نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
رئیس التحریر/ جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أوَّلًا: ما المقصود بالاستشراف؟
ثانیًا: الدراسات المستقبلیَّة عند العرب والمسلمین
ثالثًا: الوعود الإلهیّة بالتحقیق الحضاریّ والدراسات المستقبلیَّة
الكلمات الرئيسية
الافتتاحیّة
آفاق الدراسات المستقبلیّة عند العرب والمسلمین
الشیخ حسن أحمد الهادی[1]
الحمد لله ربّ العالمین، وصلى الله على نبی الهدى والرحمة محمّد بن عبد الله (ص) وعلى أهل بیته الطاهرین (ع)، وأصحابه المنتجبین، وجمیع الأنبیاء والمرسلین، وبعد...
لقد أکثر علماء الاجتماع وغیرهم من دراسة الظواهر الکثیرة فی المجتمع الإنسانی منذ القدم، ویستند هؤلاء بالغالب إلى دراسات تمزج بین قراءة الماضی، والتعمّق فی فهم الحاضر، وقراءة المستقبل واستشراف ما یمکن أن یکون علیه الحال فی القادم من السنین، وهذا ما یعبّر عنه بـ"وضع الظاهرة فی سیاقها الزمنی للوقوف عند حقیقتها"، أی کیف کانت الظاهرة فی الماضی، وکیف أصبحت فی الحاضر، وکیف ستکون فی المستقبل؛ فالظاهرة لیست سجینة ماضیها، ولیست رهینة حاضرها فحسب، وإنّما رهینة مستقبلها أیضًا؛ وذلک لأنّ الظاهرة تتمیّز بالتغیّر الزمانی والمکانی وما یحیط بها من تطوّر وتکنولوجیا وغیرها. ومن هنا تبرز أهمیة الدراسات المستقبلیة والاستشرافیة بکل ما تحمله من عناصر بنیویة تنعکس آثارها على واقع المجتمع والإنسان فی الآتی من الزمان، ویکون لها الدور الکبیر فی تطوّر المجتمعات ورقیّها وحضارتها.
أولًا: ما المقصود بالاستشراف؟
لقد کثرت الدراسات اللغویة والاصطلاحیة الهادفة إلى تحدید مفاهیمی جامع لقضیة الاستشراف والدراسات المستقبلیة، وقد تمّت الإشارة إلى أکثرها فی سیاق مقالات هذا العدد من مجلة الحیاة الطیبة، لذا نکتفی بذکر هذا التعریف المرکّز للاستشراف، دون الدخول فی بحث المناهج المستخدمة، أو علمیة الدراسات المستقبلیة أو فنّیتها، أو کلیهما معًا، فقد تباینت الآراء بین من یراها "علمًا"، ومن یراها "فنًا"، ومن یراها تولیفًا بین العلم والفن[2].
فـ"الاستشراف" (Prospectivity) عبارة عن عملیة علمیة منظّمة لمجموعة من التنبؤات المشروطة، التی تتضمّن المعالم الرئیسة لمجتمع معیّن أو مجموعة من المجتمعات فی حقبة زمنیة لا تتجاوز عشرین سنة. والاستشراف عملیة بعیدة عن أمور التکهّن والاعتبارات الشخصیة، تخضع للأسالیب العلمیة، التی تحلل الماضی وتفسّر الحاضر، وتدرس العلاقة السببیة بین العوامل والمتغیرات المؤثّرة؛ ما یعنی أنّ الاستشراف یستند إلى قاعدة صلبة من البیانات العلمیة والمعلومات الدقیقة کمیًا ونوعیًا بشأن الظاهرة الآنیة حاضرًا وأصولها التاریخیة ماضیًا، باعتبارها جزءًا مهمًا فی التنبّؤ بالمتغیرات الاجتماعیة والاقتصادیة فی المستقبل. کما تضبط قائمة بالأولویات والأهداف الاجتماعیة للمجتمع مستقبلًا، والتی من خلالها یستشرف أحداث المستقبل، مستهدفًا مدى احتمال وقوعها"[3].
وأما استشراف المستقبل فهو "اجتهاد علمی منظّم یرمی إلى صوغ مجموعة من التنبؤات المشروطة، والتی تشمل المعالم الرئیسة لأوضاع مجتمع ما، أو مجموعة من المجتمعات، وعبر فترة مقبلة تمتدّ قلیلًا إلى أبعد من عشرین عامًا، وتنطلق من بعض الافتراضات الخاصّة حول الماضی والحاضر، ولاستکشاف أثر دخول عناصر مستقبلیة على المجتمع. بهذا الشکل، فإنّ استشراف المستقبل لا یستبعد أیضًا إمکانیة الاستکشاف الکمی والکیفی للتغییرات الأساس الواجب حدوثها فی مجتمع ما، حتى یتشکل مستقبله على نحو معیّن منشود"[4].
ثانیًا: الدراسات المستقبلیّة عند العرب والمسلمین:
یظهر بوضوح للمتتبّع فی تاریخ العلوم وتطوّرها عند العرب والمسلمین أن قضیة السعی إلى معرفة المستقبل واستشراف ما یمکن أن یحدث فی المجتمع الإنسانی على مستوى الأفراد والجماعات کانت من القضایا ذات الأهمیة والأثر الکبیر فی حیاة الناس، حتى إن العرب قبل الإسلام کانوا یلجؤون إلى وسائل -لم یوافق علیها الإسلام لاحقًا- اتخذت أشکالًا غیر علمیة، تمثّلت فی قراءة الطالع والتنجیم والعرافة والشعوذة والسحر وما شابه ذلک، وحتى استغلال الظواهر الطبیعیة لأهداف مادیة أو سلطویة وما شابه، وهی تمثل حقولًا معرفیة موجودة فی ذات التراث وفی حضارات ومجتمعات أخرى غیر عربیة.
ولکن هذا لا یعنی عدم وجود اهتمام لدى العرب والمسلمین بما یمکن أن نطلق علیه التفکیر المستقبلی، إنّما نستطیع أنْ نؤکّد بأن ذلک الاهتمام البسیط والمبعثر، والذی أخذ أشکالًا مختلفة ومعقّدة، کان له دور بارز فی الرقی بحرکة الإبداع والتفکیر المستقبلی والاستشراف فی ذلک الوقت لدى المسلمین بوجه عام والعرب على وجه الخصوص.
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) "العالم بزمانه لا تهجم علیه اللوابس"[5]؛ أی لا تدخل علیه الشبه، والعلم بالزمان لا ینحصر بالزمن الحاضر، بل یتعدّاه إلى المستقبل، إذ کیف یمکن معرفة الزمان بکلّ ما یحمل من قضایا شائکة ومعطیات متنوّعة بقراءة الحاضر فقط، وکیف یمکن دفع اللوابس والشبهات التی تغزو الفکر والعقیدة وأسس المجتمع وقیمه وأعرافه من دون استشراف المستقبل وقراءة ما یحاک ویخطّط حوله وله. وقد ورد عن الإمام علی بن أبی طالب (ع) قوله: "إنَّ الأُمُورَ إِذَا اشْتَبَهَتْ اعْتُبِرَ آخِرُهَا بِأَوَّلِهَا"[6]؛ "ذلک أنّ المقدمات تدلّ على النتائج، والأسباب تدلّ على المسبّبات، وحتى لو لم یکن الشیئان علّة ومعلولًا، بل کان بینهما أدنى تناسب، یمکن أن یستدلّ بحال أحدهما على حال الآخر. فإذا کان الحال کذلک، واشتبهت على العاقل الفطن أمور لم یعلم إلى ماذا تؤول، فإنّه یستدلّ على عواقبها بأوائلها، وعلى خواتمها بفواتحها، کالرعیة ذات السلطان الرکیک الضعیف السیاسة، إذا ابتدأت أمور مملکته تضطرب، واستبهم على العاقل کیف یکون الحال فی المستقبل، فإنّه یجب علیه أن یعتبر أواخرها بأوائلها، ویعلم أنّه سیفضی أمر ذلک الملک إلى انتشار وانحلال فی مستقبل الوقت، لأنّ الحرکات الأولى منذرة بذلک، وواعدة بوقوعه"[7].
وهذه القاعدة التی وردت فی العدید من النصوص عن النبی (ص) وأهل بیته (عله) هی بمنزلة المنهج السننی الذی لا یغیب عن أیّ زمان ومکان فی هذا العالم فی الماضی والحاضر، فلا یختلف اثنان فی أنّ فهم الحاضر ودراسة المستقبل بالاستفادة من تجارب الماضین فی التاریخ له الدور الحاسم فی بناء المجتمع المتماسک والمتطوّر وتشیید عناصر قوّته واستمراره، ومحافظته على قیمه وأصوله العقدیة والدینیة. إنّ دعوات القرآن الکریم فی العدید من الآیات الکریمة إلى التأمّل فی الآفاق والأنفس والسماوات والأرض، وإعداد القوّة، وعمارة الأرض وغیرها، تأتی فی سیاق أهمیة الدراسات المستقبلیة والحث على دراسة الحاضر وفهم ما یجب أن یکون المستقبل علیه.
قال الله عزّ وجلّ: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِی السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِی الآیَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ یُؤْمِنُونَ}[8]، {قُلْ سِیرُواْ فِی الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُواْ کَیْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الْمُکَذِّبِینَ}[9]، {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَیْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّکُمْ وَآخَرِینَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ یَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَیْءٍ فِی سَبِیلِ اللهِ یُوَفَّ إِلَیْکُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ}[10].
وتأسیسًا على ذلک، ولأنّ المستقبل یشکّل السیاق الزمنی الوحید أمام الإرادة الإنسانیة للتدخّل فیه، مع الأخذ بعین الاعتبار کافّة الاحتمالات بشأن الظاهرة محلّ الدراسة والتحلیل، من خلال التوفیر والتوظیف لمناهج الدراسات المستقبلیة وأسالیبها وتقنیاتها، ومن أجل ترجمة تلک الأهمیة إلى واقع ملموس؛ فقد لجأت دولٌ عدیدة إلى إنشاء کلیات ومراکز دراسات وبحوث لمأسسة الدراسات المستقبلیة، بغیة الانتقال الآمن والتدریجی من الحاضر إلى المستقبل، والاستفادة المثلى من الموارد البشریة وغیرها، وتوفیر الحلول الممکنة للمشاکل والتعقیدات التی قد تبرز على السطح فی الآجال القریبة والمتوسّطة والبعیدة، وبخاصّة أنّ الدراسات المستقبلیة باتت ضرورة حتمیة لأیّ تقدّم أو تطوّر فی المجالات الاجتماعیة والاقتصادیة والتربویة وغیرها. ولیس بعیدًا عن هذا دعوة الشهید السید محمد باقر الصدر فی کتابه "البنک اللاربوی فی الإسلام" ضمن دراسة اقتصادیة مالیة شاملة، حیث دعا إلى ضرورة تأسیس شعبة باسم شعبة البحوث الاقتصادیة، وظیفتها التنبّؤ بفُرَص العمل المربح فی المستقبل والتنبّؤ بمستقبل الصناعة والتجارة وما شاکل[11].
ثالثًا: الوعود الإلهیّة بالتحقیق الحضاری والدراسات المستقبلیّة:
لقد حدّد الحقّ تبارک وتعالى مهمة الإنسان الحضاریة فی هذا الکون بقوله تعالى: {هُوَ أَنشَأَکُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَکُمْ فِیهَا}[12]. وهذا یعنی أنّ الله قد فوّض للإنسان عمارة الأرض،والعمارة نقیض الخراب، وهی تعنی تمهید الأرض وتحویلها إلى حال یجعلها صالحة للانتفاع بها وبخیراتها فی الحاضر والمستقبل.
وعمارة الأرض تتحقّق بالعلم الذی هو فریضة إسلامیة، وبالتقنیة التی هی تطبیق للعلم؛ ومن أجل ذلک فهی تدخل تحت مفهوم الفریضة. ومن هنا فإن الحضارة فی المفهوم الإسلامی تعنی تحقیق المشیئة الإلهیة فی عمارة الأرض مادیًا ومعنویًا، وبذلک یحقّق الإنسان ذاته بوصفه خلیفة لله فی الأرض. وهذا ما لا یتحقّق إلا بالاستعانة بالدراسات المستقبلیة، فالزمن یتضمّن ثالوثًا ظرفیًّا، یتمثل فی الماضی والحاضر والمستقبل. أما الماضی فهو کل ما یتصل بما سبق، وأما الحاضر فهو تعبیر عن الوضع القائم فی حالة حرکیة أو دینامیکیة، وأما المستقبل فیعبر عما هو قادم بعد الحاضر. ویکمن الفرق بین هذا الثالوث الظرفی فی أنّ الماضی یعبر عن حقیقة قائمة بذاتها لا یمکن تغییرها تمامًا، فی حین أنّ الحاضر یمثّل عملیة صیرورة دینامیکیة قید التشکّل لم تکتمل معالمها بعد. بینما یشکّل المستقبل السیاق الزمنی الوحید أمام الإرادة الإنسانیة للتدخل فیه وتوجیهه نحو تحقیق الأهداف المنشودة فی عمارة الأرض وتحقیق خلافة الإنسان فی الأرض.
وفی هذا الصدد لا بدّ من الإشارة إلى حقیقة مهمّة تتمثّل فی وعود إلهیة ثلاثة للمؤمنین ورد ذکرها فی القرآن الکریم، وهی وعود یؤدّی تحقّقها إلى الوصول بالأمّة الإسلامیة إلى الدرجة العلیا فی التقدّم الحضاری. وقد وردت هذه الوعود الثلاثة فی سورة النور فی قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا مِنکُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُم فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}[13].
وغیر خاف أنّ هذه الوعود لا تتحقّق للمسلمین إلّا باستیفاء شرطین أساسین؛ هما: الإیمان والعمل الصالح. فالإیمان هو الأساس، والعمل الصالح هو البناء، وکلاهما: الإیمان والعمل الصالح یرتبط بالآخر ارتباطًا لا ینفصم، ویشکلان وجهین لعملة واحدة.
ومفهوم العمل الصالح فی الإسلام هو کلّ عمل یقوم به الإنسان فی هذه الحیاة -دینیًا کان هذا العمل أم دنیویًا- ما دام قد قصد به المرء وجه الله تعالى ونفع الناس ودفع الأذى عنهم. فالعمل الصالح مفهوم عام شامل لخیرَی الدنیا والآخرة، والإسلام -کما هو معروف- دین للحیاة بکلّ أبعادها، لا فرق فی ذلک بین الأمر الدینی البحت والأمر الدنیوی الصرف، وهذا یعنی أن العمل الصالح مفهوم یقصد منه تحقّق القیم الدینیة والأخلاقیة بالمعنى الشامل، الذی یمکن أن نعبر عنه بالقیم الدافعة إلى تقدّم الإنسان ورقیه وتقدّم المجتمع وازدهاره، وهذا معناه تحقیق القیم المؤدّیة إلى بناء الحضارة. وإذا تمّ ذلک تحقّقت بالتالی الوعود الإلهیة الثلاثة المشار إلیها، وهی:
1. التمکین فی الأرض والسیادة علیها. وهو المعنى المقصود بالاستخلاف فی الأرض. مع ملاحظة أنّ الاستخلاف هنا نقیض الاستعلاء؛ لأنّ الاستخلاف یتضمّن الإرادة الإلهیة فی کون الإنسان خلیفة فی الأرض، وإذا کان الأمر کذلک، فإنّ على المستخلف أن یتخلّق بأخلاق من استخلفه، ویلتزم بتوجیهاته وأوامره.
2. أمّا الوعد الثانی، فإنّه التمکین للدّین، والتمکین للدّین لا یأتی عفوًا ولکنّه یأتی نتیجة طبیعیة للتمکین فی الأرض الذی یتحقّق عن طریق الاستخلاف المشار إلیه. وهذا ما أشارت إلیه آیة أخرى فی سورة الحجّ: {الَّذِینَ إِن مَّکَّنَّاهُمْ فِی الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّکَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنکَرِ}[14].
3. والاستخلاف فی الأرض والتمکین للدّین یؤدّیان فی النهایة إلى نشر الأمن والسلام والاستقرار، وهذا هو الوعد الثالث؛ قال تعالى: {وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}[15]. وهذا یعنی أن المسلمین من شأنهم أن یکونوا عنصر أمن واستقرار فی هذا العالم، وأن قوتهم ستصبّ فی النهایة فی مصلحة البشر جمیعًا.
ولهذ فإنّ دینًا بهذا الوصف لا یمکن أن یجعل أمر الحضارة من المسائل الهامشیة ضمن اهتماماته، وإنّما یجعلها فی قائمة أولویاته، کیف لا وهی فریضة إسلامیة وواجب دینی لا یجوز للمسلمین أن یتخلّوا عنه، وهذا ما یفرض على کل المسلمین ترک خلافاتهم الداخلیة جانبًا وفتح جمیع أبواب العلم والبحث العلمی، ولاسیّما الدراسات المستقبلیة؛ إذ إن هذا الذی یحفظ وجودهم أعزاء، ویبنی مستقبل مجتمعاتهم على أسس متینة وقویة، ویمکّنهم من إدارة أنفسهم ومواردهم ومقدّراتهم، ویحقّق لحاضرهم ولمستقبلهم الاستخلاف الکامل، والتمکین، والأمن والاستقرار.
توصیات:
انطلاقًا من أهمیة الدراسات المستقبلیة والاستشرافیة وانعکاسها الإیجابی فی المجمتعات والدول، کونها تستهدف تحدید کل التطورات المستقبلیة فی حیاة البشر فی العالم أجمع وتحلیلها وتقویمها بطریقة عقلانیة موضوعیة… وتفسح مجالًا للخلاقیة والإبداع الإنسانی...[16]. وعلى الرغم من التزاید النسبی للاهتمام نظریًا بالدراسات المستقبلیة فی الوقت الراهن وممارساتیًا من لدن الباحثین الاقتصادیین والاجتماعیین والسیاسیین وغیرهم، فإنّ منهجیتها المتعدّدة وأدواتها البحثیة المتنوّعة ما تزال غامضة المعالم، ومحلّ جدال واسع بین شتّى مفکّری التیارات والمدارس الفکریة. وحتى لا تبقى ثقافة الدراسات المستقبلیة تراوح مکانها فی بلداننا، لا بدّ من:
- رفع القصور الموجود على مستوى التنظیر للدراسات المستقبلیة بسبب غیاب بناء نظری ممنهج جاهز یرقى إلى مصاف النظریة.
- العمل الجاد على التأطیر الأکادیمی للدراسات المستقبلیة بإدخالها إلى المناهج الجامعیة وتأسیس تخصّصات جامعیة حولها.
- تأسیس مراکز الدراسات والمؤسّسات المتخصّصة المنتجة فی هذا الحقل المعرفی، وعدم الاکتفاء بالترجمات واجترار ما أنتجه الآخرون.
- تخصیص میزانیات مالیة کبیرة تنسجم مع الأهمیة والدور الکبیر لهذه الدراسات فی تطور المجتمعات وبناء حضارتها.
- تحریر العقول من سیاسات التعصّب والانغلاق على الذات الدینیة أو القومیة.
- إعطاء الأولویة للدراسات الاستشرافیة والمستقبلیة فی الاجتماع والاقتصاد والتربیة والإدارة والسیاسة وغیرها، وجعل نتائجها مدخلات رئیسة فی هذه المجالات.
وختامًا:
تساهم مجلة الحیاة الطیبة فی هذا العدد من خلال مجموعة من الدراسات فی الإجابة عن السؤال الآتی: کیف یمکن التأصیل للدراسات المستقبلیة تاریخیًا، وضبط منظومتها المفهومیة، وتوظیف مناهجها وتقنیاتها وأسالیبها البحثیة فی مجالات استعمالاتها المیدانیة المتنوّعة؟
[1] رئیس تحریر مجلة الحیاة الطیّبة التخصّصیة.
[2] بحسب توجّهات استطلاع الرأی العام التی تبنتها الجمعیة الأمریکیة لمستقبل العالم حول الاسم الذی ینبغی أن یطلق على هذا النوع من الدراسات، والمنشور فی مجلتها الشهریة المستقبلی Futurist فی عام1977، أن أغلب الآراء؛ أی بنسبة 72% تتجه صوب تفضیل مصطلح الدراسات المستقبلیة ومرادفاته، بینما صوت بنسبة 14% فقط لصالح مصطلح "علم المستقبل". ما یدل أنّها حقل بینی ولیس علم قائم بذاته أو فنّ قائم بذاته.
[3] جندلی، رابح عبد الناصر: مجلة العلوم السیاسیة والقانون، العدد الأوّل، 2017م.
[4] إبراهیم، سعد الدین؛ آخرون: صور المستقبل العربی، ط1، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیة 1982م، ص23.
[5] الکلینی، محمد بن یعقوب: الکافی، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط5، طهران، دار الکتب الإسلامیة؛ مطبعة حیدری، 1363هـ.ش، ج1، کتاب العقل والجهل، ح29، ص27.
[6] العلوی، محمد بن الحسین بن موسى (الشریف الرضی): نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: ابن أبی الحدید، تحقیق: محمد أبو الفضل إبراهیم، ط2، قم المقدّسة، دار احیاء الکتب العربیة؛ عیسى البابی الحلبی وشرکاه، 1387هـ.ق/ 1967م، ج18، حکمة74، ص223.
[7] م.ن.
[8] سورة یونس، الآیة 101.
[9] سورة الأنعام، الآیة 11.
[10] سورة الأنفال، الآیة 60.
[11] انظر: الصدر، محمد باقر: البنک اللاربوی فی الإسلام، ص51.
[12] سورة هود، الآیة 61.
[13] سورة النور، الآیة 55.
[14] سورة الحجّ، الآیة 41.
[15] سورة النور، الآیة 55.
[16] ولید، عبد الحی: "الدراسات المستقبلیة: النشأة والتطوّر والأهمیة"، على الموقع الآتی:
http://alexandriamedia.blogspot.com/2014/05/blog-post_27.html