آفاق اللغة فی الخطاب الصوفیّ -بحث فی تجلیَّات اللغة فی الکتابة الصوفیَّة-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تعالج هذه المقالة آفاق اللغة فی الخطاب الصوفیّ وتجلّیاتها؛ حیث انطلق المتصوِّفةمنعالملیسلهم، ولم یستطیعوا العیش مع غیرهم من الناس؛ هؤلاء الذین لم یفهموهم ولمیدرکوا حالهم ولم یستوعبوا تجربتهم... من هنا سیسعون إلى "الثورة" على هذا العالم والناس ومواضعاتهم التی ألِفوها، وألِفوا العیش فیها.
لقد حاولوا أن یعیدوا تشکیل عالمهم الخاصّ، حیث یمکنهم بناء فکرهم وذواتهم وفقًا لتجربتهم  و"شطحاتهم". وقد شیّدوا لعوالمهم تلک شکلًا ولغةً یستطیعان التعبیر عنها، فوجدوا أنّلغةالتداولضیّقةجدًّاضِیْق "بساطة"الحیاةوالناسالساکنین فیها؛فیمقابل "رؤیا"واسعةلا تقبل الانشداد والاحتباس داخلالحدود،بلتتخطّىکلّالعالمالمادّیّالذی یقف حائلًا دون انطلاقهمالجامح.
کانتالتجربةالصوفیّة -إذًا- تجاوزًا وخرقًایکسرالحواجزوالمعیقاتالتیتقفأمامالروح،وتعرقلتحلیقهاوسفرهاخارجالزمان والمکان،وفی عوالم الروح والخیال... الأمر الذی سیحتاجإلىلغةتعبّرعنه؛لغةتجمعبین تفاصیلالنثرولانهائیّة الشعر؛ ما سیتیحللتجربةالصوفیّةفرصة عقد قراندائمبینالشعروالنثر؛لیکونکلٌّمنهمالباسًاللآخریسکنإلیه؛بلیتساکنانفیمعطف ولباسواحدمتوحِّد؛تتفجَّرداخلهاللغة؛لتنجبلغةصوفیّةجمالیّةإبداعیّةرائعةتحاول أنْ تعید بناءالخلقوالإبداعللتعبیر عن ملکوتالصوفیّالجدیدوثورتهالمؤَسَّسةعلىمبدأالرفضوالانطلاق والخرق؛رفضالواقع،ومنثمّرفضلغتهالسائدةوتعابیرهالمتداولةحتّى تسَعالتجربةوالوجودالصوفیَّیْن. إنّهارفضللإقامةفیکلىالوجودیْن: الواقعیّواللغویّ، وخرقٌلعوالمهماوحدودهما.

نقاط رئيسية

أولًا: اللغة والشکل فی الکتابة الصوفیَّة

ثانیًا: اللغة بین الخیال والرمز والإشارة

الكلمات الرئيسية


آفاق اللغة فی الخطاب الصوفیّ -بحث فی تجلّیات اللغة فی الکتابة الصوفیّة-

                                               الدکتور سعید أصیل[1]

خلاصة المقالة:

تعالج هذه المقالة آفاق اللغة فی الخطاب الصوفیّ وتجلّیاتها؛ حیث انطلق المتصوِّفة من عالم لیس لهم، ولم یستطیعوا العیش مع غیرهم من الناس؛ هؤلاء الذین لم یفهموهم ولم یدرکوا حالهم ولم یستوعبوا تجربتهم... من هنا سیسعون إلى "الثورة" على هذا العالم والناس ومواضعاتهم التی ألِفوها، وألِفوا العیش فیها.

لقد حاولوا أن یعیدوا تشکیل عالمهم الخاصّ، حیث یمکنهم بناء فکرهم وذواتهم وفقًا لتجربتهم  و"شطحاتهم". وقد شیّدوا لعوالمهم تلک شکلًا ولغةً یستطیعان التعبیر عنها، فوجدوا أنّ لغة التداول ضیّقة جدًّا ضِیْق "بساطة" الحیاة والناس الساکنین فیها؛ فی مقابل "رؤیا" واسعة لا تقبل الانشداد والاحتباس داخل الحدود، بل تتخطّى کلّ العالم المادّیّ الذی یقف حائلًا دون انطلاقهم الجامح.

کانت التجربة الصوفیّة -إذًا- تجاوزًا وخرقًا یکسر الحواجز والمعیقات التی تقف أمام الروح، وتعرقل تحلیقها وسفرها خارج الزمان والمکان، وفی عوالم الروح والخیال... الأمر الذی سیحتاج إلى لغة تعبّر عنه؛ لغة تجمع بین تفاصیل النثر ولانهائیّة الشعر؛ ما سیتیح للتجربة الصوفیّة فرصة عقد قران دائم بین الشعر والنثر؛ لیکون کلٌّ منهما لباسًا للآخر یسکن إلیه؛ بل یتساکنان فی معطف ولباس واحد متوحِّد؛ تتفجَّر داخله اللغة؛ لتنجب لغة صوفیّة جمالیّة إبداعیّة رائعة تحاول أنْ تعید بناء الخلق والإبداع للتعبیر عن ملکوت الصوفیّ الجدید وثورته المؤَسَّسة على مبدأ الرفض والانطلاق والخرق؛ رفض الواقع، ومن ثمّ رفض لغته السائدة وتعابیره المتداولة حتّى تسَع التجربة والوجود الصوفیَّیْن. إنّها رفض للإقامة فی کلى الوجودیْن: الواقعیّ واللغویّ، وخرقٌ لعوالمهما وحدودهما.

 

کلمات مفتاحیّة:

اللغة الصوفیّة، التجربة الصوفیّة، الخطاب، الشعر، النثر، الوجود اللغویّ، الوجود الواقعیّ، اللغة الرمزیّة، الکشف، الشهود.

 

مقدّمة:           

وجد الصوفیّة أنفسهم أمام عالم لیس لهم؛ یعیشون بین أناس لا یفهمونهم ولا یدرکون حالهم ولا تجربتهم؛ فکانت حیاتهم "ثورة" عارمة على السائد المعیش والاجتماعیّ المتداول، کما کانت تجربتهم و"شطحاتهم" نبذًا لفنون التعبیر عند غیرهم. أمّا لغة التداول فقد وجدوها ضیّقة جدًا ضیق "بساطة" الحیاة والناس؛ فی مقابل "رؤیا" واسعة وشاسعة لا تعرف الحدود، وتتخطّى کلّ العالم المادّیّ "السطحیّ" الذی لم یعُدُّوه یومًا عالمهم؛ بل هجروه ونبذوه وتوجّهوا نحو المطلق الجامح الذی لا تکبّله قیود، ولا تحدّ انطلاقته حدود. من هنا، فقد شکـّل کثیر منهم "ثورة" عارمة على جمیع الأصعدة والنواحی.

لقد کانت التجربة الصوفیّة قفزة شاملة تصبو إلى الانطلاق، وتروم تکسیر الحواجز والمعیقات التی تقف أمام الروح وتعرقل تحلیقها وسفرها خارج "الزمکان"، فی محاولةٍ للانعتاق من الأسفل "الأرض" وحدودها إلى الأعلى "السماء" وبروجها؛ حتّى تتمکّن الروح من التحلیق بعیدًا؛ لا یکبّلها الواقع المادّیّ الحسّیّ، ولا تقیّد حبائلُ الأرض خیالَها.

وطبیعیّ أنّ هذا سیحتاج إلى لغةٍ تعبّر عنه؛ لغةٍ تحقّق بدورها الانطلاق وتتفتّق لِتَسَعَ الروح، فتتعالیان معًا فی عناق متّصل متواصل؛ لن تسعه حدود النثر البارد، ولا الشعر المقیّد أیضًا -فی غالبیّته-؛ ما قد یتعارض مع مبدأ الحرّیّة التامّة الذی یشکّل أساس تلک التجربة الصوفیّة وجوهرها.

وقد أتت لحظة عقد القران والزواج الرائع والدائم بین الشعر والنثر بواسطة اللغة؛ لیکون کلٌّ منهما لباسًا للآخر یسکن إلیه؛ بل یتساکنان فی معطفٍ واحد متوحّد؛ تتفجّر داخله اللغة؛ فینجب ذلک القران لغة صوفیّة جمالیّة إبداعیّة رائعة تستجیب لعوالم الخلق والإبداع، ولِملکوت الصوفیّ الجدید وثورته العارمة المؤَسَّسة على مبدأ الرفض والانطلاق والخرق: رفض الواقع، ومن ثمّ رفض لغته السائدة وتعابیره المتداولة وأشکاله التقلیدیّة المتوارثة، والانطلاق إلى لغة جدیدة تسَع التجربة والوجود الصوفیَّیْن. إنّها رفض للإقامة فی کلى الوجودیْن: الواقعیّ واللغویّ، وخرق لعوالمهما وحدودهما.

ومن هنا، فقد تشکّل العالم الصوفیّ على مبادئ وأسس عدّة؛ أهمّها: خلق لغة جدیدة تعبّر عن آفاق التجربة التی یخوضها الصوفیّ؛ وذلک من خلال الاشتغال على اللغة، ولکن من منطلق جدید أساسه الخرق والهتک والإبداع؛ من خلال خرق اللغة ذاتها عبر الإشارة التی تلمح أکثر ممّا تصرح، والاعتماد على الرمز، والرفع من قیمة الخیال وجنوحه.

 

أولًا: اللغةوالشکل فی الکتابة الصوفیّة:

لم یکنْ بإمکان اللغة الصوفیّة أنْ تنطلق وتحقّق الانعتاق لو لم تُقوِّض اللغة السائدة وتتجاوزها، ومن ثمّ تتجاوز المعاییر والأشکال المتوارثة؛ حتى تتمکّن تجربتها الثائرة الفوّارة من القفز على اللغة الباردة المسیّجة بالقیود والقواعد من کلّ اتّجاه. وبهذا حقّقت الصوفیّة "کتابـة" جدیدة؛ تتجاوز "نظام "اللغة السائدة إلى لغة "اللانظام "الذی یحتوی داخله على" نظام" خاصّ به غیر مألوف ولا متداول؛ إنّه نظام اللانظام: شکل جدید من الکتابة؛ وهو "الإبداع المتشکِّل عبر کلّ الأشکال، الرافض لأیّ شکلٍ أو نظام"[2].

لقد لعب مفهوم" الکشف" الصوفیّ أبلغ الأثر فی تطویر الفکر؛ کما فی الکتابة، فإذا لم یکنْ الصوفیّ یقتنع بما دون الوصول إلى لحظة الإشراق الآتیة بعد خرق الوجود الواقعیّ وکشف الأسرار؛ فإنّ لغته -بدورها- لا تقتنع بدون أنْ تدرک منطقة الکشف؛ حیث تغزو العوالم الجدیدة التی لا تقوى لغةٌ أخرى غیرها على کشفها، وبذلک تمکّنت من تجاوز الموروث الساکن؛ فکسرت الحدود واخترقت الأقنعة لتُشید لنفسها أشکالًا أخرى لا تقوى آلیّات "السائد" وأعرافه وقواعـده ومواده على بناء جدرانها؛ ومن ثمّ لا مجال لإعادة الأنموذج وتکراره؛ حتّى یتمّ التأسیس للوجود المتنوّع الجدید، والانخراط فی ذاکرة غریبة لا تسعها ذاکرة اللغة القدیمة، ولا تسع انفراجاتها وقیمها وتحوّلاتها ومفاهیمها.

لقد أنشأت الصوفیّة من داخل تجربتها لغةً متفجّرة متوتّرة مشرقة عنیفة وساحرة وقویّة؛ تعکس تفجّر الأحوال التی تعیشها وإشراقها، وتثیر عنفها وسحرها وقوّتها -کذلک- فی جوانب المقول الذی یأتی بنفسه فی لحظات غریبة عجیبة قد لا یشعر معها الصوفیّ بملفوظه؛ عندما یعانق ما یبحث عنه ویتّصل به. ومن هنا، ینفصـل عن عوالم الوجود وثبات الواقع فی لغةٍ تحتضن حرارة الإشراق الصوفیّ وسحره، وتَعْبُر مدارج الحلم لتفتح شلالات متدفّقة لا ینتهی هبوبها، ولا ینضب معین انفجارها وانطلاقها.. هی لغـةٌ تستعمل الحرف المعهود نفسه، ولکنّها تُکَثِّفه، وتعید إنتاجه من جدید؛ لتُلبِسه زُخرف القول وفتنته، فیمخر عُباب الیـمّ المتجدّد، ویحرّر العبارات من ثِقْل الخلاخل التی تعیق انطلاق الفواتن فی حرّیّة وخِفَّة حتّى تسرح کیف تشاء وأنَّى ترید، وبذلک "أسّست الصوفیّة لکتابة تملیها التجربة الذاتیّة داخل ثقافة تملیها معرفة دینیّة مؤسّساتیّة عامّة، غیر أنّها ظلّت کتابةً على هامش التاریخ الثقافیّ العربیّ، کتابة لا مکان لها، کأنّ أصحابها لم یکونوا یعیشون فی المکان؛ بل فی نصوصهم، وکأنّ النصّ بالنسبة إلیهم هو الوطنُ والواقع، وکأنّ الصوفیّ یتحرّک داخل هذا النصّ ویخلق به -وفیه- العالم الذی یعلم به، وکانت الکلمات مخابئ لدروبه وآفاقه ورموزه. بهذه الکتابة أخذ یتوجّه نحو الغیب ویحاوره، لکنْ عبر التجربة"[3] التی تهتک الحجب الواقعیّة، والوجود العیانیّ؛ مثلما تهتک الحجب اللغویّة الحائلة دون مرور التجربة کتابةً... إنّها سفر ومشاهدة وکشف، وکلّها تحتاج إلى لغةٍ من الطراز نفسه وبالأفق الممتدّ نفسه. ذلک ما تعکسه کتابات المتصوّفة؛ التی تجد لها أعلى أنموذج فی "مواقف "النفریّ و"مخاطباتــه"[4]، وفی کتابات ابن عربی، والتوحیدی، وابن الفارض، وغیرهم، حیث یبلغون باللغة أقسى ممکناتها، یداعبونها ویعیدون إنتاج أحرفها وکلماتها وجملها وتراکیبها؛ ناهیک عن معانیها وشکلها الذی یغدو تألیفًا جدیدًا یقتحم النثر لیخَضِّبه بقوّة الشــعر وحیویّته؛ ویزرکشه بأجمل الصور فی إیقاع رقیق. إنّ النفری- وغیره- إنّما یشکّل فی نصوصه "قطیعة کاملة مع الموروث فی مختلف أشکاله وتجلّیاته... وبهذه القطیعة یجدّد الطاقة الإبداعیّة العربیّة، ویجدّد اللغة الشعریّة فی آن. إنّه یکتب التاریخ برؤیا القلب ونشوة اللغة... یرفع الکتابة الشعریّة إلى مستوى لم تعرفه قبله، فـی أبهى وأغرب ما تتیحـه اللغة. وللمرّة الأولى نرى فیه قلق الإنسان وتعطّشه وتساؤله، أمواجًا تتصادم جزْرًا ومدًّا، فی حرکةٍ من الغیاب والحضور فی أبدیّة من النور"[5].

وتجدر الإشارة إلى أنّ ثمّة فرقًا بین أنْ یصبّ الصوفیّ تجربته فی قالب شعریّ خاضع للمواضعات النقدیّة القدیمة -وأهمّها الوزن والقافیة -وبین أنْ یکتبها فی قالبٍ مغایرٍ یخترق تلک المواضعات، ویتجاوز الحدود ویتعدّاها، وربّما کان القول وفق الشکل الشعریّ العمودیّ یقرّبه إلى الشعر؛ بل یجعله کلامًا شعریًّا، ومن ثمّ فهو مبنیّ بالتلازم على الخیال والاستعارة والمجاز. ومن هنا، سیتمّ" التساهل" مع موردات هذا البیت أو ذاک، واعتبار کلام الصوفیّ مندرجًا ضمن الکلام الخیالیّ. وما دام الکذب صفة لصیقة وملازمة للشعر؛ والشعر "أعذبه أکذبه"، فالصوفیّ -هنا- شاعر، والشاعر لا یُطلَب منه الصدق؛ وإنّما جودة اللفظ وروعة المعنى وجمال الصورة، وهذا ما یتوفّر فی تلک النصوص المحافظة على الوزن والقافیة، فلم یجد بعض النقّاد حرجًا فی تناول بعضها أو بعض أبیاتها.

إنّ هذا الأمر یختلف- ونحن لسنا هنا فی حاجة إلى "محاکمة" –!حین یکتب الصوفیّ ویترجم تجربته الروحیّة فی شکل" کتابة " جدیدة تتحقّق على شاکلة کتابة الکلام" المنثور"، الذی هو کلام العقل والمنطق والوضوح. وهنا ترتجّ المعاییر وتختلّ الموازین، فهل کان المتصوّفة وَاعین بهذا البُعد الدقیق والعمیق وبهذا الانقلاب الخطیر الذی قاموا به؟!

لقد تمّ إقصاء هذه "الکتابات" من دائرة الشعریّة العربیّة، ولم یتمّ تداولها لا ضمن أشکال الشعر، ولا أشکال النثر، ولم یستطع النقد ولا البلاغة، إیجاد معاییر ومقاییس یتمّ على ضوئها دراسة هذا الشکل الجدیـد "المشاغب"؛ فلا هو بنثر خالص یخاطب العقل ویعرض الفکرة بوضوح ومباشرة، ولا هو بشعر موافق لما تعارف علیه الناس جمیعًا، وخاضعٍ لتنظیرات المنجز الشعریّ المألوف والمقنّن وحدوده.

وهنا وقع الاختلال، وتعذّر وجود المعیار وإیجاده، وربّما  لهذا کلّه کان السکوت أفضل جواب من قِبَل العلماء والنقّاد والبلاغیّین؛ إذ عند الصدمة لا نجد ما نقول غیر أنْ نلوذ بالصمت؛ وأحیانًا أخرى نعبّر بواسطته عن رفضنا وإقصائنا للکائن. وقد یکون للنظرة السیاسیّة والاجتماعیّة السائدة تجاه المتصوّفة عمومًا أثر فی إبعاد نصوصهم و"هلوساتهم"، بعدما تمّ إقصاؤهم، هم أنفسهم، وإدراجهم ضمن المغضوب علیهم من قِبَل السلطان والفقهاء وسائر الرعیّة، ونبذهم أو إلقاء بعضهم إلى الجحیم بعد رفض تقدیم  "التوبة" والتبرّؤ من تلک الحالة التی یعیشها، حتّى "ینفصل" عن نفسه!

إنّ «الصوفیّ شاعر، سواء نظم القول أم نثر؛ فأداة الإدراک عنده هی نفسها عند الشاعر، والمعین الذی یستقی منه هو نفسه المعین الذی منه یستقی الشاعر، والوسیلة التشبیهیّة هی نفسها وسیلة الشاعر.

فأمّا أداة الإدراک عندهما فهی الذوق، أو هی الحدس الصادق، أو الرؤیة المباشرة التی تواجه الحقّ مواجهة لا تدعْ لصاحبها حاجةً إلى إقامة البرهان، وأمّا المعین الذی یستقیان منه معًا فهو الذات من باطن، وعندئذ لا یکون الناظر إلى خارج الظاهر إلا بمقدار ما یعین صاحبه على بلوغ صمیم ذاته. وأمّا الوسیلة التشبیهیّة التی یستخدمها الصوفیّ والشاعر معًا فهی الألفاظ التی توحی ولا تحدّد، وتحرّک ولا تقطع،  ثمّ هی الصور التی ینحتها صاحبها نحتًا لیمثّل فیها الحقّ؛ وکأنّما هو من قبیل الواقع المشهود، فلا عجب أنْ نرى الصوفیّ غیر مقتصر فی تعبیره الوجدانیّ عن المضمون الشعریّ وحده؛ بل نراه -أحیانًا- یصوغ ذلک المضمون صیاغة الشـاعر فـی وزن وقافیة"[6].

یقول النفری فی الموقف "55" المعنون بـ"موقف بین یدیه": «أوقفنی بین یدیه وقال لی: اجعل الحرف وراءک؛ وإلا ما تفلح أخذک إلیه، وقال لی: الحرف حجاب، وکلّیة الحرف حجاب، وفرعیة الحرف حجاب.وقال لی: لا یعرفنی الحرف، ولا ما فی الحرف، ولا ما من الحرف، ولا ما یدلّ علیه الحرف. وقال لی: المعنى الذی یخبر به الحرف حرف، والطریق الذی یهدی إلیه حرف..."[7].

فکیف یعجز الحرف عن حمل صاحبه؟ وکیف تضیق اللغة بأهلها؟ ذلک ما یعبّر عنه النفری. وما دام الحرف حجابًا، فاللغة لم تعد قنطرة لعبور الکلام، والحرف ما عاد حبلًا یشدّ أطراف الجسر الممتدّ فوق الماء وفوق النهر المتدفّق. فکیف السبیل -إذًا- إلى هتک الحجاب وتجاوز الحائل؟!

وتأتی لحظة التوتّر ویقوّض الصوفی عالم اللغة؛ کما یقوّض عالم الوجود وعالم الحقیقة، ویقوّض -أیضًا- المفاهیم و"المعنى"، ثمّ یعید البناء، وأوّل ما یبدأ به -بعد بناء عالم الغیب والاتّحاد- تشیید لغة تتّسع للحظة السحر والانفتاح التی یعیشها... تلک اللحظة التی لا توافقها سوى لغة السحر والانطلاق والانعتاق. إنّها لغة الشعر، لکنْ غیر المألوف، لغة تتحرّک وتتغیّر وتتحوّل وتنمو لتَسَعَ انصراف الصوفیّ إلى "کونه" الجدید، تکافح الموروث، وتنشر أنوارها، کلّما مرّت على عاشق بلّلتْه المواعید وهیَّمتْه الجواهر لا الأعراض، وتحافظ على التماسک داخل التنافر، والاتّصال داخل الانفصال، والوحدة داخل التعدّد:

                             من هذا الذی وفى فندم؟

                             من هذا الذی صفا فقدم؟

                             من هذا الذی طلع فغاب؟

                             من هذا الذی طمع فخاب؟

                             من هذا الذی وصل فانقطع؟

                             من هذا الذی رفع فاتّضع؟

                             من هذا الذی أشار فثاب؟

                             عرف فغاب؟[8]

لم تتّسع اللغة والعبارة لطموحات الصوفیّ وخیاله وعوالمه الفسیحة وتجربته الواسعة، فشکّلت حجابًا حاول تجاوزه، وعمل على هتک حجاب هذه اللغة وتفجیرها حتى تَسع التجربة التی یعیشها فی لحظات إشراقه ومقامات وصوله وکشوفاته. وإذا أضیف على هذه اللغة عنصر الانتظام داخل "سیاج" الوزن والقافیة، المحدَّد سلفًا، والجاهز بوصفه قالبًا صارمًا متینًا صعب التجاوز، کان الحجْر أکبر، وضاقت العبارة عن المقول الذی یطمح الصوفیّ إلى التعبیر بواسطته عن تجربته. ومن هنا، یصرّح النفری: "الحرف یعجز أن یخبر عن نفسه فکیف یخبر عنّی؟"[9]، فکان لا بدّ للصوفیّة، على الرغم من أنّ بعضهم صبّوا کثیرًا من تجاربهم فی هذا القالب الشعریّ القدیم، من أن یتمرّدوا علیه، ویتجاوزوا الحدود الفاصلة التی باعدت الشعر عن النثر، فضیّقوا حدودهما، وآلفوا بینها؛ لأنّ "الشاعر" أکبر من العَروض؛ کما صرّح أبو العتاهیة یومًا، ولحقه فی ذلک الصوفیّة؛ حین ضاقت القوالب عن تجاربهم، وحین اتّسعت رؤیتهم، فضاقت عنهم العبارة.

یقول النفری فی "موقف نور": "أوقفنی فی نور وقال لی: لا أقبضه، ولا أبسطه، ولا أطویه، ولا أنشره، ولا أخفیه، ولا أظهره، وقال: یا نور انقبض، وانبسط، وانطو، وانتشر، واخفَ، واظهرْ، فانقبض، وانبسط، وانطوى، وانتشر، وخفی، وظهر، ورأیت حقیقة لا أقبض، وحقیقة یا نور انقبض"[10].

ویبلغ النفری باللغة أقصى ممکناتها، یداعبها ویعید إنتاج أحرفها وکلماتها وجملها وتراکیبها؛ ناهیک عن معانیها وشکلها الذی یغدو تألیفًا جدیدًا یقتحم النثر؛ لیُخَضِّبه بقوّة الشعر وحیویّته، ویزرکشه بأجمل الصور، فی إیقاعٍ رقیق. إنّ النفری -وغیره- فی نصوصه؛ إنّما یشکّل "قطیعة کاملة مع الموروث فی مختلف أشکاله وتجلّیاته... وبهذه القطیعة یجدّد الطاقة الإبداعیّة العربیّة ویجدّد اللغة الشعریّة فی آن. إنّه یکتب التاریخ برؤیا القلب ونشوة اللغة، یرفع الکتابة الشعریّة إلى مستوًى لم تعرفه قبله، فی أبهى ما تتیحه اللغة وأغربه. وللمرّة الأولى نرى فیه قلق الإنسان وتعطّشه وتساؤله، أمواجًا تتصادم جزْرًا ومدًّا، فی حرکةٍ من الغیاب والحضور فی أبدیّة من النور.

ولعلّ أعمق ما یمیّز شعریّة هذا النصّ هو أنّ تفجّر الفکر فیه إنّما هو تفجّر اللغة نفسها"[11].  

 

ثانیًا: اللغة بین الخیالوالرمزوالإشارة:

یؤسّس الصوفیّة لعالم جدید یتجاوز الواقع إلى الخیال ویسمو به وعلیه؛ لأنّ الواقع ضیّق محدود؛ یقف حائلًا دون الإبداع والتجاوز، بل إنّ الصوفیّ یقلب الموازین المتعارفة؛ لیؤکّد أنّ الخیال هو الأصل لا الواقع... هو الجوهر لا العرضی. یقول جلال الدین الرومی: "إنّ الخیال فی الروح؛ مثل العدم. [ومع هذا] فلتنظر إلى هذا العالم، کیف إنّه یدور على الخیال! فعلى الخیال یقوم ما بین الناس من صلح أو صراع، ومن الخیال ما یعدّه الناس فخرًا وما یعدّونه عارًا، ولکنّ هذه الخیالات التی هی حبائل للأولیاء لیست إلا صورة للحسان فی بستان الله"[12].

فالخیال لیس مجرّد شیء متعالٍ هلامیّ لا واقعیّ؛ وإنّما هو جوهر أساس فی الوجود، والأساس الذی علیه بُنِی وعلیه یُبنى، ولکنّ کثیرًا من الناس غافلون عنه، ولیس لدیهم الآلیّات وقوّة الحواس والإدراک الذی یُخَوِّلهم الوصول إلیه ومعرفة کُنْهه؛ ولذلک تمّ إقصاؤه عن العالم الواقعیّ العقلانیّ، وقیل إنّ العالم الشعریّ مبنیٌّ أساسًا على اللاواقعیّ واللاعقلانیّ؛ وفی ذلک دعـوة إلى ترکه والابتعاد عنه، وفی أحسن الأحوال أخذه باعتباره مجرّد خطاب "وهمی" للتلذّذ والتسلّی بصوره الخیالیّة وجمالیّته "اللامعرفیّة"؛ أو هو مجرّد هلوسات اتّفقت لأصحابها؛ کما تتّفق لمجانین الناس وحمقاهم!

فما رام إلیه الصوفیّة وحاولوا الوصول إلیه هو هدم الثنائیّة بین: الواقع والخیال، أو الظاهر والباطن، وهی الثنائیّة التی سَیَّجَت أکثر الفکر العربیّ الإسلامیّ، وعلى أساسها بُنیت أکثر العلوم، وشُیِّدت صروح الثقافة الإسلامیّة ومعارفها التی اعتبرت -فی أغلبها -الفکر الصوفیّ جنایةً کبیرةً على هذه الثقافة؛ لأنّه لا مجال للحدیث عن الکشف، والإشراق، وهتک السرّ، وغیرها من مصطلحات "الباطن"، من منطلق أنّ مجال الفکر ومنطلقه هو العقل، وهو لا یقرّ بذلک.

ومن ثمّ انبرى کبار الصوفیّة لیردّوا على هذه الادّعاءات، ولیؤکّدوا أنّ مصدر إنتاج المعرفة حقیقةً  هو القلب، لا العقل؛ لأنّه القوّة الخلّاقة التی تحوی أسرار الکون، ولأنّه مرکز انطلاق المعارف، فی الوقت نفسه الذی یشکّل فیه مرکز الجسد ومنبع حیاته وصمام حرکته، والعقل -أحیانًا- یحول بین "الإنسان"  وبین الوصول إلى "الحقیقة"؛ فالواقع  المحسوس إنّما یحجب "قلب" الصوفیّ وروحه عن معانقة الحقیقة. یقول جلال الدین الرومی، متحدّثًا عن الصوفیّة:" فکلٌّ من هؤلاء کان یرفض کلّ محسوس، ولا یستمسک إلاّ بما خفی (عن الحواس)، فعشقه ظاهر أمّا معشوقه فمحتجب، والحبیب فی الخارج، وأمّا الافتتان به ففی الدنیا. فلتتحرّر من کلّ عشق للصور، حتّى لا یکون لک تعشّق لصورة، ولا لوجه امرأة، فالصورة لیست هی المعشوق، وسواء فی ذلک أکان العشق دنیویًّا أم أخرویًّا، فذلک الذی تعشقه من أجل صورته، لماذا تخلّیت عنه حینما فارقته الروح؟ إنّ الصورة لم تبرح مکانها، فلماذا هذا الانصراف؟ أیها العاشق! ألا، فلتعد إلى البحث عن معشوقک الحقّ!...        إنّ نور الشمس قد أشرق فوق جدار، فاکتسب الجدار منها نورًا مستعارًا، فکیف سخَّرْتَ قلبک لجدار من اللَّبِن، أیّها الغِر؟ ألا فلتطلب الأصل الذی یضیء على الدوام.  وأنت أیها المتعشّق لعقله، یا من رأیتَ نفسک أعظم من عُبّاد الصورة !اعلم أنّ نور حسّک قبسٌ مستعار من نور العقل الکلّیّ. إنّه ذهبٌ أشرق فوق نحاسک"[13].

إنّ ما یعیشه الإنسان فی واقعه المحسوس یحول دون "الوصول "إلى عالمه الحقیق الذی یُعدّ أقصى ما یطمح الصوفیّ الوصول إلیه، ولذلک، فإنّـه یخوض تجربته القاسیـة؛ لیُمیت الجسد، ویعطّل الأعضاء کلّها؛ ما عـدا القلب الـذی -بعد موت الجسد بأکمله- یخلو له الجوّ لمعانقة الوجود الحقیقیّ بنفسه؛ لزوال الحواجز والعوائق. وهذه تجربة لیست یسیرة ولا سهلة؛ لأنّ علوم الأحوال" لا سبیل إلیها إلا بالذوق، فلا یقدر عاقل على أن یحُدَّها، ولا أن یقیم على معرفتها دلیلًا البتة؛ کالعلم بحلاوة العسل، ومرارة الصبر، ولذّة الجماع والعشق والوجد والشوق .(...) فهذه علوم من المحال أنْ یعلمها أحد إلا بأن یتّصف بها ویتذوّقها"[14]، فعلم الأحوال "فوق طاقة العقل؛ علم التجربة المتعالیة واللانهائیّة؛ لا مجال للعقل لأنْ یخوض فیه أو یدلو بدلوه، حیث یصبح عاجزًا قاصرًا عن السموّ إلى لحظات الذوق والعشق وأقصى درجات الحبّ والهیام التی تتجاوز الحسّ؛ بعدما تزول جمیع الموانع، ویتوحّد الوجود داخل "الأنا" الواحد المتوحّد، وهی تجربة تندرج -أیضًا- ضمن علم الأسرار؛ العلم الذی فوق طور العقل، وهو علم نفث روح القدُس فی الروع، یختصّ به النبیّ والولیّ  (…)العالم به یعلم العلوم کلّها ویستغرقها  (…)فلا علم أشرف من هذا العلم المحیط، الحاوی على جمیع المعلومات"[15]، وبذلک یظلّ سرًّا خاصًّا جدًّا بین النبیّ أو الولیّ؛ من جهة، والله؛ من جهة أخرى.

وهذا الطقس السحریّ لا یُعبّر عنه إلا بالمجاز المتّصل بجوهر اللاعقل الخارق لنوم الکلمات وبرودتها؛ حیث "تکمن شعریّة المجاز فی لامرجعیّته؛ أی کونه ابتکارًا؛ کأنّه بدایة دائمة ولا ماضی له، وهو بوصفه طاقة لتولید الأسئلة یجدّد الإنسان؛ فیما یجدّد الفکر واللغة، والعلاقة بالأشیاء... إنّه حرکة نفیٍ للموجود الراهن بحثًا عن وجود آخر، فکلّ مجاز تجاوُز؛ کما إنّ اللغة فیه تجوز نفسها، فإنّ الواقع الذی تفصح عنه یجوز نفسه، عبرها، هو أیضًا. هکذا یصلنا المجاز بالبعد الآخر للأشیاء، فی بعدها اللامرئی"[16] الذی تمنحه الکلمات وجهًا غیر مألوف فی البنیة الشعریّة العربیّة، حیث تتعالق الفضاءات المدهشة القلقة والمقلقة؛ لتعطی للفکر؛ کما للکون، بعدًا مجازیًّا تتجدّد معه اللغة نفسها والرمز، وتتوحّد الوجوه المتنافرة أحیانًا.

یقول أبو حیّان التوحیدیّ:

"یا هذا:         

انظر إلى زینة الکون مستطرفًا

وفکّر فی دواوین مملکته مستعرفًا

وانتبه عن رقدتک متخوّفًا

ثمّ انتبه فی انتباهک متوقّفًا

ثمّ احکم على نفسک مترفرفًا

ولن یفتح لک باب ولا یبسط لک البساط

حتّى تصحب کونک بفراق کونک

وتبید فی عینک عن عینک

وتنأى عن شاهد زیْنک وشَیْنک

وتمحو أثر المکان فی أیْنک"[17].

ربّما أراد أبو حیّان فی هذه الکلمات أن یبرهن لنا أنّ الکون الذی نعیش فیه هو غیر الکون فی الحقیقة، وبالتالی لا بدّ من أن ننتقل عبر المجاز إلى هذه الزینة الکونیّة المتجدّدة، التی لا ندرکها إلا بعد الانتباه من الرقدة التی خنْدَقْنا النفس فیها.

إنّ عنصر الإدراک -هنا- مقرونٌ بأنْ ترفرف النفس وتقتحم لحظة توقّفها على شفا طریق إسمنتی مجانب، وهو ما یحدّ من الانطلاق، ویعیق السفر فی دواوین المملکة الإلهیّة. ولذلک، جمع التوحیدیّ متناقضات عدّة، وعمل على توحیدها، ونفى التنافر بینها، على غیر ما درجت علیه البلاغة العربیّة؛ عندما تجهد نفسها فی البحث عن عناصر التشابه وقرائن الوحدة. وکما لا تستطیع تأمّل الصورة إلا باختراق الحجب التی قد تسیّج لغتها وتنشر الغبش على أطراف الحروف والکلمات؛ کذلک على القارئ فی هذا الباب أنْ یقیم بنفسه داخل عرین الصورة لیتذوّقها ویعیشها؛ لا لیفهمها، "یحدّها" و"یمنطقها".

یقول التوحیدیّ فی نصّ آخر:

"یا هذا:

أما لک خاطر فی هذه البلاد؟

أما لک رائد فی هذه المراد؟

أما لک بیاض فی هذه السواد؟

أما لک شوق إلى هذا الانقیاد؟

أما لک حیاء من هذا الارتداء؟

أما لک سکون عن هذا الاعتداء؟

أما لک لین عن هذا الانشداد؟"[18].

ویدخل أبو حیّان عوالم التأمّل والاستبطان، ویتجاوز المناجاة الباردة المباشرة؛ لیخلق داخل أسئلته عالمًا من الألفاظ یصعب إلا أنْ تتآلف داخله. وینسج أبو حیّان لنفسه "بلادًا"، ثمّ یشرع فی رسم معالمها وزرکشة مفاصلها ومهادها وودیانها؛ وذلک "مراده"، ثمّ بعد هذا ینشد السکون، ویزیل عن "بلاده" التی شیّدها مواطن الارتداد وشواغل الجسد والأشیاء؛ لیسکن فیها أخیرًا؛ بعدما أشاع البیاض فی سوادها، ونشر فی ربوعها کلّ ألوان الشوق، ونقل خاطره لیسیح فی رحاب العشق والوجد؛ ولتطمئنّ النفس وتسکن فی نفسها وتأنس بأنسها:

                   "وانثر عن کاهلک کلّ ما أثقلک فی مقصدک

                   وکن لنفسک بنفسک

                   تجد أنسک فی أنسک"[19].

وبذلک تتحقّق الوحدة، ویحلّ الواحد فی الواحد. هذه الوحدة وهذا الحلول لا یعبّر عنهما سوى لغة حلولیّة أیضًا؛ لغة رمزیّة إشاریّة تصرف المعانی الظاهرة إلى معانٍ متعالیة رمزیّة روحیّة وجدانیّة وباطنیّة.

"إنّ الصوفیّ یوحِّد الکون کلّه فی کیانٍ واحدٍ لا یقبل الانقسام ولا التجزئة ولا التحلیل، فوهم الحواس هو الذی یحملنا على الظنّ بأنّنا نعیش فی عالمٍ من کثرة: فأجناس کثیرة، وأنواع متباینة، ثمّ أفراد لا یحصیها العدّ، فتتوهّم أنّ کلّ کائن من هذه الکائنات وحدة قائمة بذاتها ترتبط مع سواها بعلاقات مختلفة، ولکنّ الصوفیّ برؤیته النافذة إلى ما تخفیه الظواهر لا یلبث أنْ یرى حقیقة واحدة لا تعدّد فیها، وإنْ تعدّدت تجلّیاتها"[20].

ویحاول أبو حیّان التوحیدیّ أنْ یعبّر عن ذلک، فیقول: "یا هذا، لو توحّدْتُ عن کثرتی، أو تفرّدتُ عن صحبتی، أو لزمتُ حجّتی بدل شبهتی، أو فرضتُ شهوتی على شدّة شهوتی لأبصرت الطریق واضحًا، وکان دعائی إلیک بعد سبقی إلى الإجابة، ونصحی إیّاک بعد انتصاحی لمن عداک، ولکنّی ممنُو مبلُو منحو وممحو؛ ممنو بنفسی، ومبلو بجنسی، منحو بعادتی، ممحو بآفتی، فلهذا قد أصبحت مفضوحًا عند کلّ ناظر إلیّ وواقف علیّ، وصرت علمًا لدى الخلق بالدعوى العاریة من البرهان والحجّة الملفّقة بلا بیان. إنْ استترت ذُکرت، وإنْ انتشرت شهرت..."[21].

ویتوجّه التوحیدیّ إلى مخاطَبه فی محاولة لتعلیمه؛ کما یقف الشیخ أمام مریده، لکنّ مرید التوحیدیّ لا زال غرًّا فی بدایة الطریق، ولذلک فهو یعمل جاهدًا على بسط بعض "الأحوال" إلیه، على الرغم من أنّها لا یمکن التعبیر عنها، ومن ثمّ یصعب إیصال هذا "الحلول" أو"الوحدة" التی هی أساس العالم، بوصفه کلًّا، بما فیه الصوفیّ نفسه الذی غدا ممحوًّا عن الوجود، متوحّدًا بالخالق، فکیف ستسعفه العبارة واللغة العاریة؛ لکی ینقل تجربة تُعاش ولا تخضع للمقاییس ولا للعقل ولا للمنطق أو الحجّة أو البیان.

إذًا، فلا بدّ من لغة "الستر" التی لا تنتشر، ولا تشتهر، أو تشهر.

 

خاتمة:

إنّ الخیال الذی یعیشه المتصوّفة ویشهدونه ویعانونه لا یُعبَّر عنه إلا بلغة الخیال الذی لا یقرأه إلا أهله، ولذلک عبّروا عنه بالرمز والمجاز والإشارة؛ یصُبّون عبرها تجاربهم الروحیّة والذوقیّة، وحالاتهم الوجدانیّة، وإشراقاتهم وفیوضاتهم، ویعملون على تطویر هذه اللغة التی وظّفوها وعاشوا فیها عوالمهم،؛کما صعدوا بها لتعیش، هی نفسها، تلک التجربة معهم، ولاسیّما عندما یعلو مقام الروح والوجدان على العقل، ومقام الشعور والخیال عن الحس والواقع علوًّا کبیرًا لا تستطیع لغة أنْ تقبض على جمره؛ إلا لغة الخیال نفسه، والرمز والإشارة، لغة تستوعب "لطائف الأسرار"، وکتابةٌ تسافر عبرها المعانی والجسور، فـ"تذوب الأنا واللاأنا فی حرکة جدلیّة تحوّل الإنسان نفسه إلى حرکة استبطان الوجود والتماهی مع أسراره. ومن هنا، تبدو هذه الکتابة أبعد من أدبیّة المکان... تبدو کأنّها کلام یقبض على ما وراء الطبیعة... کأنّها طقس سحریّ فی ما وراء الکلام"[22]، یؤدّی بالصوفیّ إلى أنْ یستخدم لغته الخاصّة "لا لکی یعبّر بالکلمات؛ فهذه عاجزة، وإنّما لکی یعبّر بما یقدر أنْ ینسج بها من علاقات هی رموز وإشارات. اللغة -هنا- جوهریًّا مجازیّة، إنّها تخرج ما تفیده الکلمات عن موضعه من العقل إلى مـا لا یمکن فهمه إلا تأویلًا. لذلک تبدو الکلمات مغمورة بما لا یحَدَّد، وما تنقله لیس فیها،؛بل هو فی ما یختبئ وراءها، فکأنّها، بشکل مفارق، تعبّر عمّا لا تقدر أنْ تعبّر عنه"[23].

لقد عبّر المتصوّفة شعرًا؛ کما عبّروا  "نثرًا"، لکنْ من الطریف أنْ نجد کثیرًا منهم" شعراء" فی کتاباتهم "النثریّة" أکثر ممّا هم علیه فی شعرهم العمودیّ المعهود، وآفاق الخیال فی الأولى ربّما تکون -فی کثیرٍ من النماذج- أرحب وأوسع منها فی "قصائدهم" ومقطوعاتهم المنظومة، ولنا فی محیی الدین بن عربی خیر مثال؛ ناهیک عن أنّه -هو نفسه- کتب نصوصًا "نثریة " (الفتوحات المکّیّة)؛ کما کتب دیوان "ترجمان الأشواق"؛ وهو شعرٌ کلّه. وأکثر من ذلک؛ فقد ألّف "لطائف الأسرار" الذی مزج فیه الشعر مع النثر، وقسّمه إلى "54" بابًا؛ کلّ باب یُفتتَح بنصّ شعریّ، ثمّ یلیه نصّ نثریّ؛ فی عناق خاصّ ومتآلف.

لم تعجز الأشکال الصوفیّة عن البوح بأسرارهم وکشوفاتهم، ولذلک لم یأبوها إلا إلى اللغة التی عملوا على تفجیرها والانتقال بها إلى أعلى ما یمکن أن تصله من أفق ممتدّ.

إنّ اللغة فی الخطاب الصوفیّ تظلّ تتشعّب وتنمو وتتطوّر، فتوحّد بین علوم ومعارف متعدّدة، لترصد خلجات النفس؛ وهی تعیش حالة وجودیّة خاصّة، تعید النظر فی اللغة (الحامل)، کما تعید النظر فی المحمول؛ ما یدفعنا إلى إعادة النظر فی المواضعات النقدیّة والفکریّة المألوفة لدراسة النصّ ولغته وأبعاده. وهو الأمر الذی یجعل النصّ الصوفیّ دائم التجدّد، لا یزیده الزمان سوى بهاءً واستشکالًا -أحیانًا- إذا ما استمرّینا فی قراءته بالآلیّات نفسها التی نقرأ بها نصوصًا أخرى.



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2] سعید، علی أحمد (أدونیس): "تأسیس کتابة جدیدة3"، مجلة مواقف، العدد17-18، أیلول /کانون الأوّل 1971م، ص7.    

[3] أدونیس: "الصوفیّة والسوریالیّة"، ط1، لندن؛ بیروت، دار الساقی، 1992م، ص115.

[4] انظر: النفری، محمد بن عبد الجبار: المواقف والمخاطبات، تحقیق: آرتر أربی، تقدیم وتعلیق: عبد القادر محمود، ط1، الهیئة المصریّة للکتاب، 1985م، ص151.

[5] أدونیس: الشعریّة العربیّة، ط1، بیروت، دار الآداب، 1985م، ص66.

[6] محمود، نجیب زکی: مع الشعراء، ط2،  القاهرة؛ بیروت، دار الشروق، 1400هـ.ق/ 1980، ص217.

[7] النفری، المواقف والمخاطبات، م.س، ص151.

[8] التوحیدیّ، أبو حیّان: الإشارات الإلهیّة، تحقیق: وداد القاضی، ط2، بیروت، دار الثقافة، 1402ه.ق/ 1982م، ص44.

[9] النفری، المواقف والمخاطبات، م.س، ص60.

 

[10] النفری، المواقف والمخاطبات، م.س، ص134.

[11] أدونیس، الشعریّة العربیّة، م.س، ص66.

[12] الرومیّ، جلال الدین: مثنوی، ترجمة وشرح ودراسة: محمد عبد السلام کفانی، صیدا؛ بیروت، منشورات المکتبة العصریّة، 1966م، الکتاب الأوّل، ص79.

[13] الرومیّ، مثنوی، م.س، ص84-85.

[14] ابن عربی، محیی الدین: "الفتوحات المکّیّة"، تحقیق وتقدیم: عثمان یحیى، تصدیر ومراجعة: إبراهیم مذکور، الهیئة المصریّة للکتاب، 1405هـ.ق/ 1985م، الجزء الأوّل، ص139.

[15] م.ن، ص140.

[16] أدونیس، الصوفیّة والسوریالیّة، م.س، ص144.

[17] التوحیدیّ، الإشارات الإلهیّة، م.س، ص111-112.

[18] م.ن، ص123.

[19] التوحیدیّ، الإشارات الإلهیّة، م.س، ص123.

[20] محمود، زکی نجیب: "المعقول واللامعقول فی تراثنا الفکریّ"، ط4، القاهرة، دار الشروق، 1408هـ.ق/ 1987م، ص379.

[21] التوحیدیّ، الإشارات الإلهیّة، م.س، ص104.

[22] أدونیس، الصوفیّة والسوریالیّة، م.س، ص142-143.

[23] أدونیس، الشعریّة العربیّة، م.س، ص65.

[1] سعید، علی أحمد (أدونیس): "تأسیسکتابةجدیدة3"،مجلة مواقف،العدد17-18، أیلول /کانونالأوّل 1971م، ص7.    
[1]أدونیس: "الصوفیّة والسوریالیّة"، ط1، لندن؛ بیروت، دار الساقی، 1992م، ص115.
[1]انظر:النفری،محمدبنعبدالجبار: المواقفوالمخاطبات،تحقیق: آرترأربی، تقدیموتعلیق: عبدالقادرمحمود، ط1، الهیئةالمصریّةللکتاب،1985م، ص151.
[1] أدونیس: الشعریّةالعربیّة، ط1، بیروت، دارالآداب، 1985م، ص66.
[1] محمود، نجیبزکی: معالشعراء، ط2، القاهرة؛ بیروت، دارالشروق، 1400هـ.ق/ 1980، ص217.
[1] النفری، المواقفوالمخاطبات، م.س، ص151.
[1] التوحیدیّ، أبو حیّان: الإشارات الإلهیّة، تحقیق: وداد القاضی، ط2، بیروت، دار الثقافة، 1402ه.ق/ 1982م، ص44.
[1] النفری، المواقفوالمخاطبات، م.س، ص60.
 
[1] النفری، المواقفوالمخاطبات، م.س، ص134.
[1]أدونیس، الشعریّةالعربیّة، م.س، ص66.
[1]الرومیّ، جلالالدین:مثنوی، ترجمةوشرحودراسة: محمدعبدالسلامکفانی، صیدا؛ بیروت، منشوراتالمکتبةالعصریّة، 1966م، الکتابالأوّل، ص79.
[1]الرومیّ، مثنوی، م.س،ص84-85.
[1]ابنعربی، محییالدین: "الفتوحاتالمکّیّة"، تحقیقوتقدیم: عثمانیحیى،تصدیرومراجعة: إبراهیممذکور،الهیئةالمصریّةللکتاب، 1405هـ.ق/ 1985م، الجزء الأوّل، ص139.
[1]م.ن، ص140.
[1]أدونیس، الصوفیّة والسوریالیّة، م.س، ص144.
[1] التوحیدیّ، الإشارات الإلهیّة، م.س، ص111-112.
[1]م.ن، ص123.
[1]التوحیدیّ، الإشارات الإلهیّة، م.س، ص123.
[1] محمود، زکی نجیب: "المعقول واللامعقول فی تراثنا الفکریّ"، ط4، القاهرة، دار الشروق، 1408هـ.ق/ 1987م، ص379.
[1]التوحیدیّ، الإشارات الإلهیّة، م.س، ص104.
[1]أدونیس،الصوفیّةوالسوریالیّة، م.س، ص142-143.
[1] أدونیس، الشعریّةالعربیّة، م.س، ص65.