نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
نقاط رئيسية
أولاً: الکتابة التاریخیَّة والسیاق السیاسیّ
ثانیاً: الکتابة التاریخیَّة وسلطة المرکز
ثالثاً: التأریخ ومغازلة السلطة
رابعاً: المؤرِّخ السلطانیّ ومعضلات التاریخ
1. فی البحث عن شرعیَّة التوریث
2. تطویع الحدث التاریخیّ
3. تجاهل تبریریّ
4. قدسیَّة القیاس للتعمیم
خامسًا: التاریخ وضِیْق التمذهب
1. المؤرّخ فی مواجهة الآخر، أو نعوت الجدل التغالبیّ
2. لبس المفهوم
الكلمات الرئيسية
الخطاب التّاریخیّ وبلاغة التّسییس
-قراءة تقویمیّة فی ملامح الکتابة السّلطانیّة عند ابن خلدون-
الدکتور عبد الفضیل إدراوی[1]
مقدّمة:
قد یکون من نافلة الکلام التذکیر بمدى شهرة عبد الرحمن ابن خلدون فی مجال الکتابة التاریخیّة، بالنظر إلى کونه أحد رموز التأریخ للأمم والحضارات، فقد وصفه عبد الله العروی بأنّه "اسم جامع تختفی تحته شخصیات عدّة"[2]، ونُظِرَ إلیه على أنّه "أوّل علماء الاجتماع بإطلاق، وأعظمهم إدراکًا لحقائق العمران الأولى فی تاریخ الفکر الإنسانیّ أجمع"[3]، وعُدّ من أبرز أعلام فلسفة التاریخ، "علمًا مفردًا بین قومه ومعاصریه فی میدان فلسفة التاریخ، لا نجد من نقرنه به"[4]، بل نُظِر إلیه رائدًا سابقًا لأوانه "فی میدان فلسفة التاریخ"[5].
غیر أنّ مساءلة طبیعة الکتابة التاریخیّة عند ابن خلدون، وقیاس مدى امتثالها لمعاییر الکتابة العلمیّة الدقیقة، ومقاربتها من حیث حمولتها الإیدیولوجیّة، أو بعبارة هایدن وایت: من حیث ما فیها من الاستلزام الإیدیولوجیّ[6] (Implication Idéologique)، ومعاینة مدى استسلامه لتوجّهاته السیاسیّة، وخضوع کتاباته لمتطلّبات الانتماء السیاسیّ، یبقى -بلا شکّ- الجانب الذی یستدعی مزیدًا من التأمّل، ویتطلّب کثیرًا من البحث والاهتمام، ویستوجب قدرًا لا یُستهان به من التمحیص والتدقیق العلمیّ؛ ما یقود إلى ضرورة مقاربة هذه الکتابة فی علاقتها بالوقائع والأحداث والقضایا المرویّة، من حیث سؤال النزاهة والزیف، والمرکز والهامش، والنصّ واللانص... وفی هذا الصدد، نرى ضرورة وضع مؤلّفات ابن خلدون فی سیاقها التاریخیّ، وربطها بالظروف العامّة والخاصّة التی أُنتجت فی خضمّها؛ بما هی أشیاء تشکِّل مدخلًا ضروریًّا لمزید فهم واستیعاب کنه هذه الکتابة.
أولًا: الکتابة التاریخیّة والسیاق السیاسیّ:
إنّ إطلالة سریعة على أهمّ الخطوط العریضة فی حیاة ابن خلدون تکشف عن أنّ الکتابة عنده یستحیل استیعابها بمعزل عن إکراهات السیاسة، وإملاءات الانتماء والولاء للسلطة. ولعلّ النصّ التالی یُلخِّص ویُظهِر بشکل جلیّ محوریّة الشأن السیاسیّ فی حیاة ابن خلدون؛ "وفی سنة (748هـ) التحق ابن خلدون بحاشیة ابن الحسن المرینی سلطان مراکش، على أنّ أوّل عهده بمراتب الدولة فعلًا کان (752ه)، فقد تولّى «کتابة العلامة» (دیوان الرسائل) لأبی محمد بن تافراکین المستبدّ على الدولة یومئذ بتونس، ثمّ إنّه وصف لأبی عنان صاحب فاس، وکان یجمع العلماء فی بلاطه، فاستقدمه عام (755ه)، ثمّ استخدمه فی آخر سنة (756ه). وتقلّب ابن خلدون فی البلاد، فکان عند بنی مرین فی فاس (760ه)، وعند بنی عبد الواد فی تلمسان (763ه)، ثمّ عند بنی الأحمر فی غرناطة (764ه)، فأرسله بنو الأحمر فی سفارة إلى بطره ملک قشتالة (بطرس الرابع القاسی)؛ لإتمام عقد الصلح بینه وبین ملوک المغرب. ثمّ انتقل هو إلى المغرب؛ ولکنّه سَئِم التطواف والمناصب، وخاف عواقب السیاسة، فآثر الاعتزال فی قلعة سلامة، شرق تلمسان، فمکث عند بنی العریف أربع سنوات، وبدأ بتألیف کتابه فی التاریخ... وفی سنة (784ه) سار ابن خلدون إلى الحجّ، ولکنّه لمّا وصل إلى مصر عرض علیه القضاء على المذهب المالکیّ، فقبله، فتأخّر ذهابه إلى الحجّ إلى سنة (789ه)، وعاد من الحجّ إلى القاهرة، وانقطع فیها للتدریس حینًا، ثمّ عاد إلى تولّی القضاء (801ه). ولمّا غزا تیمورلنک سوریة ذهب الملک الناصر فرج ابن الملک الظاهر برقوق إلى دمشق لیفاوض تیمور واصطحب معه العلماء؛ وفیهم ابن خلدون. ثمّ سمع الناصر فرج بمؤامرة علیه فی مصر، فاضطر إلى العودة، فحمل ابن خلدون تبعة الحال، وذهب سرًّا على رأس وفد لمفاوضة تیمور فی الصلح، وألقى بین یدیه خطبة نفیسة؛ فأکرمه تیمور علیها، وأعاده إلى مصر. وتولّى ابن خلدون القضاء بمصر بعد ذلک مرارًا، ثمّ وافاه الیقین بالقاهرة فی 25 رمضان (808ه)"[7].
وکثیرًا ما نجد ابن خلدون فی متن کتاباته التاریخیّة، وأثناء عرضه الوقائع، لا یُخفی التصریح بارتباطه بالسلاطین وبذوی الشأن: "وکذا کانت دولة الموحّدین وزَنَاتَة التی أَظَلَّتْنا"[8]. ولعلّ سیرته الذاتیّة[9]، وما یحکیه فیها عن نفسه، وعن علاقته بالسلاطین، وما تقلّده عندهم من مناصب عدیدة فی الدیوان والکتابة، کلّ ذلک یؤکّد الطابع السلطانیّ المتحکِّم فی حیاته: "کان اتّصالی بالسلطان أبی عنان، آخر ستّ وخمسین، وقرّبنی وأدنانی، واستعملنی فی کتابته، حتّى تکدّر جوّی عنده، بعد أنْ کان لا یعبّر عن صفائه"[10]. "وبینا نحن فی ذلک، وصل الخبر باستیلاء الأمیر أبی عبد الله على بجایة من ید عمّه، فی رمضان [سنة خمس وستین]، وکتب الأمیر أبو عبد الله یستقدمنی، فاعتزمت على ذلک، ونکر السلطان أبو عبد الله ابن الأحمر ذلک منّی، لا یظنّه لسوى ذلک، إذ لم یطّلع على ما کان بینی وبین الوزیر ابن الخطیب، فأمضیت العزم، ووقع منه الإسعاف، والبرّ والألطاف، ورکبت البحر من ساحل المریة، منتصف ستّ وستّین. ونزلت ببجایة لخامسة من الإقلاع، فاحتفل السلطان صاحب بجایة لقدومی، وأرکب أهل دولته للقائی، وتهافت أهل البلد علیّ من کلّ أوب یمسحون أعطافی، ویقبّلون یدی، وکان یومًا مشهودًا"[11].
بل إنّه یصرّح أنّ مشروع کتابه التاریخیّ؛ إنّما کان بتکلیف من السلطان الحاکم، حیث یقول: "وقد کلّفنی -أبو العباس- بالانکباب على تألیف هذا الکتاب؛ لتشوّقه إلى المعارف، والأخبار، واقتناء الفضائل، فأکملت منه أخبار البربر وزناتة، وکتبت من أخبار الدولتین، وما قبل الإسلام، وما وصل إلیّ منها، وأکملت منه نسخة رفعتها إلى خزانته"[12].
ولعلّ هذه الاعترافات تدعم بشکل کبیر ما ذهب إلیه إیف لاکوست من رصد مظاهر من امتداح ابن خلدون لانتصارات السلطان الذی کان أسیرًا عنده: "لقد قدّم المؤرّخ المغربیّ للأمیر المغولیّ؛ وهو أسیره، معلومات جدّ دقیقة حول عدد کبیر من البلدان، وامتدح انتصاراته بتفصیل بالغ، بحیث إنّه تحوّل من أسیر للفاتح إلى ضیف، وقد أخذ تیمورلنک بابن خلدون، إلى الحدّ الذی جعله یقترح علیه، ولکنْ عبثًا، الدخول فی خدمته بصفة مؤرّخ مستشار"[13].
نحن -إذًا- أمام کاتب أو مؤرّخ یعلن انتماءه إلى حاشیة السلطان، وتثبت سیرته انخراطه فی سلک کُتّاب البلاط منذ ریعان شبابه، حین کان عمره ستّة عشرة سنة، وهو من الخاصّة أو الأعیان، ومن العلماء المرافقین للسلطان، وهو مکلّف بالکتابة الدیوانیّة، وتُخصّص له مراسیم استقبال رسمیّة، ویُحتفى به فی یوم (مشهود)، وهو من القضاة فی سلک الدولة، بل هو قاضی القضاة، وله بالوزیر ابن الخطیب علاقة خاصّة، وهو فقیه مالکیّ، وهو مکلَّف بمهام تفاوضیّة فی أحلک الظروف، وفی أشدّ الملابسات السیاسیّة؛ اضطرابًا وتشابکًا. بل إنّ التألیف التاریخیّ عنده؛ إنّما کان بطلب من السلطان، المتشوِّق لمعرفة الأخبار، یبادر إلى جمعها وعند إکمال الکتاب یرفع نسخته الأولى إلى خزانته. هذا الأمر یجعل السمات السلطانیّة عنصرًا أساسًا وسماتٍ تکوینیّةً ملازمةً ومشَکِّلةً لطبیعة الکتابة عنده.
ثانیًا: الکتابة التاریخیّة وسلطة المرکز:
بناءً على ما تقدّم، یمکن تأطیر الکتابة التاریخیّة عند ابن خلدون ضمن الصورة الأولى التی تشکّلها الکتابة فی الثقافة العربیّة؛ أعنی الکتابة المرکزیّة أو الکتابة الرسمیّة، (فی مقابل الکتابة الهامشیّة)، ولنقل بعبارة أخرى: الکتابة السلطانیّة؛ وهی الکتابة التی تُنْتَج فی حضن السیاسة الرسمیّة، وتکون على وفاق مع الجهاز الحاکم، ومع مؤسّساته الإعلامیّة والتنظیمیّة والإداریّة، وترتبط بالقوى السیاسیّة الاجتماعیّة المتمکّنة من وسائل السلطة والمقرَّبة من الحاکم، تنطق بلسانه، وتعبّر عن تطلّعاته، وتخدم مصالحه، وتساهم بوعی واختیار فی تشکیل صورته أو تلمیعها. فهی نمط من الکتابة یعبّر بصدق عن إرادة الحاکم الرسمیّ؛ سعیًا نحو الحفاظ على قداسته، وبحثًا له عن مشروعیّته فی الاستمرار؛ مع غضّ النظر عن شرعیّته أو لا شرعیّته.
ومن البدیهیّ القول: إنّ السلطة القائمة "تخلق مجموعة من الناس یتحدّثون باسمها، ویعبّرون عن أقوالها"[14]، وهؤلاء هم الکتّاب، والبلغاء، والمنظّرون، والشعراء، والسیاسیّون، ورجال القانون، وغیرهم؛ ممّن هم "على وفاق مع الدولة، أو فی موقع الخدمة لها، أو العمل أداة من أدواتها"[15]. وعبر هذه الکتابة یمکن النفاذ إلى خفایا الخطاب السیاسیّ وأسراره، الذی یکون هدفه أساسًا الإخضاع والتوجیه، ویسعى إلى بسط السیطرة وتحقیق الهیمنة، أو الإبقاء علیها وإطالة أمدها، أو التغفیل عنها وعدم الانتباه إلیها، من خلال نشدان إقامة علاقات تواصلیّة خفیّة مع الجمهور؛ ابتغاء النفاذ إلى المشاعر والقلوب، وإقامة أجواء من الحمیمیّة والإیجابیّة الموهومة تجاه الآخرین، وربّما النیل من بعض الخصوم، وتحطیم شخصیّتهم[16].
وما تنتجه هذه الجهة یشکّل المرکز، ویتّخذ شکل الأنموذج الذی له دوره المؤثّر والمستوعب لجمیع فعّالیّات الکتابة، فیفرض قواعد تتعالى فی شکل مقاییس وأخلاقیّات؛ استنادًا إلیها تُعطى الشرعیّة والاعتراف، أو تنتزعان عن أیّ کتابة أو جهة أخرى فی المجتمع.
وفی ظلّ الکتابة المرتبطة بالسلطة، أو الکتابة السلطانیّة، لا یمکن للکتابة التاریخیّة أنْ تسلم من لوثة التسییس، فیغدو الخطاب التاریخیّ من الخطابات التی تستوجب التعامل معها "على اعتبار أنّها ممارسات تشکِّل على نحو منظّم الأشیاء التی تتحدّث عنها"[17]. ففی ظلّ هذا الخطاب، لا یمکن أنْ نتوقّع من الکاتب أو المؤرّخ الاکتفاء بعرض الأحداث والوقائع وسرد تتابعها الزمنیّ؛ کما هو، بقدر ما تغدو الکتابة التاریخیّة فعًلا أو ممارسةً اجتماعیّةً، ومساهمةً فی بناء معرفة اجتماعیّة مقصودة ومحدّدة، حیث یتحوّل الخطاب التاریخیّ إلى سلطة حقیقیّة، وإنْ کان "کثیرًا ما تظلّ السلطة غیر مرئیّة"[18]، إذ یُوکَل إلى الکاتب خَلْق الإمکانات، وإیجاد العلاقات التی یمکن أن یتحدّث عنها الخطاب، أو العلاقات التی یتوجّب أنْ یبنیها الخطاب، وکیفیّة التعامل معها[19].
ثالثًا: التأریخ ومغازلة السلطة:
تغدو الکتابة السلطانیّة -إذًا- مظهرًا آخر من مظاهر العنف الذی تعتمده السلطة المرکزیّة فی مواجهة الهامش، وفی هذا الصدد تتحوّل الکتابة التاریخیّة السلطانیّة من ممارسة موضوعیّة، إلى وظیفة لترکیز الإیدیولوجیا السائدة، وتثبیت شرعیّة السیاسة القائمة.
فالتأمّل فی الکتب السلطانیّة التی أرَّخَت للملوک والأمم، وإمعان النظر فی الطریقة التی یتّبعها أصحابها فی سرد الوقائع والأحداث ذات الصلة بالحکم وبسیرة الحکّام، والوقائع التی رافقت تدبیر الشؤون من لدن بعض الحکّام، والقضایا العصیبة التی سجّلها التاریخ وکانت مثار النقاش بین المهتمّین والمختصّین، ومثار النقد الحفر من لدن آخرین؛ کلّ ذلک یُلقی بثقله على هؤلاء الکتّاب، ویفرض علیهم اتّخاذ الموقف من الأحداث المفصلیّة، ومحاولة توجیه الأحداث والانطباعات. هکذا یجد المؤرّخ الرسمیّ أو المؤرّخ السّلطانیّ أنّه "رجل منخرط رغمًا عنه فی الصراع السیاسیّ؛ لأنّ قطاع المعرفة کلّه بید البلاط، ولا حدیث حینئذٍ عن استقلال المؤرّخ"[20]. ولعلّ من أبرز نماذج هذا النمط من الکتّاب ابن خلدون (ت 808 هـ)، وخصوصًا فی کتابه المقدّمة[21].
رابعًا: المؤرّخ السّلطانیّ ومعضلات التاریخ:
1. فی البحث عن شرعیّة التوریث:
بحکم انتماء ابن خلدون إلى دائرة السلطة، عندما یتعلّق الأمر بأحداث مُحرِجة لطبیعة الممارسة السلطویّة التی یجد أنّها تخالف ما کان علیه الأمر فی العصر النبویّ والخلافة الراشدة، وتصطدم مع المُتعَارَف والمشهور فی تاریخ الحکم الإسلامیّ، یجد نفسه مضطرًّا إلى البحث عن تبریرات وتخریجات وأعذار تُلطِّف من وقع المعضلة، وتجعلها مقبولة ومحتملة فی عرف التلقّی الإسلامیّ: "وکذلک عهد معاویة إلى یزید خوفًا من افتراق الکلمة، فلو قد عهد إلى غیره اختلفوا علیه؛ مع أنّ ظنّهم کان به صالحًا، ولا یرتاب أحد فی ذلک، ولا یُظَنُّ بمعاویة غیره؛ فلم یکن لیعهد إلیه، وهو یعتقد ما کان علیه من الفسق، حاشا لله لمعاویة من ذلک"[22].
إنّ المؤرّخ السلطانیّ -هاهنا- یصطدم بمعضلة توریث السلطة والعهد بالحکم والولایة من خلیفة مسلم هو معاویة لابنه یزید، وهو إجراء سیاسیّ جدید، یشکِّل سابقة فی الممارسة السیاسیّة الإسلامیّة، لم تألفه الذاکرة الإسلامیّة فی السیرة السیاسیّة النبویّة، ولا فی اشتغال جیل الخلفاء الراشدین من بعده.
غیر أنّ ابن خلدون -بوصفه ممثلًا ومنتمیًا لسلطة سیاسیّة مستمرّة وباقیة- یجد نفسه معنیًّا بأنْ یؤسّس لشرعیّة هذه السلطة المرکزیّة، ویضفی علیها الشرعیّة التاریخیّة، ولو على حساب العقل والمنطلق المتعارف، وعلى حساب المشهور الذاهب فی الآفاق من الأمور. فهو یحاول إضفاء الشرعیّة للتأسیس لسیاسة توریث الحکم من لدن الأمویّین، فیلتمس العذر لتولّی یزید الحکم بعهد من أبیه، على الرغم ممّا اشتهر به عند الخاصّة والعامّة؛ من انحراف، وفسق، وفجور، وشرب خمر، واشتغال باللهو والطرب. وبعبارة أخرى: على الرغم من افتقاد هذا الأخیر الأهلیّة والشرعیّة، لثبوت الانحراف والفساد، کما یصرّح هو نفسه[23]، وحتّى مع المعارضة الشدیدة من فئات عریضة من المجتمع[24]، ومع اختلاف الناس بشأن القبول بالمعهود إلیه، وهی الصفات التی استند إلیها کثیر من الصحابة لرفض تولیة یزید والقبول به خلیفة على الأمّة. فقد کان ممّا أجاب به الحسین بن علی (ع) معاویة بشأن تقدیم البیعة لیزید: "واعلم أنّ الله لیس بناسٍ لک قتلک بالظنّة، وأخذک بالتهمة، وإمارتک صبیًّا یشرب الشراب، ویلعب بالکلاب، ما أراک إلا وقد أوبقت بنفسک، وأهلکت دینک، وأضعت الرعیّة. والسلام"[25].
فعلى الرغم من کلّ هذا الانحراف المُعلِن عن انسیاق القیادة السیاسیّة مع الملذات والإسراف؛ بما ینذر بالمساس بحقیقة الخلافة التی هی حسب ابن خلدون "حراسة الدّین وسیاسة الدّنیا به"[26]، وبوظیفة منصب الخلیفة؛ بوصفه "نیابة عن صاحب الشریعة فی حفظ الدین وسیاسة الدنیا به"[27]، نجد المؤرّخ لا یتحرّج من التماس الأعذار لتولیة هذا الحاکم، والعهد له بالملک، ویبادر إلى البحث عن تبریرات توفیقیّة لشرعَنَة الفعل، وإضفاء قدر من المقبولیّة علیه.
2. تطویع الحدث التاریخیّ:
وبوحی من إکراهات الانتماء السیاسیّ، لا یجد المؤرّخ بدًّا من العمل على محاولة إعادة بناء الأحداث التاریخیّة؛ وفق منطق تبریریّ، فهو یحاول أنْ یلتمس الأعذار، ویبحث عن مبرّرات لتکییف سیر الأحداث؛ بما یماشی الرأی العامّ، أو الرأی الرسمیّ الغالب.
وهکذا یغدو العهد بالخلافة على عهد النبیّ (ص) أمرًا غیر مهمّ -فی نظر ابن خلدون-: "فانظر کیف کانت الخلافة لعهد النبی (ص) غیر مهمّة، فلم یعهد فیها"[28]، لکنّه بعد أنْ أصبح واقعًا مفروضًا وفق مجریات الأحداث التاریخیّة ووفق شریعة السلطة السیاسیّة، حینئذٍ یغدو العهد بالخلافة مبرَّرًا ومقبولًا: "ثمّ اقتضت طبیعة الملک الانفراد بالمجد، واستئثار الواحد به. ولم یکن لمعاویة أنْ یدفع ذلک عن نفسه وقومه، فهو أمر طبیعیّ ساقته العصبیّة بطبیعتها، واستشعرته بنو أمیّة، ومنْ لم یکنْ على طریقة معاویة فی اقتفاء الحقّ من اتباعهم، فاعصوصبوا علیه، واستماتوا دونه. ولو حملهم معاویة على غیر تلک الطریقة وخالفهم فی الانفراد بالأمر؛ لوقع فی افتراق الکلمة التی کان جمعها وتألیفها أهمَّ علیه من أمر لیس وراءه کبیر مخالفة"[29].
فیبدو کیف یعمل المؤرّخ المنخرط فی الملابسات السیاسیّة بشکل بارع على تکییف مجریات الأحداث المحرجة؛ وفق ما یخفّف من وقعها الصادم، فیغدو الاستئثار بالسلطة وتحویلها من شورى عامّة بین المسلمین إلى شأن أُسریّ خاصّ، ویغدو العدول عن نهج السنّة النبویّة ومخالفة سیرته (ص)؛ بتحویل الخلافة إلى مُلک یَعهد به الأب لابنه، ویُلزِم الأمّة بمبارکته ومبایعته؛ کل ذلک یغدو مبرَّرًا وفق منطق المؤرّخ السلطانیّ، فهو یموقع نفسه ممثلًا لجهة سیاسیّة ینتمی إلیها ویُعد من حاشیتها. "وکذلک عهد معاویة إلى یزید خوفًا من افتراق الکلمة؛ بما کانت بنو أمیّة لم یرْضَوا تسلیم الأمر إلى مَنْ سواهم. فلو قد عهد إلى غیره اختلفوا علیه؛ مع أنّ ظنّهم به کان صالحًا، ولا یرتاب أحد فی ذلک، ولا یظنّ بمعاویة غیره؛ فلم یکنْ لیعهد إلیه؛ وهو یعتقد ما کان علیه من الفسق، حاشا لله لمعاویة من ذلک"[30].
3. تجاهل تبریریّ:
یحاول المؤرّخ السلطانیّ التخفیف من وَقْع تولیة العهد لیزید الذی اشتهر فسقه، ویجتهد فی البحث عن صیغة تبریریّة ملائمة تُبقی لفعل الحاکم شرعیّة اختیاراته؛ مهما کانت مُحرِجَة. فیکون المَخرَج هو نفی اعتقاد المورِّث أو علمه؛ بما کان علیه، وبما صار إلیه ولی العهد من الانحراف أو الفسق، مع العلم أنّ أمّهات المصادر التاریخیّة التی لا یمکن لابن خلدون أنْ یکون فی غفل عنها، وَثّقت بدقّة وبتفصیل سیرة یزید وأحواله وأخلاقه. ویکفی ما أورده عنه المسعودیّ؛ وهو من المصادر التی أکثر ابن خلدون النقل عنها. یقول المسعودی: "وکان یزید صاحب طرب، وجوارح، وکلاب، وقرود، وفهود، ومنادمة على الشراب، وجلس ذات یوم على شرابه وعلى یمینه ابن زیاد؛ وذلک بعد قتل الحسین، فأقبل على ساقیه، فقال:
اِسْقِنی شرْبَةً تَرْوِی عِظامِی /// ثُم مِلْ فاسقِ مِثلَها ابْنَ زِیادِ
صَاحبَ السّرّ والأَمَانةِ عنْدی /// وَلتَسْدیدِ مَغْنَمِی وَجِهادی
ثمّ أمر المغنّین فغنّوا به. وغلب على أصحاب یزید وعمّاله ما کان یفعله من الفسوق، وشاع فی أیّامه الغناء بمکّة والمدینة، واستعملت الملاهی، وأظهر الناس شرّ الشراب. وکان له قرد یُکنّى بأبی قیس یُحضِره مجلسَ منادمته ویطرح له متّکًا، وکان قردًا خبیثًا، وکان یحمله على أتان وحشیّة، قد ریضت وذلّلت لذلک بسرج ولجام، ویسابق بها الخیل... وعلى أبی قیس قباء من الحریر الأحمر والأصفر مشمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحریر ذات ألوان بشقائق، وعلى الأتان سرج من الحریر الأحمر منقوش ملمّع بأنواع من الألوان"[31].
بل إنّ ابن قتیبة یُورِد خطبة مطوَّلة للحسین بن علی (ع) قالها فی محضر معاویة، وبیَّن فیها شهرة أمر یزید، وذیوع انحرافه وفسقه؛ کاشفًا عن أحواله: "ترید أنْ توهم الناس فی یزید، کأنّک تصف محجوبًا، أو تنعت غائبًا، أو تُخبر عمّا احتویته بعلم خاصّ، وقد دلّ یزید من نفسه على موقع رأیه. فخذ لیزید فی ما أخذ فیه، من استقرائه الکلاب المهارشة عند التهارش، والحمام السّبق لأترابهنّ، والقیان ذوات المعازف وضرب الملاهی تجده باصرًا، ودع عنک ما تحاول، فما أغناک أنْ تلقى الله من وزر هذا الخلق بأکثر ممّا أنت لاقیه، فوالله ما برحت تقدح باطلًا فی جور، وحقّنا فی ظلم؛ حتّى ملأت الأسقیة، وما بینک وبین الموت إلا غمضة"[32]؛ وهی أشیاء تقلّل من إمکانیّة القبول بدعوى الجهل بحاله، أو عدم الاعتقاد بما کان علیه من الفسق، وتضع تبریرات ابن خلدون فی سیاقها الطبیعیّ الکاشفة بوضوح عن میولاته السیاسیّة؛ أکثر من کشفها عن واقع الحال، أو تعبیرها عن حقائق الأمور.
4. قدسیّة القیاس للتعمیم:
إنّ ابن خلدون لا یجد بأسًا فی تعمیم تبریراته الملتمسة الأعذار لممارسات الملوک؛ بحثًا عن تخریجات تتناسب ومخاطبة الرأی العامّ، وتنشد تشکیل وجهة نظر محدّدة وخاصّة للأحداث التاریخیّة، یطبعها التوافق والتسلیم لاختیارات السلطان ولتوجّهات السلطة، التی ینتسب إلیها ویُعدّ من حاشیتها. ففی سبیل تطویع سلوک التوریث السیاسیّ یعمد ابن خلدون إلى قیاس ما فعله الأمویّون؛ بما فعله نبیّا الله سلیمان (ع) وداود (ع): "ولقد انفرد سلیمان وأبوه داود صلوات الله علیهما بملک بنی إسرائیل؛ لما اقتضته طبیعة الملک فیهم من الانفراد به، وکانوا کما علمت من النبوّة والحقّ"[33]. تبعًا لذلک، یغدو وفق منطق تبریرات المؤرّخ، أمرًا طبیعیًّا، غیرَ مَعیب ولا منکر؛ فعلُ التوریث والعهد بالخلافة من الملوک الأمویّین والعباسیّین لأبنائهم، بل وحتّى لإخوانهم: "ثمّ إنّه وقع مثل ذلک من بعد معاویة، من الخلفاء الذین کانوا یتحرّون الحقّ ویعملون به؛ مثل: عبد الملک، وسلیمان؛ من بنی أمیّة، والسفّاح، والمنصور، والمهدیّ، والرشید؛ من بنی العباس، وأمثالهم ممّن عُرِفَت عدالتهم، وحسن رأیهم فی المسلمین، والنظر لهم، ولا یُعاب علیهم إیثار أبنائهم وإخوانهم، وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة فی ذلک، فشأنهم غیر شأن أولئک الخلفاء، فإنّهم کانوا على حین لم تحدث طبیعة الملک، وکان الوازع دینیًّا، فعند کلّ أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من یرتضیه الدین فقط وآثروه على غیره"[34].
وبمقتضى هذا الانتساب، تغدو الأصوات المعارضة للسلطان فی اختیاراته؛ مهما تکن حجّتها؛ کما هو الشأن مع المعارضة العلنیّة لعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبیر، والأحنف بن قیس، ومروان بن الحکم؛ الذین أنکروا على معاویة ما فعل، وعاتبوه صراحة إلى حدّ الغضب[35]، ومهما تبلغ درجة الاستنکار لدیها، ومهما تعلن بدعیّته ومخالفته سیرة السلف والمشهور فی تاریخ الخلافة الإسلامیّة؛ فکلّ ذلک یؤطّره المؤرّخ السلطانیّ ضمن دائرة العمل الشاذّ، والمخالفة النادرة، التی لا تستحقّ ذِکْرًا، ولا تخصَّص لها وقفة تاریخیّة تکشف تفاصیلها؛ لأنّها على غیر ما علیه الجمهور[36]. بل إنّ المؤرّخ السلطانیّ یُوجِد لکلّ ذلک تکییفًا مهادنًا، وتبریرًا توفیقیًّا، فیقدّمه فی صورة مختصرة مبتسرة مشفوعة بتبریرات مخفّفة، "وفرار عبد الله بن عمر من ذلک؛ إنّما هو محمول على تورّعه من الدخول فی شیء من الأمور؛ مباحًا کان أو محظورًا؛ کما هو معروف عنه"[37].
خامسًا: التاریخ وضِیْق التمذهب:
فی الکتابة التاریخیّة عند ابن خلدون ثمّة کثیر من المحطّات التی یسهل على الباحث ملاحظة أنّه لا یسیر فیها وفق منطلق بحثیّ خالص، ولا روح علمیّة مجرّدة؛ بما لا یُسعِف فی الظفر بالحقیقة التاریخیّة الموضوعیّة، البعیدة عن توجیهات المؤرّخ ومیولاته ومنظوره الشخصیّ أو الذاتیّ للأشیاء. فابن خلدون یصاحب مسروداته بمواقف وأحکام وتقییمات لا تکاد تتحرّر من رواسب الإیدیولوجیا السیاسیّة أو رواسب الانتماء المذهبیّ.
1. المؤرّخ فی مواجهة الآخر، أو نعوت الجدل التّغالبّیّ:
کثیرًا ما نجد المؤرّخ یتحوّل إلى ناطق رسمیّ باسم توجّه أو تیار فکریّ معلوم ومحدَّد؛ فهو یکتب من منطلق المؤرّخ السنّیّ الفقیه المالکیّ والقاضی، الذی یصدر عن رؤیة سلفیّة تخاصم التیارات الأخرى وتصطنع ضدّها صراعا عقدیًّا فکریًّا إیدیولوجیًّا، یُلقی بها إلى الهامش أو إلى المعارضة. ومن ثمّة یکون على هذه التیارات الأخرى، فی ظلّ رؤیة المؤرّخ المُعلِن عن انتمائه المذهبیّ، أن تتحمّل عبء النعوت القدحیّة والتوصیفات المواربة التی تحاصرها فی زاویة مظلمة متوجّسٍ منها، محاطة بسلسلة من السلبیّات والمغامز التی تجعلها حقیقة مهدّدة فی کیانها.
وفی معرض حدیث ابن خلدون عن الشیعة والفِرَق المعتقدة فی الإمامة، ینتقل ویتحوّل بشکل سافر ومعلَن من موقع المؤرّخ المستقصی الأحداث والوقائع والمراکم للمعلومات، إلى أنموذج المؤرّخ المتکلّم الذی یقدِّم اجتهاداته الکلامیّة فی ثوب اکتشافات وحقائق تاریخیّة[38].
وینتقل إلى موقع الفقیه والمحَدِّث الذی یبدی میلًا واضحًا لنقض أغلب أفکار الإمامیّة ودحضها وتکذیبها، فهو یعتبر أنّ الأدلّة التی یتمسّکون بها فی إثبات وجهة نظرهم، والنصوص التی یحتجّون بها وینقلونها معتقدین بحجّیّتها؛ کلّ ذلک یلخّصه ابن خلدون ویرى أنّه "نصوص ینقلونها ویؤوّلونها على مقتضى مذهبهم، لا یعرفها جهابذة السنّة، ولا نقلة الشریعة، بل أکثرها موضوع مطعون فی طریقه، أو بعید عن تأویلاتهم الفاسدة"[39].
ونراه یجتهد فی ذکر اختلافاتهم ومواقفهم السیاسیّة بشأن الإمامة والخلافة، وفی سیاق حدیثه تَرِد کثیر من النعوت والمواقف والأحکام التی تجعل تلکم التوجّهات فی موقف الخصم والمتّهم، والمتوجَّس منه. فهو لا یتردّد فی أنْ یصفهم بعبارات المنظومة الفکریّة الأخرى برمّتها إلى منظومة هامشیّة فی مواجهة سلطة المرکز؛ لأنّها منظومة تحاصر بصفات قیمیّة قدحیّة، لا یمکن أنْ یطمئنّ إلیها الرأی العامّ؛ "وبذلک سُمّوا رافضة"، "ومنهم طوائف یسمّون الغلاة تجاوزوا حدّ العقل والإیمان"، "یزعمون أنّ الثانی عشر من أئمّتهم"[40]، "وقد کفانا مؤونة هؤلاء الغلاةَ"[41]، "ویسمّون -أیضًا- المُلحِدَة؛ لما فی ضمن مقالتهم من الإلحاد"[42]، وهم یؤلّهون الأئمّة ویجعلونهم متّصفین بصفات الألوهیّة، أو أنّ الإله حلَّ فی ذاتهم البشریّة؛ "وهو قول بالحلول یوافق مذهب النصارى فی عیسى صلوات الله علیه"[43]. "وهم أصحاب تأویلات فاسدة"[44]. ویفنّد دعوى أهمّیّة الإمامة عند المعتقدین بها؛ لأنّ نظریّتهم فیها مجرّد "زعم" و"شبهة"؛ مبیّنًا أنّها لیست من کمال الدین، ولا من أصوله، فیقول: "وشبهة الإمامیّة فی ذلک؛ إنّما هی کون الإمامة من أرکان الدین؛ کما یزعمون، ولیس کذلک؛ وإنّما هی من المصالح العامّة المفوَّضة إلى نظر الخلق. ولو کانت من أرکان الدین؛ لکان شأنها شأن الصلاة، ولکان یستخلِف فیها؛ کما استخلف أبا بکر فی الصلاة، ولکان یشتهِر؛ کما اشتهر أمرُ الصلاة"[45].
وهذه -کما یظهر- نعوت تقود حتمًا إلى أنْ یترافق الجرد التاریخیّ للأحداث مع تطویق الآخر ومحاصرته فکریًّا أو عقلیًّا؛ لأنّه یغدو مسلوب العقل، وخصمًا للمنطق (تجاوزوا حدّ العقل)، ومحاصرته عقدیًّا (تجاوزوا حدّ الإیمان)، (لما فی ضمن مقالتهم من الإلحاد)، فلا غرو أنْ یستتبع هذه النعوت تشکیل موقف أو رأی عامّ یحقّ له أن یتوجَّس خیفةً من هذا التّیار؛ لأنّه یصبح ردیف الزندقة والبدعة والانحراف. یُراکم ابن خلدون -إذًا- جملة النعوت لتبدو بموجبها هذه الفئة فی التاریخ العربیّ الإسلامیّ تخالف السلطة، أو تهدّدها، أو تزعجها، أو "تنزاح بأیّة صورة عن "النصّیّة المرکزیّة". إنّها تظلّ خارجة عن التقلید النصّیّ المتعارف، وحاملة لقیم نصّیّة مختلفة، لا یمکن أن تحظى إلا بالرفض والنقض"[46]، فهی حتمًا غریبة ومتوجَّس منها، تغدو غیر مقبولة مرکزیًّا، وتصبح متَّهَمة ومهدَّدة وفاقدة صفة النصّیّة، ومحسوبة فی عداد "اللانصّ"، نصیبها التجاهل والإقصاء والتهمیش. وکلّ ما یصدر عنها أو ینتسب إلیها من فکر، أو ثقافة، أو تدیّن، أو تحرّک تنسحب علیه النعوت السلبیّة لهذه الطائفة غیر المسموح لها بأنْ تنشط على الساحة السیاسیّة؛ لأنّها تمثّل توجّهًا ثقافیًّا وإیدیولوجیًّا مضادًا، ورؤیة فکریّة تهدّد الإیدیولوجیا الرسمیّة، التی تبیح لنفسها نهج جمیع السُبُل الممکنة لتطویق هذه الفئة الأخرى ومحاصرتها، ما یجعلها تنسب إلیها جمیع صنوف التهم والموبقات التی یمکن أن تحدّ من غلوائها، وتکبت أنشطتها المحتملة، وتوقّف حرکیّتها؛ منعًا لأیّ اکتساح أو تنامٍ غیر مأمون.
ومن ثمّة، فهی باختصار موسومة بالکتابة الهامشیّة أو المهمَّشة، فی مقابل توجیهات المؤرّخ الواعیة وترتیباته؛ لـ"فرض صیغة معیّنة للتعامل والنظر إلى الأمور، وبالتالی افتراض صِیَغ ومقاییس هی وحدها التی تمثّل الحقیقة؛ أی إنّ الحقیقة تکون فی مکان واحد، ولها شکل واحد، ولذلک لیس أمام الآخر سوى الامتثال والانسجام والموافقة"[47].
وعلى الرغم من أنّ ابن خلدون یستدرک على مَنْ سبقه من المؤرّخین والمفسّرین، ویشیر فی مقدِّمة کتابه إلى هفوات بعضهم وتساهلهم فی نقل الأشیاء من دون تمحیص وتدقیق؛ قائلًا: "وکثیرًا ما وقع للمؤرّخین والمفسّرین وأئمّة النّقل المَغَالِطُ فی الحکایات والوقائع؛ لاعتمادهم فیها على مجرّد النّقل غثًّا أو سمینًا، لم یعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سیَّروها بمعیار الحکمة، والوقوف على طبائع الکائنات، وتحکیم النَّظر والبصیرة فی الأخبار، فضلُّوا عن الحقّ، وتاهوا فی بیداء الوهم والغلط"[48]. فعلى الرغم من هذا المستوى الفائق من تحرّی الدقّة العلمیّة، الذی یبدو بحقّ سبّاقًا فی مجاله، لم یکن ذلک مانعًا من إیراد بعض النوادر والمواقف الشاذّة المنسوبة إلى الإمامیّة الاثنی عشریّة، حیث یقول: "یزعمون أنّ الثانی عشر من أئمّتهم؛ وهو محمد بن الحسن العسکریّ، ویلقّبونه المهدیّ، دخل فی سرداب بدارهم بالحلّة، وتغیّب حین اعتقل مع أمّه وغاب هنالک، وهو یخرج فی آخر الزمان، فیملأ الأرض عدلًا؛ یشرون بذلک فی الحدیث الواقع فی کتاب الترمذی فی المهدیّ؛ وهم إلى الآن ینتظرونه ویسمّونه المنتظر لذلک، ویقفون فی کلّ لیلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب، وقد قوّموا مرکبًا، فیهتفون باسمه، ویدعونه للخروج، حتّى تشتبک النجوم، ثمّ ینفضّون ویرجئون الأمر إلى اللیلة الآتیة، وهم على ذلک إلى هذا العهد"[49].
2. لبس المفهوم:
یفنّد ابن خلدون ما اصطلح علیه ونعته بـ"دعوى" أو "زعم" أو "شبهة" أهمّیّة الإمامة عند الشیعة، فعلى عکس ما یذهب إلیه معتقدو الإمامة، ویجمعون علیه من کون "الإمامة لیست من المصالح العامّة التی تفوَّض إلى نظر الأمّة، ... بل هی رکن الدین وقاعدة الإسلام"[50]، یبیّن ابن خلدون أنّ الإمامة لیست من کمال الدین، ولا من أصوله، وإنّما هی من "المصالح العامّة المفوَّضة إلى نظر الخلق. ولو کانت من أرکان الدین؛ لکان شأنها شأن الصلاة"[51].
لکنْ عندما یتعلّق الأمر بالدفاع عن السلطة القائمة، والبحث عن شرعیّة استمراریّتها وبقائها، وعندما یُجابَه ابن خلدون بحقیقة أنّ تطوّر أحداث التاریخ إنّما سار فی اتّجاه التوریث والعهد بالحکم من السابق إلى اللّاحق، ومن الأب إلى الابن، وفق ما شرَّع له الحکّام الأمویّون، حین عهد معاویة بالحکم لابنه یزید، ووفق ما جرت به سنن السلاطین؛ حینئذ یعدل ابن خلدون عن ما قاله بشأن الإمامة سابقًا، إلى مستوى تصبح الإمامة السیاسیّة أو الإمامة الکبرى أو الخلافة على قدر من الأهمّیّة والمشروعیّة: "اعلم أنّا قد قدّمنا الکلام فی الإمامة ومشروعیّتها؛ لما فیها من المصلحة، وأنّ حقیقتها النظر فی مصالح الأمّة لدینهم ودنیاهم"[52]؛ بل إنّ الإمامة السیاسیّة تصبح عنده -على عکس ما سبق تمامًا- هی الأصل، والصلاة متفرّعة عنها، وراجع أمرها إلیها: "فاعلم أنّ الخطط الدینیّة الشرعیّة؛ من الصلاة، والفتیا، والقضاء، والجهاد، والحسبة؛ کلّها مندرجة تحت الإمامة الکبرى التی هی الخلافة، فکأنّها الإمام الکبیر والأصل الجامع، وهذه کلّها متفرّعة عنها وداخلة فیها؛ لعموم نظر الخلافة وتصرّفها فی سائر أحوال الملّة الدینیّة والدنیویّة، وتنفیذ أحکام المشرّع فیها على العموم"[53]. وتبعًا لذلک، یغدو الحاکم شبه منزّهٍ وغیر متّهم فی ما یرى ویفعل ویقرّر لصالح الأمّة أو الرعیّة، فـ"لا یُتّهم الإمام فی هذا الأمر، وإنْ عهد إلى أبیه أو ابنه؛ لأنّه مأمون على النظر لهم فی حیاته، فأولى أنْ یحتمل فیها تبعةً بعد مماته، لا سیّما إذا کانت هناک داعیة تدعو إلیه؛ من إیثار مصلحة، أو توقّع مفسدة"[54].
خاتمة:
بناءً على ما تقدّم، نجد أنّ الکتابة التاریخیّة عند ابن خلدون لم تنفصل عن إکراهات السیاسة، وأنّ سمة التسییس بدت سمة متحکّمة فیها؛ بوصفها مکوّنًا وتکوینًا فی اشتغاله، بالنظر إلى ارتباطه بالمؤسّسة الحاکمة، أو مؤسّسة السلطة، التی یمکن أنْ نقول إنّها حوّلته إلى مؤرّخ "صاحب مهنة"؛ بتعبیر العروی[55]. فهو ینتج خطابًا تاریخیًّا یندرج ضمن ما یعرف بـ"التاریخ بالمفهوم"، وهو ذلک النمط من التاریخ الذی یُکتَب "بأفکار مسبقة؛ لتبریر معتقدات غیر مُستَنْبَطة من المادّة المدروسة"[56]؛ بما یُثبت حقیقة مقولة "استحالة نزاهة المؤرّخ". فهو یؤرّخ للوقائع والأحداث بذهنیّة مُشبعة بوعی سیاسیّ لا یخفى انتماء صاحبه لسلطة المرکز، وبذلک تکون الکتابة التاریخیّة عند ابن خلدون مجسِّدة فعلًا لأزمة الخطاب التاریخیّ عند العرب؛ لکونها ظلّت وثیقة الصلة بفن کتابة "الملل والنحل"، حیث یتحوَّل التاریخ إلى صناعة إیدیولوجیّة محضة، تشهد تماهیًا عجیبًا بین المعرفة والسلطة[57]، فمع ابن خلدون تأخذ الکتابة التاریخیّة صورة التماهی الواعی بین الخطاب والواقع[58]؛ أی إنّ الخطاب التاریخیّ یُصبح جزءًا من الممارسة السیاسیّة، فیعمد المؤرّخ إلى استغلال الخطاب؛ لتقدیم التوجیه والإرشاد عن طریق الخطاب، وتصبح إیدیولوجیا الکاتب مساهمة فی توجیه القارئ، بل تصبح "السلطة أهمَّ من المعرفة"[59]، ویصبح الخطاب بحقّ "مظهر سلطة وعنف"؛ بتعبیر غولد شلیغر[60].
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.
[2] العرویّ، عبد الله: مفهوم التاریخ، ط1، المرکز الثقافیّ العربیّ، 1992، ج1 (الألفاظ والمذاهب)، ص18.
[3] فروخ، عمر: تاریخ الفکر العربیّ إلى أیّام ابن خلدون، ط4، بیروت، دار العلم للملایین، 1982م، ص696.
[4] م.ن، ص696.
[5] هانی، إدریس: محنة التراث الآخر، النزعات العقلانیّة فی الموروث الإمامیّ، ط1، بیروت، دار الغدیر، 1998م، ص39.
[6] H. White, « The Burden of History » in History and Theory, vol. 5, n° 2, 1966, p111-134, Cité par Marta Cichocka, Op.cit , p87.
[7] فروخ، تاریخ الفکر العربیّ إلى أیّام ابن خلدون، م.س، ص691-692.
[8] ابن خلدون، عبد الرحمن: المقدّمة، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1993م، ص209.
[9] سیرة ابن خلدون هی عبارة عن فصل من کتابه التاریخیّ المشهور (کتاب العبر ودیوان المبتدإ والخبر فی أیّام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوی السلطان الأکبر)، طبعت مستقلّة بعنوان: التعریف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا، سوسة-تونس، دار المعارف للطباعة والنشر.
وتدخل فی جنس السیرة؛ لأنّها تستوعب ضمن التعریف المشهور لفیلیب لوجون "حکی استرجاعی نثریّ یقوم به شخص واقعیّ عن وجوده الخاصّ؛ وذلک عندما یرکّز على حیاته الفردیّة، وعلى تاریخ شخصیّته بصفة عامّة. انظر:
لوجون، فیلیب: السیرة الذاتیّة، المیثاق والتاریخ الأدبیّ، ترجمة: عمر حلّی، ط1، المرکز الثقافیّ العربیّ، 1994م، ص22.
[10] ابن خلدون، التعریف بابن خلدون ورحلته شرقًا وغربًا، م.س، ص77.
[11] م.ن، ص115-116.
[12] التعریف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا، تحقیق: بن تاویت الطنجیّ، لجنة التألیف والنشر، 1951م.
[13] لاکوست، إیف: ابن خلدون، ترجمة: میشال سلیمان، ط3، بیروت، دار ابن خلدون، 1982م. (نقلًا عن: هانی، محنة التراث الآخر، م.س، ص39).
[14] عمر، أوکان: مدخل لدراسة النصّ والسلطة، ط2، أفریقیا الشرق، 1991م، ص124.
[15] عصفور، جابر: بلاغة المقموعین، ضمن کتاب جماعیّ (المجاز والتمثیل فی العصور الوسطى)، ط2، الدار البیضاء، منشورات مجلة ألف بتانسیفت، المرکز الثقافیّ العربیّ، ص6.
[16] انظر: عبد اللطیف، عماد: استراتیجیّات الإقناع والتـأثیر فی الخطاب السیاسیّ، (خطب الرئیس السادات نموذجًا)، الهیئة المصریّة العامّة للکتاب، 2012م، ص119-120.
[17] فوکو، میشیل: حفریّات المعرفة، 2002م، ص54.
[18] فوداک، روث؛ ماییر، مشیل: مناهج التحلیل النقدیّ للخطاب، ترجمة: حسام أحمد فرج؛ عزّة شبل محمد، ط1، المرکز القومیّ للترجمة، 2014م، ص170.
[19] انظر: فوکو، حفریّات المعرفة، م.س، ص50 وما بعدها.
[20] هانی، محنة التراث الآخر، م.س، ص24.
[21] انظر: ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص489.
[22] م.ن، ص162.
[23] انظر: م.ن، ص170-171.
[24] کما تُبیّن أغلب المصادر التاریخیّة، ویمکن معاینة أسماء الشخصیّات من الصحابة الذین عارضوا واعترضوا على تنصیب تولیة یزید الحکم، ورفضوا القبول بمبایعته. انظر:
الدینوریّ، أبو عبد الله بن مسلم (ابن قتیبة): الإمامة والسیاسة، دار الکتب العلمیّة، ج1، ص135-175.
[25] ابن قتیبة، الإمامة والسیاسة، م.س، ج1، ص147.
[26] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص151.
[27] م.ن، ص151.
[28] م.ن، ص167.
[29] ابن خلدون، المقدّمة، ص162.
[30] م.ن، ص162.
[31] علی بن الحسین، المسعودیّ: مروج الذهب، تحقیق: محیی الدین، بیروت، دار المعرفة، ج3، ص67-68.
[32] ابن قتیبة، الإمامة والسیاسة، م.س، ج1، ص150-151.
[33] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص160.
[34] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص166.
[35] کان ممّا تکلّم به فی محضر معاویة: "فإنّ هذه الخلافة لیست بهرقلیّة، ولا قیصریّة، ولا کسرویّة یتوارثها الأبناء عن الآباء". وممّا تکلّم به عبد الله بن الزبیر: "فإنّ الخلافة لقریش خاصةً تتناولها بمآثرها السنیّة، وأفعالها المرضیّة، مع شرف الآباء وکرم الأبناء، فاتّقِ الله یا معاویة، وأنصف من نفسک". (انظر: ابن قیّبة، الإمامة والسیاسة، م.س، ص140-141).
[36] انظر: ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص 166.
[37] م.ن.
[38] یرى عبد العرویّ أنّ المؤرّخ قد یدخل فی خوض نقاشات ذات صلة بعلم الکلام وتاریخ الإسلام والعلاقة بالآخر ... وهی أمور لیست تافهة أو لاغیة فی سیاق اشتغال المؤرّخ، إلا أنّها تستدعی منه أنْ یصرّح ویصارح القارئ أنّه "یودع التاریخ الوقائعیّ، ویقف على عتبة علم الکلام". (انظر: العرویّ، عبد الله: ثقافتنا فی ضوء التاریخ، ط4، الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی، 1997م ، ص186).
[39] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص155.
[40] م.ن، ص156.
[41] م.ن، ص157.
[42] م.ن، ص158.
[43] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص156.
[44] م.ن، ص155.
[45] م.ن، ص167.
[46] یقطین، سعید: الکلام والخبر، مقدّمة للسرد العربیّ، ط1، الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی، 1997م، ص52.
[47] منیف، عبد الرحمن: بین الثقافة والسیاسة، ط1، بیروت؛ الدار البیضاء، المرکز الثقافیّ العربیّ، 1998م، ص164.
[48] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص10.
[49] م.ن، ص156- 157.
[50] م.ن، ص155.
[51] م.ن، ص167.
[52] ابن خلدون، المقدّمة، م.س، ص165.
[53] م.ن، ص172.
[54] م.ن، ص165.
[55] انظر: العرویّ، مفهوم التاریخ، م.س، ص43.
[56] م.ن، ص108.
[57] انظر: هانی، محنة التراث الآخر، م.س، ص43.
[58] ما عبّر عنه فوکو بـ"ثنائیّة الخطاب والواقع المادّیّ". (انظر: فوکو، میشیل: نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبیلا، بیروت، دار التنویر، 1985م).
[59] فوداک؛ ماییر، مناهج التحلیل النقدیّ للخطاب، م.س، ص30.
[60] انظر: شلیغر، غولد (آلن): نحو سیمیاء الخطاب السلطویّ، ترجمة: مصطفى کمال، الدار البیضاء، منشورات بیت الحکمة، العدد5، 1987م.