یُعدّ البحث عن سؤال خصوصیّة حرکة الإصلاح فی منطقة المغرب الإسلامیّ أمراً مهمّاً، یهدف إلى تجاوز المغالاة فی التعمیم لمختلف الحرکات الإصلاحیّة بمختلف توجّهاتها، حیث تمّ إسقاطها کلّها فی نمط عامّ متکرّر. والواقع أن ثلاثیّة (الإنسان - الأرض - الزمان) المشکِّلة لشروط النهضة الحضاریّة تؤکِّد إشکالیّة الخصوصیّة؛ لأنّ اختلاف هذه العناصر الثلاثة من منطقة إلى أخرى سیؤدّی حتماً إلى اختلاف نوعیّة التشکیل الحضاریّ، فکلّ مجموعة بشریّة تنتج حضارتها التی تُحقّق إنسانیّتها الکامنة من خلال عناصر محدَّدة فی الزمان والمکان، بحیث تُعطی هذه الحضارة خصوصیّة وتفرّداً، لا تعزلها عن بقیّة البشر؛ وإنّما تُبیِّن انتماءهم الإنسانیّ الذی لا یقبل إلا التنوّع والتعدّد.
ومن هنا، کانت تجربة خیر الدین التونسیّ الإصلاحیّة، تجربة تستحقّ الدراسة؛ بوصفها تجربة غنیّة جمعت بین الإنتاج العلمیّ الفکریّ والإنجاز العملیّ المیدانیّ، فی میادین متعدّدة؛ اقتصادیّة وسیاسیّة واجتماعیّة وثقافیّة. ومن خصوصیّات هذه التجربة أنّها تُرکّز على مبدأ أنّ الإصلاح یبدأ من أعلى، وأنّ إصلاح السلطة السیاسیّة والعلاقات الخارجیّة والمؤسّسات مقدَّم على الإصلاح الاجتماعیّ والتربویّ، مع اعتماد الوسائل السلمیّة التدرّجیّة طویلة النفس، والحفاظ على "الهویّة الإسلامیّة" بکلّ خصوصیّاتها الثقافیّة والدینیّة واللغویّة القائمة على التوفیق والانفتاح والدمج وتوسیع دائرة العلوم والمعارف، واقتباس الجیّد من حضارة الغرب على أسس عقلانیّة واضحة... لقد شکّلت هذه التجربة خصوصیّة داخل الدول المغاربیّة والمشرقیّة، نظراً لتعدّد المسؤولیّات التی تقلّدها، وحجم الإصلاحات التی أنجزها، والسبق فی الأفکار التی نادى بها، والتی کان لها تأثیراتها فی عصره، وفی المشروع الحداثی الذی طرح فی ما بعد.
ولا بدّ من التنبیه إلى أنّ اللحظة التاریخیّة التی نعیشها الآن لیست هی نفسها التی کانت زمن "خیر الدین التونسیّ" أو غیره من الإصلاحیّین فی العصر الحدیث. لهذا یبقى کثیر ممّا قدّموه من مجهودات هم مأجورون علیها، وواجب علینا أن نعتبر لهم ذلک، ونستفید منها، مع الأخذ بعین الاعتبار بأنّ لنا خصوصیّاتنا الحضاریّة والتاریخیّة والعلمیّة والنفسیّة، ولهم خصوصیّاتهم کذلک.