جدل المعیاریَّة والموضوعیَّة فی النظام المعرفیّ الإسلامیّ

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

لطالما اعتُبِرَ المنهج الوصفیّ التقریریّ الأساس الإبیستیمولوجی لتحقیق "الموضوعیّة" فی العلوم الإنسانیّة؛ بما هی أهمّ خصائص التفکیر العلمیّ، والشرط الإبیستیمی لتحقیق علمیّة هذه العلوم؛ أسوة بما تحقّق فی "العلوم الطبیعیّة" و"الریاضیّة"، وخاصّة فی ظلّ سیادة "الأنموذج التفسیریّ" (paradigm) المتمثّل فی الفیزیاء الکلاسیکیّة، الذی هیمن على المعرفة العلمیّة منذ القرن السابع عشر، وصبغها بروحه الفلسفیّة المادّیّة وقواعده المنهجیّة الصارمة. ومن ثمّ، فقد تمّ اعتبار جمیع التدخّلات والاعتبارات المعیاریّة مؤثّرة فی تحقیق موضوعیّة المعرفة العلمیّة، وقادحة فی یقینیّة نتائجها.
غیر أنّ المراجعات المنهجیّة التی أفرزها "الأنموذج التفسیریّ" الحدیث المتولِّد عن النظریّات الفیزیائیّة النسبیّة والکمّیّة وغیرها، قد أعاد الحدیث عن "المعیاریّة" وأثرها على تحقّق الموضوعیّة إلى دائرة النقاش الإبیستیمولوجی من جدید، وتخلیصها من وهم النسق الوضعیّ المادّیّ الصارم؛ وذلک عندما أکّد هذا الأنموذج على نسبیّة الحقیقة؛ بالنظر إلى موقع الباحث من الظاهرة.
ومن هذا المنطلق المنهجیّ، یتجدّد النقاش حول طبیعة المعرفة الإسلامیّة المتولِّدة عن الرؤیة الحضاریّة التوحیدیّة المعیاریّة بطبیعتها، والدلالات الإبیستیمولوجیّة لهذه المعیاریّة، وأثرها فی موضوعیّة هذه المعرفة وثبات نتائجها. 

نقاط رئيسية

أولاً: "المعیاریَّة" وإشکالیَّة تحقیق "الموضوعیَّة" فی مناهج العلوم الطبیعیَّة والإنسانیَّة

ثانیاً: تحریر مجلّ النزاع فی مفهوم المعیاریَّة والموضوعیَّة وتلازمهما فی النظام المعرفیّ الإسلامیّ

الكلمات الرئيسية


جدل المعیاریّة والموضوعیّة فی النظام المعرفیّ الإسلامیّ

الدکتور جمال الدین ناسک[1]

خلاصة المقالة:

لطالما اعتُبِرَ المنهج الوصفیّ التقریریّ الأساس الإبیستیمولوجی لتحقیق "الموضوعیّة" فی العلوم الإنسانیّة؛ بما هی أهمّ خصائص التفکیر العلمیّ، والشرط الإبیستیمی لتحقیق علمیّة هذه العلوم؛ أسوة بما تحقّق فی "العلوم الطبیعیّة" و"الریاضیّة"، وخاصّة فی ظلّ سیادة "الأنموذج التفسیریّ" (paradigm) المتمثّل فی الفیزیاء الکلاسیکیّة، الذی هیمن على المعرفة العلمیّة منذ القرن السابع عشر، وصبغها بروحه الفلسفیّة المادّیّة وقواعده المنهجیّة الصارمة. ومن ثمّ، فقد تمّ اعتبار جمیع التدخّلات والاعتبارات المعیاریّة مؤثّرة فی تحقیق موضوعیّة المعرفة العلمیّة، وقادحة فی یقینیّة نتائجها.

غیر أنّ المراجعات المنهجیّة التی أفرزها "الأنموذج التفسیریّ" الحدیث المتولِّد عن النظریّات الفیزیائیّة النسبیّة والکمّیّة وغیرها، قد أعاد الحدیث عن "المعیاریّة" وأثرها على تحقّق الموضوعیّة إلى دائرة النقاش الإبیستیمولوجی من جدید، وتخلیصها من وهم النسق الوضعیّ المادّیّ الصارم؛ وذلک عندما أکّد هذا الأنموذج على نسبیّة الحقیقة؛ بالنظر إلى موقع الباحث من الظاهرة.

ومن هذا المنطلق المنهجیّ، یتجدّد النقاش حول طبیعة المعرفة الإسلامیّة المتولِّدة عن الرؤیة الحضاریّة التوحیدیّة المعیاریّة بطبیعتها، والدلالات الإبیستیمولوجیّة لهذه المعیاریّة، وأثرها فی موضوعیّة هذه المعرفة وثبات نتائجها. 

 

کلمات مفتاحیّة:

المعیاریّة، الموضوعیّة، النظام المعرفیّ الإسلامیّ، المعرفة العلمیّة، العلوم الطبیعیّة، العلوم الإنسانیّة، الفلسفة الوضعیّة، المنهج الوصفیّ التقریریّ، الصرامة المنهجیّة، الحیاد الأخلاقیّ.

 

مقدّمة:

تنتمی إشکالیّة هذا البحث وأطروحته المرکزیّة إلى حقل نظریّ حیویّ شَغَل حرکیّة الفکر الإسلامیّ المعاصر، المسکون بهاجس إحیاء العقل المسلم، وتجدید النظر فی آلیّاته الاجتهادیّة، حیث بات هذا الفکر شدید الوعی بأهمّیّة عنصر الرؤیة المؤطّرة، والمفاهیم الحاکمة، والأدوات المنهجیّة الضابطة؛ فی مقاربة مسائله وموضوعاته وقضایاه؛ وذلک نتیجة اقترابه المباشر من الواقع الموضوعیّ بکلّ تعقیداته وتناقضاته وتشابکاته، تواصلًا وتفاعلًا وتحریکًا؛ الأمر الذی استدعى من هذا الفکر فتح "سؤال العمل"؛ سعیًا إلى إکسابه الراهنیّة والتأثیر، ولینتقل من ضیق القضایا الخلافیّة التاریخیّة إلى شساعة الواقع وتعقّد تضاریسه، ومن سماء التجرید الرحبة إلى دروب التجریب الضیّقة، وفتح "سؤال المنهج" لیرتقی بالعقل المسلم من التفکیر بدلالة شروط الماضی الإبیستیمیّة التاریخیّة إلى المستقبل بمتطلّباته المعرفیّة والحضاریّة على أسس منهجیّة متینة منضبطة بقواعد التفکیر المنهجیّ العلمیّ، ومحرّرة وفق مبادئ "الرؤیة الإسلامیّة التوحیدیّة" الکونیّة ومسلّماتها، ومفاهیمها المرکزیّة، ومحدّداتها المنهجیّة...؛ بما هی الشروط الأساس التی یلزم الحسم فیها، والتفکیر بها فی معالجة عُصَیات الواقع وحوادثه النازلة بالاجتماع البشریّ.

وارتباطًا بذلک، فقد تجدّد النقاش حول "علمیّة" المعرفة الإسلامیّة من بوّابة المنهج المعتمد فی إنتاجها والمستند أساسًا إلى "إطار مرجعیّ" معیاریّ فی طبیعته، المتسامی والمتجاوز؛ بما هو الناظم للفکر الإنسانیّ والمتحکّم فی منطلقاته ومخرجاته، والذی یستمدّ منه هذا الفکر مبادئه ومسلّماته التی یحتاج إلیها العقل المفکِّر؛ بما یسهم فی تشکیل رؤیته (لنفسه بوصفه ذاتًا عارفةً، وموضعتها فی العالم/الکون)، وضبط تصوّراته، وصیاغة مقولاته الکبرى التی ینطلق منها فی حرکته الفکریّة التنظیریّة.

ولذلک، یحاول هذا البحث مقاربة "النظام المعرفیّ الإسلامیّ"، وتفحّص وضعه الإبیستیمولوجیّ من خلال دراسة "معیاریّة" هذا النظام، وأثرها فی موضوعیّة المعرفة الإسلامیّة ویقینیّة نتائجها، وتحدید خصائص هذا المنهج المعیاریّ؛ بما یتمیّز به عن أشکال التفکیر غیر العلمیّة، منطلقین بین یدی ذلک من السؤالین المؤطّرین الآتیین:

-       إلى أیّ مدى یتّصف "النظام المعرفیّ الإسلامیّ"[2] بالموضوعیّة والحیاد العلمیّ؛ عندما یلتزم أخلاقیًّا وینتهج نهجًا معیاریًّا؟

-       ما هی حدود المعیاریّة فی هذا النظام؟ وهل لها تأثیر فی علمیّته وموضوعیّته؟

ولتقریب هذه القضایا والإشکالات الإبستیمولوجیّة؛ یتعیّن بدایة تحریر القول فی قضیّة "المعیاریّة" فی علم المناهج، وبیان الموقف منها فی نظریّة العلوم.

 

أولًا: "المعیاریّة" وإشکالیّة تحقیق "الموضوعیّة" فی مناهج العلوم الطبیعیّة والإنسانیّة:

لقد اقترن السعی الحثیث نحو تأسیس المعرفة العلمیّة (الوضعیّة) بالمنهج الموضوعیّ؛ وذلک فی السیاق المعرفیّ الغربیّ، وبخاصّة فی حقل العلوم الطبیعیّة، وتحدیدًا مع الفیزیاء الکلاسیکیّة بتصوّرها الآلیّ للعالم[3]، والقائمة على فصل "أنا" الباحث أو العالِم ووعیه عن المادّة موضوع الدراسة؛ توخیًا لأقصى درجات الدقّة والصرامة المنهجیّة.

وهو الأمر الذی اجتهدت، المدارسُ الفلسفیّة الوضعیّة بالخصوص، فی تعدیته ونقله فی ما بعدُ إلى مجال العلوم الإنسانیّة والاجتماعیّة، إلى حدّ أن أصبح من المسلّمات المیتودولوجیّة (المنهجیّة) فی هذه العلوم: سیادة المناهج الوصفیّة التقریریّة، القائمة على الفصل بین طرق البحث القائمة على ملاحظة الحقائق الواقعیّة، وبین تدخّل الاعتبارات والمقدّمات القیمیّة المعیاریّة. وبمعنى أدقّ: التشدید على تجرّد الباحث فی هذه العلوم من جمیع العناصر التی تؤثّر فی التزامه وحیاده العلمیّ؛ من قبیل: القیم، والمعتقدات، والأفکار المعبّرة عن المیولات الذاتیّة المتعارضة مع الشروط والقیم العلمیّة الوضعیّة (المتمثّلة فی"الموضوعیّة العلمیّة"، و"الصرامة المنهجیّة"، و"الحیاد الأخلاقیّ" للباحث العلمیّ، و"تعذّر المعرفة الغیبیّة"، وغیرها من المبادئ التی تشکّل مقوّمات المنهج العلمیّ فی النسق المعرفیّ الغربیّ الحدیث)، وهذا الالتزام هو مؤشّر الموضوعیّة فی البحث والتحلیل والاستنتاج.

وعلیه، فقد تمّ حصر مجال العلم فی هذا النسق المعرفیّ فی "دائرة الواقع، بعیدًا عن دائرة القیم والأخلاق؛ فهو لا یهتمّ بما ینبغی أنْ یکون علیه واقع معیّن، ولا یهتمّ بتحدید الصورة المثالیّة لهذا الواقع، بل یهتمّ بما هو کائن ومتحقّق فی علم الواقع والتجربة"[4].

ومهما تکن الملابسات التاریخیّة والسیاقات العلمیّة[5] التی أفرزت هذا التوجّه، وخاصّة بالنسبة إلى العلوم الإنسانیّة فی القرن التاسع عشر؛ فقد أصبحت هذه الرؤیة المنهجیّة والروح العلمیّة التی تغذّیها هی السائدة فی هذه العلوم؛ نتیجة سعیها المستمرّ لتأکید علمیّتها ودقّتها وصرامتها المنهجیّة؛ تأسیًا بالعلوم الطبیعیّة، وتطلّعًا نحو اکتساب شروطها الإبیستیمولوجیّة؛ ما جعلها لا تقبل فی دائرة بحثها إلا ما هو قابل للملاحظة والقیاس والتحقّق التجریبیّ، وبالتالی أصبحت محکومة بتصوّر مادّیّ "اختزالیّ" للظاهرة الإنسانیّة فی تشکّلاتها وتعبیراتها المختلفة؛ الفردیّة، والاجتماعیّة، والتاریخیة؛ "فما کان ممکنًا فی الطبیعة افتُرِض، فی الفکر الغربیّ، أنّه ممکن فی العلوم الإنسانیّة، وفی الفرد، وفی المجتمع؛ لأنّ ذلک کلّه طبیعة یمکن إخضاعها، إذا لم یکنْ للقوانین نفسها، فللمنهج نفسه لاکتشاف القوانین"[6].

ویمکن الاستدلال على هذا الزعم بموقف العالم الاجتماعیّ الوضعانیّ إمیل دورکهایم؛ عندما یقرّر فی ختام کتابه "Sociologie et philosophie" أنّ "علم الاجتماع لا یلتزم بخلق المثال، بل على العکس تمامًا یتناوله کموضوع وشیء للدراسة، ویحاول تحلیله وتفسیره"[7]، ولا ننسى أنّه هو من نادى باعتبار "الظواهر الاجتماعیّة کأشیاء"[8]

وتجدر الإشارة إلى أنّ "المعرفة النسبیّة" التی اقترنت بالمناهج الحدیثة للنظریّات الفیزیائیّة المعاصرة؛ مثل: نظریّة الکوانتا، والنظریّة النسبیّة، وغیرهما، قد توصّلت إلى تجاوز هذه التصوّرات الکلاسیکیّة للموضوعیّة (المستندة إلى الفیزیاء النیوتونیّة الآلیّة)، وقرّرت بالمقابل أنّ تَدَخّل الأنا فی البحث العلمیّ، ومن ثمّ فی المصطلح العلمیّ؛ وضع لا یَسلم منه أیّ باحث، بل هو لازم له، وقائد لعمله؛ سواء علم بذلک أم لم یعلم به[9]. ویترتّب على هذا التصوّر أنّ التجربة وملاحظة الحقائق الإمبریقیّة (empirique) فی میدان العلوم الطبیعیّة "الحقّة"، لا یمکن أنْ تنشئ النظریّات على حدّ تعبیر إنشتاین؛ حیث "یمکن للتجربة أنْ تقرّر صحّة نظریّة ما، لکن لیس هناک أیّ طریق یؤدّی بالتجربة إلى إنشاء نظریّة ما"[10].

والملاحظ أنّ هذه "الحرکة التصحیحیّة" التی شهدتها الفیزیاء المعاصرة قد تبلورت بعد إدراک استحالة تحقّق الموضوعیّة والتجرّد؛ حسب التصوّر الوضعیّ، ومن ثمّ فإنّ العلوم لا یمکنها إلا التقرّب من إدراک الأشیاء؛ أی نسبیّة قوانینها، ومن ثمّ نسبیّة النظریّات المتولِّدة عنها.

وبالطبع، فإنّ هذا التطوّر الذی شهدته مناهج "العلوم الطبیعیّة"، ومن ثمّ الروح العلمیّة التی أضحت تسکنها وتسری فی أوصالها، له تأثیر فی "العلوم الإنسانیّة"؛ لجهة انعتاقها من وهم العلمیّة الموضوعیّة المیکانیکیّة المحاکیة للطبیعیّات على النحو الذی کانت تؤمن به الفلسفة الوضعیّة. ولذلک، فإنّنا سنشهد نزوعًا قویًّا ومتزایدًا نحو التزام "المعیاریّة" فی هذه العلوم، واعتمادها مسلکًا منهجیًّا فی بناء نظریّاتها وصیاغة قوانینها، حتّى أصبحت المعیاریّة هی القاعدة، والموضوعیّة (بالمفهوم الکلاسیکی) هی الاستثناء، وأضحت الدقّة العلمیّة تقتضی، من ضمن ما تقتضیه، الإقرار بالقیم والاتّجاهات والمقولات المعیاریّة التی تمثّل الخلفیّة المرجعیّة للبحث العلمیّ، والتصوّرات الکامنة التی لا تؤثّر فی صحّة التحلیل النظریّ ونتائجه العلمیّة، وکما یدّعی العالم الاقتصادیّ والاجتماعیّ کونار میردال (Gunnar Myrdal)[11] أنّه: "لیس بالإمکان حلّ مشکل الموضوعیّة فی البحث عن طریق محاولة التخلّص من الأحکام القیمیّة؛ لأنّ أیّ دراسة لمشکل اجتماعیّ؛ مهما یکنْ بسیطًا؛ إنّما تحدّده على العکس أحکام قیمیّة، ویجب أنْ تحدّده، ولا یوجد؛ کما لنْ یوجد، علم للاجتماع غیر معنیّ بها. أمّا المجهودات التی تبذل من أجل التخلّص من الأحکام القیمیّة فهی عدیمة الجدوى، ومُقَدَّر علیها أنْ تکون عقیمة وخطیرة. إنّنا نحمل الأحکام القیمیّة معنا؛ حتّى فی الوقت الذی نعمد فیه إلى إخفائها فی عمق أعماقنا، وهی التی تقود أعمالنا"[12].

بل إنّ هذه النزعة الإصلاحیّة لم تتولّد عن حرکة النقد والمراجعة الإبستیمولوجیّة المعاصرة للعلوم الإنسانیّة فقط؛ وإنّما لوحظت بوادرها من قَبْلُ فی أعمال الروّاد الأوائل؛ فهذا دورکهایم رائد الوضعیّة الکلاسیکیّة فی علم الاجتماع ومنهجه الوصفیّ التقریریّ، وصاحب فلسفة "الظواهر الاجتماعیّة أشیاء"؛ ینقل عنه نقّاده بأنّه کان "یؤمن بالتقدّم الأخلاقیّ، ویعتقد بإمکان وصوله فی دراساته الاجتماعیّة إلى منظومة (قیمیّة) جدیدة یمکن أنْ تکون صحّتها مؤیَّدة بالعلم"[13]؛ ومعنى ذلک: أنّ النظریّة فی الإنسانیّات والاجتماعیّات کانت دائمًا تَصْدُر عن توجیهات قیمیّة مرجعیّة، ومبادئ ومقولات من دائرة "ما قبل المنهج"، أو "ما قبل العلم" المعیاریّة، وإنْ ظلّ أصحابها یدَّعون الحیاد والالتزام العلمیّ الصارم. 

 

ثانیًا: تحریر محلّ النزاع فی مفهوم المعیاریّة والموضوعیّة وتلازمهما فی النظام المعرفیّ الإسلامیّ:

إنّ قدرًا کبیرًا من الجدل بین مفهومی "المعیاریّة" و"الموضوعیّة" یتّضح منشؤه من خلال التصوّرات الملتبسة عن مفهوم "المعیاریّة" التی ارتبطت بأذهان مناصری المناهج الموضوعیّة فی الوضعیّة الغربیّة تحدیدًا، والمحمّلة بکثیرٍ من المعانی السلبیّة المنافیة للشروط العلمیّة التی تفتح الباب أمام تدخّل النزعات الذاتیّة والتصوّرات الشخصیّة المتعدّدة بقدر تعدّد الأشخاص وتباین تمثّلاتهم القیمیّة والاجتماعیّة؛ حیث یدلّ لفظ المعیار[14] فی سیاقه الاستعمالیّ العامّ على "الأنموذج المتّخذ أساسًا للقیاس، وما ینبغی أنْ یکون علیه السلوک العامّ والمواقف الجماعیّة بالنسبة إلى المشاعر السائدة فی المجتمع"[15]؛ فمن البدیهی أنْ تحیل هذه المقاییس والمعاییر الخاصّة أو الاجتماعیّة على التمثّلات الشخصیّة والنزعات الفردیّة أو الطائفیّة، ومن ثمّ فلا خلاف فی تحیّز المعارف الناشئة عنها وانغلاقها؛ بما یخالف قطعًا الشروط الأساس لتحقیق العلمیّة والموضوعیّة فی التحلیل والاستنتاج.

وأمّا على مستوى الدلالة الاصطلاحیّة العلمیّة للمعیاریّة؛ بمعنى مفهوم المنهج المعیاریّ؛ فإنّه یُطلق فی علم المناهج، ویُراد به المنهج الـمُقابل للمنهج الوصفیّ التقریریّ (الموضوعیّ)، والذی یفید وصف ما ینبغی أنْ یکون باستعمال معاییر ومقاییس معیّنة، وعلى أساس هذه الخاصّیّة وُصِفت العلوم التی تهتمّ بدراسة ما ینبغی أنْ یکون بـ"العلوم المعیاریّة"[16]، فی مقابل العلوم الوصفیّة التی تهتمّ بدراسة ما هو کائن؛ مثل العلوم الطبیعیّة[17]. فالمعیاریّة وفق هذا التحدید ترى أنّ أدوات الرصد والتحلیل فی العلوم المعیاریّة الغائیّة ومناهجها؛ لا یضیرها أنْ تکون محمّلة بالأحکام القیمیّة والأفکار المسبقة والقناعات الاعتقادیّة والمقولات المذهبیّة والنماذج التفسیریّة...، وأنّ هذه الاعتبارات المعیاریّة لا یمکن أنْ یتجرّد منها المنهج؛ أیّ منهج؛ لأنّها تدخل فی لـُحمته؛ کما تتَشَکَّل بها مفاهیمه وقضایاه. "وعلى سبیل المثال، لا یمکن أخذ قوانین المنهج الهیجلی دون الهیجلیّة ککلّ، أو أخذ المنهج المادّیّ الجدلی، دون المارکسیّة ککلّ، أو أخذ المنهج الوضعیّ دون (الفلسفة الوضعیّة المادّیّة)"[18].

وانطلاقًا من هذا التمییز المفهومیّ؛ یثور السؤال الآتی: هل تفید "المعیاریّة" فی النظام المعرفیّ الإسلامیّ تلک الدلالات الإبستیمولوجیّة نفسها، والتی هی بالضرورة معاکسة ومعارضة للغة البحث العلمیّ الموضوعیّة وشروطها؟

ما لا شکّ فیه أنّ "النظام المعرفیّ الإسلامیّ" المتولِّد عن الرؤیة الکونیّة التوحیدیّة المعیاریّة بطبیعتها؛ یحمل دلالاتها المعیاریّة ویصطبغ بها؛ باعتباره نظامًا غائیًّا إرشادیًّا وأخلاقیًّا تقویمیًّا بالأساس (إلى جانب وظیفته المعرفیّة العلمیّة)، لکنّ المقصود بالمعیاریّة فی هذا النظام والتصوّر، قطعًا، لیس تلک التی ولَّدتها المقاییس الاجتماعیّة والتمثّلات الفردیّة غیر المضبطة؛ لأنّها تستقی معاییرها من الوحی الإلهیّ؛ بما هو المنهاج المتجرّد والمتسامی عن جمیع النزعات والتقویمات الذاتیّة، والذی "یکتسی، قطعًا، صبغة معیاریّة، على معنى أنّه سیتمثّل فی مجموعة من التحدیدات والضوابط لما ینبغی أنْ تجری علیه حیاة الإنسان فی الفکر والسلوک، فی تصرّفه إزاء الکون وإزاء خالقه"[19]. ولأنّ معیاریّة القرآن الکریم لا انغلاقات فیها ولا تحیّزات لرأی أو لون خاصّ من التفکیر، أو لطائفیّة، أو طبقیّة، أو کهنوت علمیّ محدّد، باعتبار طبیعتها المتسامیة والمتعالیة عن جمیع هذه الخصوصیات، لذلک؛ فإنّه لا تنافی بینها وبین شروط الموضوعیّة العلمیّة فی الوصف والتحلیل؛ کما فی الاستنباط والاستدلال؛ فالقرآن الکریم هو ذاته الذی یشدّد على هذه الموضوعیّة الوصفیّة التقریریّة، والتجرّد الذاتیّ للباحث، ویذمّ الإفادات الظنّیّة غیر الیقینیّة. قال تعالى: {أَفَغَیْرَ اللّهِ أَبْتَغِی حَکَماً وَهُوَ الَّذِی أَنَزَلَ إِلَیْکُمُ الْکِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِینَ آتَیْنَاهُمُ الْکِتَابَ یَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّکَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَکُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِینَ * وَتَمَّتْ کَلِمَتُ رَبِّکَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِکَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ * وَإِن تُطِعْ أَکْثَرَ مَن فِی الأَرْضِ یُضِلُّوکَ عَن سَبِیلِ اللّهِ إِن یَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ یَخْرُصُونَ * إِنَّ رَبَّکَ هُوَ أَعْلَمُ مَن یَضِلُّ عَن سَبِیلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِینَ}[20]؛ فالآیات تُلفت إلى وجوب طرح الشرکاء فی المعرفة والاتّباع والاهتداء، ونفی کلّ ما یصدّ عن العلم الموضوعیّ المتجرّد ویعمی عن ملاحظة الحقّ فی الخَلْق أو العلم المنزَل. ومعنى ذلک على المستوى الإبستیمولوجیّ: أنّ "الإسلام لا یرضى لعقل المسلم أنْ یخضع لأیّة سلطة تمنعه من استقلال النظر، حتّى لو کانت سلطة رجال الدین أنفسهم، ویتجلّى ذلک حین ذمّ الله هؤلاء الذین ألغوا عقولهم وخضعوا لسلطة الأحبار والرهبان وعبدوهم من دون الله. قال تعالى: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ}[21]"[22].

والحقیقة أنّ القرآن الکریم قد اعتنى بالتأسیس المنهجیّ لبناء المعرفة الإنسانیّة الیقینیّة عن عالم الغیب والشهادة عنایةً کبیرةً وفق قواعد واضحة ودقیقة ومتدرّجة فی خطواتها؛ فهو إلى جانب وظیفته المعرفیّة العقدیّة یعتبر کذلک خطابًا منهجیًّا یضع للإنسان معالم إنجاز متطلّبات مهمّته الاستخلافیّة؛ لتستقیم على هدیه ومحجّته الواضحة.

ویمکن تقریب المؤشّرات المنهجیّة للقرآن الکریم فی الدلالات الآتیة:

1. إنّ القرآن المجید یضع الضوابط المنهجیّة للتفکیر و"مقدّماتِه الفاعلة التی یحتاج إلیها لیقوم بمهمّته؛ بوصفها ضابطًا یعصم الذهن عن الخطأ فی "النظر والتفکیر"؛ لیعزّز المنهج العلمیّ، ویبرهن على صحّة الخطوات العلمیّة المُوصِلة إلى النتائج"[23]؛ بما یسهم فی بناء معرفة حقیقیّة تکون مدخلًا موضوعیًّا لممارسة مهام إعمار الأرض وترشید إنمائها.

2. إنّ "أهمّ جانب یملیه القرآن على العقل إملاء لا هوادة فیه هو تلقینه منهج اکتشاف الحقیقة، أو اکتساب المعرفة بالکون. واکتشاف الحقیقة فی المنهج القرآنیّ مرتّب على مقدّمة أساسیّة أو قاعدة أوّلیّة؛ هی: اعتبار الحقیقة ملابسة للواقع، ولیست مجرّدة عنه، ولا هی قبلیّة من قبلیّات الفکر. فالقرآن یدعو بصریح العبارة إلى استقراء الوقائع والأحداث وتتبّع الحقائق الجزئیّة؛ باعتبارها دالّة على الکلّ، هادیة إلیه؛ سواء أفی الطبیعة المادّیّة، أم فی النفس، أم فی الاجتماع"[24]؛ بما به تتوسّع وتغتنی إدراکات العقل البشریّ؛ لینتقل من "الرؤیة الواحدیّة"[25] إلى "الرؤیة التوحیدیّة" القرآنیّة المقتدرة بمنهجیّتها المعرفیّة على الجمع بین قضایا الغیب والشهادة، من خلال عرض عالم الطبیعة فی جدلیّة تستنفر العقل الإنسانیّ وتستنهضه لإدراک الدلالات الکامنة فی ظواهر هذا العالم المحیط؛ والغایة هی تأسیس نظرة منهجیّة عقلانیّة لإدراک مفرداته؛ بما یفضی إلى تحقیق مقصدین أساسیّین؛ هما:

- تکوین معرفة صحیحة ویقینیّة عن عالم الشهادة بمفرداته المتعدّدة، على رأسها المکوّن الطبیعیّ والإنسانیّ.

- تکوین عقیدة صحیحة وثابتة مرتکزة على هذه المعرفة.

وعلى ذلک، فإنّ اعتماد الخطاب القرآنیّ، بدلالاته العقدیّة والتشریعیّة والقیمیّة، مرجعًا منهجیًّا للتفسیر والتحلیل، وتکوین الرؤیة والتصوّر فی القضایا المرتبطة بجدل الإنسان والطبیعة؛ استخلافًا وتسخیرًا وإعمارًا؛ لا ینمّ عن نظرة مغلقة "تتقیّد بنسق نظریّ جامد ومحدّد؛ ذلک أنّ الوحی کلام الله، سیاقٌ متعدّد الدلالة على الحقیقة، بعدد لا نهائیّ من الإمکانات والدلالات، مقارنة بتلک الدلالات المعرفیّة التی تقدّمها الأنساق العلمیّة البشریّة الأخرى على اختلافها"[26]؛ بما یتّسم به هذا الخطاب من شروط الاستیعاب والموضوعیّة، وبما هو وحی إلهیّ یتّسم بخصائص الإطلاق والخلود والکلّیّة والعموم، مستوعب ومتجاوز یقف خارج الوعی البشریّ، وجدله مع الطبیعة وعناصرها، وهی الخصائص العائدة إلى صفة هذا الخطاب الإعجازیّة.

ومن ثمّ، فإنّ "النظام المعرفیّ" المتولّد عن دلالة الوحی، بشموله وتعدّد إمکاناته ودلالاته اللامتناهیة، لا ینطلق من رؤیة ذاتیّة أو فلسفة وضعیّة (متناهیة وأحادیّة الرؤیة)، قد تشکّل عائقًا معرفیًّا أمام البحث العلمیّ فی تفسیر حقیقة علاقة الواقع الطبیعیّ فی الکون الکبیر بالفاعل الإنسانیّ فیه.

وباعتبار ما تقدّم، یمکن استنتاج أهمّ الخصائص الممیِّزة للمسلک المنهجیّ المعیاریّ فی المنظور الإسلامیّ؛ حیث تتمیّز معیاریّة هذا المنظور بکونها:

-     معیاریّة مطلقة ومتعالیة؛ باعتبار أنّ منطلقها هو الوحی، ومن ثمّ فهی معیاریّة حقّة ویقینیّة.

-     معیاریّة تتمیّز بالثبات، والاستمرار، والإحاطة، والشمول.

-     معیاریّة غائیّة ومحایدة متجرّدة؛ ومن هنا، فهی موضوعیّة.

-     ولذا، فهی معیاریّة یُطلب من الباحث اکتشافها، لا إنشاؤها.

 

خاتمة:

یتموضع النقاش المنهجیّ حول "المعیاریّ" و"الموضوعیّ" فی الإبیستیمولوجیا المعاصرة ضمن سؤال نقدی أوسع؛ مفاده: ما موقع "البُعد القیمیّ" و"الالتزام الأخلاقیّ" فی البحث العلمیّ، وتأثیر اعتماده مکوّنًا منهجیًّا فی موضوعیّة المعرفة العلمیّة وسلامة نتائجها؟؛ إذ لطالما اعتبرت تلک المقوّمات بمنزلة العوائق والعقبات التی تثبّط العمل العلمیّ وتخرجه عن حقیقته وفائدته.

لذلک کان لزامًا إعادة تفحّص هذه "المسلّمات/الادّعاءات" المیتودولوجیّة على ضوء المستجدات الإبیستیمولوجیّة المعاصرة، وبهدی من الدراسات المنهجیّة فی النظام المعرفیّ الإسلامیّ التی تستقی من الدراسات "المنهجیّة المعرفیّة" حول القرآن الکریم، والتی أفادتنا بتقریب مفهوم "المعیاریّة"، وتحدید طبیعته وأسسه؛ بما به یتمیّز عن جمیع أشکال التفکیر غیر العلمیّ، ومن ثمّ تقریر حقیقة "تلازم" الموضوعیّة والمعیاریّة فی "المنهجیّة" الإسلامیّة؛ وذلک باعتبار انتفاء العلل والنقائص التی من أجلها رفضتها المیتودولوجیا الوضعیّة.



[1] أستاذ وباحث فی الفکر الإسلامیّ وحوار الحضارات، من المغرب.

[2] استُعمِل مفهوم "النظام المعرفیّ الإسلامیّ" بمعنى المنظور التوحیدیّ ورؤیته لقضایا المعرفة، وقد یستعمله بعضهم فی التصوّر الإسلامیّ؛ من حیث هو رؤیة للعالم تحمل تصوّرًا خاصًّا للمعرفة والمنهج والسلوک.

[3]أی الفیزیاء التی تصوّرت الطبیعة کأنّها آلة کبیرة، تروسها هی الظواهر، وکلّ ظاهرة هی السبب الضروریّ فی حدوث الظاهرة التی تلیها، دون أنْ یکون وراء ذلک هدف أو غایة أو معنى، بانیة تصوّرها هذا على قاعدة منهجیّة صارمة: "المعرفة بدون التدخّل الإنسانیّ".

[4]أمزیان، محمد: تلازم الموضوعیّة والمعیاریّة فی المیتودولوجیا الإسلامیّة، ندوة "قضایا المنهجیّة فی العلوم الإسلامیّة والاجتماعیّة"، ط1، المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، مکتب القاهرة، 1417هـ.ق/ 1996م، ص85.

[5] تتلخّص هذه الملابسات فی ظروف الصراع الذی عرفته أوروبا فی عصر النهضة، بین التصوّرات الدینیّة الکنسیّة التقلیدیّة والعقلانیّة المیتافیزیقیّة، وبین الطروحات الفلسفیّة المادّیّة الوضعیّة التی بدأت فی التشکّل مع فلاسفة هذا العصر.

[6]الفاروقی، إسماعیل راجی؛ نصیف، عبد الله: العلوم الطبیعیّة والاجتماعیّة من وجهة نظر إسلامیّة، ترجمة: عبد الحمید محمد الخریبی، ط1، الریاض، عکاظ للنشر، 1404هـ.ق/ 1984م، ص25.

[7] Durkheim, Emil. Sociologie et philosophie, P.U.F, France, 1974, p120-121.

[8] وَضَع عالم الاجتماع "إمیل دورکهایم" هذه القاعدة فی مقدّمة "القواعد الخاصّة بملاحظة الظواهر الاجتماعیّة" فی الفصل الثانی من کتابه الهامّ "قواعد المنهج فی علم الاجتماع"؛ مؤکّدًا ذلک بقوله: "إنّ أولى هذه القواعد وأکثرها أهمّیّة هی القاعدة الآتیة: یجب ملاحظة الظواهر الاجتماعیّة على أنّها أشیاء: comme des choses" (ص70). وقد زاد هذه القاعدة المنهجیّة توضیحًا فی مقدّمة الطبعة الثانیة للکتاب، من أجل رفع اللبس والردّ على الانتقادات الکثیرة التی رفضت هذا التوصیف؛ حیث أکّد على أنّ "القضایا التی أثارت أکبر قدر من الاعتراضات: القضیّة القائلة بوجوب دراسة الظواهر الاجتماعیّة على أنّها أشیاء، وهذه القضیّة بالذات هی الأساس الذی تقوم علیه طریقتنا، وقد وجد بعض الناس أنّا قد أغربنا فی التفکیر وسلکنا به مسلکًا یدعو إلى السخط؛ حین شبّهنا حقائق العالم الاجتماعیّ بحقائق العالم الخارجیّ". (دورکهایم، إمیل: قواعد المنهج فی علم الاجتماع، ترجمة: محمد قاسم؛ محمد بدوی، لا ط، الإسکندریّة، دار المعرفة الجامعیّة، 1988م، ص22-23).    

[9] صاحب هذه الفکرة هو: Jerzy Wojciechowski، نقلها عنه: یوعلا، علی: المصطلح الاقتصادیّ بین المعیاریّة المذهبیّة والموضوعیّة العلمیّة، ندوة "الدراسة المصطلحیّة والعلوم الإسلامیّة"، ط1، فاس، جامعة سیدی محمد بن عبد الله، 1996م، ج2، ص756.

[10]  cité par : Jean, E.Charton, dans : «l’esprit et la science», Colloque de Fes, Paris, 1983, p140

نقلًا عن: م.س، ج2، ص756.   

[11] عالم اجتماع سویدی حاصل على جائزة نوبل فی الاقتصاد عام 1974م.

[12] Myrdal, Gunnar, « Le drame de l’Asie, enquête sur la pauvreté des nations », Seuil, Paris, 1976, p26.

[13] أمزیان، منهج البحث الاجتماعیّ بین الوضعیّة والمعیاریّة، م.س، ص354.

[14] المعیار من مشتقّات الجذر الثلاثیّ "عیر"، التی تدلّ فی اللسان العربیّ على معانٍ عدّة؛ منها: عَیَّر؛ بمعنى وازن وقاس، قال ابن منظور: "وعیّر الدینار: وازن به آخر، وعیّر المیزان والمکیال وعاورهما وعایرهما وعایر بینهما معایرة وعیارًا: قدّرهما ونظر ما بینهما (...) والمِعْیار مِنَ الْمَکَایِیلِ: مَا عُیِّر. قال اللَّیْث: العِیَار مَا عایَرْت بِهِ الْمَکَایِیلَ، فالعِیَار صحیح تامّ وافٍ، تقول: عایَرْت به أَی سَوَّیْتُه، وَهُوَ العِیَار والمِعْیار. یُقَالُ: عایِرُوا مَا بَیْنَ مَکَایِیلِکُمْ ومَوازِینکم..." (ابن منظور، سالم بن مکرم: لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، 1405ه‍.ق/ 1363هـ.ش، ج4، مادّة "عیر"، ص623).

[15] مجموعة من الأساتذة: معجم العلوم الاجتماعیّة، مراجعة: إبراهیم مذکور، القاهرة، الهیئة المصریّة العامّة للکتاب، 1975م، ص556.

[16] مثل: علم المنطق، وعلم الأخلاق، وعلم الجمال.

[17] انظر: معجم العلوم الاجتماعیّة، م.س، ص757.

[18] شفیق، منیر: الإسلام فی معرکة الحضارة، ط1، بیروت، دار الناشر، 1411هـ.ق/ 1991م، ص159.

[19] النجار، عبد المجید: خلافة الإنسان بین الوحی والعقل، ط3، الولایات المتّحدة الأمریکیّة - فرجینیا، المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، 1425هـ.ق/ 2005م، ص66.

[20] سورة الأنعام، الآیات 114-117.

[21] سورة التوبة، الآیة 31.

[22] إسماعیل، فاطمة إسماعیل محمد: القرآن والنظر العقلیّ، ط1، فرجینیا، المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، 1413هـ.ق/ 1993م، ص105.

[23] العلوانی، طه جابر: معالم فی المنهج القرآنیّ، ط1، دار السلام، 1431هـ.ق/ 2010م، ص77.

[24]الکتّانی، محمد: جدل العقل والنقل فی مناهج التفکیر الإسلامیّ، ط1، الدار البیضاء، دار الثقافة، 1412هـ.ق/ 1992م، ص387.

[25] یحدّد الدکتور عبد الوهاب المسیری (رحمه الله) مفهوم "الواحدیّة المادّیّة" بأنّها الفلسفة التی "توحِّد الإنسان بالطبیعة؛ بحیث یردّ کلّه إلى مبدأ واحد کامن فی الکون. ومن ثمّ فإنّ عالمنا المادّیّ لا یشیر إلى أیّ شیء خارجه. فهو عالم لا ثغرات فیه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائیّات، ثمّ إلغاء کلّ الثنائیّات داخله (وضمنها ثنائیّة الخالق والمخلوق، والإنسان والطبیعة، والخیر والشرّ، والأعلى والأدنى)، وثمّ تطهیره تمامًا من المطلقات والقیم، وثمّ اختزاله کلّه على مستوى واحد یتساوى فیه الإنسان بالطبیعة؛ وهو مستوى القانون/المادّیّ أو الطبیعة/المادّة (المطلق العلمانیّ النهائیّ). (...) فی هذا الإطار تصبح المعرفة مسألة تستند إلى الحواس وحسب، ویصبح العالم الطبیعیّ هو المصدر الوحید أو الأساسی للمنظومات المعرفیّة والأخلاقیّة، وتُردّ الأخلاق إلى الاعتبارات المادّیّة (الاقتصادیّة، والاجتماعیّة، والسیاسیّة)، وتنفصل الحقائق المادّیّة تمامًا عن القیمة، ویظهر العلم المنفصل عن الأخلاق، وعن الغائیّات الإنسانیّة والدینیّة والعاطفیّة والأخلاقیّة، وتصبح الحقائق المادّیّة (الصلبة والسائلة) المتغیّرة هی وحدها المرجعیّة المعرفیّة الأخلاقیّة المقبولة، وتصبح سائر الأمور (المعرفیّة والأخلاقیّة) نسبیّة صالحة للتوظیف والاستخدام. بل إنّ هذه الرؤیة الواحدیّة المادّیّة، فی مراحلها المتقدّمة، بإنکارها أیّ ثبات، ینتهی بها الأمر إلى إنکار وجود الماهیّات والجوهر، بل والطبیعة البشریّة نفسها، باعتبارها جمیعًا أشکالًا من الثبات والمیتافیزیقا. (المسیری، عبد الوهاب: الفلسفة المادّیّة وتفکیک الإنسان، ط1، دمشق، دار الفکر، 2002م، ص39-40).   

[26] صالح، محمد مجذوب محمد: رؤیة العالم فی المفهوم الإسلامیّ، ط1، الخرطوم، مرکز دراسات الإسلام والعالم المعاصر، 1429هـ.ق/ 2008م، ص11.

[1]أمزیان، محمد: تلازم الموضوعیّة والمعیاریّة فی المیتودولوجیا الإسلامیّة، ندوة "قضایا المنهجیّة فی العلوم الإسلامیّة والاجتماعیّة"، ط1، المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، مکتب القاهرة، 1417هـ.ق/ 1996م، ص85.
[1] تتلخّص هذه الملابسات فی ظروف الصراع الذی عرفته أوروبا فی عصر النهضة، بین التصوّرات الدینیّة الکنسیّة التقلیدیّة والعقلانیّة المیتافیزیقیّة، وبین الطروحات الفلسفیّة المادّیّة الوضعیّة التی بدأت فی التشکّل مع فلاسفة هذا العصر.
[1]الفاروقی، إسماعیل راجی؛ نصیف، عبد الله: العلوم الطبیعیّة والاجتماعیّة من وجهة نظر إسلامیّة، ترجمة: عبد الحمید محمد الخریبی، ط1، الریاض، عکاظ للنشر، 1404هـ.ق/ 1984م، ص25.
[1]Durkheim, Emil. Sociologie et philosophie, P.U.F, France, 1974, p120-121.
[1] وَضَع عالم الاجتماع "إمیل دورکهایم" هذه القاعدة فی مقدّمة "القواعد الخاصّة بملاحظة الظواهر الاجتماعیّة" فی الفصل الثانی من کتابه الهامّ "قواعد المنهج فی علم الاجتماع"؛ مؤکّدًا ذلک بقوله: "إنّ أولى هذه القواعد وأکثرها أهمّیّة هی القاعدة الآتیة: یجب ملاحظة الظواهر الاجتماعیّة على أنّها أشیاء: comme des choses" (ص70). وقد زاد هذه القاعدة المنهجیّة توضیحًا فی مقدّمة الطبعة الثانیة للکتاب، من أجل رفع اللبس والردّ على الانتقادات الکثیرة التی رفضت هذا التوصیف؛ حیث أکّد على أنّ "القضایا التی أثارت أکبر قدر من الاعتراضات: القضیّة القائلة بوجوب دراسة الظواهر الاجتماعیّة على أنّها أشیاء، وهذه القضیّة بالذات هی الأساس الذی تقوم علیه طریقتنا، وقد وجد بعض الناس أنّا قد أغربنا فی التفکیر وسلکنا به مسلکًا یدعو إلى السخط؛ حین شبّهنا حقائق العالم الاجتماعیّ بحقائق العالم الخارجیّ". (دورکهایم، إمیل: قواعد المنهج فی علم الاجتماع، ترجمة: محمد قاسم؛ محمد بدوی، لا ط، الإسکندریّة، دار المعرفة الجامعیّة، 1988م، ص22-23).    
[1] صاحب هذه الفکرة هو: Jerzy Wojciechowski، نقلها عنه: یوعلا، علی: المصطلح الاقتصادیّ بین المعیاریّة المذهبیّة والموضوعیّة العلمیّة، ندوة "الدراسة المصطلحیّة والعلوم الإسلامیّة"، ط1، فاس، جامعة سیدی محمد بن عبد الله، 1996م، ج2، ص756.
[1]  cité par : Jean, E.Charton, dans : «l’esprit et la science», Colloque de Fes, Paris, 1983, p140
نقلًا عن: م.س، ج2، ص756.   
[1] عالم اجتماع سویدی حاصل على جائزة نوبل فی الاقتصاد عام 1974م.
[1] Myrdal, Gunnar, « Le drame de l’Asie, enquête sur la pauvreté des nations », Seuil, Paris, 1976, p26.
[1] أمزیان، منهج البحث الاجتماعیّ بین الوضعیّة والمعیاریّة، م.س، ص354.
[1] المعیار من مشتقّات الجذر الثلاثیّ "عیر"، التی تدلّ فی اللسان العربیّ على معانٍ عدّة؛ منها: عَیَّر؛ بمعنى وازن وقاس، قال ابن منظور: "وعیّر الدینار: وازن به آخر، وعیّر المیزان والمکیال وعاورهما وعایرهما وعایر بینهما معایرة وعیارًا: قدّرهما ونظر ما بینهما (...) والمِعْیار مِنَ الْمَکَایِیلِ: مَا عُیِّر. قال اللَّیْث: العِیَار مَا عایَرْت بِهِ الْمَکَایِیلَ، فالعِیَار صحیح تامّ وافٍ، تقول: عایَرْت به أَی سَوَّیْتُه، وَهُوَ العِیَار والمِعْیار. یُقَالُ: عایِرُوا مَا بَیْنَ مَکَایِیلِکُمْ ومَوازِینکم..." (ابن منظور، سالم بن مکرم: لسان العرب، قم، نشر أدب الحوزة، 1405ه‍.ق/ 1363هـ.ش، ج4، مادّة "عیر"، ص623).
[1] مجموعة من الأساتذة: معجم العلوم الاجتماعیّة، مراجعة: إبراهیم مذکور، القاهرة، الهیئة المصریّة العامّة للکتاب، 1975م، ص556.
[1] مثل: علم المنطق، وعلم الأخلاق، وعلم الجمال.
[1] انظر: معجم العلوم الاجتماعیّة، م.س، ص757.
[1] شفیق، منیر: الإسلام فی معرکة الحضارة، ط1، بیروت، دار الناشر، 1411هـ.ق/ 1991م، ص159.
[1] النجار، عبد المجید: خلافة الإنسان بین الوحی والعقل، ط3، الولایات المتّحدة الأمریکیّة - فرجینیا، المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، 1425هـ.ق/ 2005م، ص66.
[1] سورة الأنعام، الآیات 114-117.
[1] سورة التوبة، الآیة 31.
[1] إسماعیل، فاطمة إسماعیل محمد: القرآن والنظر العقلیّ، ط1، فرجینیا، المعهد العالمیّ للفکر الإسلامیّ، 1413هـ.ق/ 1993م، ص105.
[1] العلوانی، طه جابر: معالم فی المنهج القرآنیّ، ط1، دار السلام، 1431هـ.ق/ 2010م، ص77.
[1]الکتّانی، محمد: جدل العقل والنقل فی مناهج التفکیر الإسلامیّ، ط1، الدار البیضاء، دار الثقافة، 1412هـ.ق/ 1992م، ص387.
[1] یحدّد الدکتور عبد الوهاب المسیری (رحمه الله) مفهوم "الواحدیّة المادّیّة" بأنّها الفلسفة التی "توحِّد الإنسان بالطبیعة؛ بحیث یردّ کلّه إلى مبدأ واحد کامن فی الکون. ومن ثمّ فإنّ عالمنا المادّیّ لا یشیر إلى أیّ شیء خارجه. فهو عالم لا ثغرات فیه ولا مساحات ولا انقطاع ولا غائیّات، ثمّ إلغاء کلّ الثنائیّات داخله (وضمنها ثنائیّة الخالق والمخلوق، والإنسان والطبیعة، والخیر والشرّ، والأعلى والأدنى)، وثمّ تطهیره تمامًا من المطلقات والقیم، وثمّ اختزاله کلّه على مستوى واحد یتساوى فیه الإنسان بالطبیعة؛ وهو مستوى القانون/المادّیّ أو الطبیعة/المادّة (المطلق العلمانیّ النهائیّ). (...) فی هذا الإطار تصبح المعرفة مسألة تستند إلى الحواس وحسب، ویصبح العالم الطبیعیّ هو المصدر الوحید أو الأساسی للمنظومات المعرفیّة والأخلاقیّة، وتُردّ الأخلاق إلى الاعتبارات المادّیّة (الاقتصادیّة، والاجتماعیّة، والسیاسیّة)، وتنفصل الحقائق المادّیّة تمامًا عن القیمة، ویظهر العلم المنفصل عن الأخلاق، وعن الغائیّات الإنسانیّة والدینیّة والعاطفیّة والأخلاقیّة، وتصبح الحقائق المادّیّة (الصلبة والسائلة) المتغیّرة هی وحدها المرجعیّة المعرفیّة الأخلاقیّة المقبولة، وتصبح سائر الأمور (المعرفیّة والأخلاقیّة) نسبیّة صالحة للتوظیف والاستخدام. بل إنّ هذه الرؤیة الواحدیّة المادّیّة، فی مراحلها المتقدّمة، بإنکارها أیّ ثبات، ینتهی بها الأمر إلى إنکار وجود الماهیّات والجوهر، بل والطبیعة البشریّة نفسها، باعتبارها جمیعًا أشکالًا من الثبات والمیتافیزیقا. (المسیری، عبد الوهاب: الفلسفة المادّیّة وتفکیک الإنسان، ط1، دمشق، دار الفکر، 2002م، ص39-40).   
[1] صالح، محمد مجذوب محمد: رؤیة العالم فی المفهوم الإسلامیّ، ط1، الخرطوم، مرکز دراسات الإسلام والعالم المعاصر، 1429هـ.ق/ 2008م، ص11.