المرجعیَّة الدینیَّة وإشکالیَّة الدور –درء الفتن أنموذجًا-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تتناول هذه المقالة بالبحث "المرجعیّة الدینیّة" فی الإسلام، أو الخلافة، أو الإمامة؛ بوصفها مصطلحات متعدّدة لمفهوم واحد یتعلّق بحاکمیّة رجل الدین فی المجتمع الإسلامیّ، وقدرته على إدارة شؤون الأمّة؛ وفقًا لتشخیصه للمصلحة العلیا للإسلام والمسلمین، فالدین والسیاسة لا یفترقان، إذ لم تقتصر الأحکام والقوانین والمواقف الصادرة عن الرسول (ص) على تبلیغ الرسالة الإلهیّة الخاتمة، بل تعدَّته إلى القضاء والحکومة.
وتأتی أهمّیّة هذا الموضوع فی ظلّ انقلاب للصورة، وخلط للمفاهیم، وتصدّی مَنْ لا أهلیّة له لشؤون الأمّة،تحت عنوان مبایعة "خلیفة للمسلمین"، حیث عاش المسلمون فتنة کبرى، ولاسیّما فی بلاد الشام، وتمّ العمل على تشویه صورة الإسلام والمسلمین من خلالها. 
وبناءً علیه، فإنَّ على المرجعیّة أنْ تقدِّم إجابات وحلولًا فقهیّة لجمیع تلک القضایا التی یُبتلى بها المجتمع أو الدولة، وأنْ تمتلک القدرة على فهم مؤامرات المستکبرین،ومساعدة الناس على تمییز الحقّ من الباطل، والعملفی سبیل نهضة الأمّة، ومواجهة تحدّیات العالم المعاصر، ووأد الفتنة إذا حصلت؛ سواء فی الشدّة أم فی الرخاء، کما إنَّ على الناس أن یتّبعوا من یتمتّع بالصفات الأقرب إلى صفات الأنبیاء (عله)، ولاسیّما الرسول الأعظم محمّد (ص) وأهل بیته الأطهار (عله)، ومَنْ ینوب عنهم من العلماء الربّانیّین حصون الإسلام.
 

نقاط رئيسية

أولاً: مقام المرجعیَّة ومؤهّلاته فی الإسلام

1.             الاتجاه القدیم التقلیدیّ

2.             الاتجاه الحدیث

ثانیاً: مفهوم الفتنة

ثالثاً: الدور الرئیس: درء الفتن

الكلمات الرئيسية


المرجعیّة الدینیّة وإشکالیّة الدور -درء الفتن أنموذجًا-

الدکتور الشیخ علی ناصر[1]

خلاصة المقالة:

تتناول هذه المقالة بالبحث "المرجعیّة الدینیّة" فی الإسلام، أو الخلافة، أو الإمامة؛ بوصفها مصطلحات متعدّدة لمفهوم واحد یتعلّق بحاکمیّة رجل الدین فی المجتمع الإسلامیّ، وقدرته على إدارة شؤون الأمّة؛ وفقًا لتشخیصه للمصلحة العلیا للإسلام والمسلمین، فالدین والسیاسة لا یفترقان، إذ لم تقتصر الأحکام والقوانین والمواقف الصادرة عن الرسول (ص) على تبلیغ الرسالة الإلهیّة الخاتمة، بل تعدَّته إلى القضاء والحکومة.

وتأتی أهمّیّة هذا الموضوع فی ظلّ انقلاب للصورة، وخلط للمفاهیم، وتصدّی مَنْ لا أهلیّة له لشؤون الأمّة، تحت عنوان مبایعة "خلیفة للمسلمین"، حیث عاش المسلمون فتنة کبرى، ولاسیّما فی بلاد الشام، وتمّ العمل على تشویه صورة الإسلام والمسلمین من خلالها. 

وبناءً علیه، فإنَّ على المرجعیّة أنْ تقدِّم إجابات وحلولًا فقهیّة لجمیع تلک القضایا التی یُبتلى بها المجتمع أو الدولة، وأنْ تمتلک القدرة على فهم مؤامرات المستکبرین، ومساعدة الناس على تمییز الحقّ من الباطل، والعمل فی سبیل نهضة الأمّة، ومواجهة تحدّیات العالم المعاصر، ووأد الفتنة إذا حصلت؛ سواء فی الشدّة أم فی الرخاء، کما إنَّ على الناس أن یتّبعوا من یتمتّع بالصفات الأقرب إلى صفات الأنبیاء (عله)، ولاسیّما الرسول الأعظم محمّد (ص) وأهل بیته الأطهار (عله)، ومَنْ ینوب عنهم من العلماء الربّانیّین حصون الإسلام.

 

کلمات مفتاحیّة:

المرجعیّة الدینیّة، الخلافة، الأمّة، داعش، الموقع، الدور، الفتنة، المصلحة، العلم، العدالة، الخبرة.

 

مقدّمة:

إنَّ البحث فی دور المرجعیّات الدینیّة لا یقلُّ أهمّیّةً عن البحث فی مفهومها وتأصیله، انطلاقًا من القرآن الکریم، والسُّنَّة النبویّة الشریفة. ومن المفید أنْ نلفت إلى أنّ الدور یعنی حضانة مسار الأمور ورعایته حتّى تصل إلى خواتیمها، فتتحقّق الأهداف السامیة المنشودة بکفاءة[2]. وتأتی أهمّیّة هذا الموضوع فی ظلّ انقلاب للصورة، وخلط للمفاهیم، وتصدّی مَنْ لا أهلیّة له لشؤون الأمّة، إنْ لم تکنْ مبایعته کارثة للإسلام والمسلمین. فعلینا ألا نکتفی بمهمّة جزئیّة، وبحضور فردیّ، ومصالح شخصیّة أنانیّة، بعیدًا عمّا یدور حولنا من محاولات لإسقاط مشروعنا الإسلامیّ الحضاریّ[3]، أو تشویه صورة الإسلام بواسطة مَنْ یدّعی الإسلام، والإسلام المحمّدی الأصیل منه براء.

لقد تمّ العمل فی هذه المقالة على طرح بعض الإشکالیّات التی تدخل فی صلب الموضوع، ومناقشتها، ومحاولة إعطاء إجابةٍ علمیّةٍ عنها، أذکر منها:

1. ما هو دور مراجع الدین الذین یتمتّعون بالصفات الشخصیّة التی حدَّدها الإسلام؛ من علم، وعدالة، وخبرة، ومقبولیّة شعبیّة؟

2. هل یقتصر دور المرجعیّة الدینیّة على حیاة الفرد؟ أم إنَّ لها دورًا مرکزیًّا فی حیاة المجتمع والأمّة، بحیث تعمل على حفظ مصالح الأمّة، ومخاطبة العقل الجمعیّ لها، وتوعیة الأجیال؟

3. ألیس من واجب المرجع الدینیّ العمل على درء الفتنة بین المسلمین، بل بین الناس أجمعین، ما استطاع إلیه سبیلًا؟

أولًا: مقام المرجعیّة ومؤهّلاته فی الإسلام:

لم تفقد المرجعیّة الإسلامیّة شأنها ومقامها الخطیر والحسّاس على مرِّ الزمن. ولا تخفى أهمّیّة الإمام العادل من العلماء الکبار المجتهدین، من أصحاب الخبرة فی إدارة شؤون الأمّة، وفی الحفاظ على الإسلام المحمّدی الأصیل، وضمان مصالح المسلمین، وصیانة مقدّساتهم؛ فهو یعمل على تحقیق مقاصد الشریعة من خلال الحفاظ على الدین، والنفس، والأرض، والعرض، والمال، وعلى توجیه المسلمین وقیادتهم وتحفیزهم وإرشادهم إلى الخیار الصائب والطریق القویم.

وهناک اتّجاهان مطروحان فی ما یرتبط بالمرجعیّة:

1. الاتّجاه القدیم التقلیدیّ: وهو یرى أنّ الأهلیّة للمرجع تتمثّل بمدى تعمّقه بالفقه والأصول، وشؤون العبادة، التی تقع على أعباء الفرد. أضف إلى ذلک أنَّ للمرجع الدینی -بحسب المفهوم التقلیدیّ- وظائف؛ منها: إصدار الفتوى، وفضّ النزاعات بین الناس، ورعایة أمور الحسبة؛ کتولّی أمور الأوقاف والقاصرین.

2. الاتّجاه الحدیث: وهو یضیف إلى ما تقدّم: الإیمان بقیام المجتمع الإسلامیّ، وضرورة الفهم للعصر الذی یعیشه المرجع، فیکون حاضرًا فی أیّ قضیّة من قضایا الساعة التی تواجه الناس فی حیاتهم. وقد سمِّی الاتّجاه الحدیث بالمرجعیّة الرشیدة، أو الشاملة، أو المعاصرة، بکلّ ما تعنیه هذه الکلمات من حداثة وتجدید وشمولیّة ووعی لکلّ ما یمثّله العصر، فیتمّ الانطلاق من العمل المؤسّساتیّ للمرجعیّة؛ أی بتوسیع نطاق المجموعة التی ترعى شؤون الأمّة القیادیّة، وإعطاء الصلاحیّات لأکثر من اتّجاه.

والواقع أنَّه یمکن مناقشة هذه الأقوال، وإنْ صحَّ بعضها، فالمراجع الذین عاشوا فی القرون القریبة من صدر الإسلام، لم یکتفوا بتبلیغ الدین فقط؛ کما قد یفکّر بعض المثقّفین أو علماء الدین، بل عملوا -أیضًا- على معالجة قضایا الأمّة الاجتماعیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة ما استطاعوا إلى ذلک سبیلًا؛ وفقًا للأحوال السیاسیّة التی کانت قائمة فی عصرِ کلِّ واحد منهم ومِصْرِه. وکذلک الأمر، فإنَّ بعض المراجع المعاصرین قد تمّ التضییق علیهم من زعماء وسلاطین، فقاموا بما تیسَّر لهم من قول أو فعل؛ وفقًا لتشخیصهم للمصلحة العلیا للإسلام والمسلمین.

ویرى بعض المراجع أنَّ الدین والسیاسة لا یفترقان، بل إنَّ رعایة شؤون المجتمع هی من أهمّ مقاصد الإسلام، وأنَّ مقام المرجعیّة؛ بمعنى الولایة، لا ینفصل عن الحکم بین الناس بما أنزل الله تعالى، وأنَّ الذوبان فی الولایة لا یعنی الذوبان فی شخص القیادة؛ بل إنَّ احترام القیادة إنّما هو فی ظلِّ ذوبانها فی الإسلام والأهداف السامیة التی حدَّدها الله -تعالى- للبشریة، فالولایة بمفهوم العرفان تعنی القرب، والمحبّة، والاتّصال، والارتباط، والتصرُّف، والنیابة، والحاکمیّة، والربوبیّة. وبالطبع، فإنَّ الفقیه العادل الذی یرید قیادة المجتمع ینبغی أنْ یکون قادرًا على التدبیر وإدارة أمور المجتمع، عارفًا بالعالم وبزمانه، حائزًا على الحکمة والحنکة السیاسیّة. وفی زمن الغیبة وعدم حضور المعصومین (عله)، فإنَّ أمر تهیئة الأرضیّة لنیل الناس السعادة فی الدنیا والآخرة قد أُوکِل إلى نوَّابهم العامّین[4].

والمرجع؛ بمعنى الولی، هو الحاکم الشرعیّ؛ أی العالم المجتهد القادر على استنباط الأحکام الشرعیّة من أدلّتها النقلیّة والعقلیّة، وإرجاع الفروع إلى الأصول، والعادل الذی لا یرتکب المعاصی، أو قد یرتکب الصغائر دون الکبائر، وإنِ ارتکبها فهو لا یُصِرُّ علیها؛ بل یتوب توبة نصوحًا. وهو الذی یضع الأمور فی نصابها، وهو الخبیر الذی یعرف شؤون زمانه بالنحو الذی یساعد على الأداء السیاسیّ الحکیم، وهو المتصدّی للقیادة العامّة؛ مدیرًا، مدبّرًا، خبیرًا، ذا رأی وبصیرة، قد عرفه الناس، ویُظهرون الرغبة فیه، والإقبال علیه. إنّه القائد الأعلى للأمّة، الذی ینطلق من الوظیفة الشرعیّة، ولیس من المزاجیّة الشخصیّة، وإلا یفقد صفته الشرعیّة، فهو یحکم بما أنزل الله. قال -تعالى-: {وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[5]، وهو الذی یشخِّص مصلحة المسلمین العلیا فی کلّ زمان ومکان.

وإذا کانت المرجعیّة تعنی قیادة الأمّة، فمن الواضح -أیضًا- أنّ هذه المرجعیّة القائدة تحتاج إلى معرفة بالزمان وأهله، وإلى الانفتاح على قضایا الساعة التی تواجه الناس فی حیاتهم، ولاسیّما مع وجود النصوص الصحیحة والصریحة الدالّة على هذا الأمر، فقد ورد عن النَّبِیَّ (ص) أنّه قَال: "مَنْ أَصْبَحَ لَا یَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِینَ؛ فَلَیْسَ مِنْهُمْ، ومَنْ سَمِعَ رَجُلًا یُنَادِی یَا لَلْمُسْلِمِینَ، فَلَمْ یُجِبْه؛ فَلَیْسَ بِمُسْلِمٍ"[6]. أضف إلى ذلک أنّ ابتلاءنا الأکبر الیوم لیس فی مسائل الطهارة والنجاسة والصلاة والصوم. وبالتالی، فإنَّ على المرجعیّة أنْ تقدِّم إجابات وحلولًا فقهیّة لجمیع تلک القضایا التی یُبتلى بها المجتمع أو الدولة.

إنَّ الوقوف وراء المرجعیَّة العلیا التی تمیَّزت بأفضل ما تمیَّزت به المرجعیّات الأُخرى؛ علمًا، وعبادةً، وجهادًا، من أوجب الواجبات. وجدیر بالذِکْر أنّه فی مسألة المرجعیّة لا یجب التفکیر من منطلق فردیّ؛ بل لا بُدَّ من التفکیر من منطلق جماعی یتجاوز الفرد إلى الأمّة، بعیدًا عن المصالح الفردیّة، أو العائلیّة، أو الحزبیّة، أو حتّى الوطنیّة. وأمّا إنْ کان تحقیق هذه المصالح لا یتنافى مع تحقیق المصالح العُلیا للأمّة، فلا مانع منها؛ بل إنّ الجمع أولى من الطرح ما أمکن، وتحقیق المصالح الفردیّة، أو العائلیّة، أو الحزبیّة، أو الوطنیّة، فی هذه الحالة لا یکون مذمومًا، بل هو أمر ممدوح، طبعًا إنْ کانت هذه المصالح مشروعة. وإصلاح الوطن وإعماره هدف إلهیّ، ولیس هدفًا دنیویًّا.

أضف إلى ذلک أنَّ المرجعیّة؛ بمعنى القیادة، تحتاج إلى الأجهزة الفاعلة والمؤسّسات الکبیرة الواسعة، وإلى القدرة على استنباط القوانین الإسلامیّة المتعلّقة بالتحدّیات الناشئة من إدارة شؤون الأمّة؛ وفق الأصول والقواعد الشرعیّة والعقلیّة. وهذه نعمة لا یصل إلیها إلا مَنْ وضع نصب عینیه هدف الوصول إلى مرتبة الاجتهاد، وسعى إلى تحقیق هذا الهدف، وضحّى من أجله بالعمر والجهد والمال، وکان لدیه القدرات الذهنیّة والعلمیّة والمثابرة العملیّة، ووفّقه الله -تعالى- إلى تحصیل هذه الملکة[7].

ونلفت إلى أهمّیّة إحاطة المرجع الدینیّ بالقضایا الفکریّة؛ کمفهوم الحرّیّة، والعولمة، والثقافة، والحداثة، والتراث، والتقریب بین المذاهب الإسلامیّة، والنظام السیاسیّ فی الإسلام، والمشارکة السیاسیّة فی دولة علمانیّة، والجهاد والمقاومة، والتعایش بین المسلمین وغیرهم من أتباع الدیانات أو المذاهب الأخرى، وقضایا المرأة المعاصرة، والسیاسة الدولیّة بین التشریع والمصالح والمفاسد، وقضایا الاقتصاد والنظام الرأسمالیّ، والقومیّة والتعدّدیة العرقیّة، فلا بدّ للمرجع من القدرة على معالجة القضایا التی تثیرها قضیّة النهضة وتحدّیات العالم المعاصر فی عالمنا الإسلامیّ، والتی قد تشکِّل عقبة فی طریق فهم الدین؛ بوصفه مکوِّنًا أساسًا فی هذه المجتمعات.

وتستدعی هذه القضایا الفکریّة المعاصرة، وأبعادها الظاهرة والخفیّة، الوعی بفقه النصّ وأثر متغیّرات العصور علیه، وتنزیله فی واقعنا؛ لإعطاء موقف یحفظ الأصالة فی ثقافة المسلمین، ویساعدهم على مواکبة العصر، وفهمه العمیق، وتشخیص مصالح المسلمین العلیا. فلا بدّ من إیجاد حرکة فکریّة عامّة حیّة منتشرة، تشمل مجالات العلم، والدین، والسیاسة، والاقتصاد، والاجتماع، والتعلیم.

ولا بدّ من مواجهة التحدّیات الکبرى التی تواجه الأمّة؛ من قبیل: النهضة مقابل التخلّف، والتحریر مقابل الاستعمار، والوحدة مقابل التجزئة، والتعایش مع الآخر مقابل التکفیر. وهذا یحتاج بالطبع إلى مرجعیّة ذات وزن فی الأمّة، تفقه الإسلام المحمّدیّ الأصیل، الذی یدعو إلى الوحدة بین المسلمین، وأصحاب الدین السماویّ، بل بین الناس أجمعین إنْ أمکن ذلک، وتعمل بمبدإ الوقایة وعدم الوقوع فی الفتن، أو بمبدإ العلاج إذا ابتلیت الأمّة بهذا الداء العضال؛ کما هو واقعنا الراهن.

ولا شکّ فی أنّ الأمور الجهادیّة؛ سواء أکانت على مستوى توحید الصفّ الداخلیّ، أم التصدّی للعدوان الخارجیّ، وسواء أکانت دفاعیّة، أم هجومیّة، أم أمنیّة، أم عسکریّة، أم ثقافیّة، أم تربویّة، أم إعلامیّة؛ فإنّها تحت إشراف الحاکم الإسلامیّ؛ أی المجتهد العادل الذی یلی أمور المسلمین، وتحت قیادته المباشرة، ولا سیّما فی المراحل المصیریّة من تاریخ الأمّة. وفی ذلک یقول العلامة الشیخ محمد مهدی شمس الدین: "إنّ إبرام معاهدات ومواثیق السلم هو حقّ خاصّ للقیادة العلیا للدولة الإسلامیّة، ولیس لأحد دونها؛ مهما کان شأن السلطة التی یتولّاها... کما إنّ الظاهر من نبذ العهود والمواثیق مع الکفّار، إذا ظهرت منهم بوادر الخیانة، أنّه من حقّ السلطات الخاصّة بالقیادة العلیا دون غیرها... وأمّا الحرب، فإنّها ضرورة یقتضیها ردّ العدوان على الأمّة... وهی واجب کفائیّ على الأمّة، عامّ لجمیع أفرادها، علیها أنْ تهیّئ نفسها لهذا الواجب دائمًا، بحیث تکون قادرة على الدفاع، والنصر، حین تدعو الحاجة إلى ردّ العدوان"[8].

وأعطی أنموذجًا على ذلک الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه)، الذی کان على درجة عالیة ومتقدّمة من الوعی، والإدراک، والنضج، والقدرة على فهم مؤامرات المستکبرین وتشخیصِ مصالح الأمّة فی جمیع مجالات المواجهة والتحدّی المعاصرة؛ السیاسیّة منها، والاجتماعیّة، والاقتصادیّة، والإداریّة، والجهادیّة، والعسکریّة، والأمنیّة، فلا بدَّ لشخصیّة المرجع منْ أنْ تکون مُدرِکَة لساحات الجهاد وأولویّاتها؛ کی تتمکّن من أنْ تعطی أجوبة تشکّل ضمانة، ولا تؤدّی إلى کارثة. والإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) فی جمیع هذه المجالات متقدّم جدًّا، ویملک من الخبرة والوعی والتجربة ما لا یملکه کثیرون[9].

ثانیًا: مفهوم الفتنة:

الفتنة لغةً هی الامتحان والاختبار لیبیِن الجیّد من الردیء، والخالص من غیر الخالص، ونقول: فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته، ویسمّى الصائغ الفتَّان. وافتتن الرجل وفتن، فهو مفتون، إذا أصابته فتنة فذهب ماله أو عقله، وکذلک إذا اختبر. وفتنته المرأة، إذا دلهته، والفاتن: المُضلّ عن الحقّ. والمفتون: الفتنة؛ وهو مصدر؛ کالمعقول، والمجلود، والمحلوف[10].

وأمّا مصطلح الفتنة فی القرآن الکریم، فقد ورد فی آیات عدّة؛ بمعنى: الامتحان، أو الشرک وعبادة الأصنام، أو الضلال، أو الاحتراق فی النار، أو الخداع؛ وفق الآتی:

1. الامتحان: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ یُتْرَکُوا أَنْ یَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ یُفْتَنُونَ}[11].

2. الشرک وعبادة الأصنام: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّینُ کُلُّهُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ الله بِمَا یَعْمَلُونَ بَصِیرٌ}[12].

3. الضلال: {یَا أَیُّهَا الرَّسُولُ لاَ یَحْزُنْکَ الَّذِینَ یُسَارِعُونَ فِی الْکُفْرِ مِنَ الَّذِینَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِینَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْکَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِینَ لَمْ یَأْتُوکَ یُحَرِّفُونَ الْکَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ یَقُولُونَ إِنْ أُوتِیتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ یُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِکَ لَهُ مِنَ الله شَیْئًا أُولَئِکَ الَّذِینَ لَمْ یُرِدِ الله أَنْ یُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِی الدُّنْیَا خِزْیٌ وَلَهُمْ فِی الآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِیم}[13].

4. الاحتراق فی النار: {یَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ یُفْتَنُونَ}[14].

5. الخداع: {یَا بَنِی آدَمَ لاَ یَفْتِنَنَّکُمُ الشَّیْطَانُ[15] کَمَا أَخْرَجَ أَبَوَیْکُمْ مِنَ الْجَنَّةِ یَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِیُرِیَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ یَرَاکُمْ هُوَ وَقَبِیلُهُ مِنْ حَیْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّیَاطِینَ أَوْلِیَاء لِلَّذِینَ لاَ یُؤْمِنُونَ}[16].

ومنه -أیضًا- ما یدلّ کتابًا أو سنّة على معصیة؛ وأنّها أشدُّ من معصیة أُخرى توعَّد علیها الله -تعالى- فی کتابه المبین؛ وهی معصیة الْقَتْلِ، حیث یقول: {وَاقْتُلُوهُمْ حَیْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَیْثُ أَخْرَجُوکُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى یُقَاتِلُوکُمْ فِیهِ فَإِنْ قَاتَلُوکُمْ فَاقْتُلُوهُمْ کَذَلِکَ جَزَاءُ الْکَافِرِینَ}[17]، فمع کون القتل کبیرة، وکون بعض المعاصی أعظم عند الله وأشدّ قبحًا من غیرها؛ کالفتنة بالنسبة إلى القتل، وقد خصّها الله -تعالى- بالذِکْر لخطورتها؛ فلا بدَّ من مواجهتها بجمیع الوسائل المشروعة الممکنة، وإلا فهی کالنار فی الهشیم، ستأکل الأخضر والیابس، وستقضی على البشر والحجر. ولا بدّ من الالتفات إلى أنَّ بلاء الفتنة قد یعمُّ مَنْ کان سببًا فیها أو له علاقة بها، ومَنْ لا علاقة له بها مباشرة، ولکنّ سکوته علیها یؤدّی إلى وصول نارها إلیه. قال -تعالى-: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِیبَنَّ الَّذِینَ ظَلَمُوا مِنْکُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ}[18].

والفتنة قد تصیب الإنسان فی الشدّة والرخاء، وفتنة الرخاء هی فتنة النِّعم التی قد یحصل علیها الإنسان فی ظرفٍ ما؛ کرزق المال الوفیر، والغنى المادّیّ، فعلى الإنسان فی هذه الحالة أن لا یبطر، وأن لا یکون من المسرفین والمبذّرین؛ بل یشکر الله -تعالى- على نعمته، ویُخرِج الحقوق الشرعیّة منها، ویعطی الفقراء والمحتاجین، ویسعى فی قضاء حوائج الناس ما استطاع إلیه سبیلًا. وأمّا فی الشدّة فهی أظهر معنى وأکثر استعمالًا. قال -تعالى-: {یَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ یُفْتَنُونَ}[19].

والفتنة قد تکون من الأفعال الصادرة من الله -تعالى-؛ کقوله: {کُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوکُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَیْرِ فِتْنَةً وَإِلَیْنَا تُرْجَعُونَ}[20]، کما قد تکون من الأفعال الصادرة من العبد؛ کالبلیّة، والمصیبة، والقتل، والعذاب، والمعصیة، وغیرها. فإنْ کانت من الله -تعالى- فهی على وجه الحکمة، وإنْ کانت من الإنسان بغیر أمر الله -تعالى- فهی مذمومة، ویجب أن لا تُخرجه المحنة والاختبار إلى الأفعال القبیحة؛ کالکفر، والإثم، والتحریق، والفضیحة، والفجور، وغیر ذلک.

وقد ورد عن رسول الله (ص) أنّه فصَّل فی کیفیّة افتتان کثیر من المسلمین؛ بسبب الربا، أو الشبهات الکاذبة، أو الأهواء، وغیرها؛ قائلًا: "یَا عَلِیُّ، إِنَّ الْقَوْمَ سَیُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ، ویَمُنُّونَ بِدِینِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ، ویَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَه ویَأْمَنُونَ سَطْوَتَه، ویَسْتَحِلُّونَ حَرَامَه بِالشُّبُهَاتِ الْکَاذِبَةِ، والأَهْوَاءِ السَّاهِیَةِ، فَیَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِیذِ، والسُّحْتَ بِالْهَدِیَّةِ، والرِّبَا بِالْبَیْعِ، قُلْتُ: یَا رَسُولَ اللَّه، فَبِأَیِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِکَ، أَبِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ، فَقَالَ: بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ"[21].

والفتنة تأتی بمعنى الفتنة السیاسیّة؛ أی إلباس الباطل لباس الحقّ، وعدم تمیّز الحقّ فیها من الباطل، أو یکون لکلٍّ من الطرفین سهم من الحقّ ومن الباطل معًا، حیث من الصعب على أحد الادّعاء أنَّ الحقَّ إلى جانبه مئة بالمئة، أو أنَّ أحدًا یقف إلى جانب الباطل مئة بالمئة. ویُشیر إلى ذلک أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) فی نهج البلاغة، فهو یرى أنَّ السبب الرئیس فی وقوع الفتن هو مخالفة القرآن الکریم، واتّباع الأهواء النفسانیّة؛ بدل اتّباع تعالیم الله تعالى، فیصل إلى الحکم من المسلمین أو ممّن یدّعی الإسلام، وهو لیس أهل له، ولا یتمتّع بالصفات المطلوبة إسلامیًا، حیث یقول: "إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْکَامٌ تُبْتَدَعُ، یُخَالَفُ فِیهَا کِتَابُ الله، وَیَتَوَلَّى عَلَیْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَیْرِ دِینِ الله، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ یَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِینَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِینَ، وَلَکِنْ یُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَیُمْزَجَانِ، فَهُنَالِکَ یَسْتَوْلِی الشَّیْطَانُ عَلَى أَوْلِیَائِهِ، وَیَنْجُو الَّذِینَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ الله الْحُسْنى"[22].

کما ورد عن الإمام علی (ع) فی نهج البلاغة أنّه قال: "فَإِنْ أَبَیْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّی أَخْطَأْتُ وضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) بِضَلَالِی، وتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِی، وتُکَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِی، سُیُوفُکُمْ عَلَى عَوَاتِقِکُمْ، تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ والسُّقْمِ، وتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ یُذْنِبْ... ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ... وسَیَهْلِکُ فِیَّ صِنْفَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ یَذْهَبُ بِه الْحُبُّ إِلَى غَیْرِ الْحَقِّ، ومُبْغِضٌ مُفْرِطٌ یَذْهَبُ بِه الْبُغْضُ إِلَى غَیْرِ الْحَقِّ"[23].

وهذا یدلُّ على أنَّ سیرة الإمام علی (ع) کانت فی الحوار مع أعدائه قبل بدء القتال، عسى أنْ یهدیهم الله إلى سواء السبیل، فیکفّوا عن الحرب؛ ومثاله: محاورته الخوارج التکفیریّین قبل حربهم، حیث دعاهم إلى تضییق دائرة الخلاف، وحصرها بالأشخاص المعنیّین، وعدم توسعة محلّ النزاع لیعمّ الأمّة بأکملها، فکان کالطبیب الذی یحاصر المرض، ویعمل على علاجه قبل أنْ یعمَّ الجسد بأکمله، فتصبح حیاة الإنسان فی خطر، ولکنّه لم یصل إلى نتیجة.

فکانت معالجة القتال أهون عند الإمام علیٍّ (ع) من معالجة العقاب، فلو أنّه ترک قتال الناکثین والمارقین والقاسطین؛ لکان مسؤولًا أمام اللَّه ومعاقبًا بعذابه على الترک، ولیس من شکّ فی أنَّ القتال شرٌّ، ولکنّ المسؤول هو من أثار الشرَّ وفتح بابه. وماذا یصنع الإمام وغیر الإمام إذا لم یجد وسیلة للقضاء على العنف إلا العنف؟ وقد مرَّ معنا قوله تعالى: {فَإِنْ قاتَلُوکُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}، وقوله -أیضًا-: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّینُ کُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا یَعْمَلُونَ بَصِیرٌ}[24]. وفی آیة ثانیة من هذه السورة: {وَالَّذِینَ کَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِیَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَکُنْ فِتْنَةٌ فِی الْأَرْضِ وَفَسَادٌ کَبِیرٌ}[25].

ثالثًا: الدور الرئیس: درء الفتن:

إنَّ على المرجع الدینیّ أنْ یعمل بمبدإ الوقایة قبل العلاج، ووأد الفتنة إذا حصلت، ویمکن أنْ یعمل أحیانًا وفق مبدإ المعاملة بالمثل، ومواجهة التحدّی بالتحدّی، لا بهدف الانتقام أو التشفّی؛ وإنّما بهدف تخلیص البشریّة ممّا تعانیه من شقاء، ومنع الفتنة. قال -تعالى-: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَکُونَ فِتْنَةٌ وَیَکُونَ الدِّینُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِینَ}[26]. وبذلک یتبیَّن لنا فلسفة الإسلام فی الحرب، فهی وسیلة لا محیص عنها؛ لوضع حدٍّ لتعدّی الجبابرة، الذین یقفون بین الناس وبین إشراق النور الذی أضاء ما حوله، عابرًا حدود الزمان والمکان، فهو نور هدایة البشریّة فی کلّ عصر ومِصر، ولیست غایة الحرب فی الإسلام القتل للقتل[27].

ولا شکّ فی أنَّ على المرجع الدینیّ أنْ یعمل بمبدإ درء الفتن، والحؤول دون وقوع الناس فیها، أو الخروج بأقلّ خسائر ممکنة فی حال وقوع الفتن. وإنَّ البصیرة والیقظة والتنبّه تمثّل الطریق الأنجح لمواجهة مثیری الفتن؛ وفی ذلک یقول الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه): "الفتنة یعنی حادثة ملیئة بالغبار؛ بحیث لا یفهم الإنسان عدوّه من صدیقه، ومن یدخل الساحة بأغراض خاصّة، ومن یحرّکه من خارج. یجب إخماد نارالفتنة بالیقظة والتنبّه، فإذا ما حلّ التنبّه وسادت الیقظة فی مجالٍ ما؛ کانت ید أهل الفتنة قاصرة، بل عاجزة، وکلّما کان الکلام غیر مناسب، والعمل بدون هدف، والاتّهام اعتباطیًّا، والتصویب على الآخرین غوغائیًّا؛ کلّما کان أهل الفتنة فرحین مرتاحین"[28].

ویرى الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) أنَّ اختلاط الحقّ بالباطل، وصعوبة تشخیص الحقیقة حتّى لمتّبعی الحقّ، هو من الأسالیب القدیمة لمعارضی الإسلام، وبیَّن سماحته أحد أهمّ المعاییر لتمییز الطریق الصحیح عن الخطإ؛ بقوله: "إنَّ أیّ خطوة تُغضِب العدوّ اللدود للشعب والنظام الاسلامیّ؛ وهو الاستکبار والصهیونیّة، لَهی خطوة صحیحة، وفی اتّجاه الحقّ، وإنَّ أیّ حرکة أو مسیرة من شأنها أن تسرَّ الأعداء وتثیر اشتیاقهم، فإنّها تمثّل مسارًا معوجًّا وخاطئًا ومنحرفًا"[29].

ولا بدّ من التذکیر فی هذا الزمن الصعب، الذی یسوده انقلاب فی المفاهیم، بل تحریف للمفاهیم، بأنّ المرجع الدینیّ یجب أنْ یتحلّى بأخلاق الرسول (ص)، وأن یعمل من وحی سیرته المبارکة، فیکون الصادق مع نفسه وربّه وشعبه وأمّته، والأمین على دماء المسلمین جمیعًا وعلى أموالهم وأعراضهم، من دون تمییز بین مذهب وآخر، فالمرجع الدینیّ الحقیقیّ هو الذی یتجنّب‎ الوقوع فی‎ شراک‎ الأعداء؛ من‎ خلال‎ التحلّی‎‎ بالیقظة‎ والوعی، والحفاظ على‎ الوحدة الوطنیّة والعربیّة والإسلامیّة؛ کما فعل النبی الأکرم (ص) مع المسلمین من الأوس والخزرج فی المدینة المنوَّرة، ومع المهاجرین والأنصار؛ حیث آخى وقسَّم الأرزاق بینهم.

ولا شکّ فی أنّ الدعوة إلى التقریب بین المسلمین یجب أنْ تأتی من العلماء والمثقّفین فی المذاهب الإسلامیّة المختلفة، على أساس عدم تکفیر أحدهم للآخر، والتلاقی على ما نتّفق علیه، والتحاور فی ما نختلف فیه، ونعطی مثالًا على ذلک: جماعة الإخوان المسلمین التی تنطلق نظرتها للشیعة، وعموم المذاهب والفرق والجماعات الإسلامیّة، من مبدإ التجمیع لا التفریق؛ مع غضّ النظر عن الممارسات السیاسیّة لبعض قادتهم فی مصر، وترکیا، وغیرهما من البلدان، وعن الخلافات فی الأمور الشرعیّة والفقهیّة، التی قد تتفاوت فیها الفتاوى والرؤى من فقیهٍ إلى آخر؛ طبقًا لمجالات الاجتهاد، وطبیعة الفهم للنصّ القرآنیّ. فقد کان للإخوان قیادات وعلماء ینتمون إلى الفکر الوسطیّ فی فتاویهم، ولاسیّما إمامهم والمرشد الأوّل لهم، حسن أحمد عبد الرحمن البنّا، الذی کان من دعاة التقریب -دائمًا- والتعاون وعدم الخوض فی النزاعات المذهبیّة، ویبدو هذا جلیًّا من خلال رؤاه الفکریّة المختلفة، أو ممارسته العملیّة، فنجد تأسیس الإمام البنّا لاحترام الخلافات الفقهیّة والشرعیّة من خلال الأصول العشرین، وقد خصَّص ستّة أصول من الأصول العشرین؛ وهی التی تتناول بعض القضایا الخلافیّة، فیقول: "وکلّ أحد یُؤخذ من کلامه ویُترک؛ إلا المعصوم صلى الله علیه وسلم، وکلّ ما جاء عن السلف رضوان الله علیهم موافقًا للکتاب والسنّة قبلناه، وإلا فکتاب الله وسنّة رسوله أولى بالاتّباع... ولکلّ مسلم لم یبلغ درجة النظر فی أدلّة الأحکام الفرعیّة أن یتّبع إمامًا من أئمّة الدین... وأنْ یتقبّل کلّ إرشاد مصحوب بالدلیل... والخلاف الفقهیّ فی الفروع لا یکون سببًا للتفرّق فی الدین، ولا یؤدّی إلى خصومة ولا بغضاء، ولکلّ مجتهد أجره، ولا مانع من التحقیق العلمیّ النزیه فی مسائل الخلاف، فی ظلّ الحبّ فی الله والتعاون على الوصول إلى الحقیقة، من غیر أنْ یجرّ ذلک إلى المراء المذموم والتعصّب... وکلّ مسألة لا ینبنی علیها عمل، فالخوض فیها من التکلُّف الذی نُهینا عنه شرعًا، ومن ذلک: الکلام فی المفاضلة بین الأصحاب رضوان الله علیهم، وما شجر بینهم من خلاف، ولکلّ منهم فضل صحبته، وجزاء نیّته، وفی التأوُّل مندوحة... ولا نُکَفِّرُ مسلمًا أقرَّ بالشهادتین، وعمل بمقتضاهما، وأدّى الفرائض برأی أو بمعصیة؛ إلا إنْ أقرَّ بکلمة الکفر، أو أنکر معلومًا من الدین بالضرورة، أو کذَّب صریح القرآن، أو فسَّره على وجه لا تحتمله أسالیب اللغة العربیّة بحال، أو عمل عملًا لا یحتمل تأویلًا غیر الکفر"[30].

ولا بدَّ لنا من أنْ نطلَّ على شواهد معاصرة فی وعی حرکة مثیری الفتن، ولاسیّما أنّنا فی زمن مَنْ یدَّعی الإسلام؛ وهو مجرم یرتکب المجازر، ویفتی ویقضی بین الناس؛ وهو جاهل لا یفقه من الدین شیئًا، بل إنَّ جهله مرکَّب؛ فهو یجهل، ویجهل أنّه یجهل، ومَنْ یدّعی أنّه أمیر المؤمنین وخلیفة المسلمین، ولم نسمع باسمه حتّى فی مجاهل التاریخ، ولم نقرأ له بحثًا فقهیًّا، أو أصولیًّا، أو عقدیًّا، أو فلسفیًّا، أو حدیثیًّا، أو رجالیًّا، أو حتّى لغویًّا وبلاغیًّا، ولم نقرأ لائحة مؤلّفاته، أو حتى کتابًا واحدًا صدر له قبل أنْ یُعلن نفسه خلیفة المسلمین، ولم یعطِ درسًا فی حوزة علمیّة، أو معهد شرعیٍّ، ولم نقرأ شهادات من أهل الحلِّ والعقد أو أهل الخبرة أو ما یمکن تسمیته بمجلس الخبراء، تشهد بعلمه وفقاهته، أو بعدله وتقواه وورعه، أو بکیاسته فی السیاسة، وخبرته فی الاقتصاد والأمن والعسکر، ولم نرَ له موقفًا یدافع فیه عن حقوق المسلمین ضدّ المحتلِّ الصهیونیّ الغاصب؛ بل إنّه حلیف له، یتجاوز الحدود، ویذهب إلیه لیتداوى فی مستشفیاته وعلى أیدی ممرّضاته، بل إنَّ علماء المسلمین لم یسمعوا باسمه إلا عند تعدّیه على حرمات المسلمین، وقتله الأنفس البریئة التی حرَّم الله قتلها، وسلبه أموال المسلمین، واحتلاله لأرضهم، واغتصابه لعرضهم[31].

وفی هذا السیاق، وردًّا على تنظیم "الدولة الإسلامیّة فی العراق والشام" (داعش) الذی أعلن "قیام الخلافة الإسلامیّة"، وبایع زعیمه عبد الله إبراهیم الملقَّب بأبی بکر البغدادیّ "خلیفةً للمسلمین" فی کلّ مکان، نشر الاتّحاد العالمیّ للعلماء المسلمین، الذی یرأسه الشیخ یوسف القرضاوی، بیانًا یحمل توقیعه أکّد فیه أنّ عودة الخلافة مبدًا هی "أمر جلل تتوق إلیه أنفسنا جمیعًا، وتفکّر فیه کلّ عقولنا، وتهفو له کلّ أفئدتنا"؛ مضیفًا: "کلُّنا نحلم بالخلافة الإسلامیّة على منهاج النبوّة، ونتمنّى من أعماق قلوبنا أنْ تقوم الیوم قبل الغد"، ولکنّه صرَّح -أیضًا- أنّ إعلان تنظیم "الدولة الإسلامیّة" قیام الخلافة فی العراق والشام أمر "باطل شرعًا"، ولاسیّما وفق مبدإ کون الخلیفة "نائبًا عن الأمّة الإسلامیّة" بأسرها؛ وبالتالی، فإنَّ مجرّد أمر إعلان جماعة للخلافة لیس کافیًا لإقامة الخلیفة، ومبدأ "الشورى"؛ فضلًا عن ربط الخلافة "بتنظیم بعینه اشتهر بین الناس بالتشدّد"؛ ما یؤدّی إلى إلحاق ضرر بمشروع الخلافة، بل یترتّب علیه "آثار خطیرة على أهل السُّنَّة فی العراق والثورة فی سوریا". وبحسب البیان، فإنّ إعلان الخلافة "أشبه بالانقضاض على ثورة الشعب التی یشارک فیها أهل السُّنَّة بکلّ قواهم، من العشائر والفصائل المتنوّعة من مناطق عدیدة بالعراق"[32].

وما یظهر من کلام الشیخ القرضاوی أنّه من الداعمین للتکفیریّین، ولکنّه لا یقبل زعیم داعش خلیفة للمسلمین، والأخطر فی کلامه أنّه یرى أنّ الحرب الدائرة فی العراق وسوریا هی بین السنّة والشیعة؛ وبالتالی، فهی فتنة مذهبیّة بین المسلمین، ومع ذلک فهو یدعمها، ویرى بأنّها "ثورة شعبیّة"! وبذلک یتّضح لنا خطورة دور من یتصدّى للمرجعیّة الدینیّة، ولاسیّما إذا اتّسعت دائرة تأثیره لتشمل الأمّة الإسلامیّة بأکملها، فهل یُعقل أنْ یکون مَنْ یحمل الفکر التکفیریّ، ویحقّق المشاریع السیاسیّة لأعداء الأمّة، ویعطی الشرعیّة لحکّام العرب الذین یضعون مقدّرات بلادهم وأموال المسلمین فی خدمة أعدائهم، مرجعًا للأمّة الإسلامیّة؟!   

 

خاتمة:

لم تقتصر الأحکام والقوانین والمواقف الصادرة عن الرسول (ص) على تبلیغ الرسالة الإلهیّة الخاتمة، بل تعدَّته إلى القضاء والحکومة. وقد مارس النبی الأکرم (ص) هذه الأدوار واقعًا، ولا شکّ فی أنَّه یحقّ لمن یخلفه أنْ یمارسها، وإلا فکیف یکون حاکمًا؟ ومن أین یأخذ الشرعیّة والصلاحیّات؟ وصحیح أنّ الأمّة مسؤولة عن نفسها؛ من باب وجوب الأمر بالمعروف، والنهی عن المنکر، ولکنْ لا بدّ للرعیّة من راعٍ وقاضٍ، وللأمّة من مرجعٍ وقائدٍ؛ یبلِّغ الدین، ویحسم النزاع إنْ وقع، ویُشَخِّص المصلحة العامّة إنْ تعدَّدت الآراء والاجتهادات، ویصون الدستور إنْ عمل أحد النافذین على تحریفه، ویشرف على تطبیقه، ویقرّر الحرب والسلم، ویقود الجیوش، ویحرص على استتباب الأمن، ویعقد الاتّفاقات، ویوقّع المعاهدات والمواثیق، ویحمی الشریعة، ویصون المجتمع من الانحراف، ویحذّر من التفرقة بین المسلمین، ویدرأ الفتن وقایةً؛ وإلا فعلاجًا، ویواجه عدوّ الأمّة الحقیقیّ، الذی غزا بلاد المسلمین، واستحلَّ دماءهم وأعراضهم، وکلّ مَنْ یعمل على تقویته، ودعمه؛ سیاسیًّا، وأمنیًّا، وعسکریًّا، واقتصادیًّا، وإعلامیًّا.

إنَّ قیادة الفقهاء المخلصین؛ حصون الإسلام، هی التی أرست قواعد الانتصارات ومساراتها فی هذا العصر. ولذلک، فإنَّ من واجب الناس؛ ومن باب أولى العلماء، أنْ یفتّشوا عن المجتهد العادل الخبیر الشجاع والمخلص؛ لیتّبعوه، ویجعلوه الحاکم على جمیع المسلمین، ولو متأخّرین، على أنْ لا ینقلبوا علیه؛ نتیجة الأطماع والأهواء؛ کما فعلوا مع الإمام علی بن أبی طالب أمیر المؤمنین (ع)، فیدرؤوا بذلک الفتن، ویصونوا الأمّة الإسلامیّة من التنازع؛ تطبیقًا وامتثالًا لأمر الله -تعالى-: {وَأَطِیعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِیحُکُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِینَ}[33].



[1] باحث فی الشریعة والقانون الدولیّ، وأستاذ فی الجامعة الإسلامیّة، من لبنان.

[2]الإدارة هی عملیّة القیادة التنفیذیّة، وهی تجعل کلّ فرد منّا على علم تامّ بقدراته، وتدلّه على الطریق الأفضل لتحقیق غایاته؛ کما إنّها تقلّل من العقبات التی تعترض طریقه، وممارستها تعنی -أیضًا- التأثیر فی الآخرین والتأثّر بهم. والکفاءة والفعّالیّة مصطلحات إداریّة، فالفعّالیّة تعنی تحقیق الأهداف المرسومة من قِبَل المنظّمة، والکفاءة تعنی التوفیر فی الموارد المتاحة؛ سواء البشریّة، أم المادّیّة، أم الزمنیّة، أم المعنویّة (المعلومات). فالمدیر یجب علیه أنْ یسعى إلى تحقیق الأهداف المنشودة بأقلّ الموارد الممکنة. وأمّا القائد؛ فهو مدیر لدیه القدرة على التأثیر فی سلوک الآخرین. (انظر: توفیق، جمیل أحمد: إدارة الأعمال-مدخل وظیفیّ، ط1، بیروت، دار النهضة العربیّة، 1406ه.ق/ 1986م، ص17-34).

[3]الحضارة فی مفهومها العامّ هی ثمرة کلّ جهد یقوم به الإنسان لتحسین ظروف حیاته؛ سواء أکان المجهود المبذول مقصودًا أم غیر مقصود، وسواء أکانت الثمرة مادّیّة أم معنویّة. والثمرات الحضاریّة تحتاج إلى الزمن، وإلى جهد الإنسان، لذلک فهی ترتبط بالتاریخ. والحضارة لا تتمثّل فی عظام المنشآت؛ کالأهرامات، أو قصور فرسای، أو ناطحات السحاب، أو الوصول إلى القمر، فحسب؛ بل تتمثّل -أیضًا- فی صغار الاکتشافات التی تقوم علیها حیاة البشر؛ کرغیف الخبز، وصناعة الفخّار، اللذین شکّلا نقطة تحوّل فی تاریخ البشریّة. والعبرة فی منجزات البشر بما ینفع أکبر عدد من الناس، وییسِّر لهم أسباب التقدّم والاستقرار والسعادة. (انظر: مؤنس، حسین: الحضارة، ط1، الکویت، المجلس الوطنیّ للثقافة والفنون والآداب، مجلة عالم المعرفة، العدد1، 1398ه.ق/ 1978م، ص7-13).

[4] مجموعة من الباحثین: الفکر السیاسیّ عند الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه)، ط1، بیروت، دار المعارف الحکمیّة، 2013م، ص152-156.

[5] سورة المائدة، الآیة 45.

[6]الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، ط5، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1388هـ.ش، ج2، ص164.

[7] وقد ورد فی هذا السیاق شهادات من کبار العلماء حول علم الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه)، بل حول أعلمیّته، إذ إنَّ ملاک الأعلمیّة أنْ یکون الفقیه أقدر على استنباط الأحکام من مصادرها وأدلّتها الشرعیّة، مع ملاحظة الزمان والمکان والمقتضیات؛ بل إنّ هناک مجموعة مرجّحات لمرجعیّة الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) ذکرها بعض الفقهاء من أهل الخبرة فی شهاداتهم المختلفة، وهذه المرجّحات مع الشروط والمواصفات المتوفّرة فی سماحته تجعل تقلیده أمرًا متعیّنًا بلا إشکال، أذکر منها على سبیل المثال لا الحصر: امتلاکه المبانی التی لا بدّ من توفّرها لدى کلّ فقیه مطلق، والاطّلاع الواسع على علم الرجال، والفهم السلیم والمستقیم، والذوق المتَّزن فی فهم الآیات والروایات. (انظر: مجموعة من فضلاء الحوزة العلمیّة فی قم المقدّسة: مرجعیّة سماحة آیة الله العظمى الخامنئیّ (دام ظلّه)، ط1، قم المقدّسة، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1415هـ.ق، ج1، ص97-146).

[8] شمس الدین، محمد مهدی: فی الاجتماع السیاسیّ الإسلامیّ-المجتمع السیاسیّ الإسلامیّ محاولة تأصیل فقهیّ وتاریخیّ، بیروت، المؤسّسة الدولیّة، 1419هـ.ق/ 1999م، ص106.

[9] فقد عاش حفظه الله مع قضایا الأمّة وهمومها لسنوات طویلة؛ کما عاش مع المشروع الإسلامیّ فی زمن الثورة، وشارک فی بناء أوّل جمهوریّة إسلامیة بعد مئات السنین، فقد عاش طوال حیاته مجاهدًا؛ إمّا بالقلم والبیان، وإمّا بالسلاح، وقضى ثلاث سنوات من عمره فی سجون الشاه، وکان یتنقل من مدینة إلى أخرى ینقل بیانات الإمام الخمینی (قده)، ویُشعل فتیل الثورة، ویشارک فی تشکیل خلایا سرّیّة منظَّمة بهدف وضع الخطط وتنظیم نشاطات الحوزة العلمیّة بقم المقدّسة للسیر على نهج الإمام الخمینی (قده)، وکان ناشطًا فی تعلیم الإسلام الثوریّ، وعضوًا فی مجلس قیادة الثورة، ومسؤول الإعلام والتبلیغ فی مکتب الإمام الخمینی (قده)، کما تعرَّض سماحته لمحاولة اغتیال بتاریخ: 27–6-1981م، وکان إمامًا لجمعة طهران، ووکیلًا لوزارة الدفاع، وقائدًا لحرس الثورة، وعضوًا فی مجلس الشورى الإسلامیّ، ورئیسًا للجمهوریّة الإسلامیّة الإیرانیّة لثمانی سنوات، وقادها لربع قرن مضى، فهو الأکثر قدرة على إعطاء إجابات عن مسائل من هذا النوع، وعلى أنْ یقود معرکة التحدّی هذه. زد على ذلک أنَّ الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) یملک مستوى راقٍ فی الإدارة واتّخاذ القرار والحسم، ویمکنه بکلّ جرأة أنْ یحکم من حوله ولا یحکمه أحد، ولا یسیطر علیه أحد؛ إلا وعیه وفهمه وتکلیفه الشرعیّ، وهذا معروف لدى الناس جمیعًا؛ وهو -أیضًا- ممّا یساعد على المزید من الاطمئنان. کما عُرِفَ الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) بزهده، وتواضعه، وحرصه على بیت المال، وأُنسه بالقرآن، واهتمامه باللغة العربیّة، ومشارکته فی جبهات الحرب المفروضة. (انظر: مجموعة من فضلاء الحوزة العلمیّة فی قم المقدّسة: مرجعیّة سماحة آیة الله العظمى الخامنئیّ (دام ظلّه)، م.س، ص46-94).

[10] الجوهری، أبو العباس: الصحاح، تحقیق: أحمد عبد الغفور عطار، ط4، بیروت، دار العلم للملایین، 1407هـ.ق، ج6، ص2175-2176.

[11]سورة العنکبوت، الآیة 2.

[12] سورة الأنفال، الآیة 39.

[13] سورة المائدة، الآیة 41.

[14]سورة الذاریات، الآیة 13.

[15]{لا یَفْتِنَنَّکُمُ الشیطان}؛ أی لا یخدعکم. ففی الآیة تحذیر لجمیع أبناء آدم من کید الشیطان ومکره، ودعوة إلى مراقبته والحذر منه.

[16]سورة الأعراف، الآیة 27.

[17]سورة البقرة، الآیة 191.

[18]سورة الأنفال، الآیة 25.

[19]سورة الذاریات، الآیة 13.

[20]سورة الأنبیاء، الآیة 35.

[21]العلویّ، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، ضبط نصّه وابتکر فهارسه العلمیّة: صبحی صالح، ط1 (أُجری على هذه الطبعة قانون الإیداع، وسجّلت لدى الحمایة الملکیّة)، بیروت، 1387-1967م، ص220.

[22]الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ص88.

[23] م.ن، ص184.

[24] سورة الأنفال، الآیة 39.

[25] سورة الأنفال، الآیة 73.

[26]سورة البقرة، الآیة 193.

[27]شمس الدین، محمد جعفر: الحرب فی الإسلام-أهداف وتکتیک واستراتیجیا ومفاعیل من خلال سورة الأنفال، ط1، بیروت، دار الهادی، 1428هـ.ق/ 2007م، ص126-130.

[28]من خطبة صلاة الجمعة فی طهران بإمامة السیّد الخامنئیّ (دام ظلّه)، بتاریخ: 8/5/1378ه.ش.

[29]من خطاب لسماحته أثناء زیارته لمدینتی جالوس ونوشهر، بتاریخ 7-10-2009. انظر: موقع سماحة القائد آیة الله العظمى السیّد علی الحسینیّ الخامنئیّ (دام ظلّه):

http://www.leader.ir/ar/content/5977/قائد-الثورة-:-البصیرة-تمثّل-الطریق-الأنجع-لمواجهة-مثیری-الفتن

[30] أسّس البنا "جماعة الإخوان المسلمین" سنة 1346ه.ق/ 1928م، وأعاد إصدار "جریدة المنار" بعدما توقّفت، وعمل من أجل المشروع الإسلامیّ الذی یستطیع مقاومة الاستعمار، ومحاولات قهر الشعوب المسلمة، واقتحم سنة 1355هـ.ق/ 1936م المیدان السیاسیّ، ودعا الملوک والحکّام إلى تطبیق الشریعة الإسلامیّة فی شؤون الحیاة سنة 1366هـ.ق/ 1948م، وبشّر بالدولة الإسلامیّة فی صورة الخلافة، وقال: إذا لم تقم الحکومة الإسلامیّة؛ فإنّ جمیع المسلمین آثمون. وکان یؤمن بالتقریب بین المسلمین، ویدعو أتباعه إلى تطبیق فکره. وکان الإمام حسن البنّا خطیبًا من أبلغ من علا أعواد المنابر، أعاد فکرة شمولیّة الإسلام، وضرورة تطبیقه؛ بوصفه منهج حیاة، وحارب مظاهر الانحلال الخلقیّ، وجمیع مظاهر الاغتراب فی المجتمع. (انظر: ویکیبیدیا الإخوان المسلمون-الموسوعة التاریخیّة الرسمیّة لجماعة الإخوان المسلمین، مقالة بعنوان: "الإخوان المسلمون والشیعة... بین الرؤیة الشرعیّة والممارسة السیاسیّة").

[31] بحسب جریدة الحیاة، فإنَّ البغدادی قد تحوَّل الى "ظاهرة" مع إعلان قیام التنظیم فی العراق، بعد انشقاقه عن تنظیم "القاعدة" وزعیمه أیمن الظواهریّ. ووصفتْه "لوموند" الفرنسیّة بـ "الأسطورة" التی تتردّد أصداؤها فی "الدوائر الجهادیّة"؛ من إندونیسیا إلى موریتانیا، مرورًا بالضواحی الأوروبیّة. (انظر: جریدة الحیاة، جریدة یومیّة سیاسیّة عربیّة دولیّة مستقلّة، بتاریخ الأحد: ٢٩یونیو/ حزیران٢٠١٤م. على الرابط الإلکترونیّ: http://alhayat.com/Articles/3293545

[32] انظر: موقع مؤسّسة فرانس 24، بتاریخ: 05/07/2014م. وهی ثلاث قنوات تلفزیونیّة مختلفة (بالفرنسیّة والإنکلیزیّة والعربیّة) تبثّ على مدار الساعة، وتندرج مهمّة هذه القنوات فی إطار القطاع العامّ، وهی عالمیّة ولها خطّ تحریریّ مشترک. وموقع الإنترنت -أیضًا- باللغات الثلاث، ویعمل بالطریقة نفسها:

  http://www.france24.com/ar/20140705

[33]سورة الأنفال، الآیة 46.

[1] مجموعة من الباحثین: الفکر السیاسیّ عند الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه)، ط1، بیروت، دار المعارف الحکمیّة، 2013م، ص152-156.
[1] سورة المائدة، الآیة 45.
[1]الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، ط5، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1388هـ.ش، ج2، ص164.
[1] وقد ورد فی هذا السیاق شهادات من کبار العلماء حول علم الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه)، بل حول أعلمیّته، إذ إنَّ ملاک الأعلمیّة أنْ یکون الفقیه أقدر على استنباط الأحکام من مصادرها وأدلّتها الشرعیّة، مع ملاحظة الزمان والمکان والمقتضیات؛ بل إنّ هناک مجموعة مرجّحات لمرجعیّة الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) ذکرها بعض الفقهاء من أهل الخبرة فی شهاداتهم المختلفة، وهذه المرجّحات مع الشروط والمواصفات المتوفّرة فی سماحته تجعل تقلیده أمرًا متعیّنًا بلا إشکال، أذکر منها على سبیل المثال لا الحصر: امتلاکه المبانی التی لا بدّ من توفّرها لدى کلّ فقیه مطلق، والاطّلاع الواسع على علم الرجال، والفهم السلیم والمستقیم، والذوق المتَّزن فی فهم الآیات والروایات. (انظر: مجموعة من فضلاء الحوزة العلمیّة فی قم المقدّسة: مرجعیّة سماحة آیة الله العظمى الخامنئیّ (دام ظلّه)، ط1، قم المقدّسة، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1415هـ.ق، ج1، ص97-146).
[1] شمس الدین، محمد مهدی: فی الاجتماع السیاسیّ الإسلامیّ-المجتمع السیاسیّ الإسلامیّ محاولة تأصیل فقهیّ وتاریخیّ، بیروت، المؤسّسة الدولیّة، 1419هـ.ق/ 1999م، ص106.
[1] فقد عاش حفظه الله مع قضایا الأمّة وهمومها لسنوات طویلة؛ کما عاش مع المشروع الإسلامیّ فی زمن الثورة، وشارک فی بناء أوّل جمهوریّة إسلامیة بعد مئات السنین، فقد عاش طوال حیاته مجاهدًا؛ إمّا بالقلم والبیان، وإمّا بالسلاح، وقضى ثلاث سنوات من عمره فی سجون الشاه، وکان یتنقل من مدینة إلى أخرى ینقل بیانات الإمام الخمینی (قده)، ویُشعل فتیل الثورة، ویشارک فی تشکیل خلایا سرّیّة منظَّمة بهدف وضع الخطط وتنظیم نشاطات الحوزة العلمیّة بقم المقدّسة للسیر على نهج الإمام الخمینی (قده)، وکان ناشطًا فی تعلیم الإسلام الثوریّ، وعضوًا فی مجلس قیادة الثورة، ومسؤول الإعلام والتبلیغ فی مکتب الإمام الخمینی (قده)، کما تعرَّض سماحته لمحاولة اغتیال بتاریخ: 27–6-1981م، وکان إمامًا لجمعة طهران، ووکیلًا لوزارة الدفاع، وقائدًا لحرس الثورة، وعضوًا فی مجلس الشورى الإسلامیّ، ورئیسًا للجمهوریّة الإسلامیّة الإیرانیّة لثمانی سنوات، وقادها لربع قرن مضى، فهو الأکثر قدرة على إعطاء إجابات عن مسائل من هذا النوع، وعلى أنْ یقود معرکة التحدّی هذه. زد على ذلک أنَّ الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) یملک مستوى راقٍ فی الإدارة واتّخاذ القرار والحسم، ویمکنه بکلّ جرأة أنْ یحکم من حوله ولا یحکمه أحد، ولا یسیطر علیه أحد؛ إلا وعیه وفهمه وتکلیفه الشرعیّ، وهذا معروف لدى الناس جمیعًا؛ وهو -أیضًا- ممّا یساعد على المزید من الاطمئنان. کما عُرِفَ الإمام الخامنئیّ (دام ظلّه) بزهده، وتواضعه، وحرصه على بیت المال، وأُنسه بالقرآن، واهتمامه باللغة العربیّة، ومشارکته فی جبهات الحرب المفروضة. (انظر: مجموعة من فضلاء الحوزة العلمیّة فی قم المقدّسة: مرجعیّة سماحة آیة الله العظمى الخامنئیّ (دام ظلّه)، م.س، ص46-94).
[1]الجوهری، أبو العباس: الصحاح، تحقیق: أحمد عبد الغفور عطار، ط4، بیروت، دار العلم للملایین، 1407هـ.ق، ج6، ص2175-2176.
[1]سورة العنکبوت، الآیة 2.
[1] سورة الأنفال، الآیة 39.
[1] سورة المائدة، الآیة 41.
[1]سورة الذاریات، الآیة 13.
[1]{لا یَفْتِنَنَّکُمُ الشیطان}؛ أی لا یخدعکم. ففی الآیة تحذیر لجمیع أبناء آدم من کید الشیطان ومکره، ودعوة إلى مراقبته والحذر منه.
[1]سورة الأعراف، الآیة 27.
[1]سورة البقرة، الآیة 191.
[1]سورة الأنفال، الآیة 25.
[1]سورة الذاریات، الآیة 13.
[1]سورة الأنبیاء، الآیة 35.
[1]العلویّ، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، ضبط نصّه وابتکر فهارسه العلمیّة: صبحی صالح، ط1 (أُجری على هذه الطبعة قانون الإیداع، وسجّلت لدى الحمایة الملکیّة)، بیروت، 1387-1967م، ص220.
[1]الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ص88.
[1]م.ن، ص184.
[1]سورة الأنفال، الآیة 39.
[1]سورة الأنفال، الآیة 73.
[1]سورة البقرة، الآیة 193.
[1]شمس الدین، محمد جعفر: الحرب فی الإسلام-أهداف وتکتیک واستراتیجیا ومفاعیل من خلال سورة الأنفال، ط1، بیروت، دار الهادی، 1428هـ.ق/ 2007م، ص126-130.
[1]من خطبة صلاة الجمعة فی طهران بإمامة السیّد الخامنئیّ (دام ظلّه)، بتاریخ: 8/5/1378ه.ش.
[1]من خطاب لسماحته أثناء زیارته لمدینتی جالوس ونوشهر، بتاریخ 7-10-2009. انظر: موقع سماحة القائد آیة الله العظمى السیّد علی الحسینیّ الخامنئیّ (دام ظلّه):
http://www.leader.ir/ar/content/5977/قائد-الثورة-:-البصیرة-تمثّل-الطریق-الأنجع-لمواجهة-مثیری-الفتن
[1] أسّس البنا "جماعة الإخوان المسلمین" سنة 1346ه.ق/ 1928م، وأعاد إصدار "جریدة المنار" بعدما توقّفت، وعمل من أجل المشروع الإسلامیّ الذی یستطیع مقاومة الاستعمار، ومحاولات قهر الشعوب المسلمة، واقتحم سنة 1355هـ.ق/ 1936م المیدان السیاسیّ، ودعا الملوک والحکّام إلى تطبیق الشریعة الإسلامیّة فی شؤون الحیاة سنة 1366هـ.ق/ 1948م، وبشّر بالدولة الإسلامیّة فی صورة الخلافة، وقال: إذا لم تقم الحکومة الإسلامیّة؛ فإنّ جمیع المسلمین آثمون. وکان یؤمن بالتقریب بین المسلمین، ویدعو أتباعه إلى تطبیق فکره.وکان الإمام حسن البنّا خطیبًا من أبلغ من علا أعواد المنابر، أعاد فکرة شمولیّة الإسلام، وضرورة تطبیقه؛ بوصفه منهج حیاة، وحارب مظاهر الانحلال الخلقیّ، وجمیع مظاهر الاغتراب فی المجتمع. (انظر: ویکیبیدیا الإخوان المسلمون-الموسوعة التاریخیّة الرسمیّة لجماعة الإخوان المسلمین، مقالة بعنوان: "الإخوان المسلمون والشیعة... بین الرؤیة الشرعیّة والممارسة السیاسیّة").
[1] بحسب جریدة الحیاة، فإنَّ البغدادی قد تحوَّل الى "ظاهرة" مع إعلان قیام التنظیم فی العراق، بعد انشقاقه عن تنظیم "القاعدة" وزعیمه أیمن الظواهریّ. ووصفتْه "لوموند" الفرنسیّة بـ "الأسطورة" التی تتردّد أصداؤها فی "الدوائر الجهادیّة"؛ من إندونیسیا إلى موریتانیا، مرورًا بالضواحی الأوروبیّة. (انظر: جریدة الحیاة، جریدة یومیّة سیاسیّة عربیّة دولیّة مستقلّة، بتاریخ الأحد: ٢٩یونیو/ حزیران٢٠١٤م. على الرابط الإلکترونیّ: http://alhayat.com/Articles/3293545
[1]انظر: موقع مؤسّسة فرانس 24، بتاریخ: 05/07/2014م. وهی ثلاث قنوات تلفزیونیّة مختلفة (بالفرنسیّة والإنکلیزیّة والعربیّة) تبثّ على مدار الساعة، وتندرج مهمّة هذه القنوات فی إطار القطاع العامّ، وهی عالمیّة ولها خطّ تحریریّ مشترک. وموقع الإنترنت -أیضًا- باللغات الثلاث، ویعمل بالطریقة نفسها:
  http://www.france24.com/ar/20140705
[1]سورة الأنفال، الآیة 46.