العرفان الحیّ والفاعل عند الإمام الخمینیّ(قده) -دراسة فی خصائص الطرح العرفانیّ-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

  یحضر العرفان بعمق -طریقةً ومنهجًا- فی حیاة الإنسان، ویرتبط بنشأته الروحیّة ارتباطًا شدیدًا. وقد اختلفت الآراء حوله على اتّجاهات ثلاثة؛ بین رفضه مطلقًا، وبین قبوله مطلقًا مع عدم الاعتراف بالطرق الأخرى، وبین قبوله بشروط؛ منها الاهتمام بالظاهر إلى جانب الباطن.
ویُعدّ الإمام الخمینی (قده) من القائلین بالاتّجاه الأخیر، حیث یخالف المنهج الذی یفصل بین الظاهر والباطن، ویلغی دور الأنبیاء (عله)، وبالتالی یبعدهم عن دورهم الحقیقیّ فی هذا العالم. بل کان الإمام (قده) یرى أنّ الهدف الأساس لحضور الأنبیاء الإلهیّین (عله) فی هذا العالم -وهو غایة العرفان النظریّ- هو: معرفة الله، وإرشاد الناس إلى طریق معرفته -تعالى-؛ کما إنّه یرى أنّ الاتّصال ببحر الألوهیّة -وهو غایة العرفان العملیّ- نتیجةٌ عملیّة لدعوة الأنبیاء (عله) وحضورهم.
وتتناول هذه المقالة العرفان عند الإمام الخمینیّ (قده)؛ مبیّنةً مفهومه الخاصّ للعرفان، والخصائص الممیّزة لطرحه العرفانیّ؛ کتمسّکه بولایة الإنسان الکامل، وتوسّله بأهل البیت (عله)، واهتمامه بالقرآن الصاعد، وجمعه بین الشریعة والطریقة، وتحقّقه بالأسفار الأربعة، وعدم تقیّده بمنازل العرفاء، ونزوعه فی عرفانه نحو المجتمع، وربطه العرفان بالسیاسة وبالجهاد، ومواجهته العرفان الکاذب، ونظره إلى العرفان بوصفه أداةً لا هدفًا.
لقد أحیا الإمام الخمینیّ (قده) العرفان الإسلامیّ الأصیل، وجلب قلوب کثیرین نحو الحقیقة بعرضه لعرفانٍ خالصٍ صافٍ، فربّى من خلال هذا العرفان رجالًا ونساءً کانوا مستعدّین للتضحیة بجمیع ما یملکون، ومجتمعنا البشریّ الیوم هو أحوج ما یکون إلى هذا العرفان الأصیل.
 

نقاط رئيسية

أولًا: مفهوم العرفان عند الإمام الخمینیّ(قده)

ثانیًا: خصائص الطرح العرفانیّ عند الإمام الخمینیّ(قده)

1. التمسُّک بولایة الإنسان الکامل

2. الارتباط بأهل البیت(ع)

3. الاهتمام بالقرآن الصاعد

4. الجمع بین الشریعة والطریقة

5. سالک الأسفار الأربعة

6. عدم التقیُّد بمنازل العرفاء

7. نزوع عرفان الإمام نحو المجتمع

8. علاقة العرفان بالسیاسة

9. العلاقة بین العرفان والجهاد

10. مواجهة العرفان الکاذب

11. النظر إلى العفان بوصفه أداةً

الكلمات الرئيسية


العرفان الحیّ والفاعل عند الإمام الخمینیّ (قده) -دراسة فی خصائص الطرح العرفانیّ-

الشیخ رضا رمضانی[1]

خلاصة المقالة:

  یحضر العرفان بعمق -طریقةً ومنهجًا- فی حیاة الإنسان، ویرتبط بنشأته الروحیّة ارتباطًا شدیدًا. وقد اختلفت الآراء حوله على اتّجاهات ثلاثة؛ بین رفضه مطلقًا، وبین قبوله مطلقًا مع عدم الاعتراف بالطرق الأخرى، وبین قبوله بشروط؛ منها الاهتمام بالظاهر إلى جانب الباطن.

ویُعدّ الإمام الخمینی (قده) من القائلین بالاتّجاه الأخیر، حیث یخالف المنهج الذی یفصل بین الظاهر والباطن، ویلغی دور الأنبیاء (عله)، وبالتالی یبعدهم عن دورهم الحقیقیّ فی هذا العالم. بل کان الإمام (قده) یرى أنّ الهدف الأساس لحضور الأنبیاء الإلهیّین (عله) فی هذا العالم -وهو غایة العرفان النظریّ- هو: معرفة الله، وإرشاد الناس إلى طریق معرفته -تعالى-؛ کما إنّه یرى أنّ الاتّصال ببحر الألوهیّة -وهو غایة العرفان العملیّ- نتیجةٌ عملیّة لدعوة الأنبیاء (عله) وحضورهم.

وتتناول هذه المقالة العرفان عند الإمام الخمینیّ (قده)؛ مبیّنةً مفهومه الخاصّ للعرفان، والخصائص الممیّزة لطرحه العرفانیّ؛ کتمسّکه بولایة الإنسان الکامل، وتوسّله بأهل البیت (عله)، واهتمامه بالقرآن الصاعد، وجمعه بین الشریعة والطریقة، وتحقّقه بالأسفار الأربعة، وعدم تقیّده بمنازل العرفاء، ونزوعه فی عرفانه نحو المجتمع، وربطه العرفان بالسیاسة وبالجهاد، ومواجهته العرفان الکاذب، ونظره إلى العرفان بوصفه أداةً لا هدفًا.

لقد أحیا الإمام الخمینیّ (قده) العرفان الإسلامیّ الأصیل، وجلب قلوب کثیرین نحو الحقیقة بعرضه لعرفانٍ خالصٍ صافٍ، فربّى من خلال هذا العرفان رجالًا ونساءً کانوا مستعدّین للتضحیة بجمیع ما یملکون، ومجتمعنا البشریّ الیوم هو أحوج ما یکون إلى هذا العرفان الأصیل.

 

کلمات مفتاحیّة:

  العرفان، الإمام الخمینیّ، مدرسة أهل البیت (عله)، المقامات، المنازل، السیر والسلوک، الشریعة، العبادات، العلم، السیاسة، الجهاد.

 

مقدّمة:

إنّ ظاهرة العرفان وواقعها مرتبطان أشدّ الارتباط بعمق حضور الإنسان فی النشأة الروحیّة. فمنذ أنْ اتّجهت الأنظار نحو العرفان؛ بوصفه طریقةً ومنهجًا، اختلفت الآراء حوله بین الرفض والقبول، والنقض والإبرام عند المفکّرین، فهناک الذین رأوا أنّ نجاة البشر تنحصر فی هذا الطریق فحسب، وقاموا بتفسیر جمیع الأمور تفسیرًا باطنیًّا، تارکین الظواهر من دون أن یعیروها أدنى اهتمام. وهناک الذین وقفوا فی وجه الفریق الأوّل، فخالفوا العرفان بشدّة، معتبرین إیّاه أکبر أسباب الانحراف والتحریف فی الدین. وهناک الذین ساروا فی طریق الاعتدال، فاعتبروا الاهتمام بالظواهر والبواطن من ضروریّات الحیاة الإنسانیّة، على أنّ الاهتمام بالظاهر یجب ألا یؤدّی إلى إغفال الجانب الباطنیّ ومنع الشخص من التعمّق فی باطن الدین، کما یجب ألاّ یؤدّی الاهتمام بالمعنى والباطن إلى ترک الظواهر وعدم الاهتمام بها.

یقول أبو السراج (ت: 378هـ.ق) فی کتابه "اللمع" الذی یعتبر من النصوص العرفانیّة القدیمة: "لقد بالغ أناس فی فصل العرفان، وساروا فی طریق الإفراط والغلوّ، ورفعوه فوق المرتبة التی یستحقّها. کما إنّ أناسًا آخرین اعتبروه نوعًا من اللهو واللعب وتساهلًا نابعًا من الجهل، وهناک آخرون اعتبروا العرفان نابعًا عن التقوى والتصوّف والتدقیق فی الکلام واللباس وغیر ذلک من الأمور، وهناک جماعة أسرفت فی الطعن والإساءة إلى العرفان، حیث نسبوهم إلى الزندقة والضلال"[2].

وإذا ما ألقینا نظرة على مجموعة البحوث والمواضیع العرفانیّة التی دوّنها الإمام الخمینی (قده) وکتبها، یتّضح جلیًّا لنا أنّه کان یخالف ذلک المنهج الذی یفصل بین الظاهر والباطن، ویلغی دور الأنبیاء (عله)، وبالتالی یبعدهم عن دورهم الحقیقیّ فی هذا العالم؛ بل کان الإمام (قده) یرى أنّ الهدف الأساس لحضور الأنبیاء الإلهیّین (عله) فی هذا العالم، أو ما یعبّر عنه بـ"غایة العرفان النظری"؛ هو: معرفة الله، وإرشاد الناس إلى طریق معرفته -تعالى-: "إنّ غایة الأنبیاء (عله) الأساس هی العودة إلى کلمة واحدة؛ ألا وهی: معرفة الله"[3].

کما إنّه (قده) کان یرى أنّ الاتّصال ببحر الألوهیّة الذی یُعدّ غایة العرفان العملیّ؛ هو نتیجةٌ عملیّة لدعوة الأنبیاء (عله) وحضورهم؛ حیث یقول: "إنّ ما کان یرمی إلیه الأنبیاء (عله) هو أنْ یجعلوا جمیع الأمور إلهیّة، وأن یجعلوا جمیع أبعاد العالم وجمیع أبعاد الإنسان عصارة الحیاة إلهیّة"[4].

لقد أدخل الإمام الخمینیّ (قده) عرفانًا سامیًا فی المجتمع من خلال سلوکه المفعم بالتفکیر فی منازل العارفین والسیر فی طریق العرفان النظریّ والعملیّ، وجعله أساسًا للنظام السیاسیّ للإسلام.

وتأتی هذه المقالة لبیان خصائص الطرح العرفانیّ عند الإمام الخمینیّ (قده) من خلال دراسة تحلیلیّة لنماذج من کلماته فی هذا المجال.

 

أولًا: مفهوم العرفان عند الإمام الخمینیّ (قده):

لقد وردت تحدیدات عدّة للعرفان عند العرفاء، ویعود تنوّعها إلى تنوّع حالات العارفین ومقاماتهم فی الأغلب؛ ففی کلّ تعریف یتمّ بیان بُعد من أبعاد هذه الحالات.

یقول الإمام الخمینی (قده) معرّفًا بالعرفان: "إنّ العرفان عبارة عن معرفة الله وشؤونه الذاتیّة وتجلّیات أسمائه وأفعاله فی الحضرة العلمیّة والغیبة بمشاهدة حضوریّة؛ کما أنّ العرفان هو وجود العلم الحضوریّ بکیفیّته الصفاتیّة، وکذلک الاتّصالات نتائجها الإلهیّة فی الحضرات الأسمائیّة والأعیانیّة"[5].

ویقول فی مورد آخر: "العرفان هو العلم بکمال الجلاء وکمال الاستجلاء؛ وکمال الجلاء هو ظهور الحقّ فی المرآة الأتمّ، وکمال الاستجلاء هو شهود الحقّ نفسه فی تلک المرآة"[6].

ویرى الإمام (قده) أنّ الوصول إلى هذا النوع من المعرفة لا یمکن أنْ یحصل بواسطة العلم الحصولیّ؛ لأنّ ثمّة فی هذا العلم جهةً غیریّةً وکثرة. وکثرة العلم والعالم والمعلوم ممّا لا ینسجم مع روح التوحید العرفانیّ.

هذا مضافًا إلى أنّه یجب فی العلم الحصولیّ أنْ یکون لدى العالم تصوّر عن المعلوم، فتصوّر المعلوم من میّزات العلم الحصولیّ، فی حین أنّه لا یمکن أنْ یحصل لأحد تصوّر عن الله تعالى.

وعلیه، فإنّ طریق المعرفة لدى العارف محصور بالمعرفة الحضوریّة والشهودیّة، وهی ما لا یمکن حصوله للإنسان إلّا من خلال تجلّی الحقّ تعالى، وکلّ إنسان یستطیع أنْ یحظى بهذه المعرفة على أساس تجلّی الحقّ وإفاضته على الإنسان، مع العلم أنّ اکتناه الذات لن یتأتّى لأحد؛ کما یقول مولى الموحّدین والعارفین علی بن أبی طالب (ع): "الحمد لله الذی لا یُدرکه بُعد الهمم، ولا یناله غوص الفِطن"[7].

یقول الإمام الخمینیّ (قده) فی هذا الصدد: "لا یمکن للفکر الحصولیّ والعلم الحصولیّ أنْ یقوما بتقدیم تعریف للوجود؛ لأنّ الفکر عبارة عن ترتیب أمور للتوصّل إلى أمور أخرى. لذلک، فإنّ الفکر یرتبط بعالم الکثرة والغیریّة. ولیس له طریق فی باب التوحید ونفی الکثرة، ولکنّ العلم الشهودیّ والمعرفة الحضوریّة یسبّبان الوحدة، على خلاف العلم الحصولیّ الذی من میّزاته إیجاد الکثرة، ومعیاره الهویة ونفی الغیریّة والثنائیّة وتزول التعیّنات کلّها"[8].

فالإمام الخمینیّ (قده) یعتقد أنّ الطریق الوحید لبلوغ کمال المعرفة الإلهیّة هو العلم الحضوریّ الذی یُعدّ نوعًا من تجلّی الظاهر فی المَظهَر. حیث یمکن من خلال فناء المَظهَر فی الظاهر والاستفادة من تجلّیه. فقلب الإنسان الکامل هو -فی الحقیقة- وعاء لتجلّیات الحقّ تعالى. والسالک الحقیقیّ عندما یبلغ فی سیره العرفانیّ مقامًا لا یرى فیه عمله، فإنّه فی هذه الحالة سیتمتّع بتجلّی الحقّ الأفعالیّ، ومن ثمّ سیتجاوز حجاب الأفعال؛ لیتجلّى الحقّ -تعالى- على قلبه بأسمائه الصفاتیّة، وفی هذه الحالة سیکون مصدر إخباره عن أسماء الله الصفاتیّة (وعلم آدم الأسماء کلّها)[9]، وعندما یجتاز هذه المرحلة سیصل إلى مرحلة الفناء وما فوقها، وذلک من خلال تجلّ الحقّ له بأسمائه الذاتیّة. ومن الطبیعیّ أنْ یشهد سلوک العارفین تفاوتًا واختلافًا فیما بینهم لناحیة الشدّة والضعف، ولکنْ یبقى الفناء دائمًا أحد أهمّ قضایا العرفان الإسلامیّ. والعارف الذی یجد طریقه إلى منزل الحبیب بهذا الشکل، فسوف یفوز بمحبّته عزّ وجلّ؛ کما یقول مولوی:

إنّ أیّ شـخـص مـا لـم یـفـن              فإنّه لنْ یجد الطریق نحو عرش الکبریـاء

رغم أنّ هذا الوصال هو البقاء فی الفناء         إلاّ أنّـه فی البـدایـة فـناء فی البـقاء

ما هو الفلک الدوّار؟ إنّه هو هذا الفناء          لیس للـعشّـاق دیـن أو مـذهـب

إنّ الفناء سیخلقک یا سـالک الطریـق         لا بدّ لک من الفناء حتّى تجد الحیاة من الله

ویقول فی موضع آخر:

ما دمت ظاهرًا فإنّ الله مخفیّ                      علیک أنْ تخفى حتّى یظهر الحقّ جلیًّا
    فإذا ما سقط القناع من جماله                      ستشرق الشمس من وراء کلّ ذرّة

وعند ما تحصل للسالک هذه المعارف؛ فإنّه یشاهد فی کلّ مکان قدرة الله وعظمته وإرادته وعلمه.

 

ثانیًا: خصائص الطرح العرفانیّ عند الإمام الخمینیّ (قده):      

یُعدّ الإمام الخمینیّ (قده) من العرفاء الذین استطاعوا بعد الأئمّة المعصومین (عله) أنْ یفتحوا أبوابًا واسعة فی وجه المتدیّنین والملتزمین بالدین من خلال حضوره الإلهیّ وتجلّیاته، وأنْ یضیفوا على حیاة البشر معانی جدیدة من خلال نظرتهم الشاملة فی جمیع الشؤون والأبعاد. لقد أظهر الإمام (قده) الحقائق الکامنة فی وجود جمیع البشر، وأعطى للمعتقدات الفاعلة فی المجالات الإنسانیّة حیاة جدیدة. فلم یکن من جملة العرفاء الذین یعتبرون أنّ الحضور الفاعل لإصلاح المجتمع وتدبیر شؤونه لا یناسب مقامهم ومنزلتهم، وأنّه ینافی السلوک العرفانیّ ویناقضه؛ بل کان یرى أنّ هذا الحضور فی المجتمع ضروریّ؛ لإکمال المقامات العرفانیّة، التی لا ینکر أحد أنّه لا یمکن أنْ تحصل من دون التأیید والتوفیق الإلهیّ. ومن هنا، ندخل  لنلقی الضوء على أهمّ خصائص الطرح العرفانیّ عند الإمام الخمینی (قده)؛ لتتّضح لنا حیویّة عرفانه وفاعلیّته.

1. التمسّک بولایة الإنسان الکامل:   

لقد جعل الله -سبحانه- مقام "الولایة المطلقة" ومقام "الإنسان الکامل" واسطة فیضه وإفاضته. فعبره یُنزِّل الله -تعالى- فیضه وبرکاته على جمیع الکائنات وعلى البشر. ومن خلال وساطة الولایة المطلقة یستطیع الإنسان وجمیع الکائنات العروج إلى الله تعالى. وبتعبیر آخر: إنّ الإنسان الکامل الذی لدیه مقام الولایة المطلقة السامی یقوم بالوساطة؛ سواء فی قوس النزول، أو فی قوس الصعود؛ لأنّه حامل الولایة المطلقة، وخلیفة الله الأعظم، ومسجود ملائکة الله. وهو فی الحقیقة مخلوق الله الأوّل، الذی یعبّر عنه فی العرفان بالقلم الأعلى، أو العقل الأوّل، أو الروح الأعظم. 

وفی المنهج العرفانیّ یعتبر التمسّک بالأولیاء الإلهیّین الکاملین من الضروریّات فی السیر والسلوک العرفانیّ. فمن خلال الولیّ المطلق تتمّ جمیع مراحل السلوک العلمیّة والعملیّة، الذی یحظى السالک بواسطته بالعنایة الإلهیّة الخاصّة، وهذه الولایة تعتبر من أهمّ أرکان السیر والسلوک المعنویّ.

روی عن الإمام أبی جعفر (ع) قوله: "بُنِیَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّکَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَ الْوَلَایَةِ وَلَمْ یُنَادَ بِشَیْ‏ءٍ؛ کَمَا نُودِیَ‏ بِالْوَلَایَةِ"[10].

وقد ذکر الإمام (قده) فی کتابه الآداب المعنویّة للصلاة دقائق لطیفة عن معنى الولایة، یقول فیه: "حقیقة الخلافة والولایة هی ظهور الألوهیّة؛ وذلک هو أصل الوجود وکماله؛ فکلُّ موجود له حظّ من الوجود، یتمتّع بحظٍّ من حقیقة الألوهیّة وظهورها المتمثّل فی حقیقة الخلافة والولایة. واللطیفة الإلهیّة المتمثّلة فی أنّ «حقیقة الوجود المنبسط ونفس الرحمن والحقّ المخلوق به، الذی هو بعینه باطن الخلافة الخاتمة والولایة العلویّة المطلقة قدرٌ منقوش على ناحیة الکائنات جمیعًا؛ بدءًا ممّا یوجد منها فی عوالم الغیب؛ وانتهاءً إلى ما هو موجود منها فی عالم الشهادة. ومن هنا، کان الشیخ العارف الشاه آبادی (قده) یقول: «إنّ الشهادة بالرسالة تنطوی على الشهادة بالولایة؛ لأنّ الولایة هی باطن الرسالة. وأقول: إنّ کلتى الشهادتین بالرسالة والولایة منطویتان فی الشهادة بالألوهیّة، وإنّ الشهادة بالرسالة تنطوی على الشهادتین بالألوهیّة والولایة؛ کما إنّ الشهادة بالولایة تنطوی على الشهادتین الأخریین"[11].

فبالنظر إلى الحضور العلمیّ والعینیّ للسادة المعصومین الذین هم حملة الولایة المطلقة الحقیقیّون، یرى الإمام (قده) أنّ التمسّک بهم فی السلوک العلمیّ والعملیّ من الأمور الضروریّة واللازمة. وهو (قده) یعتبر من العرفاء القلیلین الذین علّقوا معرفة الطریق الصحیح بشکل کامل على معرفة المصداق الکامل للخلیفة الإلهیّ الأعظم فی الأرض، الذی یتبلور فی هذا العصر بوجود إمام الزمان المقدّس (عج)؛ وهو الإمام الثانی عشر لأئمّة أهل البیت (عله). وقد قام الإمام (قده) بالسیر فی الطریق على ذلک الأساس، وکان متّجهًا نحو هذا المصدر الأصلیّ للفیض فی جمیع مراحل سلوکه، وهذا ما یُفهم من کلمات هذا العارف الجلیل[12].

2. التوسّل بأهل البیت (عله):

بالنظر إلى ما تقدّم من التمسّک بمقام الولایة، فإنّ التوسل بأصحاب ذلک المقام الرفیع سیکون ضروریًّا لإدراک الفیض فی السلوک العملیّ؛ لأنّ العارف لنْ یبلغ الغایة دون مصدر الفیض؛ سواء أفی المعرفة الحضوریّة أم فی العبادات العملیّة.

یقول الإمام الصادق (ع): "بنا عُرِفَ الله، وبنا عُبِدَ الله، ولولانا ما عُرِفَ الله وما عُبِدَ الله"[13].

إنّ السالک المجذوب أو المجذوب السالک یجب أن یستمدّ من الأسماء الإلهیّة حتّى یبلغ المقام المعنویّ المتعلّق بکلّ اسم؛ لارتباط کلّ اسم من الأسماء الإلهیّة بمظاهر تلک الأسماء ومصادرها. والأئمّة المعصومین (عله) الذین هم معادن الکلمات الإلهیّة وأرکان التوحید الإلهیّ والمظاهر التامّة للأسماء الإلهیّة، یعتبرون واسطة الاستفادة من الرحمة الرحیمیّة والرحمانیّة لله -تعالى- فی قوس الصعود؛ کما کانوا (عله) واسطة الفیض فی قوس النزول.

ورد فی دعاء شهر رجب: "فجعلتهم معادن لکلماتک، وأرکانًا لتوحیدک وآیاتک ومقاماتک التی لا تعطیل لها فی کلّ مکان، یعرفک بها من عرفک، لا فرق بینک وبینها؛ إلاّ أنّهم عبادک وخلقک، فتقها ورتقها بیدک، بَدؤها منک، وعودها إلیک"[14].

ولذا؛ فإنّ معرفتهم ومحبّتهم وطاعتهم جمیعًا تُعدّ أمرًا واجبًا، وشرطًا ضروریًّا للسلوک؛ لأنّ طاعتهم طاعة الله، ومعصیتهم معصیة لله، کما إنّ حبّهم حبّ لله، والعداء لهم هو عداء لله ذی الجلال، کما ورد فی الزیارة الجامعة: "من والاکم فقد والى الله، ومن عاداکم فقد عادى الله، ومن أحبّکم فقد أحبّ الله، ومن أبغضکم فقد أبغض الله"[15].

إنّ التوسّل بالسادة المعصومین (عله) لمعرفة الطریق، والوصول إلى الهدف الذی یُدعى اصطلاحًا؛ بالسیر فی قوس الصعود، من الأمور المسلّمة والضروریّة عند العرفاء الأصیلین؛ من أجل الوصول إلى مقام القرب الحقیقیّ من الله تعالى. وما إتمام النعمة الإلهیّة وإکمالها اللذَین وردا فی الآیة الشریفة: {الیوم أکملت لکم دینکم وأتممت علیکم نعمتی}[16]؛ إلا من أجل تأکید هذه الحقیقة. فقد أتمّ الله النعمة، وسدّ طرق الذرائع عبر هذه الولایة على الجمیع، وخاصّة على سالکی طریق الحقّ.

لقد کان الإمام الخمینیّ (قده) من السبّاقین فی مقام التوسّل بأهل البیت (عله). فقد کان حضوره فی حرم أمیر المؤمنین (ع) أیّام ولیالی إقامته فی النجف الأشرف، وتوسّله الدائم به، ودموعه وحرقته على مصائب أهل البیت (عله) -وخاصّة مصائب سیّد العارفین أبی عبد الله الحسین (ع)، وسیّدة الولایة فاطمة الزهراء (علیها)- من أبرز تجلّیات حیاة الإمام (قده) المعنویّة. لقد کان یرى أنّ الاتّصال بهؤلاء السادة المعصوین (عله) ضروریّ، وأنّ الانفصال عنهم یعنی الانحراف والضلالة والهلاک.

3. الاهتمام بالقرآن الصاعد:

إنّ الأدعیة المأثورة هی فی حقیقة الأمر القرآن الصاعد، ولها دور عمیق فی بناء الإنسان وتنمیته المعنویّة. وعلى الرغم من اهتمام العرفان النظریّ اهتمامًا بالغا ًبالأوراد والأدعیة؛ فإنّ کتبًا عرفانیّة؛ مثل: فصوص الحکم، ومصباح الأنس، وتمهید القواعد، وغیرها، قلّما نجد فیها توصیات بهذا الصدد.

إنّ الدخول فی أجواء الدعاء والمناجاة مع الحبیب یتطلّب الاهتمام بالأدعیة المأثورة عن المعصومین (عله)؛ إذ من الضروری تعلّم أسلوب التحدّث مع المحبوب من خلال أدعیتهم (عله)؛ حیث بلغوا مقام الوصل والقرب الإلهیّ، فهؤلاء الکرام یعلّمون الناس فی هذه الأدعیة کیفیّة التحدّث ونوعیّة الدعاء الموجَّه إلى المحبوب الحقیقیّ.

لقد تحدّث الإمام الخمینیّ (قده) فی کتبه العرفانیّة؛ من قبیل: شرح دعاء السحر، وتعلیقاته على کتاب فصوص الحکم، وکذلک فی محاضراته المختلفة عن ضرورة الاهتمام بالدعاء، حیث یقول -على سبیل المثال-: "إنّ هذه الأدعیة تُخرِج الإنسان من هذه الظلمات، وعندما یخرج من هذه الظلمة؛ فإنّه یعمل لأجل الله. فقیامه لله، وهو یضرب بالسیف لأجل الله، ویقاتل لله. ولیس معنى قراءة الأدعیة إلا هذه الأمور"[17].

إنّ نظرة کهذه إلى الدعاء ستکون نافعة جدًّا إذا تغلغلت فی جمیع أبعاد الحیاة الإنسانیّة. ولذا، فإنّ ثقافة الدعاء یجب أن تُعمّم وتنتشر، حتّى یستفید المجتمع من برکاتها أکثر فأکثر.

یقول الإمام (قده): "على کلّ حال هناک دقائق فی هذه الأدعیة المبارکة لا مثیل لها. انتبهوا إلى هذه القضایا، فهذه الأدعیة یمکنها أن تحرّک الإنسان. إنّ هذه الأدعیة المأثورة لشهر رجب المبارک، وخاصّة فی شهر شعبان المبارک؛ کلّها مقدّمة وزینة لقلب الإنسان، وهی تهیّئ الإنسان للضیافة؛ أی لضیافة الله"[18].

لقد کان الإمام (قده) یعیر اهتمامًا خاصًّا بالمناجاة الشعبانیّة المفعمة بالمعارف الإلهیّة الموجّهة للبشر. فهی تُعدّ منبعًا لکثیرٍ من المعارف والحقائق الإلهیّة، وکان (قده) یوصی دومًا بقراءتها والمواظبة علیها؛ لأنّ مقام الفناء والتمتّع بعظمة النور الإلهیّ، وهی من أسمى مراحل السیر والسلوک الإلهیّ، تُعدّ من أهمّ نتائج هذه المناجاة العظیمة وبرکاتها. وکان الإمام (قده) یستأنس کثیرًا بهذه العبارة من الدعاء، ویوصی بها کثیرًا: "إلهی هب لی کمال الانقطاع إلیک، وأنر أبصار قلوبنا بضیاء نظرها إلیک، حتّى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصیر أرواحنا معلّقة بعزّ قدسک. إلهی! واجعلنی ممّن نادیته فأجابک، ولاحظته فصعق لجلالک، فناجیته سرًا وعمل لک جهرًا"[19]. حیث یقول (قده) عن هذه المناجاة: "إنّ المناجاة الشعبانیّة من أکبر الأدعیة وأعظم المعارف الإلهیّة وأکبر الأمور التی یمکن لمن کانوا أهلًا لها أنْ یستفیدوا منها على قدر إدراکهم"[20].

4. الجمع بین الشریعة والطریقة:  

یُعدّ الإمام الخمینیّ (قده) من العرفاء الذین یرون الفصل بین الشریعة والطریقة سببًا للهلاک. وکان لا یجیز إهمال ظواهر الشریعة حتّى نهایة السلوک التی هی الانفصال عن النشأة الدنیویّة. لقد کان الإمام (قده) فقیهًا صاحب رأی، ومفتیًا أزال الحیرة عن أتباعه ومقلّدیه، وأوضع لهم الطریق العملیّ للسیر والسلوک العملیّ، وجعل عنوانه وقاعدته الأساس: الاهتمام بالواجبات الإلهیّة، والنوافل والمستحبّات، وترک المحرّمات والأعمال المکروهة.

یقول الإمام (قده) عن الاهتمام بالشریعة ودورها فی الوصول إلى المنازل والمقامات العرفانیّة: "واعلم أنّه لا یمکن اجتیاز طریق فی المعارف الإلهیّة؛ إلاّ إذا بدأه الإنسان من ظاهر الشریعة. وطالما لم یتأدّب الإنسان بآداب الشریعة الحقّة، فلا یتحقّق له شیء من الأخلاق الفاضلة على حقیقتها له، ولا یمکن أن یتجلّى نور المعرفة الإلهیّة فی قلبه، وینکشف علیه علم الباطن وأسرار الشریعة. وبعد انکشاف الحقیقة وظهور أنوار المعارف فی القلب؛ سیکون متأدّبًا بالآداب الظاهرة. ولذلک، فإنّ دعوة بعضهم إلى ترک الظاهر لأجل حصول علم الباطن أمر باطل، فهم یرون أنّ ظهور علم الباطن یغنی الشخص عن الآداب الظاهرة؛ وهذا ناجم عن جهل القائل بمقامات العبادة ومدارج الإنسانیّة"[21].

وقد تناول الإمام (قده) فی کتابیه "آداب الصلاة"، و"سرّ الصلاة" مبحث الشریعة والطریقة رابطًا بینهما، فأجرى حقیقة العرفان فی أحکام الشریعة، حیث یقول:"إنّ خلاصة ما نصبو إلیه فی هذا الفصل هی أنّ للصلاة، بل لجمیع العبادات، باطنًا ولبًّا وحقیقة؛ مضافًا إلى هذه الصورة والقشرة والمجاز. إنّ ذلک واضح للعقل؛ کما إنّ فی النقل شواهد کثیرة علیه"[22].

إنّ الفقه والفلسفة والعرفان من وجهة نظر الإمام (قده) هی الأضلاع الثلاثة للهرم الواحد، ولا تتحقّق الشمولیّة لفهم الدین إلا بها. وقلّما نجد بین علماء السلف أشخاصًا مثل: العلامة المرحوم محمد حسین الغرویّ الأصفهانیّ الذی کان یلقّب بفقیه الفلاسفة وفیلسوف الفقهاء. ولکنّ الإمام الراحل (قده) کان یتصدّر هذه الحلقة؛ فقد کان جامعًا للمنقول والمعقول والمشهود، ویناسبه بحقّ لقب فقیه العرفاء وعارف الفقهاء.

لقد کان الإمام (قده) مرجعًا دینیًّا فی منصب الإفتاء؛ منشغلًا باستخراج القضایا الظاهریّة المرتبطة بالأعمال الدینیّة، وعارفًا ببیان الأبعاد المعنویّة والباطنیّة للعبادات والأحکام الإلهیّة، التی تسمّى بالمصطلح العرفانیّ "أسرار العبادات"، وهی فی الواقع روح العبادة وباطنها، بحیث ترتبط فی الحقیقة بروح الإنسان وباطنه، ویتمّ حشره یوم القیامة بهذا الباطن.

وبمعنى آخر: لقد کان الإمام (قده) فقیهًا إلهیًّا یقوم فی رسالته العملیّة ببیان کیفیّة العمل بظواهر الأحکام؛ بوصفه شرطًا أساسًا فی السلوک العرفانیّ؛ کما کان یبیّن آداب الأحکام الشرعیّة وباطنها؛ بوصفه عالمًا أخلاقیًّا متخلّقًا بالأخلاق الإلهیّة فی مؤلّفات؛ مثل: آداب الصلاة، وشرح دعاء السحر. ومن جهة أخرى -أیضًا- کان یهتمّ، بوصفه عارفًا، بأسرار العبادات؛ کالصلاة -مثلًا-؛ لما لها من دور عمیق فی بناء شخصیّة الإنسان المعنویّة، فیذکر کلّ ما یتعلّق بسرّ العبادات وروحها فی مباحث عمیقة.

5. سالک الأسفار الأربعة:

یتحدّث العارفون فی سلوکهم عن مسؤولیّتین کبیرتین؛ إحداهما تعود إلى الشخص نفسه، والثانیة تعود إلى المجتمع. ومن هنا، یطرحون موضوع الأسفار الأربعة.

لقد ذکر الإمام (قده) هذه الأسفار بشکل عمیق فی نهایة کتابه "مصباح الهدایة إلى الخلافة والولایة"؛ حیث یقول: «ولیُعلَم أنّ هذه "الأسفار الأربعة" لا بدّ من أن تکون لکلّ مشرّع مرسل؛ ولکنّ المراتب مع ذلک متفاوتة، والمقامات متخالفة؛ فإنّ بعض الأنبیاء والمرسلین من مظاهر اسم "الرحمن" مثلًا. ففی السفر الأوّل یشاهد اسم "الرحمن" ظاهرًا فی العالم؛ وینتهی سفره ‏الثانی باستهلاک الأشیاء فی الاسم "الرحمن"، ویرجع بالرحمة والوجود الرحمانیّ إلی العالم؛ فتکون دورة‏ نبوّته محدودة. وکذلک مظاهر سائر الأسماء، حسب الاختلافات الّتی هی من حضرة‏ العلم؛ حتّی ینتهی الأمر إلی مظهر اسم "الله"؛ فیشاهد فی أخیرة سفره الأوّل الحقّ بجمیع شؤونه ظاهرًا؛ ولا یشغله شأن عن شأن، ویشاهده فی أخیرة سفره‏ الثانی باستهلاک جمیع الحقائق فی الاسم الجامع الإلهیّ؛ بل باستهلاکه -أیضًا- فی الأحدیّة المحضة، فهو یرجع إلی الخلق بوجود جامع إلهیّ، وله النبوّة الأزلیّة الأبدیّة والخلافة الظاهریّة والباطنیّة"[23].

ومن ثمّ یقول الإمام (قده) إنّ هذه الأسفار، وحتّى السفر الرابع منها، تحصل کذلک لأولیاء الله؛ کما حصل للإمام أمیر المؤمنین علی (ع) وأولاده المعصومین (عله). ولا شکّ فی أنّ کلّ مَنْ کان أقرب إلى المعصومین (عله) وأشبه بهم؛ فإنّه سیتمتّع بهذه الأسفار على قدر سعته الوجودیّة، ویحظى بجلوات الحقّ تعالى، وینال مرتبة التوحید العلمیّ والعینیّ. إنّ کثیرًا من السالکین ینالون توفیق الحضور فی السفرین الأوّل والثانی؛ حسب قابلیّاتهم، ولکنهم لا یکسبون نجاحًا کثیرًا فی السفرین الثالث والرابع[24].

لقد حاز الإمام (قده) مرتبة السبق فی هذا المیدان -أیضًا-، واستطاع أنْ یطوی المنزلین الثالث والرابع بأحسن الأشکال، واستطاع فی سفره الرابع من الخلق إلى الخلق بالحقّ وهدایتهم أن ینجز هذا الأمر بأحسن الصور، ففتح أبوابًا واسعة للراغبین فی الاتّجاهات المقدّسة للحبّ العفیف والمحبّة الإلهیّة، ووجَّه العواطف الإنسانیّة توجیهًا صحیحًا؛ لینقذهم من الحبّ الکاذب. وکان ذلک کلّه ببرکة شوق الإمام (قده) وحبّه وإشراقه القلبیّ، فانطبق علیه -بحقّ- هذان البیتان من الشعر:

إنّ العارف الذی أشرق بنور الحقّ                 اسـتـقـام العـــالم بنــوره

إنّ آلامه وحرقته یثیران الخـلـق               فالجمیع سیحملون بواسطته بیرق الحقّ

6. عدم التقیید بمنازل العرفاء:

یعتقد العرفاء أنّ على السالک طیّ المنازل حسب الترتیب المذکور فی العرفان العملیّ؛ حتّى ینال الشهود والحضور، وحقیقة التوحید، وإنّ سلوکًا کهذا ضروریّ. وقد اعتبروا أنّ عدد هذه المنازل اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، أو سبعة، أو ألف منزل. وقد ذکر الخواجة عبد الله الأنصاریّ فی کتابه "منازل السائرین" مئة منزل منها. وهم یعتقدون أنّ اجتیاز هذه المنازل یجب أنْ یتمّ حسب الترتیب؛ إذ من غیر اجتیاز منزل السابق لا یمکن الدخول فی المنزل اللاحق، ولا شکّ فی أنّ تفسیرًا کهذا عن المنازل سوف یقطع الطریق أمام کثیرٍ من السالکین للوصول إلى الله تعالى؛ لیبقى -بالتالی- الباب مفتوحًا أمام عددٍ قلیل من العرفاء فی هذا المیدان. وأمّا الإمام (قده) فقد فتح أبواب العروج والوصول للجمیع، من کافّة الشرائح والطبقات، ومن دون التقیید بالمنازل التی ذکرها العرفاء. فبدّل ذلک الجوّ المغلق إلى فضاءٍ رحبٍ شامل للجمیع، وبعبارة أخرى: إنّ عرفان الإمام (قده) کان عرفانًا خالصًا شاملًا جامعًا بعیدًا عن التکلّف.

لقد اعتبر الإمام (قده) أنّ تعدّد هذه المنازل من المسلّمات عند العرفاء، حیث یقول: "اعلم أنّ للإنسان مقامات ومدارج. وقد اعتبره بعضهم صاحب مقامین؛ أحدهما: مقام الدنیا والشهادة، والثانی: مقام الآخرة والغیب. أحدهما: ظلّ الرحمن، والآخر: ظلّ الرحیم. وعلى ذلک؛ فإنّ مَنْ یکون فی ظلّ الأسماء ومربوبها هو ذو الظلّ، والربّ هو فی حیّز اسمَی الرحمن والرحیم، وقد جمع ذلک فی الآیة الشریفة: {بسم الله الرحمن الرحیم}، ویقول العرفاء: «ظهر الوجود بسم الله الرحمن الرحیم». ویمتدّ هذان المقامان فی الإنسان الکامل، من ظهور المشیئة المطلقة، من مکامن الغیب الأحدی؛ وحتّى مقبض الهیولى، أو مقبض الأرض السابعة التی هی حجاب الإنسانیّة؛ وذلک على طریقة العرفاء الشامخین... وعلى اعتبار آخر، فإنّ لدیه ثلاثة مقامات؛ الأوّل: مقام الملک والدنیا، والثانی: مقام البرزخ، والثالث: مقام العقل والآخر... وقد ذکر بعضهم له أربعة مقامات: الملک، والملکوت، والجبروت، واللاهوت. وقد ذکر آخرون خمسة مقامات: الشهادة المطلقة، والغیب المطلق، والشهادة المضافة، والغیب المضاف، ومقام الکون الجامع. وقد ذُکرت سبعة مقامات؛ وهی المعروفة بمدن العشق السبع... وعلى اعتبار تفصیلیّ هناک مئة منزل، بل ألف منزل... وکذلک، فإنّ الصلاة التی تمتاز بمیزة الشمولیّة، وکونها عمود الدین، قد ذکروا لها المقامات نفسها؛ إذ إنّ الصلاة تشتمل على جمیع المقامات المعنویّة الإنسانیّة؛ بحسب سفره المعنویّ من منتهى النزول فی عالم الملک الذی هو بیت النفس المظلم، وحتّى الغایة القصوى للمعراج الحقیقیّ الروحانیّ الذی هو الوصول إلى الفناء فی الله"[25].  

وممّا تقدّم، یمکن أنْ نستنتج أربعة أمور؛ هی:

-       أنّ المقامات والمنازل ضروریّة للسالک.

-       أنّ دائرة سیر السالک تمتدّ من ظلّ اسم الرحمن؛ حتّى ظلّ اسم الرحیم.

-       أنّ تقسیم المقامات والمنازل إلى المئة أو الألف أمرٌ وضعیّ، وأنّ لکلّ واحد من أهل السلوک مقامه الخاصّ.

-       أنّ الصلاة تحوز جمیع هذه المقامات من بین العباد، وهی سلَّم لعروج أهل المعرفة.

والنقطة الأهمّ والأساس فی هذا المجال هی أنّ الإمام (قده)؛ کسائر العارفین، یعتبر أنّ طَیَّ المنازل أمر ضروریّ، ولکنّ الخلاف البیِّن الموجود بین طریقة الإمام (قده) وغیره من العرفاء هی فی طَیِّ المنازل؛ فالعرفاء بعد أنْ حدّدوا هذه المنازل یُلزمون أنفسهم والآخرین بطیِّها بالکامل. وأمّا الإمام (قده)، فیعتبر أنّ شرط السلوک وطَیِّ المنازل والمقامات هو فی مراعاة أحکام الشریعة، ولا یقبل بما یلزم به العارفون أنفسهم والآخرین، ولم یتقیّد بذلک المنهج؛ بل المهمّ فی رأیه أنْ یجعل الإنسان الأحکام أساسًا لریاضة النفس والسلوک؛ کما أبلغه أمین الوحی للناس، حتّى ینال قلبًا سلیمًا یُعدّ فی الواقع حقیقة التوحید الفعلیّ والعملیّ.

 

7. نزوع عرفان الإمام نحو المجتمع:

یعتقد کثیر من العرفاء أنّ على العارف الاعتزال عن الحیاة والانزواء عنها؛ لیتمکّن من هدایة المجتمع، ولیزوّد الناس بالمعارف الإلهیّة والشهودیّة. وکان کثیرٌ منهم یرون أنّ وجود العارفین فی الساحة السیاسیّة وإدارة شؤون المجتمع لا یتطابق مع منزلتهم، ولذلک کانوا یفضّلون الانعزال حتّى نهایة العمر، على الحضور فی المجتمع، بل کان بعضهم یعتبره أمرًا ضروریًّا.

وأمّا الإمام الخمینیّ (قده) فهو لم یکنْ یعتبر الحضور فی المجتمع، وبذل الجهد والوقت لتدبیر شؤون الناس الدنیویّة، منافیًا للعرفان والسیر والسلوک؛ بل کان یعتبره بحسب رؤیته الخاصّة شرطًا أساسًا وضروریًّا؛ بل کان یرى أنّ العارف أکفأ الناس وأکثرهم قدرة على إصلاح أمور المجتمع البشریّ، وأنّ قبول المسؤولیّات الاجتماعیّة لیس منافیًا للعرفان والمقامات المعنویّة؛ لأنّ العارف عندما یدخل فی المسائل الحیاتیّة والاجتماعیّة، وفی دنیا الناس ومشاکلهم وهموهم وتطلّعاتهم، فهذا لا یعنی أنّه أصبح من أهل الدنیا، وهو لیس منافیًا للزهد فیها، فحقیقة الزهد لا تعنی الهروب من الدنیا، بل تعنی عدم التعلّق بها؛ ولذا، فعلى الرغم من احترام الإمام (قده) للعرفاء المسلمین، کان یشتکی من فصلهم بین العرفان والدنیا واعتزالهم لها. وکان یقول: "الإسلام غریب، کان غریبًا منذ البدء، وهو الآن غریب، وهو غریب؛ لأنّهم لم یعرفوه، فهو فی مجتمع لا یُعرف، وما عُرف الإسلام فی وقت ما قطّ تلک المعرفة التی تجب. ألیس بیننا من أخذوا أمرًا، وترکوا الآخر، أو خالفوه. کنّا مبتلین بالمتصوّفة مدّة طویلة، کان الإسلام مُبتَلًى بالمتصوّفة، فأولئک خدموه خدمة طیّبة، إلّا أنّهم کانوا یردّون کلّ شی‏ء إلى الجهة الأخرى، فکلّ آیة تَرِدُ بین أیدیهم تذهب إلى ذاک الطرف؛ کتفسیر عبد الرزّاق، العالم الفاضل الذی ردّ القرآن لذاک الطرف؛ کأنّه لا علاقة له بهذه الأعمال. وابتلینا مدّة بمجموعة أخرى ترفض المعنویّات کلّها، ولا تأخذ بها أصلًا؛ کأنّ الإسلام جاء لأخذ الدنیا"[26].

8. علاقة العرفان بالسیاسة:

إنّ إحدى میّزات العرفان عند الإمام (قده) هی فی الربط بین العرفان والسیاسة؛ ففی التاریخ الإسلامیّ لم یکنْ الحکم بید الصالحین إلاّ فی عهد الرسول الأکرم (ص) فی المدینة، وکذلک فی عهد أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع)، والإمام الحسن (ع). وقد رسّخ إبعاد القادة الإلهیّین والنخبة الصالحة عن الحکومة تدریجیًّا فی الأذهان أنّ السیاسة والحکومة من عمل غیر المتدیّنین، وأنّ المتدیّنین یتهرّبون منها. کما إنّ دعایات الحکومات الجائرة کان لها الدور الأکبر فی ترسیخ هذا المفهوم أکثر فأکثر. وکان ثمّة رأیٌ یرى أنّ عالم الدین المنشغل بالسیاسة والعمل السیاسیّ غیر متدیّن! وکادت هذه الفکرة أن تترسّخ عند المتدیّنین ورجال الدین على حدّ قول الإمام الخمینیّ (قده)، فانطلق بنهضته المبارکة فی مثل هذه الأجواء المشحونة ضدّ العمل السیاسیّ، لیؤسّس لاحقًا حکومةً على أساس الدین، ولیقوم؛ بصفته عالم دین، بإرشاد المجتمع وهدایته خلال عشر سنوات، وهو فی رأس السلطة السیاسیّة والحکومة. وبذلک، فقد أدخل الإمام (قده) العرفان فی السیاسة، واستطاع بهذا الأسلوب أن یربّی العارفین فی جمیع الشرائح والطبقات؛ ومنها: المیدان السیاسیّ والحکومی، مع ما لهذا المیدان من علاقة وارتباط بحاجات الناس الحیاتیّة والمعیشیّة.

9. العلاقة بین العرفان والجهاد:

تُعدّ روح الحماسة والجهاد من المیّزات الأخرى للعرفاء الإلهیّین؛ إذ یتحوّل العرفاء لیصبحوا مظهرًا للجهاد الإلهیّ أمام الکفر والإلحاد والنفاق؛ وذلک لأنّهم وجّهوا قوّتهم الغضبیّة توجیهًا إلهیًّا، ولکونهم مرتبطین بالقدرة الإلهیّة والمبدأ الأزلیّ والأبدیّ، فلا یتملّکهم خوف إطلاقًا، ولا یخافون فی الله لومة لائم. إذ لا یرون لغیر الله قدرة أصلًا، وهم نالوا مقام الشهود والحضور بهذا الاعتقاد، فیرون ید الله فی کلّ مکان، وفوق کلّ الأیدی. وهذه النقطة هی رمز إدراک أجمل ساحة جهادیّة للعرفاء؛ وهی ساحة عاشوراء، التی تجلّت فیها أجمل وأعمق صور الترابط واللُحمة بین العرفان والجهاد. وهذا الاتّصال والترابط قد خلّد هذه الحقیقة وهذه الواقعة فی جمیع الأعصار لتصبح أسوة لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل.

لقد آمن الإمام الخمینیّ (قده) بهذه العُلقة والرابطة بین العرفان والجهاد، وکان یرى أنّ تکرار هذه المشاهد الحماسیّة التی حدثت فی کربلاء هو أمر ممکن فی کلّ زمان ومکان، وأنّ أوّل خطوة تکمن فی  الدخول فی مشروع مواجهة الظلم والظالمین بالتوکّل الدائم على القدرة الإلهیّة.

10. مواجهة العرفان الکاذب:

خالف الإمام الخمینیّ (قده) بشدّة أولئک الذین یستغلّون اتّجاهات الناس العرفانیّة لیفتحوا لأنفسهم دکّانة لعرض العرفان فیها. وکان یعتبر الذین یتظاهرون بالعرفان وهم لیسوا فی طریق أهل البیت (عله)، ویدعون الناس إلى أنفسهم بدل أنْ یدعوهم إلى الله تعالى، کان یعتبرهم فی الحقیقة خارجین عن العرفان الحقیقیّ. ولذلک کان یقول:

"لم أجد صفاء فی الصوفیّة                          ولم أجد منهم الوفاء إطلاقًا"[27]

والسرّ فی مخالفة الإمام (قده) للمتظاهرین بالعرفان یکمن فی أنّهم یشجّعون الناس على الرکود والخمود والانعزال، فی حین أنّ مثل هذه الأفکار لا تؤدّی إلّا إلى القبول بالظلم وسیطرة الطاغوت، وبالتالی الخروج من ولایة الله تعالى. فالعرفان عند الإمام الخمینیّ (قده) لا ینسجم إطلاقًا مع الادّعاء والتظاهر. فلا حاجة فیه لأدوات؛ مثل: القبّعة، وغیرها من الأدوات الخاصّة ببعض الصوفیّة. فالعرفان یجری فی ساحة الحیاة، ولا یرتبط بمثل هذه الأمور؛ لأنّ حقیقته هی أن لا یرى العارف نفسه، بل یرى الله -تعالى- دومًا.

یقول الإمام فی إحدى قصائده:

"إنّک ترفع صوتک مِنْ على المشنقة بقولة أنا الحقّ  

                               أیّها الدعیّ الذی یدّعی طلب الحقّ هل نسیت إنّی وإنّا

إذا کنـت صوفیـًّا صافیـًا فاخلع هذا الصوف

                               لِمَ تتحدّث عن نفــسک رافعـًا صـوتک بذلک؟"[28]       

لقد کان الإمام (قده) فی صراعه ضدّ العرفان السلبیّ الهدّام، یقوم بنشر العرفان الأصیل الجهادیّ، حیث کان یشجّع قوّات التعبئة ومقاتلی الإسلام فی بعض نداءاته الموجّهة إلیهم: "إنّ هذا النصر المعنویّ والمادّیّ رهن إسلامیّة الثورة وشعبیّتها والتفاف الجماهیر حول الإسلام، والتحوّل العظیم والمعجز الذی أوجده الله -تعالى- لدى هذا الشعب، بما فی ذلک هؤلاء الشباب الأعزّاء فی مختلف أنحاء البلاد، الذین ترکوا وراءهم -فی تحرّک معنویّ وروحیّ سریع وخاطف بفضل الید الإلهیّة الحقّة- المستنقع الذی أوجدوه لهم بأیدی الاستکبار العالمیّ الخبیث الذی برز من أکمامه؛ أمثال: رضا خان، ومحمد رضا، وغیرهم من عبید الغرب والشرق، وتمّ إنقاذهم وتمکینهم من طیّ طریق یستغرق مئة عام فی لیلة واحدة، واستطاعوا أنْ یحقّقوا دفعة واحدة ما کان یحلم به العرفاء والشعراء العارفون خلال سنوات طویلة، وترجموا عشق لقاء الله من مرحلة الشعار إلى العمل، وحققوا أمنیتهم فی الشهادة من خلال سلوکهم فی جبهات الدفاع عن الإسلام العزیز. إنّ مثل هذا التحوّل الروحیّ العظیم بهذه السرعة غیر المسبوقة، لا یمکن تحقّقه من دون عنایة الخالق الرؤوف المربّی للعشّاق"[29].

وتجدر الإشارة إلى أنّ الإمام (قده)، على الرغم من مخالفته لمنهج بعض المتلبّسین بلباس العرفان الکاذب؛ کان یخالف الذین یعیبون على أهل الحقّ ولا یقبلون بمنهج العرفان الأصیل والعارفین بحقّ بالله تعالى؛ لأنّ العرفاء الحقیقیّین یُظهرون للناس طریقة صحوة القلب، ویمهّدون الطریق للحضور فی عالم المعنى، وإدراک الفیض الإلهیّ. ولذلک، کان الإمام (قده) یذمّ أفکار بعضهم ممّن یعترض على طریق المعرفة والعرفان، ویقول لمن یعیبونهم:

"إذا لم تکنْ أهلًا فلا تذمنّ أهل الحقّ

                              أیها المیّت لا تفکّر أنّ أصحاب القلوب الحیّة أمـوات مثلک     

أیّها المهجور أَفِق من هذا النوم الثقیل

                              یا أصحاب القلوب الحیّة لا تلقوا الستار على النوم الثقیل"[30]

11. النظر إلى العرفان بوصفه أداةً:

ینظر کثیرٌ من العلماء إلى علومهم فقط، ولا یقیمون وزنًا للعلوم الأخرى. أو تجدهم لا ینظرون إلى العلم على أنّه وسیلةً وأداةً؛ بل یعتبرون العلم بحدّ ذاته غایةً وهدفًا. والإمام الخمینیّ (قده) کان یعتقد أنّ کلّ علم یُنظر إلیه على أنّه هدف بنفسه، سوف یحرف الإنسان عن هدفه الحقیقیّ من الحیاة، ومن الممکن أنْ یقوده هذا التوجّه والجهل إلى الوقوع فی نار جهنّم؛ حتّى لو کان هذا العلم علمَ التوحید والعرفان. یقول (قده): "قد یؤدّی علم التوحید، أو العرفان، أو الفقه، أو الأخلاق، بالإنسان إلى جهنّم أحیانًا، فالعلم وحده لیس کافیًا، ولا بدّ من التزکیة"[31].

وقد ذکر ابن سینا موضوعًا عمیقًا فی تعلّم العرفان، حیث یقول: "مَنْ آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثانی. ومن وجد العرفان کأنّه لا یجده، بل یجد المعروف به، فقد خاض لجّة الوصول"[32]. وهذا لا ینسجم مع الهدف الذی یسعى إلیه العارف؛ وهو الفناء والتوحید.

إنّ کون أیّ علم وسیلةً وأداةً قد یشتدّ أو یضعف؛ حسب العلم نفسه، ومن هذه الناحیة یجب احترام الجمیع، فعلم الفقه -مثلًا- یؤمّن بعضًا من حاجات الإنسان، وینقذه من الحیرة فی کیفیّة أداء العمل، ولذلک یجب إعطاؤه الأهمّیّة التی یستحقّها، ویجب أنْ لا یَتصوَّر أحد أنّ العلم محصور فی الفقه فقط.

وکذلک بالنسبة إلى العلوم الأخرى؛ کالأخلاق، والعرفان، والفلسفة، وغیرها من العلوم، لا بدّ من إیلائها أهمّیّة تتناسب مع دورها فی سموّ الإنسان الروحیّ والمعنویّ والمعرفیّ. والإمام (قده) کان دائمًا ما ینبّه إلى هذه المسألة ویحذِّر منها، على اعتبار أنْ لو تحوّل العلم عن کونه وسیلة وأصبح هدفًا ومطلوبًا بحدّ ذاته، فإنّه سیتحوّل إلى حجاب. وقد أشار فی قالب شعریّ إلى ضرورة تجنّب حجاب العلم، وخاصّة الفلسفة، إلى بعض أقاربه، حیث یقول:

"فاطمة یا من تفتخرین بعلم الفلسفة 

                                             وتهاجمین العلوم الأخرى بکلّ جهـر

 إنّنی خائف علیها مـن الغفلـة   

                                            فی هذا الحجاب الأکبر بأنْ تخسر حیاتها"[33]

فأینما کان الله حاضرًا کان النور موجودًا، وأینما کانت الغفلة کانت الظلمة حتّى إذا کان صفّ درس التوحید.

"فاطمة التی تقرأ الآن الفلسفة

                                           لا تعرف من الفلسفة إلّا الفاء واللام والسین

إنّنی آمل أن تتمکّن بنور الله

                                            مـن أنْ تنقذ نفسها من حجاب الفلسفة"[34]  

ویقول فی موضع آخر:

"یا إلهی افتح فصـلًا یصـف وجهـک            

                                              ویبــدأ طـرتـک الجــمـیـلة

لا بدّ من وضع العلـوم الفلسفیّة جـانبًا 

                                                  یا رب انظر إلینا حتّى تکون وجهتنا إلیک"[35]               

 

خاتمة:

إنّ الجاذبیّة العرفانیّة هی إحدى النزعات والاتّجاهات الفطریّة المقدّسة فی الإنسان، التی لا یمکن تجاهلها أو التساهل إزاءها. وقد تضاعفت هذه النزعة فی عالم ما بعد الحداثة الیوم. ویمکن القول: إنّ العرفاء السابقین قد أشاروا إلى طرق تلبیة نداءات هذه التوجّهات الإنسانیة، إلاّ أنّ محاولاتهم کانت تتّسم دائمًا بالنقص والضعف اللذین لا یمکن التغاضی عنهما.

کما  تسبّب بعض المتظاهرین بالعرفان الیوم بدفع الناس نحو الأخطاء والمشاکل السلوکیّة والمعرفیّة. فما أکثر الذین دخلوا فی هذا الوادی متعطّشین للمعنویّات، ولکنّهم هلکوا فیه أو احتاروا فی النهایة؛ بسبب فساد المنهج المتّبع.

أمّا الإمام الخمینیّ (قده) فهو یُعدّ -بحقّ- مجدّدًا للإسلام المحمّدی الأصیل، حیث أزال بتعالیمه السامیة الشبهات النظریّة والعملیّة عن العرفان؛ بالرجوع إلى معارف مدرسة أهل البیت (عله). کما إنّه أحیا العرفان الإسلامیّ الأصیل، وجلب قلوب الکثیرین نحو الحقیقة؛ بعرضه لعرفان خالصٍ صافٍ، یربّی من خلال هذا العرفان رجالًا ونساءً کانوا مستعدّین للتضحیة بجمیع ما یملکون.

ومجتمعنا البشریّ الیوم هو أحوج ما یکون إلى هذا العرفان الأصیل الذی أحیاه وأعاد له روحه السیّد الراحل العارف بالطریق روح الله الموسویّ الخمینیّ (قده)؛ فتعریف الشباب الباحث على حقیقة علم العرفان، وبالخصوص عرفان الإمام الخمینیّ (قده)، لهو خطوة أساس وضروریّة فی طریق تحقیق الحضارة الإسلامیّة الکبرى، وتعریف العالم بالله العزیز، والله رؤوف بالعباد.



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من إیران.

[2] السّراج الطوسی، أبو نصر: اللمع، من نسخة مطبوعة فی لندن بتصحیح نیکسون، طهران، انتشارات جهان، لا ت، 1914م، ص21.

[3] الخمینیّ، روح الله: الکلمات القصار (المواعظ والحکم)، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام (قده)، 1373ه.ش، ص17.

[4] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص22.

[5] الخمینیّ، روح الله: تعلیقات على شرح فصوص الحکم ومصباح الأنس، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة باسدار اسلام، 1406هـ.ق، ص55.

[6] وقد فسّر ( کمال الاستجلاء) فی موضع آخر؛ بقوله: "فظهور الحقّ فی المرآة الأتمّ کمال الجلاء وشهود نفسه فی تلک المرآة. (انظر: م.ن، ص252).

[7] العلویّ، محمد (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: جعفر الشهیدی، ط2، طهران، انتشارات آموزش انقلاب اسلامی، 1370هـ.ش، الخطبة الأولى، ص2.

[8] الخمینیّ، تعلیقات على شرح فصوص الحکم ومصباح الأنس، م.س، ص273؛ وانظر له -أیضًا-: آداب الصلاة، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 1378هـ.ش، ص284؛ الأربعون حدیثًا، طهران، مرکز رجاء الثقافی، 1368هـ.ش، ص525. 

[9] سورة البقرة، الآیة 31.

[10] الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط4، طهران، دار الکتب الإسلامیّة؛ مطبعة حیدری، 1365هـ.ش، ج2، کتاب الإیمان والکفر، باب دعائم الإسلام، ح1، ص18.

[11] الخمینی، آداب الصلاة، م.س، ص141.

[12] انظر: سیمای معصومین فی فکر الإمام الخمینیّ، تبیان الدفتر الثانی عشر، طهران مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 1378هـ.ش.

[13] انظر: المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، 1403هـ.ق، ج26، ص106-107، 247؛ ج23، ص102.

[14] الطوسی، محمد بن الحسن: مصباح المتهجّد، ط1، بیروت، مؤسّسة فقه الشیعة، 1411هـ.ق/ 1991م، ص803.

[15] ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): من لا یحضره الفقیه، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، لا ت، ج2، ص613.

[16] سورة المائدة، الآیة 3.

[17] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص52.

[18] م.ن.

[19] ابن طاووس، علی بن موسى: إقبال الأعمال، تحقیق: جواد القیّومی الأصفهانیّ، ط1، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1416هـ.ق، ج3، ص299.

[20] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص52.

[21] الخمینیّ، الأربعون حدیثًا، م.س، ص8.

[22] الخمینیّ، روح الله: سرّ الصلاة، طهران، انتشارات بیام آزادی، 1360هـ.ش، ص7.

[23] انظر: الخمینیّ، روح الله: مصباح الهدایة إلى الخلافة والولایة، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 1372هـ.ش، ص210.

[24] م.ن.

[25] الخمینیّ، سرّ الصلاة، م.س، ص19-20.

[26] الخمینیّ، روح الله: صحیفة الإمام، ط1، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام الخمینی (قده)، 1430هـ.ق/ 2009م، ج8، ص390.

[27] الخمینیّ، روح الله: دیوان الإمام، طهران، مؤسسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 372هـ.ش، ص217.

[28] م.ن، ص94.

[29] الخمینیّ، صحیفة الإمام، م.س، ج17، ص243.

[30] الخمینیّ، دیوان الإمام، م.س، ص216.

[31] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص67.

[32] ابن سینا، أبو علی: الإشارات والتنبیهات، شرح: نصیر الدین الطوسی، تحقیق: سلیمان دنیا، ط3، القاهرة، دار المعارف، القسم الرابع، النمط التاسع، الفصل العشرون، ص99.

[33] الخمینیّ، دیوان الإمام، م.س، ص205.

[34] م.ن، ص209.

[35] الخمینیّ، دیوان الإمام، م.س، ص205.

[1] السّراج الطوسی، أبو نصر: اللمع، من نسخة مطبوعة فی لندن بتصحیح نیکسون، طهران، انتشارات جهان، لا ت، 1914م، ص21.
[1] الخمینیّ، روح الله: الکلمات القصار (المواعظ والحکم)، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام (قده)، 1373ه.ش، ص17.
[1] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص22.
[1] الخمینیّ، روح الله: تعلیقات على شرح فصوص الحکم ومصباح الأنس، ط1، قم المقدّسة، مؤسّسة باسدار اسلام، 1406هـ.ق، ص55.
[1] وقد فسّر ( کمال الاستجلاء) فی موضع آخر؛ بقوله: "فظهور الحقّ فی المرآة الأتمّ کمال الجلاء وشهود نفسه فی تلک المرآة. (انظر: م.ن، ص252).
[1]العلویّ، محمد (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: جعفر الشهیدی، ط2، طهران، انتشارات آموزش انقلاب اسلامی، 1370هـ.ش، الخطبة الأولى، ص2.
[1] الخمینیّ، تعلیقات على شرح فصوص الحکم ومصباح الأنس، م.س، ص273؛ وانظر له -أیضًا-: آداب الصلاة، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 1378هـ.ش، ص284؛ الأربعون حدیثًا، طهران، مرکز رجاء الثقافی، 1368هـ.ش، ص525. 
[1] سورة البقرة، الآیة 31.
[1]الکلینی، محمد بن یعقوب، الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط4، طهران، دار الکتب الإسلامیّة؛ مطبعة حیدری، 1365هـ.ش، ج2، کتاب الإیمان والکفر، باب دعائم الإسلام، ح1، ص18.
[1] الخمینی، آداب الصلاة، م.س، ص141.
[1]انظر: سیمای معصومین فی فکر الإمام الخمینیّ، تبیان الدفتر الثانی عشر، طهران مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 1378هـ.ش.
[1] انظر: المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، بیروت، دار إحیاء التراث العربی، 1403هـ.ق، ج26، ص106-107، 247؛ ج23، ص102.
[1]الطوسی، محمد بن الحسن: مصباح المتهجّد، ط1، بیروت، مؤسّسة فقه الشیعة، 1411هـ.ق/ 1991م، ص803.
[1] ابن بابویه، محمد بن علی (الصدوق): من لا یحضره الفقیه، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، لا ط، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، لا ت، ج2، ص613.
[1] سورة المائدة، الآیة 3.
[1] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص52.
[1]م.ن.
[1]ابن طاووس، علی بن موسى: إقبال الأعمال، تحقیق: جواد القیّومی الأصفهانیّ، ط1، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1416هـ.ق، ج3، ص299.
[1] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص52.
[1] الخمینیّ، الأربعون حدیثًا، م.س، ص8.
[1] الخمینیّ، روح الله: سرّ الصلاة، طهران، انتشارات بیام آزادی، 1360هـ.ش، ص7.
[1] انظر: الخمینیّ، روح الله: مصباح الهدایة إلى الخلافة والولایة، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 1372هـ.ش، ص210.
[1]م.ن.
[1] الخمینیّ، سرّ الصلاة، م.س، ص19-20.
[1]الخمینیّ، روح الله: صحیفة الإمام، ط1، طهران، مؤسّسة تنظیم ونشر تراث الإمام الخمینی (قده)، 1430هـ.ق/ 2009م، ج8، ص390.
[1]الخمینیّ، روح الله: دیوان الإمام، طهران، مؤسسة تنظیم ونشر تراث الإمام، 372هـ.ش، ص217.
[1]م.ن، ص94.
[1]الخمینیّ، صحیفة الإمام، م.س، ج17، ص243.
[1]الخمینیّ، دیوان الإمام، م.س، ص216.
[1] الخمینیّ، الکلمات القصار، م.س، ص67.
[1] ابن سینا، أبو علی: الإشارات والتنبیهات، شرح: نصیر الدین الطوسی، تحقیق: سلیمان دنیا، ط3، القاهرة، دار المعارف، القسم الرابع، النمط التاسع، الفصل العشرون، ص99.
[1] الخمینیّ، دیوان الإمام، م.س، ص205.
[1]م.ن، ص209.
[1]الخمینیّ، دیوان الإمام، م.س، ص205.