریخًا جدیدًا حتّى لو اختلف فی بعض جوانبه عن بعض التجارب التی عاشتها الأمّة فی فترة من فترات تاریخها؟!

3. التاریخ وإعادة إحیائه بکلّ ما فیه:

إنّ أحد أهمّ الأسباب التی تثیر النزاع والشقاق بین المسلمین هو إعادة إحیاء التاریخ وإسقاطه على الواقع المعاصر الذی نعیشه الیوم، وما أقصده من التاریخ -هنا- هو التاریخ بما فیه من وقائع وتراث دینیّ انتقل إلینا من خلال ما دوّنه العلماء حول تلک الوقائع التی عایشوها. وإذا کان من حقّ کلّ أمّة أنْ تحفظ تاریخها وتستفید من تجاربها؛ إلا أنّها لا یحقّ لها العیش فی ذلک التاریخ، بل المطلوب هو البناء علیه والاعتبار بما احتواه ذلک التاریخ من تجارب. ولا ینبغی بالأمّة أنْ تعاود تمثیل الحوادث التاریخیّة؛ بدءًا من حادثة السقیفة، وما تلاها من خلاف حول الخلافة، مرورًا بصفّین وکربلاء، ووصولًا إلى النزاع الفاطمیّ مع الدولة العباسیّة، وانتهاءًا بالنزاع الصفویّ العثمانیّ، وغیرها من المحطّات التی یُصرّ بعض الناس إلى إعادة تجسیدها فی حیاتنا المعاصرة؛ وکأن أبطال هذه الأحداث بُعثِوا من جدید وعادوا الکرّة!

وما یزید الطین بلة هو أنّ جزءًا لا یستهان به من التراث الذی وصل إلینا کُتِبَ بوحی من تلک الأحداث، وعلى ضوء تلک الصراعات التی عاشتها الأمّة فی تاریخها، وما یدلّ على ذلک: کثرة الکتب التی "زیّنها أصحابها" بعنواین ترتبط باسم الحاکم؛ مهما کان الموقف منه، أو الکتب التی شحنها أصحابها بمقدّمات یکیلون فیها المدیح والثناء للحاکم ویختمونها بتقدیم الکتاب له[29].

ومن هذا التراث ورثنا بعض المصطلحات وأدبیّات الخطاب التی نرید إسقاطها على واقعنا المعیش، مع ما یترتّب على ذلک کلّه من کلاشیهات تتضمّن الإدانة والتشویه، ومن ذلک: الوصف بالضلال، والابتداع، والتکفیر، والتفسیق، وغیر ذلک من الاتّهامات التی یسوقها کلّ طرف عند تقویمه للطرف الآخر. ومن ذلک: استبدال الأسماء التی ارتضاها کلّ من الطرفین بأسماء أخرى تتضمّن تلک الإدانة المشار إلیها، وذلک؛ کالتعبیر عن أهل السنّة بالمخالفین، والنواصب... والتعبیر عن الشیعة بالروافض والسبأیّة، وما شابه ذلک!

وفی هذا المجال لا بدّ من الدعوة أولًا: إلى تسمیة الناس بأسمائهم التی یختارونها لأنفسهم، وعدم استبدالها بغیرها، وخاصّة عندما یشتمل الاسم المقترح على إدانة مسبقة تسدُّ أبواب الحوار، وتؤدّی إلى قطع ما أمر الله -تعالى- به أن یوصل. فکیف یمکن التواصل بین أتباع ابن سبأ وبین النواصب المبغضین لأهل البیت (عله)، وعلى هذین الاسمین یقاس ما سواهما؛ ممّا تحفل به أدبیّات خطابنا المعاصر مع الأسف الشدید! وثانیًا: لا بدّ من الالتفات إلى اشتمال التراث على مضمون مختلف عن ما نحاول تعویمه، وبالتالی، إذا کنّا نعمل درجة من الانتقائیّة على هذا التراث، فلماذا لا نغیّر معاییر الانتقاء، أو ندقّق فی ما نعوّمه ونعید إحیاءه منه؟ وأکتفی بالإشارة إلى مثال یُقاس علیه ما سواه، یستخدم الإمام الغزالی مصطلح الرافضة والروافض بکثرة فی بعض کتبه؛ ومنها: کتابه "فضائح الباطنیّة"، ولکنّه یمیّز فی عدد من المواضع بین الروافض والباطنیّة، وبین الشیعة، فإنّه فی سیاق الحدیث عن الحیل التی یعتمدها الباطنیّة للتغریر بالناس ینظرون فی حال المدعو، فإنْ "کان من الشیعة، فلنفاتحه بأنّ الأمر کلّه فی بغض بنی تیم، وبنی عدیّ، وبنی أمیّة، وبنی العباس، وأشیاعهم... وإنْ کان ناصبیًّا ذکر له أنّ الأمّة أجمعت على أبی بکر وعمر، ولا یقدَّم إلا مَنْ قدَّمته الأمّة"([30]). وفی نصّ آخر یقول: "... الصنف السادس [من أصناف الباطنیّة] طائفة اتّفق نشوؤهم بین الشیعة والروافض، واعتقدوا التدیّن بسب الصحابة، ورأوا هذه الفرقة تساعدهم علیها، فمالت نفوسهم إلى المساعدة لهم..."[31]. وثالثًا: لا بدّ من الالتفات إلى أنّ التضلیل، والتبدیع، والتفسیق، وما شابهها من الصفات، ینبغی أنْ تصل إلى الحدّ الأدنى فی ظلّ فتح باب الاجتهاد، فإنّ ما أراه ضلالًا، هو عند غیری اجتهادًا یستند إلى أدلّة قویّة تبرره وتعذر صاحبه عند الله. ولا یمکن أنْ نجعل مذهبًا واحدًا أساسًا للحکم على سائر المذاهب بالابتداع والتفسیق والتکفیر، وإلا فإنّنا سوف نرتدّ إلى عصور مضت یوم کان بعض الشافعیّة یقول عن طعام وقعت فیه قطرة نبیذ: "أطعمه لکلب أو حنفی"، أو ذاک الذی کان یفتی بحرمة زواج الحنفی من الشافعیّة؛ لأنّها تشکّ فی إیمانها؛ لأنّ الشافعیّة یجیزون قول: "أنا مؤمن إنْ شاء الله"، ویردّ علیه آخر، فیفتی بالجواز قیاسًا لها على الکتابیّة!

ویطول الکلام لو أردنا استقصاء البحث فی معیقات التقارب والوحدة بین المسلمین، وفی ما تقدّم غنى وکفایة لمن ألقى السمع وهو شهید. ومن الإشارات التی تقدّمت تبدو سُبُل التقارب مفتوحة، لا بدّ من ارتیادها حتّى خواتیمها، واقتحام عقباتها؛ کی لا تفکّ الفتنة رقاب المسلمین وتفتک بهم.

 

ثالثًا: الحلول المقترحة:

مضافًا إلى ما تقدّم من تعلیقات على أسباب النزاع والشقاق فی داخل الأمّة الإسلامیّة، أختم مقالتی ببعض الاقتراحات التی أدّعی أنّها بالحدّ الأدنى تصلح لإعادة التفکیر فی أمر العلاقات الإسلامیّة.

1. الاقتصاد فی التکفیر:

الکفر کلمة لغویّة بریئة فی الأصل من کثیر ممّا أُضیف إلیها؛ نتیجة الاستعمال فی معان محدّدة، فمادة "کفر" فی أصل اللغة تدلّ على التغطیة والستر. ومن هنا، أطلقها القرآن على الذین یعملون بالزراعة، فی قوله تعالى: {کَمَثَلِ غَیْثٍ أَعْجَبَ الْکُفَّارَ نَبَاتُهُ}[32]، بل وصف الله -تعالى- المؤمنین بأنّهم قد یکفرون؛ وذلک فی قوله تعالى: {لاَ إِکْرَاهَ فِی الدِّینِ قَد تَّبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ فَمَنْ یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَیُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ}[33]، ثمّ مع تحوّل هذه الکلمة إلى مصطلح اکتسبت دلالات لم تکنْ لها عند استخدامها الأوّل. وهذا یدعو إلى الاقتصاد فی استخدام هذا المصطلح؛ کما تقدّم، واستخدامه وفق دلالاته التی یحدّدها أهل هذا الاصطلاح وأصحابه. وبالرجوع إلى أصحاب الاصطلاح، نجد أنّه لا یتحقّق؛ إلا مع وجود حالة الإنکار والحجود. ومن النماذج الدالّة على ذلک:

أ. یقسِّم الشهید الشیخ مرتضى مطهّری (قده) الکفر إلى نوعین: نوع یتضمّن العناد؛ وهو ما یسمّى بالجحود؛ وهذا لا یُعذر صاحبه، ونوع آخر؛ وهو الناتج عن الجهل، و"عدم المعرفة الناتجة عن غیر تقصیر من قِبَل المکلَّف؛ فهی تقع موقع عفو ورحمة الله سبحانه"[34]. ثمّ بعد توضیح طویل ینتهی إلى أنّ الکافر الحقیقیّ هو مَنْ یُنکر الحقّ عن عناد بالرغم من المعرفة به، وبعد نقله لعبارة عن الفیلسوف الفرنسیّ دیکارت، یقول فیها: إنّه یؤمن بالمسیحیّة، بعد أنْ وجدها أفضل الأدیان التی تعرَّف علیها، ولکنّه لا یستطیع القول بأنّها الأفضل على الإطلاق؛ وذلک لوجود بعض الأدیان التی لا یعرف عنها شیئًا. ویذکر دیکارت إیران مثالًا للبلد التی لا یعرف عن دین أهلها شیئًا. ویعلّق الشهید مطهّری (قده) على هذه العبارة؛ وهذا هو المهمّ، ولا یهمّ إنْ کان النقل عن دیکارت صحیحًا أم لا، قائلًا: "فأشخاص؛ کدیکارت، لا یمکن تسمیتهم بالکفّار؛ لأنّ هؤلاء لا یتّصفون بالعناد، ولا یخفون الحقّ، ولیس الکفر؛ إلا العناد وتغطیة الحقیقة. هؤلاء مسلمون بالفطرة، وإذا کنّا لا نستطیع تسمیتهم بالمسلمین، فنحن -أیضًا- لا نستطیع تسمیتهم بالکافرین..."[35].

ب. من اللافت وجود ما یشبه هذا الموقف عند اثنین من فقهاء أهل السنّة؛ وهما: ابن ابن حزم، وابن القیّم. یقول ابن حزم عن الکفر: "وهو فی الدین صفةُ من جحد شیئًا ممّا افترض الله تعالى الإیمان به بعد قیام الحجّة علیه ببلوغ الحقّ إلیه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معًا، أو عمل عملًا جاء النصّ بأنّه مخرج له بذلک عن اسم الإیمان"[36].ویقول ابن القیّم فی بیان معنى الکفر: "الکفر جحد ما علم أنّ الرسول جاء به؛ سواء کان من المسائل التی تسمّونها علمیّة أو عملیّة، فمن جحد ما جاء به الرسول (ص) بعد معرفته بأنّه جاء به؛ فهو کافر فی دقّ الدین وجلّه"[37]. وبالتأمّل فی هذین النصّین یتّضح أنّ الکفر معنى لا یتحقّق؛ إلا مع العلم والإنکار، فإذا غابت عن الإنسان مسألة دینیّة لشبهة أو عدم اطّلاع أو غیر ذلک، فلا ینبغی عدّه کافرًا والحکم علیه بالخروج من الدین، وإلى هذا المعنى یشیر الفقهاء عند ربطهم معنى الکفر بإنکار أمر بدیهیّ من الدین؛ شرط أنْ یعود إلى تکذیب النبی (ص). وبعبارة أخرى: إذا کانت الحدود تدرأ بالشبهات، فلماذا لا یدرأ حدّ التکفیر بشبهة الخطأ والجهل؟!

ولا بدّ برأیی من التمییز بین الکفر الواقعیّ والکفر الظاهریّ؛ وذلک أنّ الإیمان والکفر أمران لهما صلة بالعقل والقلب، وإنْ کانا ینعکسان فی سلوک الإنسان وتصرّفاته، ولم یکلّفنا الله البحث عن سرائر الناس وبواطن أمورهم؛ وإنّما أمرنا أنْ نتعامل معهم بحسب ظاهر أحوالهم، وهذه هی سیرة النبی (ص) ومن أتی بعده من الخلفاء مع ظاهرة النفاق. وعلى هذا ینبغی أن تقوم سیرة الخَلَف بعد السَلَف. قال الإمام الشافعیّ: "وقد عاشروا [أی المنافقون] أبا بکر، وعمر، وعثمان، أئمّة الهدی وهم یعرفون بعضهم، فلم یقتلوا منهم أحدًا، ولم یمنعوه حکم الإسلام فی الظاهر؛ إذ کانوا یُظهرون الإسلام..."([38]).وفی نصّ آخر أعمّ وأشمل یقول الإمام الشافعیّ: "...وبهذا نأخذ، وهذا یشبه أحکام الإسلام؛ لأنّ الناس إنّما کلِّفوا فی غیرهم الأغلب فی ما یظهر لهم"[39].

وأخیرًا فی هذه النقطة: إنّ عدم الإسلام حتّى لو أسمیناه کفرًا لا یلازم القتل، ولا یترتّب القتل علیه، فما أکثر غیر المسلمین الذین عاشوا فی المجتمع الإسلامیّ وأصابوا حظًا کبیرًا من عدالته الاجتماعیّة والسیاسیّة، واستطاعوا حفظ أدیانهم التی کانوا علیها حتّى فی مراکز الخلافة الإسلامیّة فی بعض الحالات.

2. استبدال التکفیر بالتخطئة:

وعلى ضوء ما تقدّم، یبدو من المناسب اسبتدال مفهوم الکفر بمفهوم الخطأ؛ لإدانة من نرید إدانته والحکم السلبیّ علیه بالتخطئة، ومجانبة الصواب؛ بدل الحکم علیه بالکفر والخروج عن الملّة. ولیس هذا الموقف سوى استمرارًا لرؤیة لها أنصار کُثُر فی التراث الإسلامیّ. یقول أبو حامد الغزالی: "المعتزلة والمشبِّهة والفرق کلّها؛ سوى الفلاسفة، وهم الذین یصدّقون، ولا یجوّزون الکذب لمصلحة وغیر مصلحة، ولا یشتغلون بالتعلیل لمصلحة الکذب، بل بالتأویل، ولکنّهم مخطئون فی التأویل، فهؤلاء أمرهم فی محلّ الاجتهاد. والذی ینبغی أن یمیل المحصّل إلیه الاحتراز من التکفیر؛ ما وُجِدَ إلیه سبیلًا. فإنّ استباحة الدماء والأموال من المصلّین إلى القبلة المصرّحین بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ فی ترک ألف کافر فی الحیاة أهون من الخطأ فی سفک محجمة من دم مسلم. وقد قال صلى الله علیه وسلم: أُمرت أنْ أقاتل الناس حتّى یقولوالا إله إلا الله محمّد رسول الله، فإذاقالوها؛ فقد عصموا منّی دماءهم وأموالهم؛إلا بحقّها"[40].

3. التماس العذر بدل الإدانة:

لا بدّ أن ننطلق فی حکمنا على المتدیّنین بأیّ دین من مجموعة من المبادئ، والملاحظات قبل الحکم علیه وإدانته. ومن أهم ّهذه المبادئ:

أ. إنّ الدین لیس هوایة من الهوایات یمارسها الإنسان لیملأ بها أوقات فراغه؛ وإنّما هو مسؤولیّة یستعدّ الإنسان لتقدیم حیاته قربانًا وفداءً لها، وتجارب المؤمنین الذی استشهدوا من أجل إیمانهم کثیرة تملأ صفحات من التاریخ؛ بغضّ النظر عن الموقف من هؤلاء، وتقییم مدى إصابتهم أو خطأهم.

ب. وإذا کان الدین قناعة تلامس العقل والقلب والوجدان، فإنّ الإنسان لا یمکن أنْ یتّخذ قرار التدیّن بدین؛ إلا بعد تحصیل قناعة راسخة بصحّة ما یؤمن به، مهما کان منشأ تحصیل تلک القناعة. وعندما ننظر فی کیفیّة تکوین الناس لقناعاتهم الدینیّة نجدهم یختلفون فی ذلک اختلافًا کبیرًا، فمنهم من تتشکّل قناعاتهم نتیجة الجهد والبحث الحرّ الواعی؛ وهم النسبة الأقلّ بین المتدیّنین، ولکنّهم على أیّ حال لهم حضورهم، ویتجلّى هذا التدیّن الحرّ فی بعض حالات الانتقال من دین إلى دین، أو من مذهب إلى مذهب. ولکنّ القسم الأکبر من المتدیّنین فی العالم تتشکّل قناعاتهم نتیجة التربیة والعیش فی بیئة تنتمی إلى دین ما، وبعض هؤلاء لا یشغلون أنفسهم بقضیّة البحث عن دین آخر، ولا یهتمّون بالتفکیر وإعادة النظر فی قناعاتهم التی تلقّوها بالتلقین من الآباء والأجداد. وعندما تُعرَض على أحدهم قضیّة دینیّة تخالف ما تربّى علیه یرفضها ضنًّا منه بدین الآباء؛ ومثل هؤلاء یذمّهم القرآن، وینعى علیهم اتّباعهم الأعمى للآباء، وسدّهم على أنفسهم منافذ التفکیر والسؤال!

ولکنّ السؤال الذی أودّ معالجته -هنا- هو: هل کلّ مَنْ یعتقد بدین -لأیّ سبب، ومهما کان منشأ تکوّن المعتقد لدیه-، وکان مخطئًا فی تدیّنه بدینه وغیر مصیب للحقّ، یعلم خطأه ویکابر، أو یشکّ، ومع ذلک یُهمل البحث ویقصّر فی طلب الحقّ؟ ألیس کبیرًا عدد المتدیّنین الذین یحملون قناعة راسخة بصحّة معتقداتهم الخاطئة، رسوخًا لا یفسح المجال لشکّ یکون مقدّمة لإعادة النظر والتفکیر؟

حلّ الإشکالیّة:

یتألّف جواب هذه الإشکالیّة من مجموعة عناصر لا بدّ من الوقوف عندها، ولو سریعًا؛ وذلک أنّ الله -تعالى- فتح باب العذر فی وجه الإنسان؛ عندما یبذل الجهد المطلوب منه للوصول إلى الحقّ ولا یصل؛ کما فی المروی عن الإمام علی (ع): "فلیس من طلب الحقّ، فأخطأه؛ کمن طلب الباطل، فأصابه"[41]. وأشیر أولًا إلى المنطلق القرآنیّ، ثمّ أختم بمعالجة مستوحاة من علم أصول الفقه.

- الدلیل القرآنیّ:

یقول تعالى: {إلا المستضعفین من الرجال والنساء والولدان لا یستطیعون حیلة ولا یهتدون سبیلًا}[42]. لقد وعد الله -تعالى- فی هذه الآیة بعض الأشخاص بالنجاة دون غیرهم من الذین کانوا احتجّوا بالاستضعاف؛ إلا أنّ الله لم یقبل حجّتهم، ودفعها بسعة أرض الله وتیسّر الهجرة لهم[43]. وهذه الآیة، وإنْ کانت تشیر إلى مَنْ لا حیلة له للکفر؛ کما لا حیلة له للإیمان؛ کما ورد فی تفسیرها[44]، إلا أنّه وبتوسیع المِلاک -کما یعبّر الأصولیّون- نستطیع أنْ نجزم بأنّ الضعف هو السبب فی العذر. وأیّ ضعف أشدّ من ضعف مَن بَذَلَ الجهد ساعیًا وراء الحقیقة، فلم تسفر له عن وجهها، وتشبَّهت له بأخرى، أفلا یُعذَر شخص کهذا بعد إیمانه؛ بما قاده إلیه الدلیل؟!

- المعالجة الأصولیّة: حجّیّة الیقین والقطع:

یبحث علماء الفقه والأصول عن الحجّة والدلیل لإثبات الحکم ونفیه، ولکنّ همّهم الأساس وغرضهم من ذلک هو البحث عن الحجّة؛ بمعنى ما یُثبت التکلیف فی ذمّة المکلف، وما یرفع عنه التکلیف؛ وبالتالی، غرضهم هو البحث عن مبرّرات عدم أداء التکلیف الثابت فی الشریعة على فرض عدم أدائه، وعن مبرّرات الإدانة الشرعیّة فی حال المخالفة مع قیام الحجّة والدلیل. ومن هنا، یصرّح کثیر منهم بأنّ المهمّ للأصول هو البحث عن الحجّیّة؛ بمعنى "المنجّزیّة أو المعذّریّة"؛ أیّ ما یجعل التکلیف ناجزًا ویحمِّل المکلَّف مسؤولیّة عدم الأداء والامتثال، وعن ما یجعله معذورًا لو خالف.

وفی هذا الإطار قالوا: إنّ الحجج التی یمکن أن تؤدّی إلى هذین الأمرین کثیرة؛ منها: الیقین أو القطع؛ کما فی الاصطلاح الأصولیّ. وتوضیح ذلک: أنّ المکلَّف عندما یحصل له قطع بحکم شرعیّ أو تکلیف ولا یعمل به، فإنّه یکون ناجزًا علیه؛ وبالتالی، یتحمّل مسؤولیّة عدم أداء تکلیفه أمام الله -تعالى- ویُعَاقب على ذلک. وعندما یحصل له یقین بعدم التکلیف ویتصرّف وفق هذا الیقین بالعدم؛ وبالتالی، لا یؤدّی ذلک التکلیف، فإنّه یکون معذورًا، ولا یُعاقب على ذلک؛ لأنّه بکلّ بساطة تصرّف وفق قناعته الراسخة بعدم وجود تکلیف. وفی هذا المجال بحوث وتفاصیل عدیدة تتفرّع من هذه المسألة، لکنْ هذا ما یعنینا منها، وهذا ما یعبّر عنه أحد الأصولیّین بقوله: "لا شبهة فی لزوم العمل على وفق القطع (الیقین) عقلًا، ولزوم الحرکة على طبقه جزمًا، وکونه موجبًا لتنجّز التکلیف فیما أصاب باستحقاق الذمّ والعقاب على مخالفته، وعذرًا فیما أخطأ قصورًا... ولا یخفى أنّ ذلک لا یکون بجعل جاعل"[45]. وفی أصول الفقه عند المذاهب السنّیّة یُطرَح ما هو قریب من هذا العنوان أو عینه، ولکنْ بألفاظ أخرى تحت عنوان: "العذر بالجهل"، وفی المسألة خلاف بین الفقهاء[46]. وبناءً علیه، ألا یمکن أن نوسّع دائرة العذر والقبول إلى ما هو أوسع من إطار الأحکام الفرعیّة؟ أعتقد أنْ لا مبرّر لتضییق رحمة الله -تعالى- وحصرها فی دائرة الأحکام الفرعیّة، وخاصّة أنّ فی القرآن والسنّة النبویّة ما یؤیّد ما نذهب إلیه؛ ومن ذلک: قول النبی (ص): "رُفِعَ عن أمّتی تسعة... وما لا یعلمون..."[47].أکتفی بهذا المقدار من المعالجة الأصولیّة، وأشیر إلى بحث الأصولیّین مسألة بعنوان الإجزاء؛ أی کفایة الإتیان بالتکلیف الاضطراریّ عن الإتیان بالتکلیف الاختیاریّ، والتکلیف الظاهریّ عن التکلیف الواقعیّ؛ ما یحتاج إلى معالجة أوسع لعلّنا نوفَّق إلیها فی مناسبة أخرى.

 

خاتمة:

بناءً على ما تقدّم فی هذه المقالة، یمکن استخلاص النتائج التالیة:

1.    إنّ الحالة الأصلیّة للأمّة الإسلامیّة أنْ تکون أمّة واحدة. وهذه حقیقة قرآنیّة وسنّة نبویّة لا یجوز مخالفتها، وإذا خُولِفَت، فلا بدّ من عودة الأمور إلى نصابها والرجوع إلى الحالة الأصل.

2.    إنّ الاختلاف فی الدین وتفسیر النصوص الدینیّة أمر طبیعیّ بعد تعدّد المجتهدین وتعدّد البیئات التی ینتمون إلیها، وکلّ جهد یُبذل لتوحید الفهم هو تضییع للوقت، فالمطلوب هو أنْ نحسن إدارة الاختلاف، لا إزالته.

3.    إنّ الدین أمر مرتبط بالعقل والوجدان والضمیر الأخلاقیّ، فلا یُعقل بالإنسان المتوازن أنْ یخاطر ویتدیّن بما لا یقتنع به، کما لا یمکن أنْ یبدّل دینه تحت ضغط الإکراه والتکفیر، والطریقة المثلى للدعوة إلى ما نؤمن به هی الحوار والموعظة الحسنة.

4.    لا بدّ من التروّی فی الحکم على الآخرین، والتماس الأعذار والمبرّرات لهم، وإنْ اختلفوا معنا؛ انسجامًا مع الرؤیة القرآنیّة، ومع ما طُرِحَ فی الفقه الإسلامیّ من أفکار تنتهی إلى إعذار الناس، وعدم لومهم على ما آمنوا به.



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، وأستاذ فی جامعة المصطفى (ص) العالمیّة، من لبنان.

[2]  سورة الحجرات، الآیتان 9-10.

[3]  إشارة إلى قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ یَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِیلُ رُؤْیَایَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّی حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَی إِذْ أَخْرَجَنِی مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِکُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّیْطَانُ بَیْنِی وَبَیْنَ إِخْوَتِی إِنَّ رَبِّی لَطِیفٌ لِّمَا یَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِیمُ الْحَکِیمُ} (سورة یوسف، الآیة 100).

[4] سورة آل عمران، الآیة 103.

[5] سورة الأنبیاء، الآیة 92.

[6] سورة الحجرات، الآیة 10.

[7]  انظر: سورة البقرة، الآیات 8، 62، 136، 177، 232؛ سورة آل عمران، الآیات 84، 179، 193؛ سورة النساء، الآیات 59، 136، 152؛ إلى غیر ذلک من الآیات التی یستفاد منها هذا المعنى.

[8]  انظر: سورة البقرة، الآیات 136، 177، 285؛ سورة آل عمران، الآیة 84؛ سورة النساء، الآیات 136، 152، 170؛ وغیرها من الآیات فی سور أخرى.

[9]  انظر: سورة البقرة، الآیات 4، 41، 91، 136، 137، 177، 285؛ وغیرها من الآیات الواردة فی سور غیرها.

[10] انظر: سورة البقرة، الآیات 4، 62، 177، 232؛ سورة النساء، الآیات 38، 39، 59، 136، 162؛ وغیرها من الآیات فی سور أخرى.

[11]  انظر: سورة البقرة، الآیات 3، 177، 285؛ سورة النساء، الآیة 136.

[12]  المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقیق: محمد تقی المصباح الیزدی؛ محمد الباقر البهبودی، ط3 (المصحّحة)، بیروت، دار إحیاء التراث العربیّ، 1403هـ.ق/ 1983م، ج56، باب 24 (باب آخر فی وصف الملائکة المقرّبین)، ح35، ص260.

[13]  الجزینیّ العاملیّ، محمد بن مکّیّ (الشهید الأوّل): الذکرى، طبعة حجریة، لا ط، لا م، لا ن، ص132.

[14]  انظر: الحکیم، محسن: مستمسک العروة الوثقى، قم المقدّسة، مکتبة المرعشی النجفیّ، 1404هـ.ق، ج1، ص349؛ والروایة واردة فی کتاب: الکاشانیّ، محمد (الفیض الکاشانی): الوافی، تحقیق وتصحیح وتعلیق ومقابلة مع الأصل: ضیاء الدین الحسینیّ الأصفهانیّ، ط1، أصفهان، مکتبة الإمام أمیر المؤمنین علی (ع) العامّة، 1406هـ.ق/ 1365ه‍.ش، ج4، کتاب الإیمان والکفر، باب5، ح1676 (ح1 فی الباب)، ص77.

[15]  الحکیم، مستمسک العورة الوثقى، م.س، ص377.

[16]  الخمینیّ، روح الله: کتاب الطهارة، قم المقدّسة، إسماعیلیان، 1410هـ.ق، ج3، ص634.

[17] النوویّ، محیی الدین: المجموع فی شرح التهذیب، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج4، ص252.

[18]  السرخسیّ، شمس الدین: المبسوط، بیروت، دار المعرفة، 1406هـ.ق، ج10، ص112.

[19]  یحتاج توثیق هذه الاختلافات إلى مجال أوسع من هذه المقالة، ویمکن لمن أراد المزید أنْ یراجع الکتب الفقهیّة المتخصّصة فی فقه الخلاف وأسباب اختلاف الفقهاء؛ ومن هذه الکتب:

- الخفیف، علی: أسباب اختلاف الفقهاء، ط2، القاهرة مدینة نصر، دار الفکر العربی، 1416هـ.ق.

- الدهلوی، ولی الله: الإنصاف فی بیان أسباب الاختلاف، بیروت، دار النفائس، 1414هـ.ق.

وغیرهما من الکتب المتخصّصة.

[20]  سورة البقرة، الآیة 256.

[21]  سورة الأنعام، الآیة 108.

[22]  الترمذی، محمّد: الجامع الکبیر (سنن الترمذی)، تحقیق: عبد الرحمان عثمان، ط2، بیروت، دار الفکر، 1983م، ج3، ص226.

[23]  بن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا ط، بیروت، دار صادر، لا ت، ج5، ص63.

[24]  الطیالسی، سلیمان بن داود: مسند أبی داود الطیالسی، بیروت، دار المعرفة، لا ت، ح 1080، ص146.

[25]  البخاریّ، محمّد بن إسماعیل: صحیح البخاریّ، لا ط، بیروت، دار الفکر، 1981م، ج8، ص18؛ الحر العاملیّ، محمد: وسائل الشیعة إلى تحصیل مسائل الشریعة، ط2، تحقیق ونشر: مؤسّسة آل البیت لإحیاء التراث، بیروت، 1424هـ.ق، ج11، ص297، مع إضافة: "وأکل لحمه معصیة، وحرمة ماله؛ کحرمة دمه"؛ ورواه المحدّث الکاشانی فی: المحجّة البیضاء فی تهذیب الإحیاء، لا ط، دفتر انتشارات جماعة المدرّسین، لا ت، ج5،  ص218.

[26] الحرّ العاملیّ، وسائل الشیعة إلى تحصیل مسائل الشریعة، م.س، ج11، ص297.

[27]  م.ن، ص298.

[28]  م.ن.

[29]  أعفی نفسی من الإشارة إلى هذه الکتب؛ لکثرتها أولاً، ولعدم رغبتی فی اتّهام أصحابها، فربّما کانت لهم أعذارهم حتّى لو کانوا مخطئین فی التشخیص وتحدید الموقف من وجهة نظری.

[30]  الغزالی، أبو حامد: فضائح الباطنیّة وفضائل المستظهریّة، تحقیق: عبد الرحمن بدوی، طبعة دار بیبلون، باریس، لات، ص43. واللافت فی هذا النصّ إشارة الغزالی إلى مصطلح "ناصبی"؛ ما یکشف عن وجود مَنْ یجمع بین بغض آل البیت النبویّ فی تلک الفترة من التاریخ. ألا یدعو هذا إلى إعادة النظر فی التراث الشیعیّ الذی یستخدم هذا المصطلح؛ کما یستخدم السنة کلمة رافضة، وحمله على فترة تاریخیّة محدّدة، وعدم تعمیم حکم النواصب على سائر الملسمین السنّة؟!

[31]  م.ن، ص56. وعطف الروافض على الشیعة یدلّ بوضوح على وجود طائفتین تختلف إحداهما عن الأخرى.

[32] سورة الحدید، الآیة 20.

[33]  سورة البقرة، الآیة 265.

[34]  مطهّری، مرتضى: العدل الإلهیّ، ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقانی، بیروت، دار التعارف، 1981م، ص330.

[35] م.ن، ص336.

[36]  الأندلسیّ، علی (ابن حزم): الإحکام فی أصول الأحکام، القاهرة، نشر: زکریا علی یوسف؛ مطبعة العاصمة، لا ت، ج1، ص45.

[37]  الزرعیّ الدمشقیّ، محمد بن أبی بکر (ابن قیّم الجوزیّة): مختصر الصواعق المرسلة على الجهمیّة والمعطِّلة، اختصار: محمد الموصلّی، أضواء السلف، لا ت، ج2، ص421.

[38]  م.ن، ص297.

[39]  الشافعیّ، محمد بن إدریس: الأم، ط1، بیروت، دار الفکر، 1400هـ.ق، ج1، ص194.

[40]  الغزالی، أبو حامد: الاقتصاد فی الاعتقاد، تحقیق: موفّق الجبر، ط1، دمشق، دار الحکمة، 1415هـ.ق، ص210-211.

[41]  العلویّ، محمد بن علی بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، بیروت، دار المعرفة، لا ت، ج1، ص108.

[42] سورة النساء، الآیة 98.

[43] انظر: سورة النساء، الآیة 97.

[44] انظر: العیاشی، محمد بن مسعود: تفسیر العیاشی، تحقیق: هاشم الرسولی المحلاتی، لا ط، طهران، المکتبة العلمیّة الإسلامیّة، لا ت، ج1، ص268.

[45] الخراسانی، محمد کاظم: کفایة الأصول، ط1، بیروت، مؤسّسة آل البیت لإحیاء التراث، ص258.

[46]  فرید، أحمد: قضیّة العذر بالجهل والردّ على بدعة التکفیر، ط1، مکتبة التوعیة الإسلامیّة، 1998م؛ السید أحمد، بدر ریاض: قضیّة العذر بالجهل: الأسس والمفاهیم، مؤسّسة العلیاء للطباعة والنشر، 2007م.

[47]  ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): التوحید، تصحیح وتعلیق: هاشم الحسینیّ الطهرانیّ، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، لا ت، باب56، ح24، ص353.

 
[1] سورة الحجرات، الآیتان 9-10.
[1] إشارة إلى قوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَیْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ یَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِیلُ رُؤْیَایَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّی حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَی إِذْ أَخْرَجَنِی مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِکُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّیْطَانُ بَیْنِی وَبَیْنَ إِخْوَتِی إِنَّ رَبِّی لَطِیفٌ لِّمَا یَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِیمُ الْحَکِیمُ} (سورة یوسف، الآیة 100).
[1]سورة آل عمران، الآیة 103.
[1]سورة الأنبیاء، الآیة 92.
[1]سورة الحجرات، الآیة 10.
[1] انظر: سورة البقرة، الآیات 8، 62، 136، 177، 232؛ سورة آل عمران، الآیات 84، 179، 193؛ سورة النساء، الآیات 59، 136، 152؛ إلى غیر ذلک من الآیات التی یستفاد منها هذا المعنى.
[1] انظر: سورة البقرة، الآیات 136، 177، 285؛ سورة آل عمران، الآیة 84؛ سورة النساء، الآیات 136، 152، 170؛ وغیرها من الآیات فی سور أخرى.
[1] انظر: سورة البقرة، الآیات 4، 41، 91، 136، 137، 177، 285؛ وغیرها من الآیات الواردة فی سور غیرها.
[1] انظر:سورة البقرة، الآیات 4، 62، 177، 232؛ سورة النساء، الآیات 38، 39، 59، 136، 162؛ وغیرها من الآیات فی سور أخرى.
[1] انظر: سورة البقرة، الآیات 3، 177، 285؛ سورة النساء، الآیة 136.
[1] المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقیق: محمد تقی المصباح الیزدی؛ محمد الباقر البهبودی، ط3 (المصحّحة)، بیروت، دار إحیاء التراث العربیّ، 1403هـ.ق/ 1983م، ج56، باب 24 (باب آخر فی وصف الملائکة المقرّبین)، ح35، ص260.
[1] الجزینیّ العاملیّ، محمد بن مکّیّ (الشهید الأوّل): الذکرى، طبعة حجریة، لا ط، لا م، لا ن، ص132.
[1] انظر: الحکیم، محسن: مستمسک العروة الوثقى، قم المقدّسة، مکتبة المرعشی النجفیّ، 1404هـ.ق، ج1، ص349؛ والروایة واردة فی کتاب: الکاشانیّ، محمد (الفیض الکاشانی): الوافی، تحقیق وتصحیح وتعلیق ومقابلة مع الأصل: ضیاء الدین الحسینیّ الأصفهانیّ، ط1، أصفهان، مکتبة الإمام أمیر المؤمنین علی (ع) العامّة، 1406هـ.ق/ 1365ه‍.ش، ج4، کتاب الإیمان والکفر، باب5، ح1676 (ح1 فی الباب)، ص77.
[1] الحکیم، مستمسک العورة الوثقى، م.س، ص377.
[1] الخمینیّ، روح الله: کتاب الطهارة، قم المقدّسة، إسماعیلیان، 1410هـ.ق، ج3، ص634.
[1]النوویّ، محیی الدین: المجموع فی شرح التهذیب، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج4، ص252.
[1] السرخسیّ، شمس الدین: المبسوط، بیروت، دار المعرفة، 1406هـ.ق، ج10، ص112.
[1] یحتاج توثیق هذه الاختلافات إلى مجال أوسع من هذه المقالة، ویمکن لمن أراد المزید أنْ یراجع الکتب الفقهیّة المتخصّصة فی فقه الخلاف وأسباب اختلاف الفقهاء؛ ومن هذه الکتب:
- الخفیف، علی: أسباب اختلاف الفقهاء، ط2، القاهرة مدینة نصر، دار الفکر العربی، 1416هـ.ق.
- الدهلوی، ولی الله: الإنصاف فی بیان أسباب الاختلاف، بیروت، دار النفائس، 1414هـ.ق.
وغیرهما من الکتب المتخصّصة.
[1] سورة البقرة، الآیة 256.
[1] سورة الأنعام، الآیة 108.
[1] الترمذی، محمّد: الجامع الکبیر (سنن الترمذی)، تحقیق: عبد الرحمان عثمان، ط2، بیروت، دار الفکر، 1983م، ج3، ص226.
[1] بن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا ط، بیروت، دار صادر، لا ت، ج5، ص63.
[1] الطیالسی، سلیمان بن داود: مسند أبی داود الطیالسی، بیروت، دار المعرفة، لا ت، ح 1080، ص146.
[1] البخاریّ، محمّد بن إسماعیل: صحیح البخاریّ، لا ط، بیروت، دار الفکر، 1981م، ج8، ص18؛ الحر العاملیّ، محمد: وسائل الشیعة إلى تحصیل مسائل الشریعة، ط2، تحقیق ونشر: مؤسّسة آل البیت لإحیاء التراث، بیروت، 1424هـ.ق، ج11، ص297، مع إضافة: "وأکل لحمه معصیة، وحرمة ماله؛ کحرمة دمه"؛ ورواه المحدّث الکاشانی فی: المحجّة البیضاء فی تهذیب الإحیاء، لا ط، دفتر انتشارات جماعة المدرّسین، لا ت، ج5،  ص218.
[1]الحرّ العاملیّ، وسائل الشیعة إلى تحصیل مسائل الشریعة، م.س، ج11، ص297.
[1] م.ن، ص298.
[1] م.ن.
[1] أعفی نفسی من الإشارة إلى هذه الکتب؛ لکثرتها أولاً، ولعدم رغبتی فی اتّهام أصحابها، فربّما کانت لهم أعذارهم حتّى لو کانوا مخطئین فی التشخیص وتحدید الموقف من وجهة نظری.
[1] الغزالی، أبو حامد: فضائح الباطنیّة وفضائل المستظهریّة، تحقیق: عبد الرحمن بدوی، طبعة دار بیبلون، باریس، لات، ص43. واللافت فی هذا النصّ إشارة الغزالی إلى مصطلح "ناصبی"؛ ما یکشف عن وجود مَنْ یجمع بین بغض آل البیت النبویّ فی تلک الفترة من التاریخ. ألا یدعو هذا إلى إعادة النظر فی التراث الشیعیّ الذی یستخدم هذا المصطلح؛ کما یستخدم السنة کلمة رافضة، وحمله على فترة تاریخیّة محدّدة، وعدم تعمیم حکم النواصب على سائر الملسمین السنّة؟!
[1] م.ن، ص56. وعطف الروافض على الشیعة یدلّ بوضوح على وجود طائفتین تختلف إحداهما عن الأخرى.
[1]سورة الحدید، الآیة 20.
[1] سورة البقرة، الآیة 265.
[1] مطهّری، مرتضى: العدل الإلهیّ، ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقانی، بیروت، دار التعارف، 1981م، ص330.
[1] م.ن، ص336.
[1] الأندلسیّ، علی (ابن حزم): الإحکام فی أصول الأحکام، القاهرة، نشر: زکریا علی یوسف؛ مطبعة العاصمة، لا ت، ج1، ص45.
[1] الزرعیّ الدمشقیّ، محمد بن أبی بکر (ابن قیّم الجوزیّة): مختصر الصواعق المرسلة على الجهمیّة والمعطِّلة، اختصار: محمد الموصلّی، أضواء السلف، لا ت، ج2، ص421.
[1] م.ن، ص297.
[1] الشافعیّ، محمد بن إدریس: الأم، ط1، بیروت، دار الفکر، 1400هـ.ق، ج1، ص194.
[1] الغزالی، أبو حامد: الاقتصاد فی الاعتقاد، تحقیق: موفّق الجبر، ط1، دمشق، دار الحکمة، 1415هـ.ق، ص210-211.
[1] العلویّ، محمد بن علی بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، بیروت، دار المعرفة، لا ت، ج1، ص108.
[1] سورة النساء، الآیة 98.
[1] انظر: سورة النساء، الآیة 97.
[1] انظر: العیاشی، محمد بن مسعود: تفسیر العیاشی، تحقیق: هاشم الرسولی المحلاتی، لا ط، طهران، المکتبة العلمیّة الإسلامیّة، لا ت، ج1، ص268.
[1] الخراسانی، محمد کاظم: کفایة الأصول، ط1، بیروت، مؤسّسة آل البیت لإحیاء التراث، ص258.
[1] فرید، أحمد: قضیّة العذر بالجهل والردّ على بدعة التکفیر، ط1، مکتبة التوعیة الإسلامیّة، 1998م؛ السید أحمد، بدر ریاض: قضیّة العذر بالجهل: الأسس والمفاهیم، مؤسّسة العلیاء للطباعة والنشر، 2007م.
[1]  ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): التوحید، تصحیح وتعلیق: هاشم الحسینیّ الطهرانیّ، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، لا ت، باب56، ح24، ص353.