نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولًا: مفهوم الصحوة الإسلامیَّة وأسسها
ثانیًا: الصحوة المتجدِّدة
ثالثًا: الواقع الإسلامیّ قبل الصحوة
رابعًا: الوحدة الإسلامیَّة.. الهدف الأساس للصحوة
1. ثنائیَّة المبشّرین والغافلین
2. بین الخلاف الحقیقیّ واختلاف المذاهب
3. ثنائیَّة الوحدة والاختلاف
4. سبل حلّ الاختلاف
خامسًا: الأمر بتحقیق الوحدة الإسلامیَّة فی القرآن الکریم والسنَّة الشریفة
سادسًا: من موانع الوحدة وسبل إزالتها
الكلمات الرئيسية
الصّحوة الإسلامیّة ودورها فی تحقیق الوحدة الإسلامیَّة
أ. الدکتور عبد المجید زراقط[1]
خلاصة المقالة:
تتناول هذه المقالة بحث الصحوة ودورها فی تحقیق الوحدة الإسلامیَّة، وتشکیل القوّة الإسلامیّة الفاعلة فی هذا العالم. وقد جرى تحدید مفهوم الصحوة وأسسها، وبیان تجدّدها فی کلّ عصر، وقد تجدَّدت فی هذا العصر -بعد عهد طویل من الإغفاءة- بالوقوف عند حقیقة الواقع الإسلامیّ قبل الصَّحوة من منظورین: أوّلهما منظور الغرب الاستعماریّ، وثانیهما منظور العلماء المسلمین المصلحین المجدِّدین، وتبیَّن أنّ هؤلاء العلماء قد دعوا إلى الصحوة؛ لکنّ دعوتهم کانت فردیّة نخبویّة، فی حین کانت الصَّحوة المعاصرة فی إیران شعبیَّة ونخبویّة فی آن؛ حیث حقَّقت الثورة، ثمّ أقامت النظام الجمهوریّ الإسلامیّ.
من الواضح أنّ الوحدة الإسلامیَّة هی الهدف الأساس للصَّحوة الإسلامیَّة، وهنا تبدَّت ثنائیّة المؤمنین المبشَّرین والمنذَرین الغافلین الأشبه بالأنعام بل أضلّ، فخلاف المؤمنین مع هؤلاء لیس هو الاختلاف بین المذاهب الذی یعدّ أمرًا طبیعیًّا. وهنا تبدّت ثنائیّة الوحدة والاختلاف بوصفها ثنائیّة تکامل تفضی إلى الوحدة، کما أمر القرآن الکریم والسنَّة الشریفة. وقد کبر خطر "الأشبه بالأنعام"، فغدوا تکفیریّین إرهابیّین یخرجون على الإسلام ومنه، وبدت سبل التعامل مع الآخر جلیّة فی القرآن والسنَّة؛ ومنها الحوار الذی تفضی مؤسّساته المرکزیة والفرعیة إلى تربیة جیل إسلامیّ یحقّق الوحدة، ویشکّل القوّة الإسلامیَّة الفاعلة فی هذا العالم، فی سبیل سعیه إلى تشکیل شکل من أشکال الوحدة الکیانیّة.
مصطلحات مفتاحیّة:
القرآن الکریم، السنّة الشریفة، الإسلام، الصحوة، الوحدة، الواقع، الوعی، الاختلاف، المذاهب، الآخر المختلف، ...
استخدمت مصطلحات کثیرة للدَّلالة على الصَّحوة الإسلامیَّة، منها: الیقظة الإسلامیة، یقظة المسلمین، وعی المسلمین، النَّهضة الإسلامیَّة، نهضة المسلمین، أمَّا المصطلح الذی شاع واستقرَّ فهو المصطلح المعتمد فی هذه الدِّراسة، أی مصطلح "الصَّحوة الإسلامیَّة".
أولًا: مفهوم الصَّحوة الإسلامیَّة وأسسها:
الصَّحوة[2] الإسلامیَّة تعنی إفاقة الأمّة الإسلامیَّة من غفوة کانت الغیوم تملأ فضاءها فیها، والرؤیة الواضحة النَّافذة الکاشفة إلى واقعها فی فضاء صحوٍ، تنقشع فیه الغیوم، وتغیب فیه معوِّقات هذه الرُّؤیة جمیعها؛ ما یفضی إلى سعی الأمَّة إلى مواجهة تحدِّیات عالمها من منظور رؤیة الإسلام الشاملة، وإقامة النظام الإسلامیّ الذی یحلّ مشکلات المجتمع، وتحقیق الوحدة الإسلامیَّة، والإسهام فی بناء حضارة الإنسان بصیرورة هذه الوحدة قوَّة فاعلة فی هذا العالم.
وفی ضوء هذا المفهوم، نستطیع تحدید أسس الصَّحوة الإسلامیَّة وفق الآتی:
- الإفاقة من الغفوة، والیقظة، والنهضة.
- وعی الذات هویَّتها، وإجابتها بوضوح عن السؤال: من نحن؟ ما یتیح تحقیق التقریب بین المذاهب الإسلامیَّة وتحقیق وحدتها؛ لأنَّ هویّة أبناء هذه المذاهب الإسلامیَّة جمیعها هی الهویَّة الإسلامیَّة.
- امتلاک معرفة عمیقة وشاملة بالإسلام؛ بوصفه عقیدة، ونهجًا، ورؤیة، ونظامًا...
- امتلاک معرفة بأصول الاجتهاد واستنباط الحلول للمشکلات المستجدَّة فی مختلف المجالات.
- امتلاک المعرفة العلمیَّة الحدیثة فی مختلف المجالات.
- الرؤیة إلى الواقع العلمیّ، الاقتصادی، السیاسیّ، الاجتماعی؛ المحلّیّ والإقلیمیّ والدولیّ، من منظور المعرفة التی تمّ امتلاکها.
- امتلاک معرفة بالتراث، وتخلیصه من البدع والخرافات، وإحیاء الحیِّ المُسهم فی إغناء الصَّحوة منه.
- السَّعی إلى تحقیق الاستقلال والتنمیة والإنجازات التی تجعل المسلمین قوَّة منتجة فاعلة، مسهمة فی بناء الحضارة الإنسانیَّة فی مختلف المجالات.
ثانیًا: الصَّحوة المتجدِّدة:
جاء فی القرآن الکریم ما یفید أنّ "أمَّة" من المسلمین تدعو إلى الخیر فی کلِّ عصر، وتحقِّق الصَّحوة الإسلامیَّة: {ولتکن منکم أمَّةٌ یدعون إلى الخیر}[3]، کما تنفر طائفة من کلّ فرقة من فرقها للتفقُّه فی الدین، وامتلاک سبیل الصَّحوة: {فلولا نفر من کلِّ فرقة منهم طائفة لیتفقَّهوا فی الدِّین}[4].
وفی هذا العصر -کما فی کلّ عصر- نفرت طائفة من المسلمین، وتفقَّهت فی الدین، ونهضت تدعو إلى "الخیر"، وتمثّلت دعوتها فی ثورة إسلامیَّة شعبیَّة، انتصرت وأقامت نظامًا إسلامیًّا یمتلک شرعیَّةً دینیّة وشعبیَّة فی آن، ومنظورًا تمکَّن من استنباط الحکم الشرعیّ فی الإجابة عن الأسئلة المعاصرة من مصادر التشریع الإسلامیّ، على مستویی الأفراد والمجتمع، فی الوقت نفسه الذی امتلک فیه المعرفة العلمیَّة الحدیثة، وأجاد توظیفها.
وقد حدث هذا فی إیران فی العام 1979م، مباشرةً بعد أن وُقّعت معاهدة "کامب دیفید" ودخلت حیِّز التنفیذ، وبدا أنّ نظامًا أمیرکیًّا-صهیونیًّا یترسّخ فی المنطقة، فتمَّ إیقاف مسار التاریخ وتحویله إلى مسار آخر. فی هذا الشأن یجری الصِّراع الآن، والأمل بأنّ الانتصار سیتحقَّق، هذا ما یقوله الإمام الخمینی (قده): "إنّ الله تعالى قد وعد بانتصار المستضعفین على المستکبرین بتوفیقه ووعده وجعلهم أئمَّة، وها هو الوعد الإلهیّ قریب من تحقُّقه، إنَّنا لنأمل أن نشهد نحن هذا التحقُّق"[5].
ویعود هذا الأمل بالتَّحقُّق إلى عامل الوعی والیقظة؛ کما یضیف الإمام الخمینی (قده): "إنّ نقطة الوضوح التی تزیدنی فی أواخر عمری أملًا تترکَّز فی هذا الوعی، وتلک الیقظة، اللذین یسریان فی هذا الجیل الشَّاب. إنَّها روح ساریة بکلّ سرعتها؛ وهی، بحول الله تعالى، ستصل إلى نتائجها الحتمیّة، فتقطع أیدی الأجانب، وتبسط العدالة الإسلامیَّة"[6].
هذا الانتصار والأمل بتحقُّق الوعد الإلهیّ یعودان إلى الیقظة/ الصَّحوة التی تحقَّقت، فی مسارٍ من الإنجازات؛ ما أعاد الحیاة إلى المسلمین الناهضین من سباتهم. وهذا ما کان الإمام الخمینی (قده) یوجّهه فی نداءاته إلى عموم الشعب الإیرانیّ، ومنها النداء الذی وجّهه إلى الشعب فی العامّ 1972، جاء فیه: "... فاستیقظوا، وأیقظوا الغافلین، عودوا أحیاءً، وامنحوا الحیاة للأموات، وانطلقوا تحت لواء التوحید، لتطووا ملفَّ الاستعمار بنوعیه الأحمر والأسود"[7].
ومن هنا، یمکن إثارة التساؤل عمَّا کان علیه واقع المسلمین قبل حدوث هذه الصَّحوة؟!
ثالثًا: الواقع الإسلامی قبل الصَّحوة:
فی أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرین، وبعد إغفاء العالم الإسلامیّ إغفاءة طویلة، بدأ منعطف تاریخیّ؛ إذ أنهى الغزو الغربیّ الکیان السیاسیّ للخلافة العثمانیّة، واحتلَّ العالم الإسلامیّ، وقسَّمه إلى دول کثیرة، وعمل على أن تکون هذه الدّول مزارع وأسواقًا له، وعلى أن یکون هو مرکزها الحضاریّ، فترکّزت علاقاتها به، وقطعت صلاتها بعضها ببعضها الآخر، فغدونا، نحن العرب، على سبیل المثال، نعرف عن الغرب أکثر ممّا نعرف عن إیران وترکیا وباکستان والهند...
فی هذا الوقت، کان الغرب متقدِّمًا، وکان المسلمون متأخِّرین، وطُرِح السؤال: لماذا تأخَّر المسلمون وتقدَّم غیرهم؟
لقد عمل الغرب الاستعماریّ على الإجابة عن هذا السُّؤال، من منظوره الاستعماریّ، وکثرت بحوثه فی هذا المجال، لیحصِّل معرفة بالإسلام والمسلمین یوظِّفها فی خدمة مشروعه الاستعماریّ. یقول عبد الهادی بوطالب فی هذا الصَّدد: "فما کتب عن الإسلام خلال السنوات العشر الأخیرة، ممَّا تعجُّ به واجهات المکاتب فی أوروبا والولایات المتّحدة الأمیرکیَّة وبمختلف اللغات، یفوق فی حجمه ما کتبه الغرب عن الإسلام، منذ ظهور الإسلام إلى الیوم. وعلى سبیل المثال، نذکر أنَّ الإحصائیّات الفرنسیَّة تقول: إنَّ فرنسا وحدها سجَّلت ضمن بحوثها الجامعیَّة، خلال السنوات العشر المنصرمة، 5600 بحث جامعی عن الإسلام، وهو رقم قیاسی بالنسبة إلى ما تحظى به القضایا الأخرى من اهتمام الجامعیِّین"[8].
وفی سبیل التعرُّف إلى رؤیة الغرب الاستعماریّ، فی بحوثه المذکورة، نعود إلى ما ذکره المستشرق رینان فی هذا الصَّدد، ونعزِّزه بآراء اللورد کرومر فی الصدد نفسه.
ألقى المستشرق الفرنسیّ أرنست رینان، فی 29 آذار (مارس) من العام 1883م، فی جامعة السوربون فی باریس، محاضرةً عنوانها: "الإسلام والعلم" جاء فیها: "إنّ مسؤولیّة تأخُّر المسلمین ترجع إلى الإسلام، کما إنّ العرب والمسلمین لم یبدعوا حضارةً قط، وإنَّما قاموا بتعریب الحضارة الیونانیَّة"[9].
وفی الرَّد على هذا الزَّعم، سأل عباس محمود العقَّاد ساخرًا، ومقرِّرًا حقیقة؛ مفادها: أنّ حضارة الیونان نفسها ذات أصول مشرقیّة، فقال: "لماذا لم تظهر الفلسفة الیونانیَّة فی جزیرة کریت قبل اتّصال الإغریق بمصر وبابل!؟"[10].
ویوضّح رینان نظریّته الاستعماریّة، فیقول، على سبیل المثال، فی خطابه فی الأکادیمیّة الفرنسیَّة الذی ردَّ فیه على زمیله فی الأکادیمیة نفسها دولیسبس: "إنّ مصر التی تملک موقعًا متمیِّزًا فی العالم، وفی التاریخ، والتی تشکِّل اهتمام الجمیع، وتتجاذبها المصالح المشترکة للعالم أجمع، لا یمکن أن تظلَّ منتمیة إلى نفسها، بل یجب أن یُفْرَض علیها تحیید شامل، لتصبح به ملکًا للإنسانیّة، والوسیلة المؤدِّیة إلى ذلک هی قتل روحها الوطنیَّة"[11].
ویکشف عبدالهادی بوطالب وسیلة أخرى لتنفیذ المشروع الاستعماریّ؛ وهی التفرقة بین المسلمین، الذی ما انفکّ مستمرًّا منذ ذلک التاریخ حتى الیوم، فیقول: "إنّ رینان، حین یهاجم الإسلام بعنف، تلتبس فی ذهنه المفاهیم؛ إذ یضع الشِّیعة المسلمین فی جانب، والإسلام فی جانب آخر، أو عن قصد یذکر هذا الالتباس لیبنی علیه منطقه الزَّائف"[12].
والحقیقة هی أنّ هذا "المنطق الزائف" هو الأداة التی استخدمت فی خدمة المشروع الاستعماریّ، وما زالت تستخدم حتى الآن، وها نحن نرى نتائجها فی حروب التکفیریّین ورعاتهم الوحشیّة.
وزعم اللّورد "کرومر"، فی کتابه الصَّادر العام 1908م، أنّ الإسلام قد مات، أو أنّه على أبواب الموت، وأنّ الإصلاحات لا یمکن أن تعید إحیاءه؛ لأنّ الموت کامن فی جوهره.
ویضیف، فیرى أنَّه ینبغی للعالم الإسلامی، کی یسایر التطوُّر، أن یقبل التحدیث من دون الإسلام؛ لأنّه لا ینسجم مع الحداثة، فالمسلمون جبریّون، والطریقة الوحیدة التی یسع الغرب التعامل بها معهم هی القمع والاحتواء، ومساعدة الحکومات المسلمة التابعة له والتی تقاوم إسلامیِّیها حتى یُزالوا، أو یخضعوا کلّیًّا[13].
وقد عمل الغرب الاستعماریّ على تنفیذ هذه النظریّة، علاوة على زرعه الکیان الصهیونیّ فی قلب العالم الإسلامیّ؛ لیؤدّی دورًا یتمثّل فی حیلولته دون وحدتها، وإبقائه الصِّراع دائمًا، وتبدیده للثروات؛ إذ تُصرف الأموال على شراء الأسلحة، وتعوَّق التنمیة، وتبقى المنطقة بؤرة توتر واضطراب وبرمیل بارود جاهز للانفجار لدى حاجة المشروع الاستعماریّ إلى ذلک.
وفی هذا السیّاق، حذَّر شارل دیغول من "العملاق النائم الذی تداعب خصلات شعره میاه الأطلسیّ، وتغسل رجلیه میاه المحیط الهادئ".
وهکذا أراد الغرب الاستعماریّ "أن یقتنع المسلمون بأنّ القبول بواقعهم والخضوع للغرب، وتبعیّتهم له، هو قدرهم المحتوم المفروض أن یتعایشوا معه، حالهم حال قول الشاعر:
کالعیس فی البیداء یقتلها الظما والماء فوق ظهورها محمول
وفی جانب من هذا الواقع، انحصر الدین فی غرف الحوزات والمراکز الدِّینیَّة، واقتصر النشاط على العبادات وإحیاء الشعائر والتحلِّی بالأخلاق الإسلامیَّة، وفی جانبٍ ثانٍ، دخل إلى معتقدات الفئات الشعبیَّة کثیر من الخرافات، علاوة على الجهل بالمسلم الآخر، وفی جانب ثالث نهض علماء أجلاء کبار، وسعوا إلى التجدید؛ ومنهم: جمال الدین الأسد آبادیّ (المعروف بالأفغانیّ)، محمد عبده، أبو الأعلى المودودیّ، ابن بادیس، محمد إقبال اللاهوریّ، المیرزا النائینیّ، والعلامة الطباطبائیّ...، علاوة على قیام حرکات إسلامیَّة دینیَّة سیاسیَّة لا یتّسع المقام للتفصیل فی شأنها...
وقد عمل هؤلاء العلماء على الإجابة عن الأسئلة المستجدَّة، ففی الإجابة عن السؤال: "لماذا تأخَّر المسلمون وتقدَّم غیرهم؟". قال "الأفغانی"؛ کما جاء فی "العروة الوثقى": "إنّ المسلمین، بأصول دینهم، أنور عقلًا، وأنبه ذهنًا، وأشدّ استعدادًا لنیل الکمالات الإنسانیّة، ولما سلخ فی نفوسهم من جذور المعارف التی أرشدهم إلیها دینهم، ونالوا منها النَّصیب الأعلى فی عنفوان دولتهم، فإنّهم یعدّون أنفسهم أولى الناس بالعلم وأجدرهم بالفضل"[14].
وإذ قرَّر ذلک، عاد إلى التاریخ والواقع، فقارن بینهما، وانتهى إلى الإجابة عن السؤال: ما هو السبب فی هذا الفرق بین المسلمین وغیرهم، فقال: "کانت أرض المسلمین تمتدّ من ساحل المحیط الأطلسیّ حتّى قلب بلاد الصِّین، وکانت کلّها مستقلَّة وعامرة وأفضل بقاع الأرض...، أمّا الآن، فأراضی المسلمین منهوبة، وأموالها مسلوبة، یحتلّ الأجانب بلاد المسلمین، ویصادر الآخرون ثرواتهم...، فما هو السبب؟ الاستعمار هو المشکلة، وهو ما یجب التخلُّص منه. وقبل ذلک، ینبغی التخلُّص من النظرة الدونیة إلى الذات، ومن الإحساس بالإحباط، والعودة إلى أصول الدِّین الحنیف..."[15].
لکنّ هذه الجهود لم تثمر صحوة إسلامیَّة، إذ إنّها بقیت جهودًا فردیَّة نخبویّة، ولم تشکّل ظاهرة شعبیّة - نخبویّة فی آن، لهذا، وکما یقول حسین منصور الشیخ: فی مرحلة الاستقلال، "تقاسم المجتمعات الإسلامیَّة اتّجاهان: أحدهما غربیّ والآخر شرقیّ، فیما غاب عنها النموذج الإسلامیّ، وأصبحت المناداة به ضربًا من الرجعیَّة والأصولیَّة المتشدِّدة"[16].
رابعًا: الوحدة الإسلامیَّة.. الهدف الأساس للصَّحوة:
إنّ الهدف الأساس لِلصَّحوة الإسلامیَّة هو الوحدة الإسلامیّة، وهذا أمر بدیهیّ؛ لأنّ باعِثَی الصَّحوة ومَصْدَری الإسلام، لدى المذاهب الإسلامیة جمیعها، هما: القرآن الکریم والسنَّة النبویّة الشریفة، کما إنّ أصول الإسلام لدى هذه المذاهب جمیعها هی أصول واحدة، فالجمیع یؤمنون بالله -سبحانه وتعالى- ربًّا، وبمحمد (ص) نبیًّا، وبالقرآن الکریم کتابًا، وبالکعبة المشرَّفة قبلةً وبیتًا یُحَجُّ إلیه، وبأنّ الإسلام خاتم الأدیان، ورسوله (ص) خاتم الرُّسل، وکلّ ما جاء به حقٌّ، وبأنّ الساعة حقٌّ، والبعث حقٌّ، والحساب فی الدَّار الآخرة حقٌّ، والجنَّة والنَّار حقٌّ.
والواقع یفید أنّ أحدًا لم ینکر أصلًا ولم یزد أصلًا.
هذا مضافًا إلى الإیمان بأنّ ثمّة هدفًا من الخلق: {ربّنا ما خلقت هذا باطلًا...}[17]، وبأنّ هذا الهدف هو عبادة الله سبحانه وتعالى: {وما خلقت الجنَّ والإنس إلا لیعبدون}[18].
وهذا یعنی أنّ المسلمین جمیعهم یسعون فی هذه الحیاة فی سبیل تحقیق هدف واحد، هم مسؤولون عنه: {وقفوهم إنهم مسؤولون}[19].
ومن ینهض منهم بأداء المسؤولیّة یُعدُّ من المبشَّرین: {فبشِّر عباد* الذین یستمعون القول فیتَّبعون أحسنه أولئک الذین هداهم الله وأولئک هم أولو الألباب}[20].
1. ثنائیة المبشّرین والغافلین:
إنَّ عباد الله -سبحانه وتعالى- المبشَّرین هم الذین یصغون إلى القول، ویُعْمِلون عقولهم ویهتدون إلى الأحسن؛ ما یعنی أنّهم یتمیَّزون بمزایا: أولاها السعی إلى تحصیل المعرفة وبذل ما أمکن من الجهد فی سبیل ذلک، وثانیتها إعمال العقل واختیار الأحسن، وثالثتها إنجاز ذلک فی فضاء هدایة الله سبحانه وتعالى؛ أی فی فضاء أصول الإسلام وأسسه.
وفی مقابل هؤلاء المهتدین أولی الألباب... المبشَّرین، یوجد من لا یستخدم ما أعطاه الله -سبحانه وتعالى- من قدرات، فکان کالأنعام؛ بل أضلّ سبیلًا، هؤلاء هم الغافلون: {ولقد ذرأنا لجهنّم کثیرًا من الجنِّ والإنس، لهم قلوب لا یفقهون بها، ولهم أعین لا یبصرون بها، ولهم آذان لا یسمعون بها، أولئک کالأنعام، بل هم أضلُّ، أولئک هم الغافلون}[21].
وهکذا تتشکّل ثنائیّة تضاد: طرفها الأوّل المهتدون، أولو الألباب المبشَّرون، وطرفها الثانی الغافلون، معطِّلو قدراتهم، المنذرون...
وقد تکرَّر الترکیز على التدبُّر والتعقُّل فی القرآن الکریم؛ ومن ذلک: {لیدَّبروا آیاته}[22]، {إنَّ فی ذلک آیةً لقومٍ یعقلون}[23]؛ ما یفید أنّ الإنسان یکون أحد اثنین: {إنا هدیناه السبیل إمَّا شاکرًا وإمَّا کفورًا}[24]، وعلى هذا الأساس یحاسب: {ویخشون ربهم ویخافون سوء الحساب}[25].
2. بین الخلاف الحقیقیّ واختلاف المذاهب:
إنّ هذا التمییز بین مُبَشَّر ومُنْذَر، وبین شاکر وکفور، یحدِّد الخلاف الحقیقیّ من نحو أوّل، وسبل التعامل مع اختلاف المذاهب من نحو ثانٍ.
ففی صدد الخلاف الحقیقیّ، من الواضح أنّه بین المؤمنین والمبشَّرین من جهة، والغافلین الأضلّ من الأنعام من جهة ثانیة؛ کما مرَّ بنا آنفًا.
وفی صدد الاختلاف بین المذاهب، یبدو واضحًا أنّه لیس من هذا النوع من الخلاف، وإنّما هو عائد إلى الاجتهاد لسدِّ الفراغ بعد غیاب رسول الله (ص) وانقطاع الوحی.
ویمکن بیان ذلک وفق الآتی:
- القرآن الکریم والسنَّة الشریفة هما مصدرا التشریع فی الإسلام. والقرآن الکریم قاطع فی أصول العقائد، وفی ما لا یتغیَّر بتغیُّر الأزمان والأحوال والمصالح، وفی ما عدا ذلک من أمور یتمُّ التدبُّر والتأویل والاجتهاد. وفی هذه الأمور کان الخلاف؛ تبعًا لاختلاف الأفهام وقواعد النَّظر وتقدیر العلل والمصالح.
- السنَّة الشریفة تأخَّر تدوینها، وتعدَّدت الرِّوایات، واختُلف فیها لأسباب کثیرة؛ ما أفضى إلى خلاف فی أمور لیست من أصول العقائد، وإنّما فی الفروع.
- مستجدَّات الحیاة لا تنتهی، وقد جددت الأسس والأصول والمبادئ للنظر إلى هذه المستجدّات؛ لکن قد یقع الخلاف لدى النَّظر إلى کثیر من الأمور...
هکذا وقع الخلاف الفقهیّ، ویقع، وینقل أنّ الإسلام عرف مذاهب کثیرة، بلغت، منذ أوائل القرن الثانی حتى منتصف القرن الرابع الهجریَّین حوالی خمسین مذهبًا، بقی منها سبعة مذاهب حتى الیوم؛ هی: الإمامی الاثنا عشریّ، الزیدیّ، الحنفیّ، الشَّافعیّ، المالکیّ، الحنبلیّ، والأباضیّ.
إنَّ هذا الاختلاف، إنْ أُجید تدبُّره، ثروةٌ وغنى؛ لأنّه ولید اجتهاد حرّ، وتشاور مثمر، وبه یکون المتدبِّر من المبشَّرین المهتدین، وإنْ تمّ فَقْدُ "التدبُّر"؛ کان الفاقد من المنْذَرین، وأشبه بـ "الأنعام"، بل أضلّ؛ إذ یصل به الأمر إلى تکفیر المسلم الآخر وقتله.
جاء فی القرآن الکریم نهی عن أن یکون المؤمن من "الغافلین": {ولا تکن من الغافلین}[26]، وأنذر الغافلین الظَّالمین بالعقاب: {وسیعلم الذین ظلموا أیَّ منقلب ینقلبون}[27].
3. ثنائیَّة الوحدة والاختلاف:
الاختلاف فی الأمّة الواحدة أمر طبیعیّ، وقد نصَّ القرآن الکریم على الوحدة والاختلاف فی آن، فقال فی الوحدة: {إن هذه أمتکم أمة واحدة وأنا ربکم فاعبدون}[28]، وقال فی الاختلاف: {یا أیها الناس إنا خلقناکم من ذکر وأنثى، وجعلناکم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أکرمکم عند الله أتقاکم، إن الله علیم خبیر}[29]. وهذا یعنی أنّ الأساس هو وحدة الأمَّة، وإنْ کان من اختلاف فی ما بین مکوِّناتها، فالهدف منه "التعارف"، والمعیار فی التفاضل هو "التَّقوى".
وجدیر بالذِّکر هنا أنّ من غیر الممکن أن یتحقَّق تعارف حقیقیّ بین المسلمین؛ إلاَّ إذا وجدت لغة جامعة، إلى جانب اللغة القومیَّة لکلّ شعب، ولتکنْ هذه اللغة لغة القرآن الکریم والسنَّة النبویّة الشریفة والعبادة والتراث الإسلامیّ؛ أی اللغة العربیَّة، ولیس اللغة الإنکلیزیّة، التی یتمّ التفاهم بها الیوم بین المسلمین مختلفی اللغة!
4. سُبل حلِّ الاختلاف:
وقد حدَّد القرآن الکریم سبیل حلِّ الاختلاف، فجاء فیه: {فإن تنازعتم فی شیءٍ فردُّوه إلى الله والرسول}[30]، ورأى أنّ من یتحوّل بالاختلاف إلى تفریق المسلمین إلى شیع، ولا یردُّ الأمر إلى الله، سبحانه وتعالى، لیس من المسلمین، وسیحاسب على ما قام به: {إنَّ الذین فرَّفوا دینهم وکانوا شیعًا لست منهم فی شیءٍ، إنما أمرهم إلى الله، ثم ینبِّئهُم بما کانوا یفعلون}[31].
ولا تعنی الوحدة أن یتشیَّع السُّنِّی، أو أن یتسنَّن الشِّیعی؛ وإنَّما تعنی العودة إلى أصول الإسلام، والنظر إلى مصلحة الإسلام والمسلمین، والاتّفاق على مشروع یحقِّق هذه المصلحة، یتمّ السعی إلى تحقیقه، وصولًا إلى تشکیل شکلٍ من أشکال الکیان الواحد الاقتصادیّ والثقافیّ والسیاسیّ...
وهذا ما نستفیده ممّا جاء فی القرآن الکریم، کما مرَّ بنا قبل قلیل، ومن قراءة وقائع التاریخ الإسلامیّ؛ ومن هذه الوقائع أنّ النبیَّ (ص) أسّس، منذ استقرَّ فی المدینة المنوَّرَة، الکیان السِّیاسیّ الواحد القائم على أساس نصٍّ مکتوب ینظِّم العلاقات بین مکوِّنات سکّان المدینة المنوَّرة، علاوةً على قیامه قبل ذلک بالمؤاخاة بین المسلمین.
هذا نهج فی التعامل مع الآخر المختَلَف معه، وفی حلِّ الخلاف. وتکتمل معالم هذا النهج عندما نقرأ خطاب الإمام علی (ع) للخوارج، إذ قال لهم: «إنَّ لکم عندنا ثلاثًا ما صحبتمونا: لا نمنعکم مساجد الله أن تذکروا فیها اسمه، ولا نمنعکم الفیء ما دامت أیدیکم فی أیدینا، ولا نقاتلکم حتى تبدؤونا». الواضح أنّ هذا النهج هو مثل أعلى فی التسامح مع فئة لا تعرف التَّسامح عند الخلاف فی الرَّأی([32]).
ویرى الشیخ محمود شلتوت أنّ الطریق الوحید لثبوت العقائد هو القرآن الکریم، واعتماد نوع محدَّد من آیاته هو قطعیّ الدلالة، ولا یحتمل معنیین فأکثر، والحدیث الشریف، شریطة أن یکون قطعیًّا فی وروده وفی دلالته. ویشیر إلى مسألة مهمَّة؛ وهی أنّ الانقسام الحادّ یتمَّ تجاوزه کلّما تقارب المسلمون سیاسیًّا. وذکر أنّه کان یعرض آراء المذاهب فی المسألة الواحدة، بما فیها المذهب الشیعیّ، وکثیرًا ما کان یرجِّح رأی هذا المذهب؛ خضوعًا لقوّة الدلیل[33].
إنّ الخضوع لقوَّة الدلیل یعنی أنّ على رجل الدِّین أن یبنی أحکامه وأقیسته وتحقیقاته، فی کلّ أمر من أمور الشَّرع، على أساس الکتاب والسنَّة، فإنْ تجاوزهما إلى اجتهاد لا یستند، ابتداءً ولا ینتهی بوسیلة مشروعة إلى أحد هذین الأصلین؛ فقد تجاوز حدَّه، واتّخذ لنفسه سلطة الاستقلال فی التشریع. وهذه بدیهة لیست محلًا للنظر والبحث فی أیّ مذهب من المذاهب الإسلامیَّة، ومرجعها إلى قوله تعالى: {إن الحکم إلا للَّه...}[34]، {ومن لم یحکم بما أنزل الله فأولئک هم الکافرون}[35]. وما لیس فیه نصّ یستخرج حکمه من عمومات الکتاب والسنَّة، إذ لم یفرَّط فیهما من شیء: {ما فرَّطنا فی الکتاب من شیء}[36]، {ونزَّلنا علیک الکتاب تبیانًا لکلّ شیء}[37].
خامسًا: الأمر بتحقیق الوحدة الإسلامیَّة فی القرآن الکریم والسنَّة الشریفة:
إنَّ المسلم الذی صحا، ووعى ذاته، یعود إلى القرآن الکریم بعد أنْ لم یعد القرآن بالنسبة إلیه قطعة أثاث تُزیَّن بها المکتبة، أو یتمّ التبرُّک بها...!، وإلى السنَّة الشریفة، فیجد الأمر بتحقیق الوحدة الإسلامیَّة محورًا مرکزیًّا من محاوره، فالمسلمون أمّة واحدة: {إنّ هذه أمّتکم أمّة واحدة، وأنا ربّکم فاعبدون}[38]، لا بدّ لهم من الاعتصام بـ"حبل الله"؛ أی بالعقیدة التی مثّلت نعمةً ألَّفت القلوب...: {واعتصموا بحبل الله جمیعًا، ولا تفرَّقوا، واذکروا نعمة الله علیکم إذ کنتم أعداء فألَّف بین قلوبکم، فأصبحتم بنعمته إخوانًا، وکنتم على شفا حفرةٍ من النَّار، فأنقذکم منها، کذک یبیِّن الله لکم آیاته لعلکم تهتدون}[39]، والأمَّة التی تعتصم بحبل اللهَ، وتتوحَّد فی سعیها فی هذه الحیاة، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنکر، هی خیر أمَّة أخرجت للناس: {کنتم خیر أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنکر، وتؤمنون بالله}[40]، یوالی بعضها بعضها الآخر: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولیاء بعض یأمرون بالمعروف وینهون عن المنکر ویقیمون الصلاة ویؤتون الزکاة ویطیعون الله ورسوله. أولئک سیرحمهم الله. إن الله عزیز حکیم}[41].
ویتکرَّر الأمرُ القرآنی بالوحدة فی السعی إلى الخیر: {وتعاونوا على البرِّ والتَّقوى}[42]. ففی سعی المؤمنین إلى البرِّ والتقوى، یتوحَّدون فی شعورهم، فی خشوع قلوبهم لذِکْر الله، ولما نزل من الحقّ: {ألم یأنِ للذین آمنوا أن تخشع قلوبهم لذکر الله وما نزل من الحقِّ}[43]، ویکونون إخوة فی الإیمان: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[44]، أشداء على الکفَّار رحماء بینهم: {محمّد رسول الله والذین معه أشداء على الکفَّار رحماء بینهم}[45].
وممَّا جاء فی السنَّة الشریفة، فی هذا الشأن: "المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله. المسلم أخو المسلم، لا یظلمه ولا یخذله"[46].
"التقوى هاهنا -وأشار بیده إلى القلب- وبحسب امرئ من الشرِّ أن یحقِّر أخاه المسلم"[47]، "من أصبح لا یهتم بأمور المسلمین فلیس منهم، ومن سمع رجلًا ینادی: "یا للمسلمین!" ولم یجبه، فلیس بمسلم"[48].
وإذ یحدث هذا یکونون کالجسد الواحد: "مثل المؤمنین، فی توادّهم وتراحمهم؛ کمثل الجسد الواحد إذا اشتکى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالحمَّى والسهر"[49].
سادسًا: من موانع الوحدة وسُبُل إزالتها:
إنْ یکن الأمر هکذا، فما هی الموانع التی تحول دون الوحدة؟ ویمکن الکلام على هذه الموانع تحت عنوانین؛ أوّلهما: العوامل الخارجیَّة، وتتمثّل فی الاستعمار الغربیّ، الذی قسَّم العالم الإسلامیّ إلى کیانات تتوافر فیها عوامل الصِّراع، وعمل على إبقاء الأمَّة فی حال التخلُّف: مزارع وأسواق، وعلى تعویق التنمیة فیها، وعلى إذکاء الخلافات والنزاعات القومیّة والقطریّة والعنصریة والطائفیَّة والمذهبیة. وثانیهما: العوامل الداخلیَّة، وتتمثّل فی الحکومات التابعة، المتّخذة الإسلام غطاء، و"فقهاء السلطان" الذین "یسوِّغون" أحکام هذه السلطات ویستسهلون الفتوى، وقفل باب الاجتهاد، والاهتمام بأمور ثانویّة، والقشریّة والتحجُّر والتعصُّب الحزبیّ، وفقدان التخطیط... واستحضار الخلافات التاریخیَّة، والجهل بالمسلم الآخر وعدم قبوله.
وفی هذه الأیام، برز "وباء" أسهمت العوامل الخارجیَّة والداخلیة فی تکوینه؛ وهو التکفیریّون الإرهابیّون، الذین یُحلُّون دم الآخر المختلف معهم، ویدَّعون أنّ هذه هی رؤیة الإسلام! والحقّ أنّ العودة إلى القرآن الکریم تفید، فضلًا عمَّا سبق ذکره، أنّ: {من قتل نفسًا بغیر نفسٍ، أو فسادٍ فی الأرض، فکأنما قتل الناس جمیعًا، ومن أحیاها فکأنما أحیا الناس جمیعًا}[50]، {وما کان لمؤمن أن یقتل مؤمنًا إلا خطًا}[51]، وأنّ العودة إلى السنَّة النبویّة الشریفة تفید أنّ النبی (ص) استنکر قتل أسامة بن زید لرجل نطق بشهادة أنْ لا إله إلا الله بقوله: "أقتلته بعدما قال: لا إله إلاَّ الله!؟"[52]، وأنّه لم یقتَل منافقی المدینة، وهو یعرفهم، ویعرف ما یصنعون، وأنّه قال للمکِّیِّین -وفیهم من فیهم!- لدى فتح مکة: "اذهبهوا فأنتم الطلقاء"[53].
ومن هذا المنطلق، لا بدّ من تحدید سُبل التَّعامل مع الآخر المختلف؛ وبالعودة إلى القرآن الکریم نجده یحدِّد سبلًا للتعامل مع الآخر المختلف، کما فی عدم نهیه المؤمنین عن برِّ الذین لم یقاتلوهم: {لا ینهاکم الله عن الذین لم یقاتلوکم فی الدِّین، ولم یخرجوکم من دیارکم، أن تبُّروهم، وتقسطوا إلیهم، إن الله یحبُّ المقسطین}[54]، ودعوته إلى عدم إکراه الآخر على الدین: {لا إکراه فی الدِّین}[55]، وإلى الدعوة إلیه تعالى بالحوار اللَّین المستند إلى البراهین، وإنْ طال؛ بوصفه هو سبیل التعامل مع الآخر: {ادع إلى سبیل ربِّک بالحکمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتی هی أحسن إنَّ ربَّک هو أعلم بمن ضلَّ عن سبیله وهو أعلم بالمهتدین}[56]، {قل هذه سبیلى أدعو إلى اللَّه على بصیرة أنا ومن اتبعنی}[57]، {اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولًا لیِّنًا لعلَّه یتذکَّر أو یخشى}[58]. {ولا تجادلوا أهل الکتاب إلاَّ بالتی هی أحسن}[59]، {قل یا أهل الکتاب تعالوا إلى کلمةٍ سواء بیننا وبینکم ألاَّ نعبد إلاَّ الله ولا نشرک به شیئًا}[60]...
خاتمة:
إنَّ تکتل القوى المتجانسة، فی هذا العالم، یجعل منها قوَّة فاعلة، فکیف إنْ صحا المسلمون وعادوا إلى قرآنهم وسنَّة نبیِّهم (ص)، ووعوا ذاتهم وامتلکوا هویّتهم، وسعوا إلى تحقیق أهدافهم، موحَّدین مواصلین حوارهم؟ إنّ هذا سیجعل منهم قوَّة کبرى تؤهّلهم إلى ذلک، بخاصّة إذا لاحظنا -علاوة على ما سبق- ما یمتلکون من حجم سکّانیّ وموارد طبیعیّة ووضع جغرافیّ!
هذه المهمَّة هی أهمّ مهمَّة فی هذه المرحلة من التاریخ، وهی مسؤولیّة الجمیع: القادة، العلماء، المثقّفین، العمّال، والفلاحین...، ویتحقّق ذلک من طریق العودة إلى الإسلام متمثّلًا فی مصدرَیه: القرآن الکریم، والسنّة الشریفة، وما یتمّ الاتّفاق علیه، فی صدد المسائل المستجدّة، من طریق الحوار المفروض أن تقوم به مؤسَّساته، المرکزیّة والفرعیَّة، وخصوصًا المدنیَّة والأهلیَّة، الفاعلة عملیًّا فی مختلف المجالات، لتُعَمّم الصَّحوة الإسلامیَّة، وتصبح صحوة شعبیّة نخبویَّة فی آن، ولیست فردیّة نخبوَّیة فحسب.
ویمکن، بغیة تحقیق هذا الهدف، الممهِّد لقیام شکل من أشکال الوحدة الکیانیّة، استخدام مناهج التربیة والتعلیم فی المدرسة والجامعة، والمحاضرات، والندوات، والمؤتمرات، والبحث العلمیّ المشترک، والصحافة، والإذاعة، والتلفزة، والإنترنت، والأدب، والرَّسم، والموسیقى، والسینما، والدراما التلفازیّة، وإعادة دور المسجد؛ شریطة أن یکون أئمّة الجماعة واعین بقضایا الأمّة الواحدة ومستقبلها.
وهذا یکوِّن ثقافة إسلامیَّة منتجة وفاعلة على مختلف المستویات، فیتمّ الاتّصال الذی انقطع بین المسلمین الذین یعرفون عن تراث الغرب أکثر ممّا یعرفون عن أنفسهم، وعن التراث الإسلامیّ، وتراث الأقطار الإسلامیَّة!
فالمهمّة الأساس، إذًا، تتمثّل فی خلق جیل مسلم توحّده العقیدة والثقافة والشعور والتضامن والهدف والانتماء... وقضایا مشترکة؛ أهمُّها: قضیّة تحریر فلسطین والقدس، ومقاومة الاستعمار بمختلف أشکاله، والخلاص من الأنظمة المستبدَّة الفاسدة.
وختامًا یخطر هذا السؤال: هل کان الإسلام نائمًا فصحا؟!
لا، فعمر الإسلام هو عمر البشر، یتجدَّد فی کلّ عصر، ولکلِّ عصرٍ مستجدَّاته. ومن غفا هم المسلمون، غفوا زمنًا طویلًا، ثمّ صحوا...!
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من لبنان.
[2] الصَّحوة فی اللغة من "صحا". ومن معانیها فی اللغة: ارتفاع النَّهار، وذهاب السُّکر، وترک الصِّبا والباطل، وذهاب الغیم، والإفاقة وعودة الوعی (انظر: الرازی، محمد بن أبی بکر: مختار الصِّحاح، ط. حدیثة ومنقّحة، بیروت، دار ومکتبة الهلال، 1988م، ص356-357).
[3] سورة آل عمران، الآیة 104.
[4] سورة التوبة، الآیة 122.
[5] مجموعة من الباحثین (المعاونیة الثقافیّة للمجع العالمی للتقریب بین المذاهب الإسلامیّة): الصَّحوة الإسلامیَّة - حقیقتها وسبل دعمها وترشیدها-، إشراف: علی أصغر الأوحدی، ط1، طهران، المجمع العالمی للتقریب بین المذاهب الإسلامیّة، 1433هـ.ق/ 2012م، ص120.
[6] م.ن، ص122.
[7] م.ن.
[8]بوطالب، عبد الهادی: الصَّحوة الإسلامیَّة، ط1، بیروت، دار الکتاب اللبنانی، 1986م، ص31.
[9] م.ن، ص23.
[10] بوطالب، الصَّحوة الإسلامیَّة، م.س، ص28.
[11]م.ن، ص26.
[12] م.ن، ص25.
[13]انظر: التسخیری، محمد علی: حول الصحوة الإسلامیّة، ط2، طهران، المجمع العالمی للتقریب بین المذاهب الإسلامیة، 1432هـ.ق/ 2011م، ص170؛ مجموعة من الباحثین، الصَّحوة الإسلامیَّة - حقیقتها وسبل دعمها وترشیدها-، م.س، ص170-171.
[14] بوطالب، الصَّحوة الإسلامیَّة، م.س، ص27.
[15]انظر: خسروشاهی، هادی: فی سبیل الوحدة والتقریب، ط1، طهران، المجمع العالمی للتقریب بین المذاهب - المعاونیة الثقافیّة، 1432هـ.ق/ 2011م، ص316-317.
[16] انظر: الفضلی، عبد الهادی: الإسلام والتعدّد الحضاریّ، إعداد وتقدیم: حسین منصور الشیخ، ط1، بیروت، مرکز الحضارة لتنمیة الفکر الإسلامی، 2014م، ص11.
[17] سورة آل عمران، الآیة 191.
[18] سورة الذاریات، الآیة 56.
[19] سورة الصَّافات، الآیة 24.
[20] سورة الزمر، الآیتان 17-18.
[21] سورة الأعراف، الآیة 179.
[22] سورة ص، الآیة 29.
[23] سورة النحل، الآیة 67.
[24] سورة الإنسان، الآیة 3.
[25] سورة الرَّعد، الآیة 21.
[26] سورة الأعراف، الآیة 205.
[27] سورة الشعراء، الآیة 227.
[28] سورة الأنبیاء، الآیة 92.
[29] سورة الحجرات، الآیة 14.
[30] سورة النساء، الآیة 59.
[31] سورة الأنفال، الآیة 63.
[32] انظر: الوحدة الإسلامیَّة، جمع وترتیب: عبدالکریم الشیرازی، ط2، بیروت، مؤسّسة الأعلمی، 1412هـ.ق/ 1992م، ص241.
[33] انظر: سلهب، حسن: الشیخ محمود شلتوت -قراءة فی تجربة الإصلاح و الوحدة الإسلامیّة-، ط1، بیروت، مرکز الحضارة لتنمیة الفکر الإسلامیّ، 2008م، ص68؛ 73؛ 150؛ 152.
[34] سورة الأنعام، الآیة 57.
[35] سورة المائدة، الآیة 44.
[36] سورة الأنعام، الآیة 38.
[37] سورة النحل، الآیة 89.
[38] سورة الأنبیاء، الآیة 92.
[39] سورة آل عمران، الآیة 103.
[40] سورة آل عمران، الآیة 110.
[41] سورة التوبة، الآیة 71؛ راجع: سورة الأنفال، الآیة 73؛75.
[42] سورة المائدة، الآیة 2.
[43] سورة الحدید، الآیة 16.
[44] سورة الحجرات، الآیة 10.
[45] سورة الفتح، الآیة 29.
[46] ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا.ط، بیروت، دار صادر، لا.ت، ج2، ص277؛ ج5، ص24.
[47] م.ن، ج2، ص277.
[48] الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط4، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1365هـ.ش، ج2، ص164.
[49] ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج4، ص270.
[50] سورة المائدة، الآیة 32.
[51] سورة النساء، الآیة 92.
[52] البخاری، محمد بن إسماعیل: صحیح البخاری، لا.ط، بیروت، دار الفکر، 1401هـ.ق/ 1981م، ج8، ص36.
[53] الکلینی، الکافی، م.س، ج3، ص513.
[54] سورة الممتحنة، الآیة 8.
[55] سورة البقرة، الآیة 256.
[56] سورة النحل، الآیة 125.
[57] سورة یوسف، الآیة 108.
[58] سورة طه، الآیتان 43-44.
[59] سورة العنکبوت، الآیة 46.
[60] سورة آل عمران، الآیة 64.