إنّ فشل "حضارة الإنسان الإله" فی استیعاب الإنسان فی أبعاده الخَلقیّة التکوینیّة، والخُلُقیّة، وتحقیق الاطمئنان الاجتماعیّ والنفسیّ له، جعل الإنسان المعاصر فی بحث مستمرّ عن جواب لمشکلاته وتحدّیات الحیاة. یوازیه بالمقابل ما یشهده الواقع المعاصر من "عودة للدین والقدسی" فی الفضاء العامّ، تأکیداً على نزعة الإنسان الدینیّة، وتعطّشه المستمرّ للجانب الروحانیّ.
وتعدّ الأدیان السماویّة مرشّحة أکثر من غیرها فی تقدیم هذا الجواب، ولا سیّما الدین الإسلامیّ؛ بوصفه أتمّ الأدیان وأکملها، حیث یُقدّم القرآن العظیم الإنسان على أنّه مخلوق مرکَّب من بعدین اثنین؛ هما: "الروح" و"الجسد"، جامعاً بین العقل والحکمة، وبین الشهوة والطبیعة الحیوانیّة، ومتجاوزاً الحدود التی رسمها الإنسان لنفسه، بفعل تأثیر الحضارة المادّیّة المعاصرة.
وتُشکِّل «الروح» التی نفخها الله فی آدم (ع) تحوّلاً جوهریّاً فی مسیرة الإنسانیّة، فهی التی انتقلت بالإنسان إلى مقام التشریف، والتکریم الإلهیّ، فنفخة الروح کانت الإضافة النوعیّة التی انتقلت بالإنسان إلى استحقاق السجود الملائکیّ، وقوّتها؛ لأنّها من الله تعالى، بما یعنیه ذلک من انتمائها إلى المقام العلویّ؛ أی الانتساب إلى عالم الغیب المرتبط بالله سبحانه.
هذا ویسعى القرآن الکریم من خلال مشروع إعمار الأرض عبر التسخیر إلى بلوغ مقاصد وغایات إصلاح الکون وعمارته؛ تحقیقاً لمهمّة الاستخلاف فی الأرض وعبودیّة الإنسان لله سبحانه. وتتحقّق الغایة الاجتماعیّة للتسخیر من خلال الالتزام بالقوانین الکونیّة، بحیث یقتنع الإنسان بأنّ مخالفتها خروج عن قوانین الله.
ولکی یتحقّق التسخیر زوَّد الله تعالى الإنسان بأدوات یستطیع من خلالها القیام بوظیفة التسخیر؛ وهی: الوحی، والتکلیف، والعقل، والسمع، والبصر، والفؤاد.