مسألة الحاکمیَّة.. من أجل تجاوز إشکالات المفهوم

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

اختلف المفکّرون الإسلامیّون المعاصرون حول تحدید مفهوم الحاکمیّة وتأصیله؛ لما یواجهه هذا المفهوم من أزمة، وما یکتنفه من غموض على مستوى النشأة والتنظیر، فضلًا عن النتائج العلمیّة والعملیّة التی رُتِّبَت على أساسه. ولهذا اختلفت أسالیب التعامل معه؛ بین ناظرٍ إلیه؛ باعتباره مفهومًا مصدره الشریعة، وبین معتبرٍ له مفهومًا فکریًّا مصدره الإنتاج العقلیّ البشریّ. وعلى هذا الأساس کانت التنظیرات الفکریّة لهذا المفهوم متباینة؛ انطلاقًا من الظروف الفکریّة، والملابسات الواقعیّة التی عاشها کلّ مفکِّر، وبقی هذا المفهوم، بدلالاته ومعانیه التی استقرّت، أساسًا للتحرّک، ومرجعًا للفکر، ومستندًا لکثیرٍ من التفسیرات المختلفة.
ولا یدّعی الباحث من خلال هذه المقالة، أنّه سیحلّ کلّ الإشکالات المرتبطة بمفهوم "الحاکمیّة"، ومن ثمّ إنهاء کلّ نزاع أو جدل صَاحَب المفهوم؛ قدیمًا وحدیثًا، فالأمر على قدرٍ کبیرٍ من الخطورة؛ بالنظر إلى تأثیرات المفهوم العملیّة الواقعیّة. ولکنْ یبقى البحث محاولة لوضع المفهوم فی مکانه الصحیح من المنظومة المعرفیّة الإسلامیّة، وتخلیص المفهوم من معانیه التحریضیّة التی استُخدِمَت لتبریر کلّ الأعمال الإرهابیّة وأعمال العنف، من طرف مَنْ تبنّوه بدلالاته تلک داخل الأقطار الإسلامیّة وخارجها على حدّ سواء.
         

نقاط رئيسية

أولًا: مسألة الحاکمیَّة وسوء الفهم.. السیاق التاریخیّ

ثانیًا: الحاکمیَّة بوصفها مفهومًا تحریضیًّا أو التوظیف الإیدیولوجیّ لمفهوم الحاکمیَّة.

ثالثًا: من الحاکمیَّة الإلهیَّة إلى حاکمیَّة القیم

1.             معانی الحاکمیَّة فی اللغة

2.             الحاکمیَّة فی القرآن والسنَّة

الكلمات الرئيسية


مسألة الحاکمیّة.. من أجل تجاوز إشکالات المفهوم[1]

الدکتور محمد الناصری[2]

خلاصة المقالة:

اختلف المفکّرون الإسلامیّون المعاصرون حول تحدید مفهوم الحاکمیّة وتأصیله؛ لما یواجهه هذا المفهوم من أزمة، وما یکتنفه من غموض على مستوى النشأة والتنظیر، فضلًا عن النتائج العلمیّة والعملیّة التی رُتِّبَت على أساسه. ولهذا اختلفت أسالیب التعامل معه؛ بین ناظرٍ إلیه؛ باعتباره مفهومًا مصدره الشریعة، وبین معتبرٍ له مفهومًا فکریًّا مصدره الإنتاج العقلیّ البشریّ. وعلى هذا الأساس کانت التنظیرات الفکریّة لهذا المفهوم متباینة؛ انطلاقًا من الظروف الفکریّة، والملابسات الواقعیّة التی عاشها کلّ مفکِّر، وبقی هذا المفهوم، بدلالاته ومعانیه التی استقرّت، أساسًا للتحرّک، ومرجعًا للفکر، ومستندًا لکثیرٍ من التفسیرات المختلفة.

ولا یدّعی الباحث من خلال هذه المقالة، أنّه سیحلّ کلّ الإشکالات المرتبطة بمفهوم "الحاکمیّة"، ومن ثمّ إنهاء کلّ نزاع أو جدل صَاحَب المفهوم؛ قدیمًا وحدیثًا، فالأمر على قدرٍ کبیرٍ من الخطورة؛ بالنظر إلى تأثیرات المفهوم العملیّة الواقعیّة. ولکنْ یبقى البحث محاولة لوضع المفهوم فی مکانه الصحیح من المنظومة المعرفیّة الإسلامیّة، وتخلیص المفهوم من معانیه التحریضیّة التی استُخدِمَت لتبریر کلّ الأعمال الإرهابیّة وأعمال العنف، من طرف مَنْ تبنّوه بدلالاته تلک داخل الأقطار الإسلامیّة وخارجها على حدّ سواء.

 

کلمات مفتاحیّة:

الحاکمیّة الإلهیّة، حاکمیّة الکتاب، حاکمیّة القیم، الحاکمیّة التشریعیّة، التوظیف الإیدیولوجیّ لمفهوم الحاکمیّة.

 

مقدّمة:

الحاکمیّة الإلهیّة تعبیر شاع استخدامه فی الأدبیّات الإسلامیّة عمومًا، وأدبیّات الصحوة خصوصًا، لیشار به إلى التزام شریعة الله -تعالى- بدلالة ما یرد فی بعض الآیات؛ کقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الْکَافِرُونَ}[3]، {وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ}[4]، {وَمَنْ لَمْ یَحْکُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِکَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}[5]، {إِنِ الْحُکْمُ إِلَّا لِلَّهِ}[6].

وتقابل الحاکمیّة الإلهیّة بالحاکمیّة الوضعیّة التی ینتجها الإنسان دون التزام بالشرع الإلهیّ. وبما أنّ الحاکمیّة الوضعیّة تخالف الحاکمیّة الإلهیّة، فإنّ المنطق یتداعى لتترادف الحاکمیّة الوضعیّة مع الکفر والشرک، فتتکرّس دائرة التناقض ضمن ثنائیّة حادّة، فإمّا الحاکمیّة الإلهیّة، وإمّا الکفر. وعلى هذا الأساس تُعدّ جمیع المجتمعات ذات الأنظمة الوضعیّة مجتمعات کافرة، ولا توسّط بین الأمرین.

وبهذا "المضمر الفکریّ" تتّجه بعض الحرکات الإسلامیّة إلى تمییز نفسها عن الآخرین فی مجتمعاتنا؛ بوصفها مجسِّدة فی ذاتها وتکوینها إطارًا لحاکمیّة الله -تعالى-؛ أی إنّ فی داخلها الحرکی یکمن "الخلاص"، فهی دون غیرها "مدینة الله"، والآخرون "مُدُن الشیطان". ویتداعى المنطق، فیسبغ هذا الإطار الحرکیّ على نفسه "مشروعیّة التصرّف" باسم الله وحاکمیّته، فیرى فی سبیل غایاته تبریرًا لجمیع الوسائل، مستحلًّا الأنفس والدماء والأموال، "براحة ضمیر تامّة"، فکلّ تصرّف یتمّ بمضمر المشروعیّة الإلهیّة، وفی مواجهة الکفر والجاهلیّة[7].

وقد أسهم فی اضطراب هذا المفهوم ثلاثة أطراف؛ هم: الطرف الأوّل: أبو الأعلى المودودی وسیّد قطب، والطرف الثانی: الإسلامیّون الذین شرحوا فکر الرَجلین، الطرف الثالث: الإسلامیّون الذین استنبطوا المفاهیم الشائعة عن الحکم والدولة وقیم السلطة والشرعیّة؛ انطلاقًا من آیات القرآن، وخاصّة سورة المائدة، وأحادیث النبی (ص). هذا الاضطراب جعل ثمّة حاجةً إلى کثیر من عملیّات التحلیل والتفکیک وإعادة الترکیب؛ لئلّا یساء فهم الإسلام کلّه من خلال إساءة فهم هذا المفهوم، وبخاصّة أنّ مفهوم "الحاکمیّة" ارتبط بقضایا التوحید؛ بل أصبح قرین التوحید، بحیث صارت تُسقَط کلّ عناصر العقیدة أو مقوّماتها؛ من ولاء، وبراء، وسواهما، وما ترتّب على ذلک من سوء فهم واضطراب... فی داخل المجتمعات الإسلامیّة.

ومن هنا، تصبح عملیّة إعادة ترتیب الأوراق وتصحیح الأوضاع فی هذا المجال أمرًا ضروریًّا[8].

 

أولًا: مسألة الحاکمیّة وسوء الفهم.. السیاق التاریخیّ:

کانت مسألة الحاکمیّة فی تاریخ المسلمین مثار جدل ونزاع بین طوائف من المسلمین؛ کالخوارج قدیمًا، وغلاة المکفِّرة فی زماننا ممّن أساؤوا فهمها ووضعوها فی غیر موضعها، فتحوّلت من "حاکمیّة الله" إلى "حاکمیّة الطوائف" التی نصَّبت نفسها وکیلًا عن صاحب الشریعة، وأرهقت بذلک بلاد الإسلام فِتَنًا، وانقلبت الحاکمیّة عندها إلى "کلمة حقّ أُرید بها باطل"؛ کما قال علی رضی الله عنه للخوارج.

واتّخذ الخوارج قدیمًا مسألة الحاکمیّة ذریعة ومطیّة إلى تکفیر العوام والحکّام، وإعلان العصیان والخروج على الأمّة، وإلزام المسلمین بقاعدة "مَنْ لم یکفِّر الکافر؛ فهو کافر"، وهم أوّل نابتة أهل الأهواء فی الإسلام، کفَّروا أهل القبلة والمعاصی، وحکموا بتخلیدهم فی النار، واستحلّوا دماءهم وأموالهم، حتّى الصحابة من السابقین الأوّلین. وربّما کانت مواقف الغلو والتطرّف التی اتّخذها الخوارج من بعضهم ومن المخالفین لهم، ترجع فی کثیرٍ من جوانبها إلى تکفیر مرتکب الکبیرة الذی یُعد أصلًا من أصول مذهبهم، بل إنّ هذا الأصل یفسّر خروجهم المستمرّ على الأئمّة والولاة القائمین فی وقتهم، فالرأی عندهم هو وجوب الخروج على الإمام الجائر؛ ولو أُبیدوا جمیعًا[9].

وکان ظهور الخوارج مرتبطًا بأحداث سیاسیّة إثر واقعة صفّین. ویومئذ لم تکنْ للخوارج جماعة؛ وإنّما کانوا أفرادًا یقاتلون فی صفّ علی رضی الله عنه، ضدّ معاویة، ولکنّهم ظهروا جماعةً لها کیانها السیاسیّ بعد حادثة التحکیم، بعد توقّف القتال فی معرکة صفّین، عندما رفع أهل الشام المصاحف على رؤوس الرماح[10].

وقد خرجوا إلى حُرَوراء وسُمُّوا بالحروریّة، وسُمّوا "الخوارج"؛ لخروجهم على علی رضی الله عنه، وزعموا أنّه من الخروج فی سبیل الله، وسَمّوا أنفسهم "الشراة"[11]؛ لقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ یَشْرِی نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}[12].

کان سند الخوارج فی الخروج على علی رضی الله عنه؛ قوله تعالى: {إِنِ الْحُکْمُ إِلَّا لِلَّهِ} ، وهذه الآیة أحد النصوص الشرعیّة التی تقوم علیها فکرة الحاکمیّة فی الفکر الإسلامیّ، ولکنّ تفسیر الخوارج للآیة کان تفسیرًا سیاسیًّا، وکان تأویلهم للآیة خاطئًا، وهذا ما جعل علیًّا یشکّ فی حقیقة إیمانهم، حیث سأل ابن عباس، رضی الله عنهما، لمّا رجع من مناظرة الخوارج، إنْ کانوا منافقین؟ فقال ابن عباس: والله ما سیماهم بسیماء المنافقین، إنّ بین أعینهم أثر السجود، یتأوّلون القرآن[13].

وکان للخوارج فهم خاصّ لشعار "لا حکم إلا لله" رتّبوا علیه نتائج استباحوا بها دماء المسلمین، وقد اعترف علیّ بالمبدأ "کلمة حقّ"، ولکنّه أنکر علیهم ما رتّبوه من نتائج، واستخلصوه من خلاصات، واتّخذوه من مواقف وأفعال "أُرید بها باطل"، وکان الباطل الذی یریده الخوارج هو نسبتهم علیًّا رضی الله عنه للکفر واستحلالهم الخروج علیه؛ ما أدّى بهم إلى کثیرٍ من المظالم التی استباحوها على هذا الفهم غیر الصحیح[14]. وما جعلهم یعطون النصّ الشرعیّ هذا التأویل البعید هو: عدم النظر الشرعیّ إلى النصوص الشرعیّة؛ بوصفها عضوًا متکاملًا یکمِّل بعضه بعضًا، ویفسِّر بعضه بعضًا، واستیلاء فکرة البراءة، من عثمان وعلی، ومبدأ وجوب قتال الحاکم الجائر[15]. ومضافًا إلى هذا، ثمّة جملة من الخصائص التی میّزت الخوارج؛ ومنها: السذاجة والسطحیّة فی التعامل مع نصوص الوحی تفسیرًا وتنزیلًا، وافتقارهم لأدوات النظر الاجتهادیّ، والجهل وقلّة العلم بأحکام الشرع، والتعصّب وکثرة الاختلاف، وعدم الجمع بین المُثُل العلیا للإسلام ومقتضیات الواقع، ومحاولة الربط والتوفیق بینها[16].

فهذه الصفات لم تؤهِّل الخوارج لتحقیق المفهوم الصحیح الذی یقتضیه مفهوم "الحاکمیّة"، حیث کان حلیفها الشذوذ والانحراف.

ویُرجِع الإمام أبو إسحاق الشاطبیّ سوء الفهم الحاصل للخوارج -وهو ما ینطبق على غلاة المکفِّرة فی زماننا- إلى وجه واحد؛ وهو الجهل بمقاصد الشریعة، والتخرّص على معانیها بالظنّ من غیر تثبّت، أو الأخذ فیها بالنظر الأوّل، ولا یکون ذلک من راسخ فی العلم"[17].

ویقول الشاطبیّ: "ألا ترى أنّ الخوارج کیف خرجوا عن الدین کما یخرج السهم من الصید المرمیّ؟ لأنّ رسول الله صلى الله علیه وسلم وصفهم بأنّهم یقرؤون القرآن لا یجاوز تراقیهم؛ یعنی -والله أعلم- أنّهم لا یتفقّهون به حتّى یصل إلى قلوبهم؛ لأنّ الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم یصل إلى القلب، لم یحصل فیه فهم على حال؛ وإنّما یقف عند محلّ الأصوات والحروف المسموعة فقط، وهو الذی یشترک فیه مَنْ یفهم ومَنْ لا یفهم"[18].

وبعد انبعاث ظاهرة الغلو فی زمننا المعاصر، ظهر دعاة التکفیر الذین نظروا إلى المجتمع نظرة سوداء، یطبعها الیأس من أیّ إصلاح، وغلاة المکفّرة نابتة من بقایا الخوارج، ظهروا فی هذا الزمان بسبب قلّة العلم وسیادة الجهل بین المتحمّسین، وسادت فی أوساطهم انحرافات فکریّة خطیرة، تهدّد منحى الاعتدال فی العمل الإسلامیّ.

فعمدوا إلى تکفیر المجتمعات والحکّام، وأعلنوا العصیان، ورکبوا مطیّة الحاکمیّة بفهم سطحیّ ظاهریّ، وأعلنوا العمل المسلّح الذی راح ضحیّته کثیر من العلماء ورموز السیاسة فی الأمّة، والأبریاء المستَأمَنِین.

إنّ الأمر یتعلّق بفکرٍ نشأ عن قراءة غیر سلیمة للنصوص الشرعیّة، فأفرز تیّارًا یحتکم إلى قوّة السلاح، فخرج عن سیاق التعامل الذی عرفته الأمّة الإسلامیّة التی وفّرت الأمن لأفرادها، على الرغم من ما قد یکون بینهم من اختلافات فی تفاصیل الآراء العقدیّة والسیاسیّة.

وسمة هذا الفکر أنْ یتقوّى ویتمدّد فی جمیع الفراغات والفجوات التی یخلّفها فی ذهنیّة المجتمع؛ حینما یتخلّى جزئیًّا أو کلّیًّا عن الاضطلاع بمسؤولیّاته ووظائفه الدینیّة، على مستویات نشر المعرفة وتحصین الذات معرفیًّا واجتماعیًّا.

 

ثانیًا: الحاکمیّة بوصفها مفهومًا تحریضیًّا أوالتوظیف الإیدیولوجیّ لمفهوم الحاکمیّة:

وفی هذا الصدد یُطرَح سؤال؛ مفاده: کیف برزت التطوّرات الأخیرة التی سادت فصائل العمل الإسلامیّ فی کثیرٍ من أنحاء العالم، والتی بدأت تعلن شعار "الحاکمیّة الإلهیّة"، وتتطلّع إلى السلطة باسمها، وتؤکِّد أنّ الإسلام یقوم على هذه الفکرة ویلتزم بهذا الاتّجاه؟

ومن المعلوم أنّ أبا الأعلى المودودیّ یُعدّ أوّل مَنْ صاغ فکرة الحاکمیّة الإلهیّة فی الإطار السیاسیّ والاجتماعیّ والقانونیّ، وقد قام بتوظیف ذلک من أجل بناء نظریّة سیاسیّة تقوم على منظومة عقدیّة، حیث تتجلّى الحاکمیّة الإلهیّة فی السلطتین السیاسیّة والقانونیّة.

وقد اختار المودودیّ مصطلح الحاکمیّة، للتعبیر عن مبدأ سیادة الله، وما یفرضه من وجوب سیادة التشریع الإسلامیّ، إذ یرى المودودیّ "أنّ الحاکمیّة فی الإسلام خالصة لله وحده، فالقرآن یشرح عقیدة التوحید شرحًا یبیّن أنّ الله وحده لا شریک له، لیس بالمعنى الدینیّ فحسب؛ بل بالمعنى السیاسیّ والقانونیّ کذلک... إنّ وجهة نظر العقیدة الإسلامیّة تقول: إنّ الحقّ -تعالى- وحده هو الحاکم بذاته وأصله، وإنّ حکم سواه موهوب وممنوح، وإنّ الإنسان لا حظّ له من الحاکمیّة إطلاقًا... وخلافة الإنسان عن الله فی الأرض لا تعطی الحقّ للخلیفة فی العمل بما یشیر به هواه، وما تقضی به مشیئة شخصه؛ لأنّ عمله ومهمّته تنفیذ مشیئة المالک ورغبته، فلیس لأیّ فرد ذرّة من سلطات الحکم. وأیّ شخص أو جماعة تدّعی لنفسه أو لغیره حاکمیّة کلّیّة أو جزئیّة فی ظلّ هذا النظام الکونیّ المرکزیّ، الذی تدبّر جمیع السلطات فیه ذاتًا واحدة؛ هو، ولا ریب، سادر فی الإفک والبهتان. فالله لیس مجرّد خالق فقط؛ وإنّما هو حاکم کذلک وآمر، وهو قد خلق الخلق ولم یهبْ أحدًا حقّ تنفیذ حکمه فیهم[19].

 کما یرى "أنّ الإسلام یضادّ ویعارض الممالک القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام، ویرید قطع دابرها، ولا یتحرّج فی استخدام القوّة الحربیّة لذلک، وهو لا یرید بهذه الحملة أنْ یکره من یخالفه فی الفکرة على ترک عقیدته، والإیمان بمبادئ الإسلام؛ إنّما یرید أنْ ینتزع زمام الأمر ممّن یؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة، حتّى یستتبّ الأمر لحملة لواء الحقّ. وعلیه، فإنّ الإسلام لیس له -من هذه الوجهة- دار محدودة بالحدود الجغرافیّة یذود ویدافع عنها؛ وإنّما یملک مبادئ وأصولًا یذبّ عنها، ویستمیت فی الدفاع عنها، حتّى لا تکون فتنة، ویکون الدین کلّه لله"[20].

ویُعدّ المودودیّ أوّل مَنْ ربط الحاکمیّة بمفهوم الإیمان والتوحید، وأعطى للمفهوم صبغة عقدیّة؛ وذلک عندما ربطه بمفهوم الألوهیّة[21]، حیث یقول: "أوّل أساس من أسس الدین هو الإیمان بحاکمیّة الله؛ فهو مالک السماوات والأرضین، وکل ما فیهما ملک له وحده؛ تأسیسًا على قوله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِی السَّمَاوَاتِ وَمَا فِی الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِی أَنفُسِکُمْ أَوتُخْفُوهُ یُحَاسِبْکُمْ بِهِ اللَّهُ} (البقرة: 284). بل یجعل المودودی من الحاکمیّة بعد صیاغتها شبکة تؤثّر فی کلّ محور وتتعدّى إلى کلّ مجال، فإذا کان الحدیث عن مفاهیم عقدیّة؛ کان حدیث المودودیّ عن الحاکمیّة الخالصة لله وحده الذی له علاقة بالإیمان والتوحید، وإذا کان الحدیث عن الجانب السیاسیّ والقانونیّ؛ انتقل المودودیّ إلى الحدیث عن الحاکمیّة السیاسیّة والحاکمیّة القانونیّة، ونورد -هنا- نصًّا للمودودیّ یبیّن فیه معنى الحاکمیّة؛ باعتباره مفهومًا توحیدیًّا وسیاسیًّا وقانونیًّا وتشریعیًّا فی الوقت نفسه؛ حیث یقول: «ینبغی علینا لکی نفهم نطاق التشریع الإنسانیّ ومنـزلة الاجتهاد فی الإسلام أنْ ننبّه لأمرین: الأوّل: أنّ الحاکمیّة فی الإسلام خالصة لله وحده، فالقرآن یشرح عقیدة التوحید شرحًا بیّن أنّ الله وحده لا شریک له، لیس بالمعنى الدینیّ فحسب؛ بل بالمعنى السیاسیّ والقانونیّ کذلک، فهو الحاکم والمُطاع وصاحب الأمر والنهی، والمشرّع الذی لا شریک له.

ویوضّح القرآن توضیحًا تامًّا حاکمیّة الله القانونیّة ویقدّمها جنبًا إلى جنب مع عقیدة معبودیّته الدینیّة، ویؤکّد على أنّ هاتین الصفتین هما المقتضیات اللازمة لألوهیّته تعالى، وأنّ کلًا منهما لا تنفصم عن الأخرى، وإنکار إحداهما یسلتزم بالضرورة إنکار ألوهیّة الله، ولم یدع القرآن مجالًا یُظنّ منه احتمال فهم القانون الإلهیّ على أنّه قانون الفطرة؛ بل على العکس أقام دعوته على أساس حتمیّة تسلیم الإنسان بقانون الله الشرعیّ فی حیاته الأخلاقیّة والمجتمعیّة، وهو القانون الذی بعثه الله على ید الأنبیاء، وقد سمّى قبول هذا القانون الشرعیّ والتخلّی أمامه عن الحرّیّة الشخصیّة إسلامًا ورفض فی عبارات وألفاظ واضحة حقّ الإنسان فی أنْ یفصل برأیه فی الأمور التی أصدر الله ورسوله فیها حکمًا وفصلًا. والأمر الثانی، الذی تساوى وتوحید الله فی الإسلام؛ هو أنّ محمدًا صلى الله علیه وسلم آخر الأنبیاء…)"[22].

والخصائص الأولویّة للدولة الإسلامیّة فی نظر المودودیّ ثلاث؛ هی:

- لیس لفرد، أو أسرة، أو طبقة، أو حزب، أو لسائر القاطنین فی الدولة، نصیبٌ من الحاکمیّة، فإنّ الحاکم الحقیقیّ هو الله، والسلطة الحقیقیّة مختصّة بذاته -تعالى- وحده، والذین من دونه فی هذه المعمورة إنّما هم رعایا فی سلطانه العظیم.

- لیس لأحد من دون الله شیء من أمر التشریع، والمسلمون جمیعًا، ولو کان بعضهم ظهیرًا لبعض، لا یستطیعون أنْ یشرّعوا قانونًا.

- إنّ الدولة الإسلامیّة لا یؤسّس بنیانها إلا على ذلک القانون الذی جاء به النبی من عند ربّه؛ مهما تغیّرت الظروف والأحوال[23]. ولفظ "إله" واصطلاح "الحاکمیّة" هما اسمان لحقیقة واحدة[24].

وقد تبنّى النهج نفسه سیّد قطب؛ عندما اعتبر الإسلام "إعلانًا عامًّا لتحریر الإنسان فی الأرض من العبودیّة للعباد؛ وذلک بإعلان ألوهیّة الله وحده، (التی تعنی) الثورة الشاملة على حاکمیّة البشر فی جمیع صورها وأشکالها وأنظمتها وأوضاعها، والتمرّد الکامل على کلّ وضع فی أرجاء الأرض الحکم فیه للبشر بصورة من الصور... إنّ معناه تحطیم مملکة البشر لإقامة مملکة الله فی الأرض"[25]. و"مملکة الله فی الأرض... لا قیام لها إلا بإزالة الأنظمة والحکومات التی تقوم على أساس حاکمیّة البشر[26]، و"تحطیم الأنظمة السیاسیّة الحاکمة أو قهرها؛ حتّى تدفع الجزیة، وتعلن استسلامها والتخلیة بین جماهیرها. وهذه العقیدة، تعتنقها أولًا بکامل حرّیّتها"[27].

و"کلّ ذلک لا یتمّ بمجرّد التبلیغ والبیان؛ لأنّ المتسلّطین على رقاب العباد، المغتصبین لسلطان الله فی الأرض، لا یسلمون فی سلطانهم بمجرّد التبلیغ والبیان، إنّه لا بدّ من الجهاد بالسیف إلى جانب الجهاد بالبیان، لتحریر الإنسان فی الأرض کلّ الأرض"[28].

"فالإسلام فی جهاد دائم لا ینقطع أبدًا لتحقیق کلمة الله فی الأرض... وهو مکلَّف ألا یهادن قوّة من قوى الطاغوت على وجه الأرض... والإسلام یواجه القوى الواقعة فی وجهه بواحدة من ثلاث: الإسلام، أو الجزیة، أو القتال"[29].

ویقیم سیّد قطب فکرة الحاکمیّة فی إطار استحضار معانی الجاهلیّة المعاصرة؛ وبناءً على هذا التقابل والتفاعل بین الحاکمیّة والجاهلیّة، تتّضح أکثر معالم الحاکمیّة عنده، ومن خلال هذا التقابل یمکن ملاحظة التفسیر الحادّ للصیاغات التی یقدّمها سیّد قطب؛ حیث یقول: "إنّ العالم یعیش الیوم کلّه فی جاهلیّة من ناحیة الأصل الذی تنبثق منه مقوِّمات الحیاة وأنظمتها، جاهلیّة لا تخفّف منها شیئًا هذه التفسیرات المادّیّة الهائلة… هذه الجاهلیّة تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله فی الأرض، وعلى أخصّ خصائص الألوهیّة؛ وهی الحاکمیّة"[30]. فالجاهلیة عند سیّد قطب خطر داهم؛ لأنّه لا یتصالح مع الحاکمیّة. والجاهلیّة عنده هی أنْ "تستند الحاکمیّة إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابًا… فی صورة ادّعاء حقّ وضع التصوّرات والقیم والشرائع والقوانین والأنظمة والأوضاع؛ بمعزلٍ عن منهج الله للحیاة، وفی ما لم یأذنْ به الله"[31]. وتولّی الجاهلیّة صفة الحاکمیّة ینتج عنه اعتداء على الإنسان، ولهذا یرى سیّد قطب أنّ مهانة الإنسان فی الأنظمة الجماعیّة ما هی إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله[32]. ویُدخِل سیّد قطب کلّ المجتمعات؛ سواء أکانت عربیّة، أم اتّسمت بالإسلامیّة فی إطار المجتمعات الجاهلیّة؛ عند فقدها شرط الحاکمیّة؛ إقرارًا، وتطبیقًا؛ لأنّ معیار إسلامیّة المجتمع عنده یتحدّد فی مصدر تلقّی النظم، والشرائع، والقیم، والموازین، والعادات، والتقالید، وکلّ مقوِّمات الحیاة؛ هل تتلقّى من الحاکمیّة الإلهیّة، فتدین بذلک له، وعلى هذا الأساس تدخل فی عداد المجتمعات المسلمة، أم إنّ هذه المجتمعات تتلقّى ذلکم من حاکمیّة البشر، ولا تدین بالعبودیّة لله وحده، فی نظام حیاتها، فتکون بذلک ضمن المجتمعات الجاهلیّة، وإن اعتقدت بألوهیّة الله -تعالى-، وقدّمت له سائر الشعائر التعبّدیّة؟[33]

فمعقد الفکّ والربط، والفصل والوصل عند سیّد قطب؛ هو مفهوم الحاکمیّة الإلهیّة؛ باعتبارها معیارًا فاصلًا بین الکفر والإیمان[34].

وکان سیّد قطب لا یرى أیّ فرق بین مفهوم شهادة التوحید ومفهوم الحاکمیّة، إذ إنّ أحدهما صِنْو الآخر، وأحدث نوعًا من التقابل بین مصطلح الحاکمیّة وشهادة التوحید، وهذا التقابل الذی أحدثه یستند إلى مصطلح "الألوهیّة"؛ حیث یقول: "فلقد کانوا یعرفون أنّ الألوهیّة تعنی الحاکمیّة العلیا، وکانوا یعرفون أنّ توحید الألوهیّة وإفراد الله سبحانه بها معناه نزع السلطان الذی یزاوله الکهّان ومشیخة القبائل والأمراء والحکّام، وردّه کله إلى الله؛ السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعیّات الحیاة، والسلطان فی القضاء، والسلطان فی الأرواح والأبدان"[35]. فلفظ "الإله" الذی هو أحد الأبنیة الأساسیّة فی شهادة التوحید، یخرج علیه سیّد قطب أهمّ خاصّیّة لصیقة به، ولا تنفکّ بحالٍ عنه؛ وهی الحاکمیّة، ثمّ یجعل هذا الجزء مرادفًا للکلّ؛ لتصبح شهادة التوحید دالّة على معنى واحد؛ وهو الحاکمیّة العلیا. ویبیّن سیّد قطب أنّ قاعدة الألوهیّة هی الأساس للدین کلّه، ویعبّر عن هذا المعنى بقوله: "إنّ طبیعة الدین هی التی قضت بهذا، فهو دین یقوم کلّه على قاعدة الألوهیّة الواحدة، کلّ تنظیماته، وکلّ تشریعاته تنبثق من هذا الأصل الکبیر"[36].

وقد عبّر فی غیر موضع أنّ الحاکمیّة أهمّ خصائص الألوهیّة، وهو بذلک یعتبر أنّ الدین قائم على مبدأ الحاکمیّة. ویقول فی موضع آخر: "فالإسلام منهج للحیاة البشریّة، وهو منهج یقوم على إفراد الله وحده بالألوهیّة متمثّلة فی الحاکمیّة"[37]. وفی تفسیره لآیات الحکم فی سورة المائدة، یقول: "یتناول هذا الدرس أخطر قضیّة من قضایا العقیدة الإسلامیّة، والمنهج الإسلامیّ، ونظام الحکم والحیاة فی الإسلام،… إنّها قضیّة الحکم والشریعة والتقاضی، ومن ورائها قضیّة الألوهیّة والتوحید والإیمان"[38]. فیجعل قضیّة الحکم من أهمّ قضایا العقیدة والإیمان؛ بل ویعتبرها مسألة کفر أوإیمان، إسلام أو جاهلیّة، وهذه أحکام لها متعلّقات عقدیّة. یقول سیّد قطب: "إنّ المسألة -فی هذا کلّه- مسألة إیمان أو کفر، إسلام أو جاهلیّة، وشرع أو هوى، ولا وسط فی هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح؛ فالمؤمنون هم الذین یحکمون بما أنزل الله -لا یخرمون منه حرفًا، ولا یبدّلون منه شیئًا- والکافرون الظالمون الفاسقون هم الذین لا یحکمون بما أنزل الله"[39].

والملاحظ أنّه لا خلاف ولا تمایز فی فکرة الحاکمیّة بین المودودیّ وسیّد قطب فی الحقیقة والجوهر، إذ یفسِّر سیّد قطب الحاکمیة -ویصطلح علیها بالحاکمیّة العلیا- فی ضوء معانی الألوهیّة، ویرى أنّ مفهوم الحاکمیّة معناه "نزع السلطان الذی یزاوله الکهّان ومشیخة القبائل والأمراء والحکّام، وردّه کله إلى الله؛ السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعیّات الحیاة، والسلطان فی القضاء، والسلطان فی الأرواح والأبدان"[40].

تلک نماذج من عبارات المودودیّ وسیّد قطب العامّة والمُوهِمة للَّبس والغموض فی قضیّة الحاکمیّة، وفی نظریّتهما عنها. لقد جرّدا فیها الإنسان من کلّ حقّ فی الأمر والتشریع والتقنین، بل والتنفیذ؛ فردًا کان أم جماعةً، بل وحتّى الأمّة.

لقد تحوّل مفهوم "الحاکمیّة الإلهیّة" بتلک الجهود والشروح التی بُذِلَت من کتاب الحرکات الإسلامیّة إلى قرین للتوحید؛ بحیث صارت تسقط علیه جمیع عناصر التوحید، أو مقوّمات العقیدة؛ من ولاء، وبراء، وسواهما، وتربط بها بشکل وثیق، وبذلک ساد نوع من سوء الفهم واضطراب الرؤیة فی داخل المجتمعات الإسلامیّة، أضافت أسباب صراع وتمزّق أخرى، إلى أسباب الصراع والتمزّق القائمة سلفًا[41].

إنّ هذا الفهم للحاکمیّة الجاعل من إفراد الله بالحاکمیّة حُکمًا بتجرید الإنسان والأمّة من کلّ حقّ فی أنْ تکون مصدرًا للسلطة والسلطان، فی أیّ شأن من شؤون الحیاة...[42]، قد سِیءَ فهمه، فکان له آثار سلبیّة خطیرة؛ إذ حدثت بسبب هذا الفهم فتن، ماجت فی الأمّة کقطع اللیل المظلم، أریقت فیها دماء، وأزهقت فیها أرواح، وتکبّدت الأمّة بسببها فتنًا ومحنًا لم یزل شررها یتطایر فی کلّ ناد؛ بسبب سوء الفهم، أو سوء القصد. کما قال رسول الله (ص): "إنّ بین یدی الساعة الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل. قالوا: أکثر ممّا نقتل. إنّا لنقتل کلّ عام أکثر من سبعین ألفًا؟ قال: إنّه لیس بقتلکم المشرکین، ولکنْ قتل بعضکم بعضًا. قالوا: ومعنا عقولنا یومئذ؟ قال: إنّه لتنزع عقول أهل ذلک الزمان"[43].

وبالنظر إلى أزمات الواقع العربیّ والإسلامیّ وإخفاقاته السیاسیّة والاقتصادیّة والاجتماعیّة؛ مضافًا إلى التحامل الغربیّ على الإسلام والمسلمین، فقد تلقّف کثیرٌ من منظّری الحرکات الإسلامیّة السیاسیّة المتشدّدة التصوّر المذکور، فعملوا على استثماره فی تکفیر المجتمع، وتکفیر الحکّام، وتکفیر المحکومین؛ لأنّهم رضوا بهم، وتکفیر العلماء؛ لأنّهم لم یکفّروا الحکّام؛ إعمالًا لأصلهم فی أنّ "مَنْ لم یکفِّر الکافر؛ فهو کافر"، وتکفیر کلّ مَنْ عرضوا علیه دعوتهم، فلم یقبلها... کما استثمروا ذلک فی تسویغ القیام بالأعمال الحربیّة ضد غیر المسلمین وتبریرها وشرعنتها، واعتبار أنّ القتال لا ینحصر بحالة العدوان على أهل الإسلام أو دعوتهم، بل شُرِّع القتال ابتداءً لإخضاع الأنظمة الکافرة لسلطان الإسلام. فاکتسبت الحرکات الإسلامیّة الرادیکالیّة التی اعتمدت فی تصوّراتها وأعمالها على الأحکام المتعلّقة بمفهوم الحاکمیّة؛ صفة المشروعیّة لکثیر من عملیّات العنف التی یتمّ تنفیذها؛ سواء على المستوى الداخلیّ (العربیّ والإسلامیّ)، أم على المستوى الخارجیّ، إذ استند تنظیم الجهاد الإسلامیّ فی مصر عام 1976م، إلى مفهوم الحاکمیّة فی تبریر أعماله الإرهابیّة[44].

فقد کان من نتائج ذلک؛ أی الأعمال الإرهابیّة، وأعمال العنف...، تقویة المدّ العدائیّ ضدّ الإسلام؛ بتوفیر أدلّة مادّیّة وظّفها مشروع التخویف من الإسلام أوسع توظیف، واستخدمها دعاة الثقافات الأخرى، فیقول أحد المستغلّین لهذا الوضع: "إنّ الله فی الإسلام یطالبک بإرسال ابنک لیموت من أجله؛ أمّا فی المسیحیّة، فإنّ الربّ یُرسِل ابنه لیُقتَل من أجلک!".

وقد حرّضت شعارات التکفیر ووعیده المتکرّر کثیرًا من الشعوب ضدّ الإسلام والمسلمین؛ بعدما سمعت تلک الشعوب أنّ الهدف المستقبلیّ هو بلادها، وأنّ فتح إیطالیا، واسترجاع الأندلس عن طریق الجهاد هو ضمن أجندة المسلمین، ونحن إنْ کنّا نأمل أنْ یتحوّل العالم کلّه إلى الإسلام، فإنّنا نرجو أنْ یتمّ ذلک بالحوار؛ بتفعیل قوّة المنطق، ونصاعة الحجّة والبرهان، لا باستعمال قوّة السلاح الذی نعلم وضعنا من امتلاکه والتحکّم فیه!

وکما ساعدت العملیّات الإرهابیّة على رصّ صفوف غیر المسلمین، وعلى تکتّلهم، وتذویب خلافاتهم، وهم یخطّطون لمواجهة الإرهاب.

وکان من الآثار المباشرة لهذه الثقافة تنشیط المدّ العنصریّ، وتقویة الاتّجاهات الیمینیّة فی الغرب، وأصبحت الرغبة فی التخلّص من الوجود الإسلامیّ والسعی إلى التمایز الثقافیّ جزءًا من وعود الطبقة السیاسیّة، وقد انعکس هذا کلّه سلبًا على الأقلّیّات الإسلامیّة؛ کما تضرّرت منه الجالیات المقیمة فی دیار الغرب، فأصبح التآکل فی حرّیّات الممارسة الدینیّة ظاهرة ماثلة.

إنّ خطورة هذه النتائج على الإسلام والمسلمین، تفرض بشدّة ضرورة مراجعة المفهوم، وإخضاعه إلى کثیر من عملیّات التحلیل والتفکیک وإعادة الترکیب؛ کما تصبح عملیّة إعادة ترتیب الأوراق وتصحیح الأوضاع فی هذا المجال أمرًا ضروریًّا.

 

ثالثًا: من الحاکمیّة الإلهیّة إلى حاکمیّة القیم:

وفی هذا الصدد تثور التساؤلات التالیة: ما مدى نسبة مفهوم الحاکمیّة للفظ الحکم، وهل ورد فی القرآن والسنّة ببعده السیاسیّ؟ وإذا کان هناک وجه لنسبة المفهوم إلى القرآن والسنّة من خلال لفظ الحکم وجذره اللغویّ "حَکَمَ"، وما اشتقّ عنه من ألفاظ، فمن یکون له الحکم؟ الله -تعالى- أم الإنسان؟ وبتعبیر آخر: هل ردّ الحاکمیّة لله فی جمیع الأمور یعنی أن لا یکون للإنسان نوع یختصّ به ویمارسه؟ وهل المقصود بالحاکمیّة: الالتزام بشرع الله، أو ردّ التشریع إلى الله، وقیام خلیفة أو سلطة دینیّة تنوب عنه فی الأرض، والإقرار بأنّ الله -تعالى- هو المستقلّ بالتشریع لعباده؟ أم إنّه لا علاقة للحاکمیّة بأیّ معنى من هذه المعانی؟

ولخطورة هذه الإشکالات، یجدر بالباحث التوقّف طویلًا فی استقصائه لمفهوم "الحاکمیّة"، ودلالاتها اللغویّة، ومعانیها الشرعیّة المتعدّدة فی القرآن والسنّة، ومدى علاقتها بالدلالة اللغویّة، والاستدلال على ذلک.

1. معانی الحاکمیّة فی اللغة:

الحکم فی اللغة یأتی على معان عدّة؛ هی[45]:

- القضاء: وذلک بضمّ حاء "الحُکم" وجمعه أحْکَام، تقول حَکَمَ بینهم یَحْکُمُ أی قضى، وحَکَمَ له وحَکَمَ علیه. وقال الأزهری: الحُکم القضاء بالعدل.

- المنع: یقال حَکَمْتُ علیه بکذا؛ إذا منعته من خلافه، فلم یقدر على الخروج من ذلک. والعرب تقول: حَکَمتُ وأَحْکَمْتُ وحَکَّمتُ؛ بمعنى منعت، ومن هذا قیل للحاکم بین الناس حاکم؛ لأنّه یمنع الظالم. وجعل الراغب الأصفهانیّ أصل الحکم المنع لغرض الإصلاح.

- الردّ والرجوع: تقول حکم فلان عن الأمر والشیء؛ أی رجع، وأحکمته أنا؛ أی رجعته، وأحکمه هو عنه رجعه.

- الفصل: تقول حَکَمْتُ بین القوم؛ إذا فصلت بینهم.

- المحاکمة: المخاصمة إلى الحاکم، واحتکموا إلى الحاکم وتحاکموا؛ بمعنى واحد.

- الإتقان: أَحْکَمَهُ أتقنه، فاستحکم، وأَحْکَمَ الأمر أتقنه، وکلّ شیء وثّقت صنعته؛ فقد أحکمته، ویقال للرجل إذا کان حکیمًا: قد أحکمته التجارب. والحکیم: المتقن للأمور.

- التفویض: حَکَّمتُ الرجل، بالتشدید، فوّضت الحکم إلیه. وحَکَّمْتُ فلانًا؛ أی أطلقت یده فی ما شاء.

- الفعل حسب المراد: تقول تَحَکَّمَ فلان فی کذا؛ إذا فعل ما رآه.

- الحِکْمَة (بالکسر): العدل والعلم والحلم والنبوّة والقرآن والإنجیل. والحکمة بمعنى الحکم؛ وهو العلم والفقه والقضاء بالعدل، وهی العلم بحقائق الأشیاء على ما هی علیه، والعمل بمقتضاها، وضبط النفس والطبع عن هیجان الغضب، وتطلق الحکمة على طاعة الله، والفقه فی الدین والعمل به، والفهم والخشیة والورع والإصابة والتفکّر فی أمر الله واتّباعه.

وبعد هذا التتبّع للمعنى اللغویّ لمادّة "حَکَمَ" نخلص إلى أنّ الحکم ما کانت غایته أو مقصده الأساس المنع من الفساد بغیة الإصلاح، ومن ثمّ فإنّه لا بدّ من أنْ یتّسم بالإتقان، وأنْ یؤسَّس على الحکمة؛ وهی إصابة الحقّ، وأدواته: النبوّة، والکتب السماویّة (القرآن، والإنجیل، ...)، والجمع بین العلم والعمل، والقضاء والعدل. فعند إطلاق هذا المفهوم وتوظیف جذره اللغویّ؛ فإنّه لا ینصرف إلى معنى بعینه؛ وإنّما یبقى السیاق هو المحدِّد لطبیعة دلالته ومعناه.

2. الحاکمیّة فی القرآن والسنّة:

واقع الأمر أنّه إذا کانت اللغة فی ما یتعلّق بالجذر اللغویّ لمفهوم الحاکمیّة، قد أبرزت مدى الثراء الذی تتمتّع به هذه المادّة؛ من حیث تعدّد معانیها، وکثرة اشتقاقاتها، فإنّ الأصول (قرآنًا وسنّة) قد أضافت دلالات ومعان جدیدة إلى الدلالات اللغویّة، فاستُعمِلَت فیها على تسعة أوجه[46]؛ هی:

- الحکم؛ بمعنى التحلیل والتحریم فی أمر العبادة والدین:

تضافرت آیات القرآن فی تأکید أنّ الله وحده، دون سائر خلقه، المختصّ بأمر التحلیل والتحریم فی أمر العبادة والدین، وقد استعمل القرآن لفظ الحکم للدلالة على هذا المعنى، فمن ذلک قوله تعالى: {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَکُم بَهِیمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا یُتْلَى عَلَیْکُمْ غَیْرَ مُحِلِّی الصَّیْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ یَحْکُمُ مَا یُرِیدُ}[47]؛ أی إنّ الله یقضی فی خلقه ما یشاء؛ من تحلیل ما أراد تحلیله، وتحریم ما أراد تحریمه، وإیجاب ما شاء إیجابه علیهم. فإنّه -سبحانه- یعلم أنّ أحکامه مشتملة على الحکمة والمصلحة.

واستعمل القرآن صیغة أخصر لیقتصر "الحکم" بالمعنى المتقدّم على الله وحده؛ فقال: {إِنِ الْحُکْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِیَّاهُ ذَلِکَ الدِّینُ الْقَیِّمُ وَلَـکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ یَعْلَمُونَ}[48]. والحکم الذی یثبته یوسف (ع) لله فی دعوته لصاحبی السجن هو فی أمر العبادة والدین.

ویتأکّد هذا المعنى، بنفی إشراک أحد مع الله فی حکمه: {مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِیٍّ وَلَا یُشْرِکُ فِی حُکْمِهِ أَحَدًا}[49]؛ أی إنّه -تعالى- هو الذی له الخلق والأمر، الذی لا معقَّب لحکمه، ولیس له وزیر، ولا نصیر، ولا شریک.

ویکون الخلاف والتنازع فی أمر العبادة والدین مردّه إلى الله -تعالى-؛ فهو الحاکم فیه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِیهِ مِن شَیْءٍ فَحُکْمُهُ إِلَى اللَّهِ}[50]؛ أی مهما اختلفتم فیه من الأمور، وهذا عامّ فی جمیع الأشیاء.

- الحکم بمعنى القضاء والقدر:

إذا کان المعنى الأوّل للحکم یتعلّق بإرادة الله الدینیّة أو التشریعیّة، فإنّ المعنى الثانی یختصّ بإرادة الله التکوینیّة التی تتمثّل فی مشیئته العامّة المحیطة بجمیع الکائنات، القادرة على فعل أیّ شیء بلا معقِّب، فإذا أراد شیئًا -سبحانه-؛ فإنّما یقول له کنْ فیکون، وما لم یشأ لم یکنْ؛ وإنْ شاء الناس. وهو سبحانه یقصر الأمر الکونیّ علیه وحده أیضًا: {إِنِ الْحُکْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَعَلَیْهِ فَلْیَتَوَکَّلِ الْمُتَوَکِّلُونَ}[51]، فإنّه یحکم فی خلقه ما یشاء، فینفذ فیهم حکمه؛ کما إذا قضى أمرًا فلا رادّ لقضائه، ولیس بمقدور أحد أنْ یعقّب علیه: {وَاللّهُ یَحْکُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُکْمِهِ وَهُو سَرِیعُ الْحِسَابِ}[52].

ویقرر الرسول (ص) فی دعائه إمضاء "حکم الله"؛ أی قضائه فیه: "اللهم إنّی عبدک، اللهم إنّی

عبدک، ابن عبدک، ابن أَمَتک، ماضٍ فی حکمک"[53].

- الحکم؛ بمعنى النبوّة وسنّة الأنبیاء (عله):

ومن ذلک قوله تعالى فی سورة القصص: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَیْنَاهُ حُکْمًا وَعِلْمًا وَکَذَلِکَ نَجْزِی الْمُحْسِنِینَ}[54]؛ یعنی النبوّة أو السنّة، فحکمة الأنبیاء (عله) سنّتهم. قال تعالى: {وَاذْکُرْنَ مَا یُتْلَى فِی بُیُوتِکُنَّ مِنْ آیَاتِ اللَّهِ وَالْحِکْمَةِ}[55].

ومن ذلک -أیضًا- قوله تعالى: {فَقَدْ آتَیْنَا آلَ إِبْرَاهِیمَ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَةَ وَآتَیْنَاهُم مُّلْکًا عَظِیمًا}[56]؛ یعنی النبوّة مع الزبور. وقد آتى الله لوطًا (ع) ویوسف (ع) "حکمًا"؛ أی نبوّة. قال -تعالى-: {وَلُوطًا آتَیْنَاهُ حُکْمًا وَعِلْمًا}[57].

- الحکم؛ بمعنى القرآن وتفسیره:

ومن ذلک قوله -تعالى-: {یُؤتِی الْحِکْمَةَ مَن یَشَاءُ وَمَن یُؤْتَ الْحِکْمَةَ فَقَدْ أُوتِیَ خَیْرًا کَثِیرًا}[58]. فالحکمة هی القرآن وتفسیره؛ ومن ذلک قوله -تعالى-: {ادْعُ إِلِى سَبِیلِ رَبِّکَ بِالْحِکْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ}[59]؛ یعنی القرآن. وهذا القرآن شأنه کشأن سائر الکتب المنزلة من عند الله، نزل بالحقّ لیحکم بین الناس فی ما اختلفوا فیه، وقد اتّصف بأنّ فیه حکم ما بیننا، وأنزله الله حکمًا عربیًّا: {وَکَذَلِکَ أَنزَلْنَاهُ حُکْمًا عَرَبِیًّا}[60]، فالکتاب حکمٌ إلهیّ بوجه، وحاکم بین الناس بوجه.

- الحکم؛ بمعنى الفهم والعلم والفقه:

ومن ذلک قوله على لسان رسوله إبراهیم (ع): {رَبِّ هَبْ لِی حُکْمًا وَأَلْحِقْنِی بِالصَّالِحِینَ}[61]. قال ابن عباس: هو العلم، وهو علم یؤتیه الله الأنبیاء قبل بعثتهم، یکون عالمًا بالخیر؛ لأجل العمل به.

وقد آتى الله الأنبیاء (عله) جمیعًا؛ سواءً أفی صباهم، أم عندما بلغوا أشدّهم "حکمًا"؛ أی فهمًا وعلمًا وفقهًا فی الدین: {یَا یَحْیَى خُذِ الْکِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَیْنَاهُ الْحُکْمَ صَبِیًّا}[62]، {أُوْلَـئِکَ الَّذِینَ آتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ وَالْحُکْمَ وَالنُّبُوَّةَ}[63].

- الحکم بالمعنى السیاسیّ:

هذا المعنى هو ما یحتاج إلى بیان وتفصیل وافٍ؛ لأنّ بعضهم -کما سیأتی بیانه-، قد أنکر ورود الحکم بالمعنى السیاسیّ فی الأصول (قرآنًا وسنّة)، وقال باقتصار دلالته على معنى القضاء والفصل فی الخصومات، ومعنى العلم والحکمة. وتناسى هؤلاء أنّ القضاء لا بدّ له من حکم بالمعنى السیاسیّ؛ أی سلطة تلزم المتقاضین أو الخصمین بما قضى به القاضی. وعلى الرغم من هذه البدیهة، فقد ورد "الحکم" فی الأصول بالمعنى السیاسیّ؛ کما نفهمه الیوم. فآیات سورة النساء تُعرَف بآیات الأمراء وولاة الأمور. وقد قال شهر بن حوشب: "إنّما أنزلت فی الأمراء؛ بمعنى الحکم بین الناس، فهی خطاب من الله -تعالى- لولاة الأمور، أمور المسلمین، بأداء الأمانة، وإلى العدل فی الحکم بین الناس، وأمر إلى الناس أنْ یطیعوهم وینزلوا على قضایاهم. ویعضد من ذلک الآیة 16 من سورة الجاثیة: {وَلَقَدْ آتَیْنَا بَنِی إِسْرَائِیلَ الْکِتَابَ وَالْحُکْمَ وَالنُّبُوَّةَ" (الجاثیة: 16)، فالحکم -هنا- بمعنى الملک؛ ویشهد لذلک ما جاء فی الحدیث: "لتنقضنّ عُرى الإسلام عُروة عُروة، فکلّما انتقضت عُروة تشبّث الناس بالتی تلیها، وأوّلهنّ نقضًا الحکم، وآخرهنّ الصلاة". وعن عبد الله بن عمر عن النبی صلى الله علیه وسلم؛ قال: "إنّ المقسطین عند الله على منابر من نور، عن یمین الرحمان عزّ وجلّ، وکلتا یدیه یمین، الذین یعدلون فی حکمهم وأهلیهم وما ولوا". ویجوز أنْ یکون (الحکم) الذی آتاه الله الأنبیاء (عله) قبل بعثتهم ریاسة فی قومهم حصلوها بحسن أخلاقهم وسیرتهم فی قومهم، فداوود الذی آتاه الله الملک بعد قتله لجالوت یأمره ربّه أنْ یحکم بین الناس بالعدل والحقّ: {یَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاکَ خَلِیفَةً فِی الْأَرْضِ فَاحْکُم بَیْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَیُضِلَّکَ عَن سَبِیلِ اللَّهِ} (الآیة 26). وکما یقول ابن کثیر، فهذه وصیّة من الله عزّ وجلّ لولاة الأمور أنْ یحکموا بین الناس بالحقّ المنزل من عند الله. ویتناول لفظ الحاکم الخلیفة والقاضی معًا، فمدار الحکم القضائیّ والسیاسیّ على شیء واحد؛ وهو إقامة العدل {إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُکُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَکَمْتُمْ بَیْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْکُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا یَعِظُکُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ کَانَ سَمِیعًا بَصِیرًا} (النساء: 58)، {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا کُونُوا قَوَّامِینَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا یَجْرِمَنَّکُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِیرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8)، {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِی تَبْغِی حَتَّى تَفِیءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَیْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ یُحِبُّ الْمُقْسِطِینَ}  (الحجرات: 9)؛ فحیثما مسّت الحاجة إلى العدل، دعا ذلک إلى إیجاد سلطة تسوس الناس، حتّى تدفع عدوان بعضهم على بعض، منتصرة للمظلوم على الظالم، ومقیمةً أسباب السلام بینهم؛ وعندها یکون "فضّ النزعات" أو "حسم الخلافات"، الذی هو متعلّق القضاء، رکنًا من أرکان السیاسة العادلة"[64].

کما إنّ فعل "عَدَلَ" بفتح الدال؛ یعنی لغةً: "حکم بالعدل فی أیّ موضع"، ویستفاد من هذا أنّ الحکم بالعدل یتناول جمیع مجالات السلوک الإنسانیّ، جامعًا بین أحکامها على اختلافها، حتّى إنّه یجوز  القول إنّ ثمّة استعمالًا طبیعیًّا للفظ "الحکم" لا یفرّق بین الجانب القضائیّ والجانب السیاسیّ، ولا یبعد أنْ تکون بعض أشکال التنظیم الجماعیّ القدیمة قد أخذت بهذا الاستعمال الطبیعیّ؛ مثل: "التنظیم القبلیّ"، أو "التنظیم العشائریّ"، ولم یحصل التفریق الصناعی بین هذین الجانبین: "القضائیّ"،  و"السیاسیّ" إلا بعد أنْ تحقّق، على التدریج، توسّع الأوطان، وتکثّر السکّان، وتعقّد المسؤولیّات، وتوزّع الاختصاصات؛ وحسبک دلیلًا على ذلک تعلیق علیّ بن أبی طالب، على کلمة الخوارج: "لا حکم إلا لله"، إذ قال: "کلمة حقّ أُرید بها باطل؛ نعم لا حکم إلا لله، ولکنّ هؤلاء یقولون: لا إمرة إلا لله، ولا بدّ للناس من أمیر برّ أو فاجر"[65]. فلولا أنّ "الحکم" یستعمل فی هذه الفترة المبکرة من تاریخ الإسلام، لیدلّ على الحکم السیاسیّ دلالته على الحکم القضائیّ؛ ما کان للإمام علیّ أنْ یحمله على معنى الإمرة؛ أی الإمارة[66]؛ ما یثبت معه أنّ کلمة "الحکم" فی استعمالاتها الأولى، مقولة سابقة على التفریق بین القضائیّ والسیاسیّ.

- الحکم بمعنى القضاء والفصل فی الخصومات والاختلاف بین الناس:

وأغلب استخدامات لفظ الحکم فی الأصول تأتی بهذا المعنى، فالله -سبحانه- وصف نفسه بأنّه الحاکم الذی حکم بین العباد؛ بمعنى صاحب السلطة التی فصلت وتفصل فی ما تنازعوا فیه، وقضت وتقضی فی ما بینهم، وهذا القضاء والفصل فی التنازع یکون فی الدنیا: {إِنَّ اللَّهَ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ فِی مَا هُمْ فِیهِ یَخْتَلِفُونَ}[67]، ویکون الفصل بکتاب الله وسنّة نبیّه (ص)، بل إنّ أحد المقاصد المهمّة لإرسال النبیّین (عله) وإنزال الکتب معهم أنْ یحکموا بین الناس فی ما اختلفوا فیه. وکما یکون الفصل فی الاختلاف بین الناس فی الدنیا، یکون فی الآخرة: {الْمُلْکُ یَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ}[68]، حیث یفصل الله -تعالى- بین الناس بالثواب والعقاب، فیجمع أتباع الأدیان المختلفة، فیفصل بینهم یوم القیامة بقضائه العدل الذی لا یجور ولا یظلم مثقال ذرة: {وَقَالَتِ الْیَهُودُ لَیْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَیْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَیْسَتِ الْیَهُودُ عَلَى شَیْءٍ وَهُمْ یَتْلُونَ الْکِتَابَ کَذَلِکَ قَالَ الَّذِینَ لاَ یَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ یَحْکُمُ بَیْنَهُمْ یَوْمَ الْقِیَامَةِ فِیمَا کَانُواْ فِیهِ یَخْتَلِفُونَ}[69].

وکما غلب معنى القضاء والفصل فی الخصومات على استعمال القرآن للفظ الحکم، فقد کثر -أیضًا- استخدامه بهذا المعنى فی السنّة النبویّة؛ أی القضاء. ففی الحدیث: "ولا یحکم أحد بین اثنین وهو غضبان"[70]؛ أی لا یقضی. "وإذا حکم الحاکم، فاجتهد، فأصاب؛ فله أجران، وإذا حکم، فاجتهد، فأخطأ؛ فله أجر"[71].

- الحکم؛ بمعنى الإتقان والمنع من الفساد:

فالقرآن أُحکمت آیاته: {الَر کِتَابٌ أُحْکِمَتْ آیَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَکِیمٍ خَبِیرٍ}[72]؛ أی نظمت نظمًا رصینًا محکمًا لا یقع فیه نقص ولا خلل؛ کالبناء المحکم. وقد صانها الله من الباطل الذی ألقاه الشیطان: {فَیَنسَخُ اللَّهُ مَا یُلْقِی الشَّیْطَانُ ثُمَّ یُحْکِمُ اللَّهُ آیَاتِهِ}[73].

- الحکم؛ بمعنى الإبانة والوضوح:

فآیات القرآن؛ منها الواضح (المحکم)، ومنها المتشابه: {هُو الَّذِیَ أَنزَلَ عَلَیْکَ الْکِتَابَ مِنْهُ آیَاتٌ مُّحْکَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْکِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}[74].

ومن خلال العرض السابق لدلالات لفظ "الحکم" ومعانیه فی القرآن والسنّة یمکن التأکید على ما یلی:

أ. فی طبیعة الحاکمیّة:

إنّ الحکم فی الإسلام هو فعل واجتهاد بشریّ، ومحاولة لاختیار أفضل السُبُل والوسائل لتحقیق مصلحة الأمّة، وإدارة شؤون البلاد، وحمایة تعالیم الدین أو سیاسة أمور الدنیا؛ انطلاقًا من القیم الإسلامیّة، فی الکتاب والسنّة، واستصحابًا للمسیرة الحضاریّة التاریخیّة، والإفادة من کافّة التجارب الأخرى، فـ"الحکمة ضالّة المؤمن، فحیث وجدها فهو أحق بها"[75]. والرسول (ص) أوکل هذا الأمر لاجتهاد الناس وأخبرهم بذلک، فقال: "أنتم أعلم بأمر دنیاکم"[76]. ولعل تعدّد الرؤى والاجتهادات والسیاقات التاریخیّة المتنوّعة فی إطار الحاکمیّة الإسلامیّة دلیل على بشریّة الحکم وعدم قدسیّته[77].

کما إنّ شکل نظام الحکم والحاکمیّة هو طریقة فی الإدراة، تتطوّر وتتغیّر بحسب الظروف والاستطاعات، وتفید من تجارب الذات والآخر، ولیس من الثوابت والمقدّسات[78].

فالاجتهاد فی إدارة الحکم لتحقیق المصالح ودرء المفاسد یجری علیه الخطأ والصواب، والأخذ والردّ، والقبول والرفض، والتغییر والتبدیل؛ لأنّه فی نهایة المطاف فعل بشریّ یتمیّز عن غیره بالالتزام بالقیم؛  بوصفه دلیلَ عمل، ومعیارَ فعلٍ، وإطارًا مرجعیًّا، وضابطًا منهجیًّا.

ولذلک نرى فی کثیر من الآیات والأحادیث نسبة فعل الحکم إلى البشر، فهم الفاعلون المجتهدون،  الذین قد یصیبون وقد یخطئون: {وداود وسلیمان إذ یحکمان فی الحرث إذ نفشت فیه غنم القوم وکنا لحکمهم شاهدین}[79]، {ففهمنها سلیمان وکلا أتینا حکما وعلما}[80]، {وإذا حکمتم بین الناس أن تحکموا بالعدل}[81]، {وإن حکمت فاحکم بینهم بالقسط}[82]،  {فابعثوا حکمًا من أهله وحکمًا من أهلها}[83]. وفی الحدیث النبویّ: "إنّکم تختصمون إلیّ، ولعلّ بعضکم أنْ یکون ألحن بحجّته من بعض، فأقضی له على نحو ممّا أسمع منه، فمن قطعت له من حقّ أخیه شیئًا، فلا یأخذه؛ فإنّما أقطع له به قطعة من النار"[84].

فالحاکم مجتهد؛ سواء على مستوى التقاضی وإدارة الخصومة والفصل بین المتخاصمین، أو على مستوى الدولة وإدارة شؤونها، وهو لیس متحدّثًا باسم الله، ولا ظلًّا لله، ویمکن الاعتراض علیه من دون ادّعاء أنّ ذلک عصیانٌ لأمر الله وفسوقٌ بتعالیمه...؛ لأنّه بشر یجری علیه الخطأ والصواب، والقبول والردّ، والنقد والمعارضة، وذلک من باب المناصحة لتسدید مسیرة الحکم[85].

وبهذا نؤکَّد أنّ مفهوم الحاکمیّة فی الإسلام هو الفیصل بین خصائص الألوهیّة والسلطة الحاکمة، من خلال تأکید بشریّة الحاکم، واحتمال الخطأ والصواب فی قراراته وإدارته للدولة والحکم، ففی حاکمیّة الإسلام، الحاکم لیس متحدِّثا باسم الله، ولا منفذِّا لإرادة الله، ولا معتَمَدًا من الله لحکم الناس، بل هو بشر من البشر، بکلّ ما تعنیه هذه البشریّة من أبعاد؛ وفی مقدّمتها جعله محلًّا للمحاسبة.

ولا ندری کیف غابت هذه الرؤیة عن أبی الأعلى المودودی لیصرّح أنّ: "الحقّ -تعالى- وحده هو الحاکم بذاته وأصله، وأنّ حکم سواه موهوب وممنوح"[86]، وأنّ الإنسان لا حظّ له من الحاکمیّة إطلاقًا. وخلافة الإنسان عن الله فی الأرض لا تعطی الحقّ للخلیفة فی العمل بما یشیر به هواه وتقضی به مشیئة شخصه؛ لأنّ عمله ومهمّته تنفیذ مشیئة المالک ورغبته. فلیس لأیّ فرد قید ذرّة من سلطات الحکم، وأیّ شخص أو جماعة یدّعی لنفسه أو لغیره حاکمیّة کلّیّة أو جزئیّة فی ظلّ هذا النظام الکلّیّ المرکزیّ الذی تدبّر کافّة السلطات فیه ذات واحدة، وهو لا ریب، سادرة فی الإفک والبهتان. فالله لیس مجرّد خالق -فقط-؛ وإنّما هو حاکم وآمر کذلک، وهو قد خلق الخلق ولم یهب أحدًا حقّ تنفیذ حکمه فیهم[87].

ب. فی أنواع الحاکمیّة:

بعد الاستعراض السابق للفظ الحکم فی الأصول یُلاحظ أنّ الحاکمیّة وردت فی الأصول على نوعین؛ هما:

-       الحاکمیّة التکوینیّة؛ وهی إرادة الله الکونیّة القدریّة التی تتمثّل فی المشیئة العامّة المحیطة بجمیع الکائنات. فکلّ ما کان ویکون لا یخرج عن سلطان هذه الإرادة ولا یندّ عنها؛ لأنّها تعنی القضاء الکلّیّ الناتج عن العلم الإلهیّ العامّ المترتّب على الحکمة الکونیّة فی الأفعال الإلهیّة.

-       الحاکمیّة التشریعیّة؛ وهی تلک التی تتعلّق بإرادة الله الدینیّة، وتتمثّل هذه الإرادة فی تصوّر عقدیّ عن الله، والکون، والإنسان، ونظریّة الشریعة العامّة؛ حیث تکون العبادات جزءًا منها، مضافًا إلى النظریّة الأخلاقیّة.

وعلى قدر اتّباع الإنسان وتحاکمه إلى حاکمیّة الله التشریعیّة وإرادته الدینیّة یکون الانسجام والتوافق والتجاوب مع الکون من حوله، الذی یخضع بدوره لإرادة الله. ویکون الإنسان -بذلک- خاضعًا لإرادة الله -اختیارًا- باتّباع قانونه الشرعیّ فی حیاته الاختیاریّة[88].

وعلیه، فإنّ الحاکمیة التشریعیّة عبارة عن تصوّر عقدیّ عن الله، والکون، والإنسان ینبثق عنه شریعة وأخلاق، ویتأسّس علیها جمیعًا نظم.

ولکون الغایة من وراء الخلق هی محض معرفة الله والتعبّد له: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ}[89]، {یَا أَیُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّکُمُ الَّذِی خَلَقَکُمْ وَالَّذِینَ مِن قَبْلِکُمْ لَعَلَّکُمْ تَتَّقُونَ}[90]. وکون مضمون العبادة باعتبارها اسمًا جامعًا لجمیع ما یحبّه الله ویرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وشمول نطاقها ومجالها؛ فإنّ ذلک یترک بصماته الواضحة على اتّساع شمول نطاق الحاکمیّة التشریعیّة ومضمونها.

ومضافًا إلى هذا المقصد العامّ والغایة الأساس، یظلّ للحاکمیّة مقصدان آخران ظهرا بجلاء من استقراء دلالات لفظ الحکم فی الأصول؛ وهما:

-       الفصل فی الخلاف بین الناس فی الدنیا والآخرة

-       المنع من الفساد وتحقیق مصالح الناس فی الدارین[91]

ویترتّب على هذا أنّ السیاق الذی کان ینبغی أنْ یتمّ فیه عرض "الحاکمیّة" وتناول مفهومها، لیس -کما یُعتَقَد- سیاقَ التسلّط على الخلق؛ وإنّما سیاق التخلّق بقیم الإسلام[92]؛ ذلک أنّ مفهوم "الحاکمیّة فی الإسلام"، بدلالاته اللغویّة والشرعیّة، وسیاقاته فی الکتاب والسنّة، وتطبیقاته فی السیرة النبویّة؛ یعنی: تحکیم قیم الوحی، وضبط حیاة الناس بها؛ أی حاکمیّة القیم؛ والقیم هی المعاییر والخصائص والأهداف، التی یجب أنْ تکون متوفّرة ومتجلّیة فی الحکم الإسلامیّ، أو حاکمیّة الإسلام؛ من مثل: التوحید، العدل، المساواة، الحرّیّة، حرّیّة الاختیار، عدم الإکراه. والمعنى الأقرب لحاکمیّة القیم: تحکیمها فی إدراة شؤون الناس، بالمساواة بینهم، والفصل فی خصوماتهم، والقضاء فی ما بینهم بالعدل، وحمایة حقوقهم، وحفظ کرامتهم وإنسانیّتهم، والدفاع عنهم، واستمرار المسؤولیّة والرقابة الدائمة لتنزیل هذه القیم على واقع الناس؛ بالاجتهاد، والتجدید، والتقویم، والمراجعة، ونفی نوابت السوء؛ ذلک أنّ الأشخاص حکّامًا ومحکومین، هم محلّ تطبیق هذه القیم وتحکیمها، ومحلّ التکلیف فی وضع برامج وخطط لتنزیلها على واقع الناس، ومراقبة هذا التنزیل، وتصویبه فی ضوء تلک القیم والمعاییر، والسعی إلى الارتقاء بالاستطاعات المؤهّلة لهذه التکالیف، واستکمال تطبیقها فی حیاة الناس[93].

کما تعنی الحاکمیّة أنْ یکون الإنسان مسؤولًا عن متطلّبات تطبیق تعالیم القرآن الکریم ومستلزماتها، وتوفیر سائر الضمانات التی تقتضیها القیم العامّة المشترکة بین البشر؛ قیم العدل والأمانة والهدى، فهو مطالب بأنْ یقرأ هذا القرآن قراءة منهجیّة تقوم على قراءته، وقراءة الکون معه، فی منهج یجمع بینهما، فی قراءة جامعة موحّدة، لا ینفصل فیها أیّ منهما عن الآخر، ففی الوقت الذی یقوم فیه بالتلاوة والتدبّر والتأمل؛ یقوم فیه -کذلک- بالملاحظة والتتبّع والتأمّل والاستقراء لسنن الکون، ویقوم العقل أو الفؤاد بالجمع بین ما یتحصّل علیه من المصدرین: الوحی المقروء والکون المنشور، ویدمج بینهما. وتهدف هذه المنهجیّة إلى استخلاص "النتائج منهما بشکل منضبط، فتستکمل القوانین الضابطة للحیاة والقواعد المنهجیّة التی یمکن للإنسان أنْ یهتدی بها"[94].

وقد یکون من المفید -هنا- الإشارة والإیضاح أنّ الحاکمیّة فی الإسلام تعنی حاکمیّة القیم المتأتّیة من الوحی، التی تحول وتحدّ من تحکّم البشر، وتوقف تسلّط الإنسان على الإنسان؛ تلک الإصابة والعلّة  المزمنة تاریخیًّا فی إشکالیّة الحاکمیّة، فقیم الوحی هی التی تحکم حیاة الناس، والذی یقوم بتطبیقها والاجتهاد فی تنزیلها هم البشر. ومن هنا، تتمیّز الحاکمیّة الإسلامیّة عن الحاکمیّة الإلهیّة بمعناها الدینیّ التیوقراطیّ[95].

إنّ الحاکمیّة فی الإسلام، بجمیع أبعادها، متأتّیة من الوحی، وهی تحرّر البشریّة وتخرجها من تسلّط أیّ أحد باسم الحقّ الإلهیّ؛ کما تعطی للإنسان قدرة مستمرّة على تجدید الأحکام، من خلال تعامل الأجیال القارئة مع القرآن. هی حاکمیّة تتّسع فیها دائرة "التصرّف البشریّ"؛ بالقدر الذی تتّسع به مدارک الإنسان ومفاهیمه، وتتغیّر استنباطاته؛ بالقدر الذی تتغیّر به الأزمنة والأمکنة، وصولًا إلى تأصیل "منهج الهدى ودین الحقّ".

 

خاتمة:

لقد اختلف المفکّرون الإسلامیّون المعاصرون فی تحدید مفهوم الحاکمیّة وتأصیله؛ لما یواجهه هذا المفهوم من أزمة، وما یکتنفه من غموض؛ على مستوى النشأة، والتنظیر، فضلًا عن النتائج العلمیّة والعملیّة التی رُتِّبَت على أساسه، ولهذا اختلفت أسالیب التعامل معه؛ بین ناظر له باعتباره مفهومًا مصدره الشریعة، وبین معتبرٍ إیّاه مفهومًا فکریًّا مصدره الإنتاج العقلیّ البشریّ. وعلى هذا الأساس، کانت التنظیرات الفکریّة لهذا المفهوم متباینة؛ انطلاقًا من الظروف الفکریّة والملابسات الواقعیّة التی عاشها کلّ مفکِّر، وبقی هذا المفهوم، بدلالاته ومعانیه التی استقرّت، أساسًا للتحرّک، ومرجعًا للفکر، ومُستَندًا لکثیر من التفسیرات المختلفة.

ولعلّ مردّ هذا الخلاف والتباین والتشاکس والاختلاف والاحتراب والصراع أنّه لم یُؤثَر بیان نبویّ محکم مُلزم، أو سنّة راشدیّة واضحة فی تحدید أبعاد الأمر بدقّة؛ وإنّما کانت ساحة الأمر، ولا تزال محلًّا للاجتهاد، الذی یجری علیه الخطأ والصواب، والذی یأتی فی معظم الأحیان ضمن السیاق التاریخیّ، ونوازل الناس، وتنازع الفرق والأحزاب وتصارعها، ومحاولة توفیر الغطاء الشرعیّ لذلک الاجتهاد من الکتاب والسنّة، حتّى ولو وصلت الأمور إلى تسویغ الخروج والاحتراب وطرح شعارات؛ من مثل: "لا حکم إلا لله"، والتی یمکن معاودة استصحاب وصفها بأنّها کلمة حقّ أُرید بها باطل[96].

لقد جهل قادة الحرکات الدینیّة أصول الخطاب القرآنیّ، وحوّلوا عالمیّة الإسلام إلى مجتمعات الانغلاق غیر القابلة للتعایش مع غیرها. ففشلوا فی التعایش، وادّعاؤهم منطق الحاکمیّة الإلهیّة قد شوَّه مفاهیم الدین، وأوجد حالة من الانفصام ما بین المسلم ودینه من جهة؛ حین لا یتقبّل المسلم حالات التعصّب والمغالاة والفرقة وإسقاط حقوق الغیر، کما أوجد حالة من الانفصام بین المسلم ومجتمعه من جهة أخرى؛ حین یقبل بهذه المقولات الزائفة على علّاتها ظنًّا منه أنّها من صلب دینه.

إنّ هذه الخیارات الزائفة المستندة إلى فهم دینیّ خاطئ، والتی تأخذ بها حرکات دینیّة فی واقعنا المعاصر، تتعارض کلّیًّا مع منهجیّة القرآن، وخصائص عالمیّة الرسالة، ومفهوم حاکمیّة القیم.

والمطلوب، راهنًا، أنْ یتنبّه المجتمع بجمیع مؤسّساته العلمیّة، وبجمیع مصادر التوجیه فیه، إلى وجوب العودة إلى المواقع التی یتشکّل فیها الوعی، وتصنع فیها الممانعة من أجل تفعیل رسالتها.

ولا یتأتّى ذلک إلا باعتماد برامج التعلیم بتخصّصاته کلّها، وداخل جمیع مؤسّساته؛ لمواد العقیدة الإسلامیّة، والثقافة الإسلامیّة، والحضارة الإسلامیّة، والخروج بها عن أنْ تظلّ مجرّد اهتمام تخصّصیّ محدود؛ ما دام خطاب العنف مفتوحًا على جمیع شرائح المجتمع.

والمتعیّن -أیضًا- أنْ تفسح وسائل الإعلام، بأصنافها کلّها، وبما لها من قدرة على التواصل، المجال واسعًا للتعریف بالثقافة الإسلامیّة الرصینة، فی أفق إنجاز مشروع بناء الذهنیّة الإسلامیّة القادرة على النقد والتمحیص، وعلى أمل تقویة الرصید المعرفیّ للمواطن الذی یجب التعویل على وعیه وإسهامه فی هذا المجال.

ویظلّ للأسرة دورها فی غرس معانی التدیّن الصحیح؛ کما إنّ للمسجد وما یُلقَى فیه من دروس العلم والخطب والمواعظ رسالته الکبیرة فی تحقیق هذا الهدف.

وفی الختام، فإنّ السؤال الذی ألقیه على نفسی فی کآبة شدیدة إلى حدّ القلق -ولا مانع من أن یلقیه کلّ واحدٍ على نفسه- هو هذا: لقد تألّم المسلمون کثیرًا فی الماضی من التوظیف السیاسیّ للإسلام، فخدموا من خدموا، وعارضوا من عارضوا، ورکبوا الدین مطایا یحدوها حادی التکفیر، فتفرّقت بهم السبل... فهل سنبقى على هذه الحال إلى الأبد؟ أم هل سنعتبر بالتاریخ -وقد أراده مسکویه تجاربَ وابن خلدون عبرًا- فنقطع عمّا تألّمنا منه، وشقّ صفوفنا، وفرّق فرقنا إلى حدّ تکفیر بعضنا بعضًا، واستحلال دمائنا، بأوجه یعسر حصرها؟[97].



1 لا یُدّعى من خلال هذا البحث حلّ جمیع الإشکالات المرتبطة بمفهوم "الحاکمیة"، ومن ثمّ إنهاء کلّ نزاع أو جدل صاحب المفهوم؛ قدیمًا وحدیثًا، فالأمر على قدر کبیر من الخطورة بالنظر إلى تأثیرات المفهوم العملیّة الواقعیّة. ولکنْ یبقى البحث محاولة لوضع المفهوم فی مکانه الصحیح من المنظومة المعرفیّة الإسلامیّة، وتخلیص المفهوم من معانیه التحریضیّة التی استخدمت لتبریر کلّ الأعمال الإرهابیّة وأعمال العنف، من طرف مَنْ تبنّوه بدلالاته تلک، داخل الأقطار الإسلامیّة وخارجها على حدّ سواء.

ونشیر إلى أنّ ثمّة محاولات جادّة سابقة فی هذا العمل نشترک معها فی المقصد والغایة من تناول مفهوم "الحاکمیة"؛ بالدراسة والتحلیل والنقد، کان اعتمادنا علیها کبیرًا فی هذه المحاولة؛ نذکر منها على سبیل المثال، لا الحصر: العلوانی، طه جابر: حاکمیّة القرآن، ط1، فیرجینیا، المعهد العالمی للفکر الإسلامی، 1996م؛ حاج حمد، أبو القاسم: الحاکمیّة، ط1، بیروت، دار الساقی، 2010م؛ جعفر، هشام أحمد عوض: الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة، ط1، فیرجینیا، المعهد العالمی للفکر الإسلامی، 1995م؛ عمارة، محمد: نظریّة الحاکمیّة الإلهیّة فی فکر أبی الأعلى المودودی، ندوة إشکالیّات الفکر الإسلامی المعاصر، مالطا، مرکز دراسات العالم الإسلامی، 1991م؛ حسنة، عمر عبید: الحاکمیّة فی الإسلام بین الدینی والمدنی، ط1، المکتب الإسلامی، 1432هـ.ق؛ حسنة، عمر عبید: إشکالیّة الحاکمیّة فی العقل المسلم، ط1، بیروت، المکتب الإسلامی، 2008م؛ عبد الرحمان، طه: ضمن کتاب "روح الدین"، ط1، الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی، 2012م؛ لحساسنة، حسن: الحاکمیّة فی الفکر الإسلامیّ، کتاب الأمّة، وزارة الأوقاف فی قطر، العدد118، ربیع1428هـ.ٌ؛ لحساسنة، حسن: "مداخل منهجیّة فی مفهوم الحاکمیّة"، مجلة إسلامیّة المعرفة، تصدر عن المعهد العالمی للفکر الإسلامی فی فیرجینیا، السنة السابعة، العدد الثامن والعشرون، ربیع 1423هـ.ق/ 2002م؛ العلمی، الحسن: الحاکمیّة وظاهرة الغلوّ فی الدین، ندوة حکم الشرع ودعاوى الإرهاب، الرباط، المجلس العلمی الأعلى، 2007م؛ ...

[2]  أستاذ التعلیم العالی مؤهّل، جامعة السلطان مولای سلیمان، بنی ملال، المغرب.

[3]  سورة المائدة، الآیة 44.

[4]  سورة المائدة، الآیة 45.

[5]  سورة المائدة، الآیة 47.

[6] سورة الأنعام، الآیة 57.

2 حاج حمد، الحاکمیة، م.س، ص39.

3 فی مقابل هذا الفهم برز فی الفکر الإسلامیّ المعاصر تیّار یشدّد على أنّ القول بالحاکمیّة، الصادر عن هذه الحرکات، یؤدّی إلى تحریف المعنى القرآنیّ لمصطلح الحکم؛ الذی منه اشتقّت لفظة الحاکمیّة، وحسبانه دالًا على معنى النظام السیاسیّ أو السلطة السیاسیّة؛ ذلک أنّ القرآن الکریم لم یستخدم ولو لمرّةٍ واحدة أیّ مفهوم سیاسی لما نعرفه الیوم فی استخدامنا لکلمات: الحکم، الحکومة، وما أشبه. لقد ثبت القرآن عند استخدامه للکلمات المشتقّة من الجدر اللغویّ (حَکَمَ)، على معنى واحد لا غیر؛ هو القضاء؛ بمعنى الفصل فی المنازعات والخصومات، وکلّ ما یقع من خلاف بین الناس. (خلف الله، محمد أحمد: مفاهیم قرآنیّة، ط1، سلسلة عالم المعرفة، تصدر عن المجلس الوطنی للثقافة والفنون والآداب فی الکویت، العدد79، 1984م، ص25 وما بعدها). وبالتالی لا صلة له بالخلافة أو بالنظام السیاسی (بلقریز، عبد الإله: الدولة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر، ط1، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 2002م، ص242).

وفی هذا الإطار یمکن للباحث أن یمیّز بین أسلوبین أو منهجین تمّ بهما تناول المفهوم والتعامل معه: الأوّل: نظر إلیه باعتباره مفهومًا "أصولیًّا" ومن ثمّ، فقد سعى إلى تأصیله من خلال تتبّع دلالة جذره اللغویّ فی القرآن والسنّة واللغة؛ ولکنّ أصحاب هذا المنهج استخدموا عددًا من آلیّات التحیّز لتأکید مقولات وقیم استنبطوها فی أنفسهم. وأمّا المنهج الثانی، فقد اعتبر الحاکمیّة مفهومًا فکریًّا؛ أی نتاج فکر بشریّ، ومن ثمّ یجب النظر إلیه فی ظلّ الظروف التاریخیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة التی أحاطت بالمفکّر، وبظروفه الشخصیّة التی صنعت فکره. (جعفر، الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة رؤیة معرفیّة، م.س، ص51).

[9]  م.ن، ص78.

[10]  انظر: الطبری، ابن جریر، تاریخ الأمم والملوک، ط1، دمشق، دار الفکر، 1979م، ج6، ص26-27.

[11]  انظر: أبو زهرة، محمد: تاریخ المذاهب الإسلامیّة، القاهرة، دار الفکر العربیّ، لا ت، ص60.

[12]  سورة البقرة، الآیة 207.

[13]  انظر: العلویّ، محمد (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ورسائله وحکمه)، شرح: ابن أبی الحدید المعتزلیّ، بیروت، دار الرشاد، لا ت، ج2، ص310.

[14]  العوا، محمد سلیم: فی النظام السیاسیّ للدولة الإسلامیّة، ط6، القاهرة، المکتب المصریّ الحدیث، 1993م، ص114.

[15]  أبو زهرة، تاریخ المذاهب الإسلامیّة، م.س، ص61.

[16]  لحساسنة، الحاکمیّة فی الفکر الإسلامیّ، م.س، ص122.

[17]  الشاطبی، أبو إسحاق: الاعتصام، تحقیق: سلیم بن عبد الهلالی، ط1، القاهرة، دار ابن القیم؛ دار ابن عفان، 1423ه.ق/ 2003م، ج2، ص690.

[18]  الشاطبی، الاعتصام، م.س، ج2، ص691.

[19]  انظر: المودودی، أبو الأعلى: الحکومة الإسلامیّة، ترجمة: أحمد إدریس، طبعة القاهرة، 1977م، ص70-75.

[20]  المودودی، أبو الأعلى: الجهاد فی سبیل الله، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1979م، ص41.

[21]  لحساسنة، مداخل منهجیّة فی مفهوم الحاکمیّة، م.س، ص67.

[22]  المودودی، الحکومة الإسلامیّة، م.س، ص130.

[23]  المودودی، نظریّة الإسلام السیاسیّة، ترجمة: خلیل حسن الإصلاحی، ط1، بیروت، 1969م، ص49.

[24]  المودودی، الحکومة الإسلامیّة، م.س، ص65.

[25]  الشاذلی، إبراهیم (سیّد قطب): فی ظلال القرآن، ط30، القاهرة، دار الشروق، 1422هـ.ق/ 2001م، ج3، ص1433.

[26]  م.ن، ص1435.

[27]  م.ن، ص1433.

[28]  م.ن، ص1434-1435.

[29]  م.ن، ص156-157.

[30]  الشاذلی، إبراهیم (سیّد قطب): معالم فی الطریق، ط16، بیروت، دار الشروق، 1413هـ.ق/ 1993م، ص10.

[31]  سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص10.

[32]  م.ن.

[33]  م.ن، ص101.

[34]  لحساسنة، مداخل منهجیّة فی مفهوم الحاکمیّة، م.س، ص72.

[35]  سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص26.

[36]  م.ن، ص36.

[37]  سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص90.

[38]  سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج2، ص887.

[39]  م.ن، ص888.

[40]  سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص26.

[41]  العلوانی،: الخصوصیّة والعالمیّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر، ط1، بیروت، دار الهادی، 2003م، ص275.

[42]  حاج حمد، الحاکمیّة، م.س، ص44.

[43]  ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا طـ بیروت، دار صادر، لا ت، ج4، ص391-392.

[44]  لا ینبغی أنْ نفهم من الکلام أنّ الحرکات الإسلامیّة المتشدّدة، فی تکفیرها للمجتمع وتسویغها العنف سبیلًا للتغییر، تستند إلى ما ترتّب عن مصطلح "الحاکمیّة" من مفهوم فحسب؛ ذلک أنّ الفکر التکفیریّ یستند إلى عدّة مرتکزات -أخرى- جعلها أساس القول بالتکفیر؛ وهی قاعدة التکفیر؛ بسبب انخرام رکن من أرکان الإیمان، ثمّ قاعدة التکفیر؛ بسبب ترک العمل واقتراف الکبائر، ثمّ قاعدة التکفیر؛ تبعًا لحکم الدار. وقد انتهى التفریع على هذا التأصیل إلى أنّ ترک العمل هو إخلالٌ بالإیمان، وأنّ مرتکبی الکبائر کفّار، وأنّ دیار المسلمین لیست دار إسلام. (انظر: بنحمزة، مصطفى: ثقافة الإرهاب (قراءة شرعیّة)، ضمن أعمال ندوة "حکم الشرع فی دعاوى الإرهاب"، ط1، المغرب، المجلس العلمیّ الأعلى، 1428هـ.ق/ 2007م، ص35.

[45]  انظر: الفیومی، أحمد بن محمد بن علی المقری: المصباح المنیر، بیروت، دار الکتب العلمیة، لا ت، ص56؛ الفیروزآبادی، مجد الدین محمد بن یعقوب: القاموس المحیط، بیروت، دار الفکر، 1403ه.ق/ 1983م، ج4، ص98 وما بعدها؛ ابن منظور، أبو الفضل جمال الدین المصری: لسان العرب، ط1، بیروت، دار الفکر للطباعة والنشر والتوزیع، 1410ه.ق/ 1990م، ج12، ص140-145، الزبیدی، محمد مرتضى: تاج العروس، لا ط، لا م، لا ن، ج8، ص252 وما بعدها؛ ابن درید، أبو بکر محمد بن الحسن: الاشتقاق، تحقیق: عبد السلام هارون، القاهرة، مطبعة السنّة المحمّدیّة، 1378هـ.ق/ 1958م، ص76؛ الراغب الأصفهانی، حسین: مفردات غریب القرآن، تحقیق: محمد سید کیلانی، القاهرة، شرکة ومکتبة ومطبعة مصطفى البابی الحلبی وأولاده، 1381هـ.ق/ 1961م، ص126؛ الرازی، محمد بن أبی بکر: ترتیب مختار الصحاح، تحقیق: شهاب الدین أبی عمر، عنی بترتیبه: محمود خاطر، بیروت، دار الفکر، 1414هـ.ق/ 1993م، ص193.

[46]  ذکر الحسین بن محمد الدامغانی خمسة معانی للحکم فی القرآن الکریم؛ وهی: الموعظة، الفهم، النبوّة، تفسیر القرآن، القرآن. (انظر: الدامغانی، الحسین بن محمد: قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر فی القرآن الکریم، تحقیق: عبد العزیز سیّد الأهدل، ط5، بیروت، دار العلم للملایین، 1985م، ص142 وما بعدها). وذکر حسن لحساسنة اثنا عشر معنى للحکم فی القرآن الکریم؛ وهی: القضاء والفصل فی المظالم والخصومات، الإحکام والإتقان، الفهم والفقه والعقل والعلم، والوضوح والإبانة، القرآن الکریم، النبوّة والرسالة، السنّة النبویّة، التحلیل والتحریم، القضاء والقدر، العظة والعبرة، الحکم بالمفهوم السیاسیّ (التحاکم إلى غیر شرع الله، الملک، ولاة الأمور)، الشریعة. (انظر: لحساسنة، الحاکمیّة فی الفکر الإسلامیّ، م.س، ص37 وما بعدها). وقد ذکر هشام أحمد عوض جعفر للحکم فی القرآن والسنّة تسعة معانٍ (فی کتابه: الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة)؛ وهی المذکورة فی متن بحثنا.

[47]  سورة المائدة، الآیة 1.

[48]  سورة یوسف، الآیة 40.

[49]  سورة الکهف، الآیة 26.

[50]  سورة الشورى، الآیة 10.

[51]  سورة یوسف، الآیة 67.

[52]  سورة الرعد، الآیة 41.

[53]  ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص391.

[54]  سورة القصص، الآیة 14.

[55]  سورة الأحزاب، الآیة 34.

[56]  سورة النساء، الآیة 54.

[57]  سورة الأنبیاء، الآیة 74.

[58]  سورة البقرة، الآیة 269.

[59]  سورة النحل، الآیة 125.

[60]  سورة الرعد، الآیة 37.

[61]  سورة الشعراء، الآیة 83.

[62]  سورة مریم، الآیة 12.

[63]  سورة الأنعام، الآیة 89.

[64]  طه عبد الرحمان، روح الدین، م.س، ص359.

[65]  العلویّ، محمد (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، قم، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، خطبة40، ج1، ص91.

[66]  طه عبد الرحمان، روح الدین، م.س، ص360.

[67]  سورة الزمر، الآیة 3.

[68]  سورة الحجّ، الآیة 56.

[69]  سورة البقرة، الآیة 113.

[70]  ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج5، ص46.

[71]  م.ن، ج4، ص198.

[72]  سورة هود، الآیة 1.

[73]  سورة الحجّ، الآیة 52.

[74]  سورة آل عمران، الآیة 7.

[75]  الترمذی، محمد بن عیسى بن سورة: الجامع الصحیح (سنن الترمذی)، تحقیق وتصحیح: عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بیروت، دار الفکر،1403هـ.ق/ 1983م، ج4، ص155.

[76]  النیسابوری، مسلم: صحیح مسلم، لا ط، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج7، ص95.

[77]  حسنة، إشکالیّة الحاکمیّة فی العقل المسلم، م.س، ص33.

[78]  م.ن، ص10.

[79]  سورة الأنبیاء، الآیة 78.

[80]  سورة الأنبیاء، الآیة 79.

[81]  سورة النساء، الآیة 58.

[82]  سورة المائدة، الآیة 42.

[83]  سورة النساء، الآیة 35.

[84]  النیسابوری، صحیح مسلم، م.س، ج5، ص129.

[85]  حسنة، الحاکمیّة فی الإسلام، م.س، ص33.

[86]  المودودی، الحکومة الإسلامیّة، م.س، ص116.

[87]  م.ن، ص65.

[88]  جعفر، الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة، م.س، ص66.

[89]  سورة الذاریات، الآیة 56.

[90]  سورة البقرة، الآیة 21.

[91]  جعفر، الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة، م.س، ص77.

[92]  عبد الرحمن، روح الدین، م.س، ص368 (بتصرّف یسیر).

[93]  حسنة، الحاکمیّة فی الإسلام، م.س، ص15.

[94]  العلوانی، حاکمیّة الکتاب، م.س، ص25.

[95]  م.ن، ص30.

[96]  حسنة، الحاکمیّة فی الإسلام بین الدینیّ والمدنیّ، م.س، ص17.

[97]  انظر، الطالبی، محمد: "التکفیر والعنف"، مجلة قضایا إسلامیّة معاصرة، السنة الثانیة عشرة، العدد35-36، ربیع وشتاء 1429هـ.ق/ 2008م، ص174.

[1] سورة المائدة، الآیة 44.
[1] سورة المائدة، الآیة 45.
[1] سورة المائدة، الآیة 47.
[1] سورة الأنعام، الآیة 57.
2 حاج حمد، الحاکمیة، م.س، ص39.
3 فی مقابل هذا الفهم برز فی الفکر الإسلامیّ المعاصر تیّار یشدّد على أنّ القول بالحاکمیّة، الصادر عن هذه الحرکات، یؤدّی إلى تحریف المعنى القرآنیّ لمصطلح الحکم؛ الذی منه اشتقّت لفظة الحاکمیّة، وحسبانه دالًا على معنى النظام السیاسیّ أو السلطة السیاسیّة؛ ذلک أنّ القرآن الکریم لم یستخدم ولو لمرّةٍ واحدة أیّ مفهوم سیاسی لما نعرفه الیوم فی استخدامنا لکلمات: الحکم، الحکومة، وما أشبه. لقد ثبت القرآن عند استخدامه للکلمات المشتقّة من الجدر اللغویّ (حَکَمَ)، على معنى واحد لا غیر؛ هو القضاء؛ بمعنى الفصل فی المنازعات والخصومات، وکلّ ما یقع من خلاف بین الناس. (خلف الله، محمد أحمد: مفاهیم قرآنیّة، ط1، سلسلة عالم المعرفة، تصدر عن المجلس الوطنی للثقافة والفنون والآداب فی الکویت، العدد79، 1984م، ص25 وما بعدها). وبالتالی لا صلة له بالخلافة أو بالنظام السیاسی (بلقریز، عبد الإله: الدولة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر، ط1، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 2002م، ص242).
وفی هذا الإطار یمکن للباحث أن یمیّز بین أسلوبین أو منهجین تمّ بهما تناول المفهوم والتعامل معه: الأوّل: نظر إلیه باعتباره مفهومًا "أصولیًّا" ومن ثمّ، فقد سعى إلى تأصیله من خلال تتبّع دلالة جذره اللغویّ فی القرآن والسنّة واللغة؛ ولکنّ أصحاب هذا المنهج استخدموا عددًا من آلیّات التحیّز لتأکید مقولات وقیم استنبطوها فی أنفسهم. وأمّا المنهج الثانی، فقد اعتبر الحاکمیّة مفهومًا فکریًّا؛ أی نتاج فکر بشریّ، ومن ثمّ یجب النظر إلیه فی ظلّ الظروف التاریخیّة والاجتماعیّة والسیاسیّة والاقتصادیّة التی أحاطت بالمفکّر، وبظروفه الشخصیّة التی صنعت فکره. (جعفر، الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة رؤیة معرفیّة، م.س، ص51).
[1] م.ن، ص78.
[1] انظر: الطبری، ابن جریر، تاریخ الأمم والملوک، ط1، دمشق، دار الفکر، 1979م، ج6، ص26-27.
[1] انظر: أبو زهرة، محمد: تاریخ المذاهب الإسلامیّة، القاهرة، دار الفکر العربیّ، لا ت، ص60.
[1] سورة البقرة، الآیة 207.
[1] انظر: العلویّ، محمد (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ورسائله وحکمه)، شرح: ابن أبی الحدید المعتزلیّ، بیروت، دار الرشاد، لا ت، ج2، ص310.
[1] العوا، محمد سلیم: فی النظام السیاسیّ للدولة الإسلامیّة، ط6، القاهرة، المکتب المصریّ الحدیث، 1993م، ص114.
[1] أبو زهرة، تاریخ المذاهب الإسلامیّة، م.س، ص61.
[1] لحساسنة، الحاکمیّة فی الفکر الإسلامیّ، م.س، ص122.
[1] الشاطبی، أبو إسحاق: الاعتصام، تحقیق: سلیم بن عبد الهلالی، ط1، القاهرة، دار ابن القیم؛ دار ابن عفان، 1423ه.ق/ 2003م، ج2، ص690.
[1] الشاطبی،الاعتصام، م.س، ج2، ص691.
[1] انظر: المودودی،أبو الأعلى: الحکومة الإسلامیّة، ترجمة: أحمد إدریس، طبعة القاهرة، 1977م، ص70-75.
[1] المودودی، أبو الأعلى: الجهاد فی سبیل الله، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1979م، ص41.
[1] لحساسنة، مداخل منهجیّة فی مفهوم الحاکمیّة، م.س، ص67.
[1] المودودی، الحکومة الإسلامیّة، م.س، ص130.
[1] المودودی، نظریّة الإسلام السیاسیّة، ترجمة: خلیل حسن الإصلاحی، ط1، بیروت، 1969م، ص49.
[1] المودودی، الحکومة الإسلامیّة، م.س، ص65.
[1] الشاذلی، إبراهیم (سیّد قطب): فی ظلال القرآن، ط30، القاهرة، دار الشروق، 1422هـ.ق/ 2001م، ج3، ص1433.
[1] م.ن، ص1435.
[1] م.ن، ص1433.
[1] م.ن، ص1434-1435.
[1] م.ن، ص156-157.
[1] الشاذلی، إبراهیم (سیّد قطب): معالم فی الطریق، ط16، بیروت، دار الشروق، 1413هـ.ق/ 1993م، ص10.
[1] سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص10.
[1] م.ن.
[1] م.ن، ص101.
[1] لحساسنة، مداخل منهجیّة فی مفهوم الحاکمیّة، م.س، ص72.
[1] سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص26.
[1] م.ن، ص36.
[1] سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص90.
[1] سیّد قطب، فی ظلال القرآن، م.س، ج2، ص887.
[1] م.ن، ص888.
[1] سیّد قطب، معالم فی الطریق، م.س، ص26.
[1] العلوانی،: الخصوصیّة والعالمیّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر، ط1، بیروت، دار الهادی، 2003م، ص275.
[1] حاج حمد، الحاکمیّة، م.س، ص44.
[1] ابن حنبل، أحمد: مسند أحمد، لا طـ بیروت، دار صادر، لا ت، ج4، ص391-392.
[1] لا ینبغی أنْ نفهم من الکلام أنّ الحرکات الإسلامیّة المتشدّدة، فی تکفیرها للمجتمع وتسویغها العنف سبیلًا للتغییر، تستند إلى ما ترتّب عن مصطلح "الحاکمیّة" من مفهوم فحسب؛ ذلک أنّ الفکر التکفیریّ یستند إلى عدّة مرتکزات -أخرى- جعلها أساس القول بالتکفیر؛ وهی قاعدة التکفیر؛ بسبب انخرام رکن من أرکان الإیمان، ثمّ قاعدة التکفیر؛ بسبب ترک العمل واقتراف الکبائر، ثمّ قاعدة التکفیر؛ تبعًا لحکم الدار. وقد انتهى التفریع على هذا التأصیل إلى أنّ ترک العمل هو إخلالٌ بالإیمان، وأنّ مرتکبی الکبائر کفّار، وأنّ دیار المسلمین لیست دار إسلام. (انظر: بنحمزة، مصطفى: ثقافة الإرهاب (قراءة شرعیّة)، ضمن أعمال ندوة "حکم الشرع فی دعاوى الإرهاب"، ط1، المغرب، المجلس العلمیّ الأعلى، 1428هـ.ق/ 2007م، ص35.
[1] انظر: الفیومی، أحمد بن محمد بن علی المقری: المصباح المنیر، بیروت، دار الکتب العلمیة، لا ت، ص56؛ الفیروزآبادی، مجد الدین محمد بن یعقوب: القاموس المحیط، بیروت، دار الفکر، 1403ه.ق/ 1983م، ج4، ص98 وما بعدها؛ ابن منظور، أبو الفضل جمال الدین المصری: لسان العرب، ط1، بیروت، دار الفکر للطباعة والنشر والتوزیع، 1410ه.ق/ 1990م، ج12، ص140-145، الزبیدی، محمد مرتضى: تاج العروس، لا ط، لا م، لا ن، ج8، ص252 وما بعدها؛ ابن درید، أبو بکر محمد بن الحسن: الاشتقاق، تحقیق: عبد السلام هارون، القاهرة، مطبعة السنّة المحمّدیّة، 1378هـ.ق/ 1958م، ص76؛ الراغب الأصفهانی، حسین: مفردات غریب القرآن، تحقیق: محمد سید کیلانی، القاهرة، شرکة ومکتبة ومطبعة مصطفى البابی الحلبی وأولاده، 1381هـ.ق/ 1961م، ص126؛ الرازی، محمد بن أبی بکر: ترتیب مختار الصحاح، تحقیق: شهاب الدین أبی عمر، عنی بترتیبه: محمود خاطر، بیروت، دار الفکر، 1414هـ.ق/ 1993م، ص193.
[1] ذکر الحسین بن محمد الدامغانی خمسة معانی للحکم فی القرآن الکریم؛ وهی: الموعظة، الفهم، النبوّة، تفسیر القرآن، القرآن. (انظر: الدامغانی، الحسین بن محمد: قاموس القرآن أو إصلاح الوجوه والنظائر فی القرآن الکریم، تحقیق: عبد العزیز سیّد الأهدل، ط5، بیروت، دار العلم للملایین، 1985م، ص142 وما بعدها). وذکر حسن لحساسنة اثنا عشر معنى للحکم فی القرآن الکریم؛ وهی: القضاء والفصل فی المظالم والخصومات، الإحکام والإتقان، الفهم والفقه والعقل والعلم، والوضوح والإبانة، القرآن الکریم، النبوّة والرسالة، السنّة النبویّة، التحلیل والتحریم، القضاء والقدر، العظة والعبرة، الحکم بالمفهوم السیاسیّ (التحاکم إلى غیر شرع الله، الملک، ولاة الأمور)، الشریعة. (انظر: لحساسنة، الحاکمیّة فی الفکر الإسلامیّ، م.س، ص37 وما بعدها). وقد ذکر هشام أحمد عوض جعفر للحکم فی القرآن والسنّة تسعة معانٍ (فی کتابه: الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة)؛ وهی المذکورة فی متن بحثنا.
[1] سورة المائدة، الآیة 1.
[1] سورة یوسف، الآیة 40.
[1] سورة الکهف، الآیة 26.
[1] سورة الشورى، الآیة 10.
[1] سورة یوسف، الآیة 67.
[1] سورة الرعد، الآیة 41.
[1] ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج1، ص391.
[1] سورة القصص، الآیة 14.
[1] سورة الأحزاب، الآیة 34.
[1] سورة النساء، الآیة 54.
[1] سورة الأنبیاء، الآیة 74.
[1] سورة البقرة، الآیة 269.
[1] سورة النحل، الآیة 125.
[1] سورة الرعد، الآیة 37.
[1] سورة الشعراء، الآیة 83.
[1] سورة مریم، الآیة 12.
[1] سورة الأنعام، الآیة 89.
[1] طه عبد الرحمان، روح الدین، م.س، ص359.
[1] العلویّ، محمد (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، قم، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، خطبة40، ج1، ص91.
[1] طه عبد الرحمان، روح الدین، م.س، ص360.
[1] سورة الزمر، الآیة 3.
[1] سورة الحجّ، الآیة 56.
[1] سورة البقرة، الآیة 113.
[1] ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج5، ص46.
[1] م.ن، ج4، ص198.
[1] سورة هود، الآیة 1.
[1] سورة الحجّ، الآیة 52.
[1] سورة آل عمران، الآیة 7.
[1] الترمذی، محمد بن عیسى بن سورة: الجامع الصحیح (سنن الترمذی)، تحقیق وتصحیح: عبد الرحمن محمد عثمان، ط2، بیروت، دار الفکر،1403هـ.ق/ 1983م، ج4، ص155.
[1] النیسابوری، مسلم: صحیح مسلم، لا ط، بیروت، دار الفکر، لا ت، ج7، ص95.
[1] حسنة، إشکالیّة الحاکمیّة فی العقل المسلم، م.س، ص33.
[1] م.ن، ص10.
[1] سورة الأنبیاء، الآیة 78.
[1] سورة الأنبیاء، الآیة 79.
[1] سورة النساء، الآیة 58.
[1] سورة المائدة، الآیة 42.
[1] سورة النساء، الآیة 35.
[1] النیسابوری، صحیح مسلم، م.س، ج5، ص129.
[1] حسنة، الحاکمیّة فی الإسلام، م.س، ص33.
[1] المودودی، الحکومة الإسلامیّة، م.س، ص116.
[1] م.ن، ص65.
[1] جعفر، الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة، م.س، ص66.
[1] سورة الذاریات، الآیة 56.
[1] سورة البقرة، الآیة 21.
[1] جعفر، الأبعاد السیاسیّة لمفهوم الحاکمیّة - رؤیة معرفیّة، م.س، ص77.
[1] عبد الرحمن، روح الدین، م.س، ص368 (بتصرّف یسیر).
[1] حسنة، الحاکمیّة فی الإسلام، م.س، ص15.
[1] العلوانی، حاکمیّة الکتاب، م.س، ص25.
[1] م.ن، ص30.
[1] حسنة، الحاکمیّة فی الإسلام بین الدینیّ والمدنیّ، م.س، ص17.
[1] انظر، الطالبی، محمد: "التکفیر والعنف"، مجلة قضایا إسلامیّة معاصرة، السنة الثانیة عشرة، العدد35-36، ربیع وشتاء 1429هـ.ق/ 2008م، ص174.