المقالة محاولة لاستکشاف طبیعة الخطاب القرآنیّ وترابط نُظُمه الحیاتیّة، لجهة العلاقة بین العقدیّ والفقهیّ والأخلاقیّ. فهل ثمّة اختلاف فی التعبیر القرآنیّ باختلاف الموضوع الذی یتعرّض له، لنجد تنوّعًا فی اللسان القرآنیّ فی التعبیر عن القضیّة العقدیّة، وکذلک فی التعبیر عن القضیّة الفقهیّة والأخلاقیّة؟ أم إنَّ طبیعة النصّ القرآنیّ لا تُظهر هذا التمایز الذی بدا حادًّا فی تعبیرات مصنّفات العلوم الثلاثة المشار إلیها.
ولا نرید هنا أن نلغی التمایز بین مجالات علوم العقیدة والشریعة والأخلاق؛ لأنّ الموضوع الذی یعالجه أیّ علمٍ من هذه العلوم یفرض الترکیز على النقطة المائزة بینه وبین غیره، وهو ما یفرض إنتاج مصطلحاتٍ خاصّة یتمّ من خلالها التعبیر عن المقاربة العلمیّة؛ ففی العقیدة تغلب اللغة العقلیّة الجافّة فی الاستدلال على قضایاها، وفی الفقه تغلب اللغة القانونیّة الصّارمة فی معالجة مسائله، فی حین تبدو الأخلاق المیدان الخصب للانفتاح التعبیریّ عن القیم والمبادئ والمثُل، وإنْ کان علم الأخلاق قد ینحو أیضًا منحًى استدلالیًّا جامدًا على القضایا الأخلاقیّة.
ولکنّ الفکرة التی نحاول معالجتها فی هذه المقالة، لها علاقة بالخطاب الذی یعبّر عن المسألة العقدیّة أو الفقهیّة أو الأخلاقیّة ویوجَّه إلى الإنسان، لیکون قاعدةً للإیمان أو العمل الصّالح، وهما بُعدا الفلاح فی الدُّنیا والآخرة. فالهدف الأساس من العلوم العقدیة والشرعیة والأخلاقیّة جمیعًا هو بناء الإنسان فی کلّ عناصر شخصیّته، الفکریّة والروحیّة والعملیّة. والعملیّة البنائیّة تفترض أن یُصاغ الخطاب فی أیٍّ من المجالات الثلاثة بمنحًى تربویّ، یجعل الإنسان لا یتساهل فی بعض الأمور بحجّة أنّها أخلاقیّة فی مقابل الأمور الشرعیّة التی تؤثّر فی الأعمال من حیثُ صحّتُها أو فسادُها، بما یلزم منه المضی أو لزوم التدارک أو القضاء.