نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولًا: المسار التطویریّ للمصطلح وبیان المفهوم
ثانیًا: المستقبلیّة القرآنیّة وتعدیل الاتّجاهات السائدة
1. الاتّجاه الأوّل: السلفیّة الماضویّة المفرطة
2. الاتّجاه الثانی: الرؤیة الواقعیّة البراغماتیّة العاجلة
3. الاتّجاه الثالث: الاتجاه العقلیّ الوسطیّ
ثالثًا: الرؤیة المستقبلیّة القرآنیّة وضرورات مواجهة السلفیّة والحداثة العلمانیّة
رابعًا: المدرسة القرآنیّة للرؤیة المستقبلیّة مستقلّة ذات هویّة وجودیّة توحیدیّة
الكلمات الرئيسية
مدخل إلى الرؤیّة الاستشرافیّة فی القرآن الکریم
د. الشیخ محمد علی میرزائی[1]
خلاصة المقالة:
تهدف هذه الدّراسة إلى إثبات الرؤیّة المستقبلیّة فی القرآن الکریم بوصفها منحىً أساسًا فی عمق الفلسفة المفهومیّة ومنظومة الدلالات فی جمیع أبواب القرآن الکریم؛ لأجل تأکید الأهمّیّة القصوى للنظرة الاستشرافیّة فی تحسین حال الأمّة وترشیدها للأنظمة المعرفیّة والاجتماعیّة للمسلمین ولغیرهم -أیضًا-، لأنّه کتاب هدایّة للبشریّة جمعاء ولم ینزل على المسلمین وحدهم؛ بل حینما نزل الکتاب الکریم لم یکن هناک مسلم.
ومن المحاور الأساس والفرضیّات الهامّة التی ترید الدراسة تأکیدها: العلاقة بین الرؤیة المستقبلیّة القرآنیّة والمنهجیّة السببیّة العلمیّة المنطقیّة الحاکمة على القضایا المطروحة فی الآیات القرآنیّة حول الإنسان والمجتمع واتّصافها بالقواعد والسنن المحکمة؛ ما یأذن بإمکانیّة تحقّق عملیّة التوقّع للمستقبل وأحداثه؛ بل یساعد على صناعة المستقبل[2]، لا معرفته فحسب.
ومن ناحیة أخرى، فإنّ المستقبلیّة القرآنیّة هی سمة عامّة للفکر الإسلامیّ الإلهیّ تساهم فی مجمل العملیّات التربویّة وکذلک الصیاغة الاجتماعیّة وبناء منظومات المعرفة والمعتقد والقیم. بهذا المفهوم لا ننظر إلى المستقبلیّة القرآنیّة باعتبارها عنصرًا فی التأکید على معرفة المستقبل أو العمل له أو الخفض من الاهتمام بالراهن فی ضوئها، وإنّما الهدف الأساس هو أنْ نثبت أنّ القرآن الکریم یؤسّس لرؤیّة مستقبلیّة تتحوّل فیما بعد إلى سمة التفکیر الإنسانیّ عمومًا، ویصار إلى أخذها بالاعتبار من قِبَل الإنسان الفرد والأمّة فی عملیّة التصمیم والتخطیط والإدارة والقیادة ومواجهة الأخطار ومواکبة الأحداث.
والمعطى الهامّ الثالث هو السعی إلى إثبات أنّ الإنّسان القرآنیّ بفطرته مستقبلیّ الاتّجاه وذو نزوع استشرافیّ فی قرارة فطرته، حتّى لو أخطأ فی التطبیق والبرمجة، وکذلک فإنّ جمیع الأوصاف الحمیدة والصفات الحسنة إیمانًا وخُلقًا وفقهًا تتلاحم وتتشابک فی القرآن الکریم فی ظلّ منطق مُنسجمٍ فی رسم المستقبل وتوعیة المسلم فی حرکته الراهنة.
مصطلحات مِفتاحیّة:
الدراسات المستقبلیّة، الرؤیّة الاستشرافیّة، القراءة الزّمنیّة، الماضویّة، السلفیّة، السببیّة العلمیّة المنطقیّة، السنن، المستقبلیّة القرآنیّة، منهجیّة الاستشراف فی القرآن.
مقدّمة:
إنّ الاستشراف والاستقبال مفهوم مرتبط بمدى الرؤیة وأفق النظر؛ ولذلک فهو مفهوم غایة فی الأهمّیّة والخطورة. مَنْ یملک الرؤیة الأوسع، یبقى هو وبرامجه بمعزل عن التهدیدات المباغتة، وإنْ تعرّض للصدام، فهو یخوضه على أتمّ جهوزیته وکامل أهبته. إنّ تهدیدات کبیرة وتحدّیات ضخمة قد تواجه الإنسانَ البصیرَ وذا الرؤیة البعیدة فی الحیاة، وهی المقتضى الطبیعیّ فی هذه الدنیا، ولکنّ توافر الرؤیة، وبُعد النّظر، والتوجّه الاستشرافیّ صفات هامّة تَحمیه من أنْ ینفعل أو یسقط أمام المباغتة والهجوم غیر المحسوب لأجل أنّه سبق وأعدّ لهذه المواجهات ما استطاعَ، حسب التعبیر القرآنیّ.
وکذلک فإنّ أصحاب الرؤیة الاستشرافیّة المنعمین بوجهة المَعاد وتَرقّبِ الحساب، والمعتقدین بفکرة المهدویّة العالمیّة الواعین للقادم والمنتظرین له، لا یقعون فریسةَ المؤامرات القادمة من جبهات أخرى سبق أن تجاهلوها کلّیًّا بسبب التهائهم بأشیاء أخرى فی مناطق واتّجاهات مختلفة تمامًا.
إنّ دراسة أحوال الأمّة تکشف لنا مدى الانهیارات والتداعیات الناجمة عن ضعف الرؤیة وضیق آفاق النظر وفقدان الرؤیة الاستشرافیّة المستقبلیّة، إمّا بسبب التوغّل فی الماضی والتعایش المتطرّف معه؛ کما فی النزعات السلفیّة النصّیّة الظاهریّة، وإمّا بسبب الغرق فی الراهن والتجاهل التامّ للقادم، کما فی المدارس الحداثویّة والعلمانیّة الدنیویّة. هذه العناصر الخطیرة کلّها تُفقد الأمّةَ القدرةَ على التوقّع والترقّب والتنبّؤ بما سیأتی علیها، کما تحرمهم من الوعی العمیق المستقبلیّ فی التخطیط والتصمیم الاستراتیجیّ الراهن، وتُعیق حرکة الإعداد والتأهُّب للمواجهة.
هی مشکلة حقیقیّة فعلًا؛ أنْ تکون الأمّة الإسلامیّة هی الأکثر انفعالًا والمُعَرّضة للمُباغتة بین الأمم المعاصرة، والحال أنّها أصلًا أمّة المعاد والنظرة المستقبلیّة الرهیبة، قیاسًا مع غیرها من الأمم الغارقة فی المادّیّة العاجلة والقاصرة فی الرؤیة والبصیرة حسب التعبیر القرآنیّ[3]. وهی الشریعة الإسلامیّة التی جعلت للعقل مرکزیّة محوریّة لجمیع المستویات الفکریّة والعملیّة، تلک العقلانیّة التی لن تنفصل عن الرؤیة المستقبلیّة بحال، کما إنّ التوجّه الاستشرافیّ یُشکّلُ المغزى والجوهرَ لحرکة العقل فی المضمون القرآنیّ.
أولًا: المسار التطویریّ للمصطلح وبیان المفهوم:
نحتاج فی تعریف الدراسات المستقبلیّة إلى تحلیل مفرداتها أولًا، ثمّ تعریفها جملة بعد ذلک: إنّ المستقبل هو ما واجَهَک، فما تستقبله من أیّامٍ هو مستقبلک؛ لأنّک تواجهه[4]، فیُسمَّى کلّ ما یأتی من الزمان بالمستقبل.
وقد عُرّفت هذه الدراسات بعدَّة تعریفات تدور حول کونها محاولة للتنبُّؤ بما ستکون علیه حالة المجتمع الإنسانیّ ومصیر الإنسان فیه، عن طریق دراسة الماضی ونتاج الحاضر، والظواهر والبدائل الممکنة.
إنّ الدراسات المستقبلیّة هی مجموعة من الدراسات والبحوث التی تهدف إلى تحدید اتّجاهات الأحداث، وتحلیل مختلف المتغیِّرات التی یمکن أن تؤثِّر فی إیجاد هذه الاتّجاهات، أو حرکة مسارها[5].
ویمکن اعتبارها اجتهادًا علمیًّا منظَّمًا یرمی إلى صَوغ مجموعة من التنبُّؤات المشروطة، والتی تشمل المعالم الرئیسة لأوضاع مجتمع، أو مجموعة من المجتمعات، وعبر فترة مقبِلة تمتدُّ قلیلًا إلى أبعد من عشرین عامًا، وتنطلق من بعض الافتراضات حول الماضی والحاضر، ولاستکشاف أثر دخول عناصر مستقبلیّة على المجتمع، ونوعیّة التغیُّرات الأساسیّة الواجب حدوثها فی مجتمعٍ ما وحجمها، حتى یتشکَّل مستقبله على نحو معیَّن منشود[6].
وقد عرَّفها معجم أکسفورد الموجز على أنّها: الاستشراف الممنهج للمستقبل، وخاصّةً من منطلق الاتّجاهات الحالیّة فی المجتمع.
وحول دلالات المنطلق لعلم المستقبل[7] أو الاستشراف ینبغی التأکید على أنّ المفهوم أو المصطلح الواحد قد یحمل أکثر من معنى. وفی ما یتعلّق بعلم المستقبل[8]، تتباین المفاهیم والمسَمّیات، ویرجع ذلک إلى طبیعة علم المستقبل، الذی ینتمی إلى العلوم الاجتماعیّة، حیث التباین والاختلاف فی تحدید المفاهیم والمصطلحات سمة غالبة. "علیه سنشیر إلى عدد من المفاهیم ذات الصلة. إنّ مصطلح علم المستقبل، مشتقّ من الکلمة الیونانیّة “Futurms” التی تعنی "المستقبل"، والکلمة الیونانیّة "لوغوس" التی تعنی "العلم"، کما إنّ کلمة “Future” تعنی "مُقبل"، آت. أما “Futurism”التی تعنی المستقبلیّة فهی حرکة فی الفنّ. ونشیر إلى أنّ بدایة الاهتمام بالمستقبل والاستشراف قدیمة فی التجربة البشریّة، شأنُها شأن العلوم الأخرى، کما هو الحال فی علم الاجتماع، حیث الاهتمام بدراسة المجتمع -أو التفکیر الاجتماعی- والظواهر الاجتماعیّة، التی نجد أنّها بدأت قبل المیلاد"[9].
إنّ حداثة الموضوع نسبیًا -وبخاصّة فی العالم العربیّ والإسلامیّ، وعلى الخصوص لو أردنا أنْ نُلقی الضوء علیها من الناحیة الدینیّة والقرآنیّة بشکل محدّد- قد سَبّبت الشعور بالحاجة إلى دراسات جادّة فی التأسیس النظریّ، ومِن ثَمّ البِناء علیها فی البُعد الدینیّ والقرآنیّ. والعکس کذلک صحیح؛ أی إنّنا نحتاج إلى بُنى تحتیّة فلسفیّة فکریّة تُشکّل للبحث والدراسة الاستراتیجیّة، أو للباحثین والدارسین فی الحقل الاستشرافیّ، خلفیّاتٍ عمیقةً من النظرة القرآنیّة التوحیدیّة، ومِن ثمّ تتأسّسُ علیها الهیکلیّاتُ العامّة التفصیلیّة.
وعلى کلّ حال، فإنّ هذه الدراسات هی: "محاولةٌ للمساهمة فی نشر ثقافة الدراسات المستقبلیّة، والدّور الذی یمکن أنْ تلعبه فی التخطیط الإستراتیجیّ المستقبلیّ العلمیّ، والدعوة إلى المشارکة فی هذا الفرع الجدید من العلوم الاجتماعیّة، بالبحث فی تحدید ماهیّته، ومناهجه، وکیفیّة الاستفادة منه، خاصّةً بَعد أنْ تَزایدَ الاهتمامُ بالدراسات المستقبلیّة الاستشرافیّة فی الأوساط العلمیّة العالمیّة؛ نظرًا إلى أهمّیّتها؛ فالدراسات المستقبلیّة باتت من الضروریّات التی لا یمکن الاستغناء عنها؛ الأمر الذی یَفرضُ على الباحثین بالضرورة، المحاولةَ البحثیّة فی تحدید ماهیّة علم المستقبل، والدراسات المستقبلیّة الاستشرافیّة، وکیفیّة الاستفادة منها، وتوظیف مناهجها؛ والسعی إلى تأصیل ثقافة الدراسات المستقبلیّة ونشرها فی جمیع مؤسّسات التعلیم العربیّة والإسلامیّة"[10].
وینبغی الإشارة إلى أنّه على الرغم من أنّ دراسة مستقلّة عن مفهوم المستقبلیّة القرآنیّة تقتضی الابتعاد عن السیاقات التأریخیّة القریبة فی تطوّر مصطلح المستقبلیّة، لخصوصیّة النصّ التأسیسیّ الأوّل والمعتمد على الوحی، غیر أنّ استعراضَ المسار المعرفیّ والتأریخیّ الحدیث لهذا المفهوم، یساعد الذهنیّة الإسلامیّة على فهم المستقبلیّة القرآنیّة بشکل أفضل وأدقّ؛ لوجود عامل المقارنة والمقاربة فی مثل هذه الدراسة.
لم یکن علم المستقبلیّات فی الأربعینیات من القرن الماضی أزید من مجرّد تصوّرات مفهومیّة ترتبط بمحاولات ممنهجة للاستشراف والاستقبال، ولکنّ هذا العلمَ -لأسباب کثیرة موضوعیّة وتطوّرات مذهلة فی المنهجیّات العلمیّة- قد تطوّر إلى أنْ وصل إلى مرتبة خطیرة الیوم، حیث باتت لهذه الطبیعة من الدراسات المستقبلیّة تطبیقات کثیرة جدًّا فی شتّى المجالات الاجتماعیّة والسیاسیّة على مستوى المجتمعات والدول. وقد ترک بصماتِه الکبرى على مَصائر الشعوب والدول بعد تفعیله على جمیع هذه المستویات.
ولعلّنا لو اعتبرنا علمَ الدراسات المستقبلیّة من العلوم البَینیّة بالمعنى الدقیق للمصطلح، فإنّنا ما أخطأنا بذلک؛ لأنّ مناهج کثیرة من حقول علمیّة أخرى یتمّ استعارتها فی المستقبلیّة، وقواعد وضوابط کثیرة من علوم أخرى یتمّ توظیفها -هنا- فی علم المستقبل؛ لأجل أنّ المستقبلیّة هذه لیست محاولات اکتشاف لما سیقع؛ وإنّما هی علم یربط کلّ ما یقع بما وقع، وفی سیاق ما هو واقع.
وعن المسار التأریخیّ للفکرة المستقبلیّة تقول الدکتورة أمنیة الجمیل: "إنّ التفکیر نحو المستقبل یُعدّ نشاطًا مرکزیًّا للأفراد منذ البدء فی بناء الحضارات المختلفة، فعلى سبیل المثال، قدّم أفلاطون رؤیته نحو ما یجب أنْ یکون علیه المجتمع مستقبلًا مستندًا إلى فکرة العدالة. أمّا الفیلسوف الإنجلیزیّ توماس مور فقد صوّر فی کتابه "المدینة الفاضلة" الذی نشر فی عام 1516م، صوّر المجتمع المستقبلیّ الذی تتحقّق فیه المثالیّة بالمجتمع الذی یتبع فیه الأفراد مجتمعاتهم، وتبلورت أفکاره حول ملکیّة الأفراد المشترکة لموارد المجتمع. لقد ذکر خبراء المستقبلیّات أطرًا کثیرة لتعریف الدراسات المستقبلیّة، وعدّ بعضهم العناصر التالیة من سمات الدراسة المستقبلیّة أو مکوّناتها:
1- إنّها دراسات ترکّز على استخدام الطرق العلمیّة فی دراسة الظواهر الخفیّة.
2- إنّها دراسات أوسع من حدود العلم، فهی تتضمّن الجهود الفلسفیّة والتقنیّة جنبًا إلى جنب مع الجهود العلمیّة.
3- إنّها تتعامل مع نطاق لبدائل النموّ الممکنة، ولیس مع إسقاط مفردة محدّدة لمستقبل.
4- إنّها تلک الدراسات التی تتناول المستقبل فی آماد زمنیّة تتراوح بین 5 وخمسین عامًا"[11].
ثانیًا: المستقبلیّة القرآنیّة وتعدیل الاتّجاهات السائدة:
الرؤیة السلفیّة الماضویّة المفرطة، والرؤیة الوضعیّة الراهنیّة العاجلة، والرؤیة المستقبلیّة الجبریّة، هی ثلاثة اتّجاهات هامّة تحکم المسلمین وتسود أحوال الأمّة بالمجمل.
1. الاتّجاه الأوّل: السلفیّة الماضویّة المفرطة:
لا تقیم السلفیّة للعصر والزمان وتجدّد العقل أیّ وزن، ولا ترى خیرًا إلا وهو کائن تحت الخیر المنقول عن السلف فی أجیال بکاملها، ولیس فی شخصیّات خاصّة أو أصحاب وحدهم.
وعلى هذا، فإنّ السلفیّین یسیئون الظنّ بالناس المعاصرین بشدّة، فلا یعملون إلا فی ضوء عقول السلف وأفهاهمهم، ولا یتفاعلون مع الزمن، ولا یرجون الخیر الکبیر للعلماء والمرجعیّات الدینیّة والناس؛ إلا بقدر ما یقلّدون السلف. ومن الطبیعیّ أنْ ینتهی هذا التوجّه إلى الاستخفاف بالراهن، والاستعداد للتضحیة به لصالح السلف. ولیست المشکلة العویصة فی أنّ السلفیّة تحترم الصحابة أو السلف، على الرغم من سعة دائرة هذه المفاهیم لدیهم وشمولها لقرون ثلاثة فی بعض تصوّراتهم؛ وإنّما المعضلة الکبیرة هی فی أنَّ الأزمة تتعاظم حینما تسبّب الغرق فی الماضی، وفی اعتبار الإنسان المسلم فی القرون الثلاثة هو المیزان، ومن ثمّ إقصاء العقل وفهم المقاییس والموازین، والوقوع فی فخّ التکفیر والتشدّد والتطرّف. فآخر الزمان فی العقل السلفیّ لیس لحظة نضج العقل الإنسانیّ؛ وإنّما لحظة الإفلاس المحض والسقوط التامّ واضمحلال الإنسانیّة. هی فی الحقیقة صورة سوداویّة تستبیح السلفیّة فیها جمیع أنساق التشدّد والتطرّف؛ تحت غطاء الدعوة إلى السلف، ولکنّها تخطّط لقمع الحاضر الراهن الواقع وضربه بالحدید والنار إن استطاعت!
وعلى النقیض من هذه الرؤیة، وعلى الرغم من أهمّیّة مقامات الصفّ الأوّل من صحابة النبی (ص)، فإنّنا نجد أنّ الدعوة القرآنیّة تنحو دائمًا إلى الرؤیة التفاؤلیّة المفعمة بالأمل تجاه آخر الزمن. قال -تعالى-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا کَسَبَتْ أَیْدِی النَّاسِ﴾[12]. فهذه الآیة ومثلها آیات کثیرة تدلّ على انتشار الفساد؛ لأنّ أدوات ارتکاب الجرائم تتطوّر، فیسهل القیام بها؛ لکثرة الوسائل الحدیثة القابلة للتوظیف والاستخدام فی الجانب السلبیّ فی الحیاة؛ ولکنْ بالمقابل نجد أنّه -تعالى- یقول:
- ﴿وَکَانَ حَقًّا عَلَیْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِینَ﴾[13].
- ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ یَنْصُرْکُمْ﴾[14].
- ﴿وَلَنْ یَجْعَلَ اللَّهُ لِلْکَافِرِینَ عَلَى الْمُؤْمِنِینَ سَبِیلًا﴾[15].
- ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آَمَنُوا مِنْکُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَیَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِی الْأَرْضِ کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَیُمَکِّنَنَّ لَهُمْ دِینَهُمُ الَّذِی ارْتَضَى لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا یَعْبُدُونَنِی﴾[16].
وکذلک آیات أوضح تدلّ على الفتح والنصر وتحقّق إرادة الله -تعالى- فی آخر الزمن. ولا شکّ فی أنّ هذه الأحداث فی آخر الزمن لا تأتی بفعل المعجزة البحتة؛ وإنّما للواقع الإیجابیّ، ولتوافر مقدّمات النصر، ولاستقبال الناس للحقّ المبین، ولوجود المصادر البشریّة والقیادات الربّانیّة دور مباشر فی ذلک. إنّ للحرکة التأریخیّة العالمیّة منحًى إیجابیًّا صعودیًّا ارتقائیًّا، وهذا على نقیض من التفکیر السلفیّ الذی یسعى إلى ضرب المهدویّة والدعوة إلى السلف بتفسیره الخاطئ مفهومًا ومصداقًا. قال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ کَتَبْنَا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّکْرِ أَنَّ الْأَرْضَ یَرِثُهَا عِبَادِیَ الصَّالِحُونَ﴾[17]. إذًا ، فهی حرکة عالمیّة اجتماعیّة، ولیس الوارث شخصًا واحدًا؛ وإنّما کتلة بشریّة عالمیّة ضخمة یقودها شخص من آل البیت (عله) اسمه المهدی (عج).
إنّ التوجّه السلفیّ فی حقیقته توجّه ماضویّ ینظر إلى الراهن والمستقبل بنظرة سوداویّة خطیرة تقتل فی العقل والنفس بصیص الأمل، فلا أفق للإنسان السلفیّ ولا أمل فی حیاته.
وبما أنّهم یقتلون العقل، ویسحبون من تحته کلّ بساط، ویقیلونه، ویقصونه، فلا یملکون أدواتٍ لتطبیق ما یرونه سیرةً للسلف الصالح؛ وهی لیست سیرة، بل سِیَر کثیرة مشحونة بالتناقضات والاقتتال والفتن والتلاعن والتکفیر والحروب، وهی منهجیّة سوداویّة لا تُخرِّج غیر الاتّجاهات التکفیریّة والإباحیّة السیاسیّة وتقدیس الملوک والرؤساء. إنّ نهایّة العقل السلفیّ هذا هی إدارة التوحّش على غرار ما هم یعلنونه صراحة فی التنظیمات الإرهابیّة، وبالتحدید فی دولة داعش الوهّابیّة.
إنّ المستقبلیّة القرآنیّة على عکس المستقبلیّة السلفیّة السوداویّة، فهی مُفعمة بالأمل والتفاؤل وآفاق النور وانبجاس إشراقة الضیاء الإلهیّ؛ ولعلّ الآیات التی تتحدّث عن أنّ العاقبة للمتّقین تشیر إلى مثل هذه الرؤیة الأملیّة:
- ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ لِـلَّهِ الَّذِی صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَیْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِینَ﴾[18].
- ﴿وَنُرِیدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِینَ اسْتُضْعِفُوا فِی الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِینَ﴾[19].
- ﴿وَیَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِکْیَالَ وَالْمِیزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْیَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِی الْأَرْضِ مُفْسِدِینَ...بَقِیَّتُ اللهِ خَیْرٌ لَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِینَ...﴾[20].
- ﴿ یَا أَیْهَا الَّذِینَ آمَنُوا مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَسَوْفَ یَأْتِی اللهُ بِقَوْمٍ یُحِبُهُمْ وَیُحِبُونَهُ أَذِلَةً عَلَى الْمُؤمِنِینَ أَعِزَةٍ عَلَى الکَافِرینَ یُجَاهِدُونَ فِی سَبِیلِ الله وَلا یَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِکّ فَضْلُ اللهِ یُؤتِیهِ مَنْ یَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِیمٌ ﴾[21].
- ﴿ ثمَّ نُنَّجِّی رُسُلَنَا وَالَّذِینَ آمَنُوا کَذَلِکَ حَقًَّا عَلَیْنَا نُنْجِ الْمُؤمِنینَ ﴾[22].
- ﴿ فَإذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِیَسُوءُوا وُجُوهَکُمْ وَلِیَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ کَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِیُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِیرًا ﴾[23].
- ﴿ تِلکَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُها لِلَّذینَ لا یُریدونَ عُلُوًّا فِی الأَرضِ وَلا فَسادًا ۚ وَالعاقِبَةُ لِلمُتَّقینَ ﴾[24].
ولا یخفى توافر الدلالة المنطقیّة لهذه الآیات على علاقات متینة سببیّة علمیّة بین الالتزام بالإیمان والتقوى والصلاح، وبین التمکّن والحکم والإرث للأرض والنجاة فی معارک الأمم وتنافس الحضارات فی جمیع الأزمنة؛ لأنّ السنن الإلهیّة الثابتة التی لا تحویل ولا تغییر لها تقتضی ذلک، ولیست ظروف آخر الزمان باستثناء فی ذلک کلّه. ومن المعطیات الهامّة فی القرآن الکریم هو أنّ العاقبةَ والنتیجة وخواتیم الأشخاص والأشیاء والأمم، هی ممّا تصنعها الإرادة الإنسانیّة التی ترتکز هی بدورها على المقاومة الباطنیّة والتقوى ومدى استثمار الإنسان قدراته العقلیّة والفکریّة وتعمّق الرأی والفقه والعلم بالمعنى الواسع لهذه المفاهیم.
هنا، من الضروری الالتفات إلى أمر فی غایة الأهمّیّة والخطورة؛ وهو أنّه على الرغم من أنّ حرکة العقل الإنسانیّ فی اتّجاه متصاعد کلّما اقتربنا من نهایات الزمن؛ فإنّ الهیمنة السیاسیّة للفراعنة والطواغیت فی آخر الزمن تبدو غالبة، کما إنّ الظلم الذی یُلحِقونه بالإنسان فی جمیع المجتمعات یبدو أشدّ وأقسى. وعلیه، نجد أنّ الأساس فی حرکة المهدویّة هو أنّ الإمام (عج) یملأ الأرض قسطًا وعدلًا؛ بعدما تُملأ ظلمًا وجورًا، لأنّ التأکید فی نهضة الإمام (عج) یکون على مواجهة الظلم والطاغوت، ولیس على مواجهة الجهل والخرافة وما شابه؛ مع أنّ لهذه الأزمات -أیضًا- حصّتها فی رسالة النهضة المهدویّة ومعارکها؛ غیر أنّ المرکز والأساس فیها هو مکافحة الظلم، وتأمین الأمن والحقّ والعدل بواسطة الإمام (عج) وقیادته الرشیدة الإلهیّة، وبواسطة الأمّة التی تتبعه.
وفی سیاق موقف السلفیّة الماضویّة السلبیّ من العقل، تجدر الإشارة إلى تلک الهجمةِ الشرسةِ التی کان ابن تیمیّة وقادة الحرکة السلفیّة منذ قرون یشنّونها على جمیع النصوص المرتبطة بالعقل، ظانّین ومُتوهّمین أنّها أخبار وروایات نَسَبَها الشیعةُ والمعتزلةُ إلى النبی (ص)، ظلمًا وافتراءً! وأنا لا أدری کیف یواجهون الدعوات القرآنیّة الصریحة فی حیویّة تنشیط العقل وترشید الفکر وشحذه فی المواجهات الفکریّة مع جمیع الأخبار والنظریّات والمعتقدات؛ بما فیها القرآن الکریم، والله -تعالى- نفسه. والذی یبدو أنّ ماضویّة السلفیّ هی التی تُشوّش علیه بشدّة وتُعیق التفکیرَ والتعقّلَ فی منهاجه.
هذه الماضویّة الفکریّة والسلفیّة المنهجیّة والرجعیّة الزمنیّة تتخبّط أمامَ بحر من الأخبار المفبرکة وأمام کمیّة هائلة من تناقضات الذین عاشوا فی عصر النّبی ( ص) وبعده، فلم یبقَ للسلفیّ الکافر بالتعقّل والتفکیر إلا أنْ یُخمد نورَ العقل، ویدعو إلى تحریم التفکیر وتنشیط التکفیر. هو بلاء أصیبت به الأمّةُ هذه الأیام، وسَبّبت خرابًا فی الحرث والنسل.
2. الاتّجاه الثانی: الرؤیة الواقعیّة البراغماتیّة العاجلة:
وهی تَوَجّه مَصلحیّ نَفعی، وفی أغلب الأحیان تتّصل بأصول العلمانیّة واللیبرالیّة؛ لأنّها تَوجّه غیر مُستقلّ عن تلک الفلسفات، هی رؤیة مادّیّة تلتقی فی فلسفاتها مع الأصول النظریّة لتلک المدارس الفکریّة.
إنّ المدرسة البراغماتیّة الواقعیّة على عکس النظرة السلفیّة، ترفض العودةَ إلى التجارب التأریخیّة؛ لعائق الزمن، وقلّة الجدوى فی الرجوع إلى الماضی، ولخوفها من أنْ تکون الماضویّة بمنزلة الرجعیّة التی تُلهینا عن حالنا وتشغلنا عن أن نهتمّ بِحاضرِنا.
وعلیه؛ یمکن أن نعتبر أنّ هذا التوجّه المادّی التجریبیّ هو -أیضًا- بُنیة الفکر العلمانیّ، أو -فی أقلّ تقدیر- مِن أسسها المادّیّة ومبرّراتها المنطقیّة، حسبَ تعبیرهم طبعًا، وکذلک فهی مدرسة ترفض الرهانَ على المستقبل البعید، وإنْ أقبلَ أهلُها على المستقبل فَهُم یقصدون المستقبل القریب الذی یأتیهم بمصالح مادّیّة دنیویّة، ولا یُخرجهم من النزعة المادّیّة الدهریّة.
یصف الله -تعالى- هؤلاء بأنّهم متعلّقون بعواطفهم وقلوبهم ومشاعرهم بالأمر العاجل القریب؛ وهی من سمات السفاهة وفقدان العقل[25]؛ لأنّ التعقّل یقضی بضرورة أنْ یرمی الإنسان ببصره إلى أقصى المواقع والأزمنة والمراحل؛ لکی یدرک المصالح العلیا، ویتفادى التحدّیات العظمى التی تخفى على النظر القریب، وتغیب عن الغارق فی العاجلة. قال -تعالى- ﴿کَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾[26]، وقال -تعالى- أیضًا:﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ یُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَیَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ یَوْمًا ثَقِیلًا﴾[27].
إنّ حُبّ العاجلة فی الأدبیات القرآنیّة یُشکّل تهدیدًا ضخمًا مُرعبًا للعقلانیّة والمصلحة الحقیقیّة للإنسان وللبشریّة، کما إنّ الدنیویّة المادّیّة الرافضة للإیمان بالغیب وبما وراء الدنیا تسبّب الکفر بالآجلة وبالیوم الثقیل الذی یتحقّق فیه الجزاء ویتمثّل فیه العمل الإنسانیّ ثوابًا أو عقابًا.
أمّا المدرسة الدهریّة، فهی مدرسة ترفض الإیمان بالمبدإ وبالمعاد معًا، فلا تعتقد بوجود مصدر حکیم للکون، ولا بوجود یوم معاد یُحشر فیه الناس ویخضعون لاعتبارات المحاسبة والتقییم والإثابة والعقاب. هی عقلیّة الکفر والإلحاد، فأصحاب هذه المدرسة یرضون بالدنیا وتطمئنّ بها نفوسهم، فلا یتورّعون عن ارتکاب أیّ جرائم تحت غطاءات مختلفة؛ لأنّ الرادع الأساس للجریمة هو العقل، وإخماده لا یترک له المجال فی المقاومة أمام العبث. قال تعالى فی هذا النوع من البشر:
- ﴿ذَلِکَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَیَاةَ الدُّنْیَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا یَهْدِی الْقَوْمَ الْکَافِرِینَ﴾[28].
- ﴿الَّذِینَ یَسْتَحِبُّونَ الْحَیَاةَ الدُّنْیَا عَلَى الْآخِرَةِ وَیَصُدُّونَ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ وَیَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِکَ فِی ضَلَالٍ بَعِیدٍ﴾[29].
- ﴿وَقَالُوا إِنْ هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا الدُّنْیَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِینَ﴾[30].
- ﴿وَقَالُوا مَا هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا الدُّنْیَا نَمُوتُ وَنَحْیَا وَمَا یُهْلِکُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِکَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا یَظُنُّونَ﴾[31].
إنّ الله -تعالى- بوصفه لکفرهم وإنکارهم، وببیان أنّ موقفهم الإلحادیّ والکافر لیس عن علم؛ وإنمّا عن ظنّ، یَکشف لنا عن خلل مَعرفیّ منطقیّ فی استدلالاتهم، ووسائل تفکیرهم، ومَدَیاتِ قِصَر عقولهم. وعلیه، فلیس الاعتقادُ بالکفر بالمستقبل والساعة القادمة من العقل والحکمة؛ لأنّ الحرکة فی أفق مسدود لا تنتج، ولأنّ التخبّط لا یُوصلُ العاقلَ إلى هدفه مهما کان. فکیف یسع الإنسان أن ینفی المستقبل؟ وعلى أیّ أساس من المعرفة والبرهان یمکن أنْ یحکم الإنسانُ، قاصرُ النظر، ودون البحث فی المستقبل على أمر لم یأتِ بعد؟ هذا إنکار لأسس العلم والمعرفة والعقلانیّة التی یدّعونها طبعًا.
وفی ضوء هذا، یمکننا استخلاص أنّ المسألة الأساس هی أنّ الکفر بالمبدإ وبالمعاد، وعدم الاعتقاد بأنّنا لله -تعالى- ومنه، حسب ما نفهمه من قول الله تعالى: "إنّا لله وإنّا إلیه راجعون" بمغزاها الإبستمولوجیّ والعلمیّ التوصیفیّ التکوینیّ، وضعف الإیمان بأنّ مصیرنا ومصیر الکون من حولنا کلّه إلیه -سبحانه وتعالى-؛ لأنّه الحقّ المحض والصالح لأنْ یعود إلیه الخلق. إنّ هذا الکفر فی أعماق معطیاته المنطقیّة یتستّر على العقل والفکر. فعلاقة الکفر بالفکر علاقة قویّة؛ أی إنّ العلاقة السلبیّة النقیضة بینهما من أهمّ الأمور الواضحة لو تأمّلنا فی القرآن الکریم فی مفهوم الکفر والإلحاد بعیدًا عن الجمود والظاهر الفقهیّ للمسألة وأحکام الکفر والکافر فی البعد الصوریّ. وسیأتی فی هذه المقالة کلام تفصیلیّ عن دلالات الکفر بمنهاج معرفیّ علمیّ وبمنطق إبستمولوجیّ.
إنّ الکفر هو حرمان الإنسان من الرؤیة البعیدة أزلًا وأبدًا؛ وبالتالی، فإنّ الکافر یعیش للحظته کالأعمى، فلا یرى خلفه ولا یرى ماضیه، وامتداد وجوده، ومنطلق حرکته. ولا یعلم مِن أین انبثق وجوده، ولا یرى المدى المستقبلی والمَعَادی، ولا یملک رؤیة حول ما سیؤول إلیه مصیره، وإلى أین سیره وجریانه الطبیعیّ، فهو یعیش اللحظةَ العاجلة فی تخبّط وعمى، فلا یُبصر ولا یسمع ولا یعقل؛ لأنّه یفتقد البصیرة فی أمر المبدإ والمعاد. وعلیه، فإنّ ظاهرة الکفر من أهمّ عناصر الاستشراف والرؤیة المستقبلیّة؛ لأنّ الکافر لدیه موقف مسبق صارم فی الإنکار والرفض والحسم. وهذه الحالة من الدوغما والجزم تمنع صاحبها من أنْ ینفتح بالعقل على السیناریوهات المستقبلیّة فی کلّ شیء.
ثمّ هل الکفر آفّة للمعرفة وعائق للوعی والرؤیة وسدّ للعلم أم لا؟ بالنّظر إلى الآیات من هذه الزاویة نقول: نعم، إنّه عنصر إعاقة البصیرة؛ لأنّ الکافر ساتر لعقله من أنْ ینطلقَ ویستبصر أو یستشرف ویستقبل الأحداثَ ویُعدّ نفسه وغیره لمواجهتها[32]. إذًا فهی مهمّة مصیریّة للعقل، لو سددنا طریقه فی ذلک، فسنقیّده دون أنْ یقوم بمهمّته. قال -تعالى-: ﴿أَفَلَمْ یَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَتَکُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ یَعْقِلُونَ بِهَا أَوآذَانٌ یَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰکِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِی فِی الصُّدُورِ﴾[33]، وهی سبب مباشر فی فقدان الرؤیة المستقبلیّة والأزلیّة کذلک. وهذا الواقع المؤسف للکافر یکفی لمنعه من الوصول إلى الحقیقة. هی رؤیة إبستمولوجیّة للکفر والإیمان. والکفر والإلحاد والمادّیّة هی مجزرة العقل ومقتله ومأساة الإنسانیّة بمنطق العقل والحکمة. ومعلوم وواضح لمن یتأمّل فی آیات القرآن الکریم أنّ القلب هو عاصمة المعرفة وتحقّق التعقّل، ولیس الدماغ -مقارنة معه- غیر خازنة حاویة للمعلومات، کما إنّ عمى القلب هو فقدان القدرة على التحرّک نحو المعرفة والعلم والرؤیة وإخفاق الجهاز المعرفیّ فی تکوین الفکرة الصحیحة عن شیء ودلالة الآیة على ذلک فی أشدّ مراحل الوضوح والیقین. هی نعمة البصیرة التی حُرم منها الکفّار والعاجلیّون البراغماتیّون العلمانیّون المکتفون بالدهر الذی یعیشون فیه، والحال أنّ خیریّة الآخرة قیاسًا مع الدنیا أمر عقلیّ یدرکه الإنسان لو تفکّر وتدبّر.
قال -تعالى-: ﴿وَمَا الْحَیَاةُ الدُّنْیَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْو وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَیْرٌ لِلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[34]. إنّ قوله -تعالى-: {أفلا تعقلون} والنتائج العقلیّة للتأمّل فی الأمر تؤکِّد أنّ التفکیر فی المبدإ والمعاد، وفهمَ العلاقة بینهما لا یُبقی شکًّا فی أنّ الدنیا لیست غیرَ متاع الغرور قیاسًا مع الآخرة. وهی قضیّة عقلیّة فکریّة، على الإنسان أن یکتشفها بالموضوعیّة والتفکیر فی الواقع، ولیست أمرًا تعبّدیًّا محضًا مستعصیًا على الخضوع للفکر والعقل.
تأتی الواقعیّة البراغماتیّة العاجلة على نقیض مع السلفیّة الماضویّة تمامًا؛ لأنّها مدرسة تدعو إلى الانتفاع باللحظة والتفکیر لها والسعی إلى بناء العیش على مقتضیات الآن. هی فلسفة ونمط حیاة، تتمسّک بالراهنیّة المفرطة التی تحرمها من عقلانیّة التأریخ والعبرة به من جهة؛ لأنّها ترى الراهن والماضی فی صدام، وتنظر إلى العلاقة بین الحداثة والتراث باعتبارها إشکالیّة معقّدة فتفضّل الاهتمام بالحاضر والواقع، وتقطع العلاقة مع التراث، وتعیق التبصّر فی المستقبل البعید بالمقیاس الزمنیّ فی الدنیا من جهة ثانیة.
وموقف المدرسة العاجلة -حسب التعبیر القرآنیّ- هو تحدید المدى للرؤیة فی حدود الدنیا، ورفض إقحام شؤون الآخرة والعقبى فی منطق الحیاة.
وتفتح الآیات التالیة آفاقًا واسعة أمام العقل لیخوض فیها، فیتّسع ویکبر بالتأمّل والتدبّر فی مفاهیمها الرهیبة: ﴿یَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَیَاةِ الدُّنْیَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ یَتَفَکَّرُوا فِی أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَیْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ کَثِیرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَکَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ یَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَیَنظُرُوا کَیْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ کَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَکْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَیِّنَاتِ ۖ فَمَا کَانَ اللَّهُ لِیَظْلِمَهُمْ وَلَٰکِن کَانُوا أَنفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ (9) ثُمَّ کَانَ عَاقِبَةَ الَّذِینَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن کَذَّبُوا بِآیَاتِ اللَّهِ وَکَانُوا بِهَا یَسْتَهْزِئُونَ﴾[35].
فما نفهمه من الآیات هو الآتی:
- إنّ الآخرة لیست مفصولة عن الدنیا فی حقیقتها. والذین یغفلون عن الآخرة هم الذین یعلمون ظاهرًا من الحیاة الدنیا. وعلیه، فإنّ من یتعمّق بباطن الدنیا ولا یغرق فی ظاهرها، یبلغ الآخرة ویعیها فی هذه الدنیا؛ لأنّ الآخرة هی الوجه الآخر للدنیا وهی غیر مفصولة عنها.
- التفکّر والتعقّل والتدبّر فی الأنفس والآفاق یضمن تَبَیّن الحقّ، ویکفل للعاقل المتأمّل اکتشاف الحقّ وفهمه. وهذه هی المنهجیّة الصحیحة فی الولوج إلى مملکة الحقیقة والقرب من الله -تعالى- والإیمان بلقائه. هی عملیّة استشرافیّة عقلیّة یدعو إلیها القرآن الکریم محذّرًا الإنسان من أنْ یغفل عن الرؤیة ومداها البعید والغفلة عن التفکیر فی المستقبل والانجماد العقلیّ فی الدنیا وظاهرها.
- عاقبة عدم التفکیر والتعقّل فی الدنیا هی وقوع الإنسان أسیرًا بین مخالب الجهل وجعله عرضةً لتهدیداته الوجودیّة، وکفره بما وراء المادّة والشکل والحسّ المحض. وهی نتیجة طبیعیّة؛ لأنّ الإنسان الجاهل بأمر والغافل عنه قد یکفر به. وعلیه؛ فإنّ الکفر ینتج عن جهالة وحمق ویؤدّی إلى مزیدٍ من السفاهة والجهل والفسق وردائة النفس، ومن حیث لا یشعر الإنسان یقع فی الاستدراج ما دام یضع سدًّا مانعًا أمام العقل والتسلیم به.
- السیر فی الأرض لاکتشاف ما جرى على الماضین والسابقین جزء أساس من اکتشاف قواعد الحیاة وسننها الثابتة التی یجب أن نتّخذها عبرًا ودروسًا نبنی علیها الراهن والمستقبل، وهی من الناحیّة المنهجیّة من أصول التفکیر المستقبلیّ القرآنیّ.
- إنّ التأمّل فی الأزمنة المستخدمة فی الآیات یؤکّد العلاقة الشبکیّة بینها جمیعًا؛ حیث لا یمکن للإنسان أن یلتفت إلى بعضها ویغفل عن بعضها الآخر؛ کما إنّ استحضار الماضی والمبدأ الأزلیّ، والمستقبل القادم والمعاد الأبدیّ، والواقع المعاش القائم، هو أمرٌ قرآنیّ رشید وعنصر أساس فی بلوغ الحقیقة وتحقیق السعادة.
3. الاتّجاه الثالث:
وهو التوجّه العقلیّ الذی یأتی بین المنزلتین وبین الاتّجاه السلفیّ الرافض للعقل والمتأسّس على النصّ والظاهر والماضی، والاتّجاه الدهرانیّ العلمانیّ البراغماتیّ الکافر بالمبدإ والمعاد معًا والراضی بالدنیا المحبّ لها والمطمئنّ إلیها.
إنّ القرآن الکریم والإسلام الصحیح یدعوان إلى تفعیل العقل ومراکمة النظر والتدبّر باستخدام العبرة والفحص التأریخیّ والنظر إلى الماضی من جهة، والتفکیر بالسنن الثابتة العلمیّة المنطقیّة التی یرشدنا إلیها الله -تعالى- فی الآیات الباهرات الزاهرات، ویؤکّدها العقل ویتقبّلها قبولًا حسنًا حول المآلات والمصائر الآتیة والآفاق المستقبلیّة بجمیع مراحلها التی تفتح للعقل سبلًا واسعة، وتعبّد الطریق للحرکة الرشیدة له.
إنّ عددًا کبیرًا جدًّا من الآیات القرآنیّة یربط التقوى بالعقل والحکمة، ومنها الآیات التی تدعو إلى العلاقة المتینة بین العقل والقلب؛ کما فی الآیات التالیة:
- إنّ القلب هو مرکز الفهم والتعقّل. یقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ کَثِیرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لاَّ یُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ یَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِکَ کَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِکَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[36]، فجعل الإنسان یفقه ویفهم بقلبه.
- ﴿أَفَلَمْ یَسِیرُوا فِی الأَرْضِ فَتَکُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ یَعْقِلُونَ بِهَا أَوآذَانٌ یَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَکِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِی فِی الصُّدُورِ﴾[37]، فإنّه ینسب إلى القلوب عملَ العقل والفکر.
وتجدر الإشارة إلى أنّ للعقل الأوّلویّة فی الآیات القرآنیّة؛ لأنّه أتى بذکره فی آیات القلب بحرف باء؛ أی إنّ على البشر أنْ یعقلوا بقلوبهم، کما اعتبر -تعالى- أنّ العقل هو العامل الفعّال الذی یجب أن یبنی على محتویات القلب؛ أی المدرکات التی یحصل علیها الإنسان بالقوى الإدراکیّة التی یملکها، فتتحوّل المعلومات والمعطیات المتبعثرة الجزئیّة فی قلبه إلى استنتاجات وبراهین وأدلّة تصلح لأنْ یبنی علیها العقل فی قیادة حرکة الإنسان. هو حقًا أمر مذهل یستأهل التوقّف والتأمّل، والرؤیة السلفیّة عمومًا محرومة من النظر إلى المکانة المرکزیّة المذهلة للعقل فی القرآن الکریم.
وفی هذا الاتّجاه القرآنیّ حول التعامل مع الماضی والحاضر والمستقبل نشهد أنّ للماضی مهمّته المصیریّة؛ لأنّ الإنسان لو سار فی الأرض وتعمّق فی ما حصل ومرّ على الإنسان -کما سبق أن ذکرنا بعض الآیات القرآنیّة التی تتناول هذا الأمر- فإنّه سیوقد عقله ویشحذ نظره ویعتبر ممّا حصل على الناس، وبالتحدید على الذین جمعوا وعمّروا وأثاروا فی الأرض وأصبحوا أقویاء أشدّاء، ولکنّ ما جمعوه تلاشى فی آخر أمرهم، وتشتّت کیاناتهم، وفسدت قراهم، واضمحلّت حضاراتهم، ولم یبقَ منها إلا هیکل من تراب على أحسن التقادیر.
ولکنّ عقلًا حاضرًا حیًّا عصریًّا من الراهن واللحظة والزمن ینبغی له أنْ یتحرّک؛ لأجل أنْ یستنبط القیم من الماضی والحکم من السلف، دون أنْ یُخاف علیه من الوقوع فی شبکات التأریخ وأفخاخه، وبعیدًا عن النصّیّة والظاهریّة والرجعیّة والجمود والغلوّ. فمشکلة السلفیّة هی أنّها تفهم الإسلام على أساس بعض النصوص، ولیس تحت قیادة العقل الفعّال الحیّ المعاصر، فلیس له حدود واضحة للمصلحة والمفسدة؛ إلا من نافذة العقل السلفیّ التأریخیّ الکلامیّ الجامد.
وکذلک المستقبلیّة القرآنیّة فی هذا الاتّجاه هی رؤیة یستشرف بها المؤمن والمتّقی والمسلم على ما یُتوقّع أنْ یواجهه من تهدیدات وتحدّیات، واستعدادًا لمآلات الحیاة والمجتمع، مستفیدًا من هذه المستقبلیّة ومعطیاتها فی عملیّة التخطیط الاستراتیجیّ للحیاة التی یعیشها. إنّها استشراف لا یؤدّی إلى غیبوبة المسلم، لا فی الماضی، ولا فی المستقبل. ولا یُعرّض حیاته الراهنة فی الدنیا للخطر عبر التوجّه الاستشرافیّ؛ بل یقصد إقصاءها عن التهدید والخراب. وینوی بناءَه وتکوینه على أساس التوجّه إلى الماضی والمستقبل، بوصفهما بُعدین لحرکة العقل والحکمة.
ثالثًا: الرؤیة المستقبلیّة القرآنیّة وضرورات مواجهة السلفیّة والحداثة العلمانیّة:
إنّ الوضع المأساوی للإنسان الفرد من الناحیّة التربویّة والقیمیّة الأخلاقیّة جنبًا إلى جنب مع الناحیة الأممیّة الحضاریّة الاجتماعیّة فی أکثر من بعد، مَرَدّه إلى فقدان المدى العمیق والبعید للرؤیة والتبصّر. والمؤکّد قرآنیًا أنّ الرؤیة العاجلة هی رؤیة شیطانیّة على مستوى النفس والجهاد الأکبر، ودنیویّة مُفسِدَة للحیاة ترتبط بفقدان البصیرة والقدرة على الاستشراف والاستقبال على المستوى الحضاریّ والاجتماعیّ.
وفی ما یخصّ إفقاد الشباب المسلم قدرتهم على الاستشراف فی المستوى الروحیّ والسیاسیّ والاجتماعیّ، ثمّة مخطّطات مرعبة وُضِعت لأجل تحقیق هذا القصد المشؤوم، وهم یروّجون لها؛ لکی یلتهی العقل المسلم بالعاجل ویرکّز فی الحیاة على التسلیة والرفاهیّة والأمن والراحة واستقرار الحیاة العاجلة حتّى لو کان جمیع ذلک على حساب الحیاة الأخرى. ویستخدم المستعمرون جمیع الطاقات والفرص، وبالتحدید یأتون بثقل ثقافاتهم وفلسفاتهم ومنتوجاتهم البراقة اللمّاعة؛ لأجل أنْ یشغلوا العقلَ المسلم بالرفاهیّة العاجلة عن القضایا المصیریّة الکبرى للأمّة الإسلامیّة.
ولأنّ صفة العجلة أتت فی القرآن الکریم باعتبارها تحمل شحنةً سلبیّة تُفقد الإنسانَ والمجتمعَ القدرةَ على الأناة والصّبر والاستشراف؛ وتفقده بالتالی التعقّل والتروّی، وبما أنّ التعجیل والعجلة والاستعجال تعنی -فی کنه معناها- الإقدام على برنامج عملیّ أو الاعتقاد بفکرة نظریّة دون وجود أفق ومدًى للرؤیة، وقبل تکوین البصیرة فی ما یخصّ المآلات والحالات التی یمکن أن تنجلی فی المستقبل، وقبل اکتمال الصورة والمشهد بجمیع عناصره. لذلک فقد یُستحسن إلقاء الضوء -بقدر ما یحتمله هذا النصّ- على آیات تُفسّر لنا أهمّیّة الصّبر والعزم والتفکیر المستقبلیّ مُقابل تفنید العجلة والاستعجال الناشئین من عدم القدرة على التفکیر الصحّیّ والعمیق، وعدم درس مآلات الأشیاء والأفکار والأحداث.
ولأسباب سبق أن أشرنا إلى بعضها، فإنّ الرؤیة العلمانیّة الحداثیّة هی رؤیة عاجلة قد حسمت أحکامها ضدّ التفکیر الدینیّ المیتافیزیقیّ، وأنکرت وجود القیامة والآخرة وما وراء المادّة، لا عن عقل وحکمة أو عن أناة وصبر على البحث والفحص العلمیّ، وإنّما -أیضًا- عن "عجلةٍ واستعجال" حسب تعبیر القرآن الکریم. إنّ المادةّ أمر مشهود ملموس قریب من أدوات الحسّ والإدراک المادّیّ، یحسّ بها الإنسان بجمیع مشاعره فورًا وعاجلًا، ولکنّ الحکم فی ما یتّصل بالمسافات البعیدة عن الإنسان وقواه المدرکة المادّیّة لا یمکن أن یُقاس بالمختبر التجریبیّ المادّیّ وبالمنهجیّة العاجلة والطبع المستعجل الملول!
بناءً على ذلک، ینبغی على الإنسان أنْ یسعى إلى تنشیط العقل الذی یتحرّک بسرعة قیاسیّة فی فضائات غیر مادّیّة، ویأتی بالحکم حتّى وإنْ لم تصل الید المادّیّة إلى مواضیع حِراکه ونشاطه ودرسه.
ویشترک العقل الحداثیّ الوضعیّ والعقل السلفیّ فی قصور النظر والجمود وفقدان البحث الموضوعیّ العلمیّ، فالأوّل یقصر نظره فی تجاوز المادّة، والثانی تقتصر جهوده الفکریّة فی نطاق النصّ والظاهر. وعلیه، فإنّ العقل فیهما مستقیل إلى حدّ کبیر؛ لأنّ المادّة فی المختبر تتفاعل مع القوى الإدارکیّة الحسّیّة الإنسانیّة، وکذلک السلفیّة تتعامل مع النصّ ودلالاته دون الاستعانة بالعقل وقدرته على تقدیر المآلات والمقاصد. وحتّى المقاصد التی تمّ إدراجها ضمن اللائحة الفکریّة الإسلامیّة المقرّبة من الأوساط السلفیّة هی مقاصد ترتکز إلى الظاهر والجمود على النصّ، ولا تعترف بالعقل کاشفًا مرموقًا للغایات والحقائق.
والآیات الدالّة على عواقب العَجَل والعجلة فی النفس کثیرة جدًّا، أذکر طائفة منها مع تعلیقات توضیحیّة أرجو أن لا تبتعد عن صمیم دلالات الآیة الواضحة أصلًا:
- ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُکَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّکَ لَنْ تَسْتَطِیعَ مَعِیَ صَبْرًا وَکَیْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِی إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِی لَکَ أَمْرًا﴾[38].
إنّ قصّة النبی موسى (ع) والعبد الصالح (ع) تفتح آفاقًا لامتناهیّة أمام العقل لیدرک أنّ الرؤیة المستقبلیّة هی مفهوم نسبیّ قد تَصْدقُ مرتبة من النقص والضعف فیها على نبی من الأنبیاء العظام (عله). ومن الواضح -هنا- وفی هذه القصّة أنّ النبی موسى (ع) قد انشغل عقله بالأسباب العاجلة القریبة وغفل -أو تغافل- عن الأسباب الضاربة فی عمق الماضی أو المستقبل، فلو صبر موسى (ع) ولم یعجل فی الحکم على ما لم یطّلع علیه، ولم یتسرّع فی إصدار تلک الأحکام القاسیة الناشئة عن مستوى معیّن من الجهل بالفلسفات البعیدة الکامنة، لأدرک من الحقّ أکثر بکثیر. هذه حال نبی من الأنبیاء (عله) مع کونه من الأساس المبادر إلى طلب الحکمة والعلم من ذلک الولی الإلهیّ الصالح بکلّ أدب وتواضع، ومع کونه عالمًا بقدر الجهل الذی فیه، أراد أن یتعلّم على یدی ذلک العبد الصالح، وهذه باتت مآلاته، فما بالکم بنا -نحن الفقراء- فی علمنا الذی لا مجال لأن یقاس معه؟
هی قصّة تربویّة لتنشئة الإنسان على صفة الصبر ونبذ الاستعجال والقضاء الصارم قبل العلم الحاسم. فلو تربّى الإنسان على حبّ التفکیر والتأنّی والصبر والاستشراف لحصل على الخیر الکثیر.
- ﴿وَهَلْ أَتَاکَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ... وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاکِعًا وَأَنَابَ﴾[39]. فی ما یتعلّق بهذه الآیة یعتقد بعض المفسّرین أنّ النبی داود (ع) قد وقع فی خطإ القضاء والحکم بسبب عدم التأنّی وقلّة الصبر والاستعجال فی إصدار الحکم بین الخصمین المدّعین. من جهتی، لم أقم باستقصاء التفاسیر والتأکّد من هذا التفسیر؛ وبخاصّة أنّ قصص النبی داود (ع) قد دخل علیها کثیر من الإسرائیلیّات الخرافیّة، وقد تأثّر بها عدد هائل من تفاسیر المسلمین، مع کونها لا تتناسب مع شأن النبی الکریم المعصوم (ع)، غیر أنّی ذکرت هذا التفسیر من باب تجمیع الشواهد الأوّلیّة التی تتوافق مع نصّ القرآن الصریح تقریبًا فی المؤاخذة اللطیفة على الحکم. وعلى کلّ حال، فإنّ الآیات التی تؤکّد فساد التبعات الناتجة عن التسرّع والاستعجال هی أکثر من أنْ تُحصى، فلا یقدح بهذا المنطق وبراهینه القرآنیّة أنْ یکون تفسیر هذه الآیة غیر مؤکّد.
- ﴿فَاصْبِرْ لِحُکْمِ رَبِّکَ وَلا تَکُنْ کَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُو مَکْظُومٌ لَوْلا أَنْ تَدَارَکَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُو مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِینَ﴾[40]. تدعو الآیة إلى الصبر وتبیّن المضاعفات الخطیرة الناتجة عن ضعف الصبر والإقدام بخطوات ضدّ قومه حسب بعض التفاسیر.
- ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ یُقْضَى إِلَیْکَ وَحْیُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِی عِلْمًا﴾[41]؛ وهی آیة صریحة فی نهی النبی (ص) عن التسرّع فی قراءة ما ینزل قبل اکتمال النزول وتمام الآیات المرتبطة.
- ﴿خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِیکُمْ آیَاتِی فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾[42]. تنصّ هذه الآیة على وجود طبع إنسانیّ یمیل إلى التعجیل والمبادرة إلى الردّ والإقدام قبل نضج المشهد ورشد الموقف واکتمال المراحل، ما یسبّب حرق الفرص والتسرّع فی الحکم والقضاء والحسم فی المعتقدات الإیمانیّة أو النشاطات والأعمال. فلو صبر الإنسان ولم یعجل فی أمر دینه ودنیاه لشهد من الخیر الکثیر؛ لأنّ مَنازع الصبر عند الإنسان أقلّ من دوافع العجلة والتحرّک العاجل. فنلحظ فی الآیة أنّ الإنسان العجول یربط صدق البرهان وکذبه بسرعة الوقوع، مع أنّ عدم وقوع الوعد فی فترة قیاسیّة محدّدة لا یعنی من الناحیة المنطقیّة والعقلیّة أنّ الخبر والادّعاء کاذب، فلا یمکن القول: "متى هذا الوعد إنْ کنتم صادقین"! لأنّ للوعد لحظة محدّدة وإنْ کانت غیر مکشوفة لنا، فأنّى لنا أن نکفر بما لا نراه واقعًا ماثلًا أمامنا؟ ویبدو أنّ الآیات التی تتحدّث عن طبیعة إنسانیّة ومیولها ونزعتها نحو صفة من الصفات تشیر إلى مساحة نفسیّة طبیعیّة یتطلّب إصلاحها وتهذیبها جهدًا کبیرًا وتنئشة تربویّة صعبة.
- ﴿وَیَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَیْرِ وَکَانَ الإنْسَانُ عَجُولًا﴾[43]؛ وفیها تأکید على مفاهیم الآیة السابقة وضرورة أنْ یخضع الإنسان لعملیّة تربویّة دقیقة بمنهجیّة عملیّة نفسیّة تُوجِد فیه صفة الصبر والقدرة على التأنّی والتروّی والنظر إلى العواقب والنهایات فی تحقیق البصیرة فی السلوک. هی منهجیّة قرآنیّة لضبط النوازع الإنسانیّة والتحکّم بمشاعره ورغباته من خلال صناعة الرؤیة والتروّی فی التفکیر بالبعید، وبتأهیل النفس وتعویدها على سعة النظر، وشرح الصدر وبعد الأفق، منعًا للوقوع فی فخّ الاستعجال؛ إذ ینبغی علیه ممارسة الاستشراف والنظر إلى العاقبة والغد حسب التعبیر القرآنیّ.
- ﴿وَیَسْتَعْجِلُونَکَ بِالسَّیِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّکَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّکَ لَشَدِیدُ الْعِقَابِ﴾[44]. والسبب فی ذلک قد یرجع إلى أنّ السیّئة بالغالب تُروی النفسَ وتُشبعها بالأمر العاجل، وأنّ النفسَ نَزوعة تنزلقُ بشدّة نحو الرغبات القریبة والنّعیم العاجل؛ فلا صبر لها على التضیحة بالقریب الفانی لاکتساب البعید الباقی إلا بالتربیة والإصلاح والتزکیة والتقوى. ولعلّ من أهمّ فلسفات العبادات ومقاصدها أنّ فیها تحقیقًا لصفة الصبر على مواجهة العاجل وتمکین النفس من التخلّی عنه لصالح الآجل الأصلح.
- ﴿وَلَو یُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَیْرِ لَقُضِیَ إِلَیْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِینَ لا یَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِی طُغْیَانِهِمْ یَعْمَهُونَ﴾[45]. إنّ لقاء الله -تبارک وتعالى- هو أکبر خیر یمکن تصوّره لما له -سبحانه وتعالى- من الجمال والرحمة واللطف والبرکات اللامتناهیات. فلو أراد الإنسان هذا الخیر، وتأمّل فی تحقیقه، ورغب فی أن ینال رضى الله -تعالى- فی هذا اللقاء وأن یکسب الجنّة والعیش الخالد فیها، فعلیه أنْ یصبر أمام عاجل حلو الدنیا لأجل آجل عظمة لقاء الله فی الآخرة. ولا نقصد هنا الزمن؛ لأنّ الزمن -هنا- نسبیّ لا أصالة له، والإنسان وإنْ صَبَر ولم یستعجل، بل تحمّل کِلفة الأناة والمعاناة لأجل الخیر، فسیَلقى الله -تبارک وتعالى- فی اللحظة نفسها وبالمرتبة الملائمة لصبره وتقواه. وفی الآخرة التی هی الوجه الآخر للدنیا تزول العراقیل من أمام القوى الإنسانیّة المدرکة، فتتجلّى الرحمة والجمال والأسماء کلّها بأعلى ما یمکن أن یتخیّله الإنسان وما لا یمکن أنْ یتخیّله الآن.
- ﴿وَیَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ کُنْتُمْ صَادِقِینَ ... فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾[46]. استفسار یشیر إلى قصور النظر، وضعف الأناة، وقلّة الصبر، واغتشاش المنطق، وضعف الفکر والعقل؛ لأنّ القائلین المستفسرین المستعجلین فی الآیة یریدون وضع معادلة خاطئة، فیها المغالطة الکبیرة، فیدّعون أنّ الفتح الموعودَ إن لم یأتِ الآنَ، فلن یأتی بعد الآن أبدًا، وعلیه؛ فإنّ الوعد یصبح کاذبًا! ولکنّ الصّابر ینتظر، وقد یطول الانتظارُ فتراتٍ زمنیة قیاسیّة قد تصل إلى عقود من السنین فی بعض القضایا، وعلى المؤمن فی بعضها أن یتهیّأ نفسیًّا لیصبر طیلة حیاته على مصیبة أو وعد إلهیّ أو بلایا ومصائب لا تفارقه، فیرجو الخیر واللقاء لیوم الآخرة، دون أن یتجرّأ على التشکیک فی صدق الادّعاء لمجرّد عدم تحقّق الفکرة فی برهة من الزمن.
- ﴿فَاصْبِرْ کَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ کَأَنَّهُمْ یَوْمَ یَرَوْنَ مَا یُوعَدُونَ لَمْ یَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ یُهْلَکُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾[47]. من الطبیعیّ أن یکون صبر الأنبیاء (عله) والدعوة الإلهیّة للنبی محمد (ص) إلى الصبر، بقدر أهمّیّة مآلات وجودهم وفلسفات مباعثهم ومقاصد شرائعهم فی ما یتعلّق بمصیر أممهم ومصیر الإنسانیّة جمعاء. ولعلّ دعوة ربّ العالمین بعضهم (عله) للصبر؛ لأنّ نتائج رسالاتهم قد تأتی خلال قرون مقبلة، فلا یمکن أن یتحقّق الصبر فی أنفسهم؛ إلا إذا کان لدیهم رؤیة مستقبلیّة تقرب من رؤیة المؤمن بالمعاد والمعلّق الأمل على تحقّق الخیر فیه؛ لشدّة البعد الزمنیّ. وعلیه؛ أعتقد أنّ رسول الله (ص) کان یصبر على ما أصابه لعلمه التفصیلیّ بما یصیب أمّته فی آخر الزمن من شرٍّ أو خیرٍ. ومن هنا، فإنّ العزم فیهم یتناسب مع صبر مطلوب منهم، کما إنّ عزمهم وتصمیمهم على تحقیق إرادة الله -تعالى- ینسجمان مع معاناتهم ومع البلایا التی یلقونها فی سبیل الدعوة، کما روی عنه (ع): "ما أوذی نبی کما أوذیت أنا"[48]، حیث یدلّ هذا على أنّ الصبر المحمّدیّ هو أعظم من صبر جمیع الأنبیاء (عله)؛ لأنّ الأذى الذی تعرّض له هو الأکبر على الإطلاق. وهذه زاویة تربویّة هامّة من شخصیّة النبی (ص) وسیرته على الأمّة أنْ تقتبس منه النور للتمرّس على الصبر والعزم، وأنْ لا تسقط أمام ضغوط الواقع طمعًا أو خوفًا. یرید القرآن الکریم من المسلمین، بل من الناس جمیعًا، أنْ یعزّزوا قدراتهم النفسیّة على الصبر وعلى ترک الاستعجال فی ما یتعرّضون له من ضغوط النفس أو ضغوط الأعداء، فینفتحوا على الصبر والأناة والآفاق المستقبلیّة والنظر إلى المآلات البعیدة. إنّها صفة هامّة فی ترشید التخطیط والتصمیم والدراسة لحرکة الإنسان والأمّة فی جمیع الأبعاد والمسارات
ولا یرقى الشکّ إلى أنّ الواقعَ الموضوعیّ المؤسف للمسلمین فی مستواهم الحضاریّ المُقلِق[49]، وضعف مجتمعاتهم من الناحیة التنمویّة والعقلیّة والعلمیّة والأمنیّة، هو أساس الحثّ فی هذه المقالة على التفکیر المستقبلیّ من ناحیة، وعلى تطهیر الأمّة من بؤر التکفیر والماضویّة السلفیّة المتشدّدة والعدوانیّة ضدّ العقلانیّة والأخلاق والعلم من ناحیة ثانیة. ویبدو لنا أنّ الرؤیة العلمانیّة والسلفیّة دون أن یکون بینهما مذکّرة تفاهم مسبقة، موقَّعٌ علیها، غیر أنّهما بالفعل یقومان بمهمّة مشترکة؛ وهی إضعاف بنیة الأمّة وتدمیر فرصها فی الإقلاع الحضاریّ فی العالم.
إنّ أحوال الأمّة الإسلامیّة الردیئة فی جمیع أبعاد التنمیة البشریّة والعلمیّة، وعجزها عن مواجهة الاستحقاقات الکبرى على الصعید المحلّیّ والعالمیّ، وعدم قدرتها على إنشاء التکتّلات الکفوءة فی العلاقات بینها وبین أبنائها أو مع الأطراف العالمیّة الفعّالة الأخرى، هی أمورٌ ناتجة جمیعها عن ضعفٍ فی العقل القیادیّ والإداریّ، وعن فقدان للرؤیة الواسعة البعیدة المدى، التی تسعى إلى استعارة العقل الاستراتیجیّ من الخارج، وصناعة الوعی العربیّ والإسلامیّ على مقاسها، على الرغم من أنّ المدیات الفکریّة والعقلیّة والآفاق المعرفیّة القرآنیّة هی الأوسع فی صناعة الاستقبال والاستشراف؛ بل إنّ المستقبلیّة هی السمة الأساس الأولى والأعلى فی جمیع الخصائص الفکریّة والعملیّة فی الإسلام. کما إنّ المستقبل فی التوجّه القرآنیّ خطّ زمنیّ یمتدّ إلى الأبدیّة والذی تدلّ علیه المرکزیّة هو المعاد فی أقصى المدى الزمنیّ لهذه المستقبلیّة.
وانطلاقًا من تجربة معرفیّة شخصیّة فی ضوء المنهجیّة العلمیّة القرآنیّة، لم أکتشف أهمّ من أنّ الجوهر المعرفیّ القرآنیّ قد بُنی على حقیقة لافتة؛ وهی إمکانیّة التوقّع لتبعات العمل والمعتقد ونتائجهما فی المستقبل. هذا وقد نزل القرآن الکریم من أوّله إلى آخره لیُنبّئ الإنسانَ بأنّ لکلّ تصوّر ومعرفة وعملٍ غایةً ومقصدًا ونتیجةً طبیعیّةً علمیّةً عقلیّة، وأنّ هذه الغایات والنتائج والتبعات المتحقّقة فی مستقبل الأفکار والأعمال والأشخاص، یمکن فهمها وتصوّرها، ویمکن اکتشافها ومعرفتها، ویمکن البناء علیها والتخطیط الاجتماعیّ والنفسیّ ووضع برامج التغییر والإصلاح وفقًا لها.
هذه الحقیقة المدهشة بالنسبة لی کانت بمنزلة قاعدة ذهبیّة استطعت أنْ أقف علیها. حقیقة مذهلة أوصلتنی إلى القناعة بعلمیّة المنطق القرآنیّ والمنهجیّة السببیّة العابرة للمناهج المعرفیّة المادّیّة، وبخاصّة لو أخذنا بالنظر أنّ ما قاله القرآن الکریم فی هذا المضمار لم یشهد طیلة التأریخ أیّ ناقض ونافٍ حقیقیّ له من العقل والعلم.
وفی اعتقاد کثیرین أنّ المستقبل أمر غامض مبهم یصعب تصوّره أو توقّعه. وهو بعید المنال وصعب الاصطیاد؛ إذ یعتبر هولاء أنّ التفکیر فی المستقبل یأتی فی سیاق التکهّن؛ لأنّهم یتخیّلون أنّ المستقبل أمر لم یقع ولم یحصل. وعلیه، کیف یتوقّعه الإنسان أو یخبر عنه؟ وبعضهم من أصحاب النزوع السلفیّ یرون أنّ التفکیر بما سیقع ضرب من طلب علم الغیب، فیحرّمونه[50]. ومن هنا، یجب التلمیح إلى أنّ الدراسات المستقبلیّة -حتّى فی النظر القرآنیّ- هی حرکة العقل من الماضی والراهن بقوانینه الثابتة وسننه المحکمة وقواعده المجرّبة القابلة للقیاس والتعمیم نحو المستقبل القادم.
وبناءً علیه، فإنّ دراسة المستقبل منوطة بفرضیّة سابقة؛ وهی حتمیّة القواعد الطبیعیّة العلمیّة التی تسود الوجود، وهی التی تُوجِد فی النفس اطمئنانًا وثقةً بالوجود وقواعده الحاکمة التی ستؤدّی معرفتها إلى إمکانیّة التوقّع والاستشراف[51].
إنّ الحلم -هنا- یأتی فی سیاق معنویّ قرآنیّ خاصّ قد یتمایز عن التمنّی والأمنیّة الفاقدة للرصید العقلانیّ والحکمیّ؛ لأنّ الحلم بمستقبل زاهر یتحقّق فیه أمل الإنسان، مفهوم عمیق مرتبط بالرؤیة الوجودیّة الإنسانیّة. ولو نظرنا إلى آیات الإعداد والسعی والتفکیر وغیرها من مضامین الکتاب الکریم فی هذا المضمار لرأینا أنّ المنحى العامّ للدعوة إلى هذه المفاهیم هو بمنتهى العقلانیّة والحکمة والموضوعیّة، ولأجل مقاصد معقولة جدًّا یرید الله -تعالى- لنا أن نتحلّى بها ونعمل على تحقیقها. إنّ السعی إلى الآخرة عملیّة واعیة فیها الحکمة والمقصد والغایة بمنتهى الوضوح، وبدون التخطیط والتصمیم والعزیمة لا یمکن أنْ ینجح الإنسان فی هذا السعی؛ لأنّه سعی لیوم بعید یأتی الإنسان فی مستقبله البعید -حسب المفهوم الدنیویّ للزمن طبعًا- وهذا یتطلّب رشدًا عقلیًّا یسمح بالرهان على نتائج بعیدة المنال نسبیًّا، وإنْ کانت قطعیّة بالإیمان، ولعلّ ما فی الآیة اللاحقة من إشارة لطیفة إلى عنصر الإیمان یدلّ على أنّ الرهان على مستقبل الحیاة فی الآخرة غیر ممکن بدون الإیمان وقوّته فی النفس:
قال -تعالى-: ﴿َمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْیَهَا وَهُو مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِکَ کَانَ سَعْیُهُمْ مَشْکُورًا﴾[52]، ﴿وَأَنْ لَیْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْیَهُ سَوْفَ یُرَىٰ ﴾[53].
إنّ دلالة الآیتین على مفهوم الشکر الإلهیّ لسعی الإنسان، وکذلک رؤیة الإنسان لسعیه أو لثمار سعیه، هی دلالة هامّة فی ما یخصّ مضمار النقاش فی المستقبلیّة القرآنیّة، وهو تأکید إضافیّ على عقلیّة الرهان على الصبر والسعی؛ لأنّ کون هذا السعی مشکورًا یعنی أنّه یعطی ثماره فی نهایة المطاف، ویحقّق هدفه الأسمى، ویأتی بالردود الأرقى والأفضل ممّا کان یمکن للإنسان تحقیقه فی الدنیا بما لا یُقاس، وبخاصّة التشدید على أنّ الذی سوف یُرى لیس الثواب على سعیه، وإنّما السعی نفسه هو الذی سوف یراه العبد الصابر والساعی، لتکون دلالة مذهلة على أنّ السعی والصبر -هنا- عملیّة فی قمّة العقلانیّة والموضوعیّة، وأنّ النتیجة ملتصقة معهما، وأنّ الشکر والثواب والجنّة والرحمة والرضوان کلّها تعابیر عن أنّها هی التحقّق المثالی والأخرویّ لجهود المؤمن وتجلّیات أفعاله. قال -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَیْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُواللَّهِ وَعَدُوَّکُمْ وَآخَرِینَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ یَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَیْءٍ فِی سَبِیلِ اللَّهِ یُوَفَّ إِلَیْکُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾[54].
تدعو الرؤیة المستقبلیّة فی الآیة الکریمة إلى الإعداد للمستقبل لسیناریوهات مجهولة غیر محتومة أمام المؤمن، ولکنّ الله -تعالى- یدعو إلى أخذ جمیع الاحتمالات الممکنة بعین الاعتبار والبناء علیها. وهذا الدالّ الخطیر نفهمه من عبارة: ﴿وَآخَرِینَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ یَعْلَمُهُمْۚ﴾. وتقیید الإعداد بکلمة {مَا اسْتَطَعْتُمْ} یدلّ على لزوم تجاوز المساعی الإعدادیّة کلَّ الحدود القائمة المرئیّة والظاهرة حتى تصلَ إلى مستوى الاستطاعة والقدرة، ولیس بحجم ما یراه المسلمون من تواجد مشهود لأعدائهم، ولیس بقدر معرفتهم بقدراتهم وأعتدتهم ومعدّاتهم فحسب؛ کما إنّه لیس إعدادًا عسکریًّا فقط، وإنّما تحثّ الآیة على إعداد القوّة بجمیع مصادیقها، ولکنّ الغلبة زمن نزول الآیة کانت للقوّة العسکریّة، ولیس للفکر والثقافة والفنّ والقوّة الناعمة کما نسمّیها الیوم، وبخاصّة لو علمنا الظروف الصعبة والفقر الثقافیّ والعلمیّ السائد حینئذ، فی حین أنّها تستوعب الیوم جمیع القوّات والقدرات التی تجری فیها المعارک الطاحنة، وبخاصّة على المستوى الحضاریّ والثقافیّ قبل العسکریّ والمادّیّ؛ لأنّ العدوّ، الیوم وفی المستقبل بشکل أقوى وأکثر حسمًا، یسعى إلى احتلال الشخصیّة والفکر والعقل وتدمیرها من الداخل بالوسائل الناعمة وبأدواته الخاصّة. وعلیه؛ فلا شکّ فی أنّ علم المستقبل یبرهن الیوم على أنّنا سنرى فی الغد مشهد معرکة تکون الثقافة والفنون والمفاهیم والأدب والإعلام و"المیدیا" فیه أشدّ الحروب فی التأریخ کلّه.
وستحصد الأمّة فی المستقبل حصیلة سعیها الیوم فی حسم هذا الإعداد والتهیئة والاستعداد الشامل. وهی عملیّة صعبة معقّدة لن تتسنّى لنا الحرکة فیها بنجاح؛ إلا أن نهیّئ لها الأنفس والآفاق والوسائل بالمنهج العلمیّ المتقن. وعلم المستقبل برؤیة قرآنیّة تغلب علیها العلمیّة والبعد الأنطولوجیّ هی طریقنا الحاسم لتحقیق ذلک.
وحسب هذه الفکرة المستقبلیّة القرآنیّة، فإنّ ما یصوغ المستقبلَ ویُشکّل غدَ الإنسان هو السعی الذی یبذله الآن فی راهنه. ذلک أنّ المستقبل فی الواقع هو حصاد الیوم، والراهن هو مزرعة الغد، کما إنّ الحیاة الدنیا بمنزلة مزرعة الآخرة، والأخیرة هی المستقبل الأبعد والأبقى للدنیا.
ومن هنا، فإنّ الدراسات المستقبلیّة المعاصرة لا ترمی إلى التنبّؤ للمستقبل؛ وإنّما تلفت إلیه بمنهج علمیّ دقیق، یبتنی على التفکیر الراهن لترشید العمل والفکر القائم فی ضوء فهمنا له، وعلى التخطیط الشامل المرتکز على المعطیات المکتشفة فی ما یتّصل به. هی عملیّة عقلیّة علمیّة ممنهجة تحرّر التفکیر الدینیّ -بل الإنسانیّ- من أسره على ید الماضی وغرقه فی الراهن، وتربطه بالمستقبل؛ لأنّ الأمور بعواقبها وخواتیمها کما یُقال. والعبرة بمآلات الأشیاء والأفکار والأشخاص.
وفی ضوء هذه الحقیقة یمکن التأکید على "أنّ الاستشراف یبنى على قیم وعلى تحدید المتغیّرات والعوامل التی کانت بمنزلة المعالم الرئیسة لکلٍّ من الماضی والحاضر، ولکنّ ذلک لا ینفی إطلاقًا ضرورة التکهّن بالمتغیّرات والعوامل غیر المرئیّة، والتی قد تبرز فی أیّ محطّة من محطّات الزمن القادم، لتؤثّر فی مشـاهد وصور المسـتقبل. ومن هنا، یبدو الاستشراف عبارة عن عملیّة متواصلة عبر الزمن لا یقصـد منهـا تحدیـد تفاصیل المستقبل والتنبّؤ به بقدر ما تهدف إلى اکتشاف البدائل المستقبلیّة المختلفة وترشید عملیّة المفاضلة بین البدائل. وبمعنى آخر فهو العلم الذی یقوم بمهمّة ووظیفة التنبیه والتحذیر، والحیلولة دون وقوع المشاکل، والمخاطر التی قد تواجه المجتمع؛ وذلک على کافّة المستویات الاجتماعیّة، الاقتصادیّة، السیاسیّة، الثقافیّة، التعلیمیّة، الصّحّیّة والهندسیّة مستقبلًا، ثمّ توفیر الوسائل والقدرات التی یمکن أن تُحدثَ تغییرًا فی هذه البدائل ممّا یُؤدّی إلى ترشید عملیّة التخطیط، ویخدم المصلحة العامّة أو الخاصّة"[55].
رابعًا: المدرسة القرآنیّة للرؤیة المستقبلیّة مستقلّة ذات هویّة وجودیّة توحیدیّة:
تتّسم بنیة الأنظمة والنظریّات الفکریّة القرآنیّة برؤى کلّیّة وجودیّة وتفاسیر تأویلیّة شاملة تطال الفلسفات الأساس حول الوجود والله والإنسان والتأریخ والطبیعة ومنطق العلاقات الواسعة بین جمیع هذه الأطراف بمنهجیّة توحیدیّة شدیدة الانسجام والتواصل والتشابک.
کما إنّ النظریّة الاستشرافیّة القرآنیّة -أیضًا- لیست استثناءً فی هذه الخصوصیّة المعرفیّة والوجودیّة؛ لأنّها لا تقتبس من غیرها، بل تؤسّس لحالة فرادة ونوعیّة بدیعة فی الفکر الاستقبالیّ، حیث لا نجد وصفًا موضوعیًّا شرعیًّا فی القرآن الکریم أو حکمًا تکلیفیًّا عملیًّا فیه؛ إلا ویندرج ضمن تنجیز مقاصد معیّنة بتصوّر مستقبلیّ، وبخاصّة لو تعمّقنا فی مفاهیم مفتاحیّة رئیسة فی القرآن؛ کمفهوم المعاد، القیامة، التوحید، التفاعل بین الأعمال وجزائها، مفهوم الوعد والوعید، البصیرة، الإنذار والتبشیر، الفوز والفلاح، الجنّة والنار، الثواب والعقاب، السنن الثابتة، وما إلى ذلک من مفردات الکتاب التی لو تعمّقنا فیها لرأینا أنّها جمیعًا تتفاعل مفاهیمها وتتشابک دلالاتها فی النصّ القرآنیّ، وتنشأ منها مدرسة مستقبلیّة مستقلّة ذات هویّة متمیّزة.
وعلى سبیل المثال، یمکننا الإشارة إلى مصطلح الصبر فی القرآن الکریم؛ وهو مفهوم متداخل مع جمیع المنظومة المعرفیّة والعملیّة القرآنیّة والشبکات الدلالیّة القرآنیّة. وإنْ تعمّقنا فی الصبر لوجدنا أنّه وإن کان مقولةً أخلاقیّة قیمیّة من جملة الفضائل النفسیّة، غیر أنّه عنصر هامّ فی حرکة استراتیجیّة إنسانیّة إلهیّة فی تحقیق المقاصد العلیا برؤیة مستقبلیّة تَفوقُ التوجّهاتِ المستقبلیّة المادّیّة.
وعلیه؛ فنحن نجد أنّ الصابر حینما یستعینُ بالصّبر حسبَ التعبیر القرآنیّ[56]، فهو یتحرّک فی العملیّة التربویّة أو الإداریّة أو السیاسیّة والاجتماعیّة فی مسار زمنیّ ومکانیّ وظرفیّ واسع، کما إنّ القرار والعمل یأتیان فی إطار المدى الأوسع للرؤیة؛ ما یُقلّل احتمالات الإدارة المتخبّطة العمیاء لمصادر الحیاة ومنابع القرار. وعلیه؛ فإنّ الصبر فضیلة أخلاقیّة، غیر أنّه عنصر لتوسیع الرؤیة من الضیّقة إلى الرحبة الواسعة، ومن الراهنیّة العاجلة التی تحکم فیها وتربکها العجلة المذمومة فی أدبیّات القرآن الکریم إلى الرؤیة الآجلة وتأجیل القرار، إلى رحابة الأزمنة المستقبلیّة وما تحمله من التحوّلات والتطوّرات التی یساهم فی بنائها الإنسان بعقله. وبذلک سنشهد ثورة فی علم الإدارة ومناهج التربیة وتحقیق المصالح.
هذا، وقد قرنت الآیات الأخرى حول الصبر بحتمیّة النتیجة؛ وهی النصر والانتصار وتحقیق المقاصد العلیا. هی حقیقة تدلّ على أنّ الله -تعالى- حینما قرن نفسه أکثر من مرّة بالصابر فی تعبیر {إنّ الله مع الصابرین}، أو {یحبّ الصابرین} فإنّ المعیّة هذه تختزن حمولة عقلیّة وموضوعیّة وعینیّة هامّة تضمن النجاح والنصر والإنجاز. فلیس الصبر فعلًا مرًّا یتکبّده المؤمن فی الدنیا لأجل اکتساب الثواب فی الآخرة؛ وإنّما الصبر هو أساس یستعین به الإنسان فی الحیاة الدنیا، ویفلح به على الأعداء فی النفس وفی الآفاق، ویکتسب به القدرة والمقاومة والصمود أمام عناصر الإسقاط والانهیار. وعلیه؛ فهو مقولة تخطیطیّة قیادیّة تربویّة دنیویّة یشهدُ الصابرون فیها نتاجَ صبرهم فی الدنیا قبل الآخرة؛ سواء أشاهدوا هم النتائج أم شاهدها غیرهم، ولکن لا جرم أنّ النتائج ستبرز فی طبیعة الحیاة البشریّة فی العاجلة، وإنْ کانت البرکات المترتّبة علیها فی الآخرة لا تقاس بسبب أنّ النفس فی العقبى تستوعب الإدراک بأعلى مرتبة ممکنة، وإلا فإنّ الخیر الحاصل للفضیلة والعقل والحکمة والعبادة هو نتیجة آنیّة تلازم الفعل المسبّب له.
وعلیه؛ فالصبر لیس تصرّفًا سلبیًّا أو تعطیلًا للعقل والتخطیط والحکمة؛ ضعفًا فی اتّخاذ القرار، وإنّما هو استراتیجیّة إدارة الزمن والرهان على منح العقل مدى جدیدًا، ورؤیة أوسع للحرکة وصناعة القرار، وفقًا لمتغیّرات جدیدة لا یمکن التفکیر فیها والتأمّل بها وسطَ الضغوط النفسیّة أو العوائق الواقعیّة العاجلة. فلو استطاع الذین ارتکبوا جرائم تحت ضغط الارتباک والتوتّر والقلق والخوف والیأس والإحباط والفقر أن یمارسوا الصبر دقائق قلیلة قبل إقدامهم على الجرائم؛ لشهدنا أنّ أکثر من نصف هذه الجرائم ما کانت لتحصل.
وذلک یرجع إلى أنّ الصبر یُسبّب تحرّر العقل الإنسانیّ من أسر الارتباک والهیجان النفسیّ، فیصبح العقلُ قادرًا على اتّخاذ قرارات أفضل فی مناخ التروّی والهدوء، بعیدًا عن عناصر الاستفزاز والتلاطم والتوتّر. وعلیه؛ فإنّ الصبر لیس مجرّدَ توصیة أخلاقیّة شخصیّة تجلبُ للإنسان الأجرَ والثوابَ الأخرویّ، وإنّما هو مفتاح الصلاح فی العالم، وأساسٌ من أسس الترشید للحرکة الإنسانیّة فی الدنیا، والسرّ الأساس فی ذلک یرجع إلى الشحنة الاستشرافیّة التی تختزنها قیمة الصبر وفضیلة الصبر.
لیس الصبر فی أدبیّات القرآن الکریم لیس تجمیدًا للقرار؛ وإنّما هو اتّخاذٌ لقرار التأجیل والرضى بالأقدار السُننیّة الإلهیّة العلیا بتوافر فرص فی قادم الزمن تنطوی على إمکانیّات التعقّل والتفکیر والتخطیط أزید من فرص الراهن. هی عملیّة إیجابیّة شجاعة ولیست تراجعًا أو ضعفًا أو خنوعًا أمام الضغوط.
ومن أهمّ خصائص المدرسة القرآنیّة ما یأتی:
1- العلاقة الشبکیّة التضامنیّة بین الأزمنة الثلاثة: الماضی، والراهن، والمستقبل فی صناعة التوجّه المستقبلیّ؛ أی إنّ الرؤیة العمیقة المتجذّرة فی التأریخ، والالتفات إلى التراکمات التجربیّة التأریخیّة هی من أصول تحقیق الأفق الاستشرافیّ القرآنیّ؛ لأنّ المستقبل المبنیّ على عمًى فی النظر إلى الوراء لن یکون دقیقًا وقابلًا للبناء والتبنّی، وثمّة آیات قرآنیّة کثیرة جدًّا تربط الماضی بالمستقبل وتصف المستقبل بسلبیّة فی ضوء فقدان العبرة والتوجّه إلى تجارب الماضی. ولعلّ القصص القرآنیّة تحکی سیرورة السنن الکونیّة فی التأریخ؛ منعًا لتکرار التراجیدیا فی الراهن والمستقبل.
2- إنّ للمستقبلیّة القرآنیّة طابعًا علمیًّا منطقیًّا حتمیًّا لو أدرکناه وطبّقنا القواعد القرآنیّة فی اکتشاف المستقبل والاستشراف له ولأحداثه؛ لأنّه منطقیّة علمیّة محکمة تسود حرکة الزمن والتأریخ والمجتمع، وهی متوافرة فی المدرسة الاستشرافیّة القرآنیّة، وبالاعتماد علیها یستطیع الإنسان أن یتوقّع نتائج حتمیّة فی سیاق تاریخیّ مستقبلیّ حتمیّ، ولکنْ بشکل مشروط، حیث ترتبط خیوط المستقبل بخیوط الواقع والماضی وحرکة العقل الإنسانیّ فیهما. ومن الخصائص الهامّة لهذه المدرسة القرآنیّة: القیمة المعرفیّة للمستقبلیّات القرآنیّة فی ضوء السببیّة الحاسمة والعلّیّة المنطقیّة الدقیقة السائدة على ظواهر الوجود، فما وقع فی الماضی سیقع فی المستقبل -أیضًا- شریطة أنْ نقرأ الأحداث بهذا المنطق العلمیّ التوقّعیّ والتنبّئیّ.
3- إنّ الاستشراف القرآنیّ هو صفة المعارف الإلهیّة فی جمیع فروعها، حیث تتفاعل الروح الاستشرافیّة مع الفقه والکلام والأخلاق، کما إنّها جمیعًا تتعامل فی ما بینها لتحقیق التوجّه الاستشرافیّ. هذا، ولا تحاک العلوم الدینیّة والإنسانیّة فی القرآن الکریم برؤیة الماضی أو الراهن أو المستقبل فقط؛ وإنّما تختزن جمیع المعارف؛ بل إنّ السبب الرئیس لجمیعها هو تنبّؤ الإنسان بما سیحصل له فیما لو تصرّف فی أیّ من أطر المعتقد والأخلاق والقیم والفقه والفعل المباشر التکلیفیّ فی سیاق متّصل بین جمیع هذه الحقول، والقدرة على التخمین والتوقّع العلمیّ على مستوى الفرد والمجتمع، وفی جمیع المناحی الثقافیّة والنفسیّة والحضاریّة.
4- الاستشرافیّة القرآنیّة منوطة مرتهنة بتوافر منهجیّة معرفیّة تتّسم بالخصائص العلمیّة والمعرفیّة القرآنیّة والمنطق التعاملیّ التشابکیّ بین جمیع الحقول بمعزل عن الاتّجاه التخصّصی للعلوم والمعارف؛ لأنّ التخصّصیّة الراهنة فی جمیع المستویات هی من عوائق التحقّق الاستشرافیّ وتوقّع استحقاقات المستقبل. والقرآن الکریم یبنی عمارة موحّدة کاملة ذات سمات أنطولوجیّة توحیدیّة معرفیّة یتمکّن العقل من خلالها من أنْ یبلغ أعماق الأحداث؛ حدسًا للماضی واستشرافًا للمستقبل.
خاتمة:
إنّ من الظلم بحقّ المسلمین وبحقّ القرآن الکریم أن یُسقِطوا على کتاب الله النظریّاتِ العلمیّة والفلسفیّة العلمانیّة أو الحداثیّة المادّیّة فی موضوع المستقبلیّات وعلم الاستشراف ومدارسها، ممّا أنتجه العقلُ البشریّ المحدود فی ناسوت المادّة والمحروم من الرؤیة الملکوتیّة الأنطولوجیّة الشاملة، بمنهجیّة المقارنة والمقاربة، دون النظر العمیق والالتفات المنهجیّ إلى کنوز القرآن فی فلسفات المستقبلیّة والاستشراف، متجاهلین مستصغرین فکرة الرؤیة المَعَادیّة الغائیّة العاقبیّة المنتشرة فی جمیع الآیات والسور القرآنیّة.
ویبقى أن نشیر إلى مجموعة من العناوین المتعلّقة بالموضوع المبحوث، وهی بحاجة إلى مزید بحث، على أمل تناولها فی مقالات لاحقة، ومن أبرز هذه العناوین الآتی:
1- الاستکشافیّة المعرفیّة والمعیاریّة القیمیّة فی المنهجیّة المستقبلیّة القرآنیّة
2- معرفة المستقبل أو صناعة المستقبل
3- تفاعل المستقبل والراهن والماضی فی صناعة المصیر
4- سیکولوجیّة الرؤیة المستقبلیّة القرآنیّة
5- غیاب الرؤیة المستقبلیّة فی مناهج التفسیر
6- المنهجیّة المستقبلیّة فی التفسیر القرآنیّ
7- إعادة التشکّل فی الفقه المستقبلیّ فی ضوء المنطق الاستشرافیّ القرآنیّ
8- التحدّی والاستجابة والرؤیة المستقبلیّة القرآنیّة
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، عضو الهیئة العلمیّة فی جامعة المصطفى (ص) العالمیّة فی قم المقدّسة، ودکتوراه المذاهب الکلامیّة من جامعة الأدیان، من إیران.
[2] إنَّ الرؤیة القرآنیّة فی جمیع المحاور والاتّجاهات هی تأسیسیّة فعّالة تستعرض أدوات صناعة البدیل ولیس الانفعال تجاه الحلول الجاهزة وتوجیه النقد والرفض والتشکیک إلیها. إنَّ المستقبلیّة القرآنیّة تدعو المسلمین إلى أنْ یأخذوا المبادرة بأیدیهم فی حسم مستقبلهم وصناعته؛ لأنَّ القوى العالمیّة بما تملک من الوسائل والسیاسات والعقل الاستراتیجیّ تعمل على فرض مستقبلهم علینا فی القادم. ونحن فی ضوء القرآن الکریم نسعى لتقدیم بدیلنا الإسلامیّ فی صیاغة المستقبل القریب والبعید.
[3] نستطیع الجزم بأنَّ المستقبلیَّة والرؤیة الاستشرافیَّة هی تشکِّل مرکزًا دلالیًّا فی جمیع مفاهیم القرآن الکریم. ولا تقتصر هذه الخاصّیّة على مفهوم الصبر أو البصیرة أو الإبصار أو العصر والمعاد، وحتّى الخلق والأمر والرشد والتوحید و... وإنّما هی الجوهر والکنه فی دلالات القرآن الکریم. ومثال على ذلک یمکننا الإشارة إلى کیفیّة دلالة البصیرة على المستقبل ودورها فی ترسیخ الرؤیة الاستشرافیّة فی الشخصیّة المسلمة. حیث نرى أنَّ مفهوم البصیرة یعنی فیما یعنیه الإشراف المعرفیّ والعقلیّ على جمیع الأبعاد فی ظاهرة أو شیء أو فکرة أو حدث. وعلیه، فإنَّ البصیر هو الفاحص الدارس الباحث عن جمیع العناصر الجذریّة المبدئیّة؛ کما أنّها تقضی بضرورة الإمعان فی النتائج والتبعات التی عادة تقع بعد الأحداث والأعمال أو النتائج المستقبلیّة التی تحیط بالإیمان بمعتقد محدَّد. ومن هنا، نستطیع القول إنَّ البصیرة هی الرؤیة والنظر إلى الأشیاء، ولکنْ بشمول وجامعیّة وکمال؛ وهی صفات تقتضیها الحقیقة، وهی على عکس البصر الذی یوصلنا إلى صورة للأشیاء ولیس تبلّغنا حقائقها.
وهناک علاقة محکمة بین التفقّه والبصیرة، أی أنَّ البصیرة تقترن بالتفقّه، والفقه هو الوعی والفهم العمیق الشامل الجامع للأشیاء والمفاهیم. ربّما تشیر الآیة: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ کَثِیرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْیُنٌ لَا یُبْصِرُونَ بِهَا...} (سورة الأعراف، الآیة 179) فی مغزاها إلى أنَّ الأعین لیست بالضرورة توصلنا إلى الإدراک الکلّیّ الکامل للشیء، ونحن نحتاج إلى بصیرة وفقهًا لنستشرف الحقیقة.
وفی وصیّة للإمام الکاظم (ع)، قال: "تفقّهوا فی دین الله؛ فإنّ الفقه مفتاح البصیرة" (الحرّانی، ابن شعبة: تحف العقول عن آل الرسول (ص)، تصحیح وتعلیق: علی أکبر الغفاری، ط2، قم المقدّسة، مؤسّسة النشر الإسلامیّ التابعة لجماعة المدرّسین، 1404هـ.ق/ 1363هـ.ش، ص410)، واعتبر الفقه الذی قلنا إنّه یساوی العقل والوعی الشامل العمیق فی صمیم الأشیاء أنّه المفتاح للبصیرة. فلا یفلح الإنسان فی اکتساب البصیرة؛ إلا بالتسلّح بالوسائل الشاملة للإدراک والأدوات المنهجیّة الجامعة له. والبصیر لا یضیع ولا یضلّ؛ لأنَّه على بیّنة فی کلّ شیء وعلى اطّلاع بالماضی والراهن والمستقبل.
ورد فی مناجات أمیر المؤمنین (ع): "إلهی هب لی کمال الانقطاع إلیک، وأنر أبصار قلوبنا بضیاء نظرها إلیک، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصیر أواحنا معلَّقة بعزّ قدسک". (ابن طاووس، علی بن موسى بن جعفر: إقبال الأعمال، تحقیق: جواد القیومی الأصفهانی، ط1، لا م، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1416هـ.ق، ج3، ص299). والمذهل هو أنَّ البصیرة لو اکتملت، ولو تنوَّرت أبصار القلوب، فحاز قلب المؤمن على البصیرة، فإنّها صفة تخرق حجب النور، وتصل إلى معدن العظمة، وتقترب من عزّ القدس الإلهیّ. هی أوجّ الرؤیة اللامتناهیة وأعلى درجات الإنارة والتنویر والإضاءة أمام الإنسان وأمام المجتمع. وإلى هذا العمق الدلالیّ للبصیر والبصیرة یشیر ما نُقل عن الإمام علی (ع): "فإنّما البصیر من سمع، فتفکّر، ونظر، فأبصر، وانتفع بالعبر، ثمّ سلک جددًا واضحًا یتجنّب فیه الصرعة فی المهاوی" (الشریف الرضی، محمد بن الحسین بن موسى العلویّ: نهج البلاغة "الجامع لخطب الإمام أمیر المؤمنین علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه"، شرح: محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، ج2، الخطبة153، ص41-42). والتعمّق فی هذه الکلمات یکشف عن محوریّة البصیرة فی تکوین الرؤیة المستقبلیَّة الاستشرافیّة لتجنّب الوقوع فی المهالک الاقتصادیّة والسیاسیّة والثقافیّة والطبیعیّة والنفسیّة.
[4] ابن فارس، أحمد: معجم مقاییس اللغة، تحقیق: عبد السلام محمد هارون، لا ط، قم المقدّسة، مکتب الإعلام الإسلامیّ، 1404هـ.ق، ج6، ص88-89؛ ابن منظور، جمال الدین محمد بن مکرم: لسان العرب، لا ط، قم المقدّسة، نشر أدب الحوزة، 1405هـ.ق/ 1363هـ.ش، ج11، ص573.
[5] عامر، طارق: أسالیب الدراسات المستقبلیّة، لا ط، الأردن، دار الیازوری العلمیّة، 2008م، ص29؛ الجبیر، هانی بن عبد الله بن محمد: "من معالم المنهجیّة الإسلامیّة للدراسات المستقبلیّة"، ط1، لا م، مجلّة البیان، 1429هـ.ق، ص41.
[6] سعد الدین وآخرون، إبراهیم: صور المستقبل العربیّ، ط1، بیروت، مرکز دراسات الوحدة العربیّة، 1982م، ص25.
[7] للمزید من الإیضاحات حول المراحل الأولى لانطلاق علم المستقبل، انظر: زاهر، ضیاء الدین: مقدّمة فی الدراسات المستقبلیّة، تقدیم: السیّد یاسین، ط1، مصر، مرکز الکتاب للنشر، 2004م، ص50.
[8] إنّ مصطلح علم المستقبل ظهر بهذه التسمیة لأوّل مرّة عام 1943م، فی مجموعة من الأبحاث، نشرها عالم الاجتماع الألمانیّ أوسیب ک. فلیتشهتایم (Ossilechtheim)، حول التنبؤ الاجتماعی. (انظر: المهدی، مالک عبد الله محمد: "ماهیة مفهوم ودلالات الدراسات المستقبلیّة"، مقالة مقدّمة إلى الملتقى العلمیّ حول الرؤى المستقبلیّة العربیّة والشراکات الدولیّة، الخرطوم، 22-24/3/1434هـ.ق/ 3-5/2/2013م، ص4).
[9] م.ن، ص4.
[10] م.ن.
[11] زاهر، مقدّمة فی الدراسات المستقبلیّة، م.س، ص52.
[12] سورة الروم، الآیة 41.
[13] سورة الروم، الآیة 47.
[14] سورة محمد، الآیة 7.
[15] سورة النساء، الآیة 141.
[16] سورة النور، الآیة 55.
[17] سورة الأنبیاء، الآیة 105.
[18] سورة الزمر، الآیة 74.
[19] سورة القصص، الآیة 5.
[20] سورة هود، الآیة 86.
[21] سورة المائدة، الآیة 54.
[22] سورة یونس، الآیة 103.
[23] سورة الإسراء، الآیة 7.
[24] سورة القصص، الآیة 83.
[25] فی نصوص روائیّة کثیرة جدًّا وردت العجلة والنظرة العاجلة؛ أی الإقدام على التخطیط والمبادرة والعمل قبل اکتمال الرؤیة وتوافر البصیرة فی العاقبة والمستقبل، ومع فقدان الأناة والصبر والدراسة، حیث قُرنتْ العجلة بالخُرق والحمق والسفاهة. ومن جملة هذه الأحادیث: "وَالْعَجَلَةُ هِیَ الْخُرْق" (الحرانیّ، تحف العقول عن آل الرسول (ص)، م.س، ص403)؛ "مَن تَأنّى أصابَ أو کادَ، ومَن عَجِلَ أخطَأ أو کادَ" (المتّقی الهندی، علاء الدین: کنز العمّال فی سنن الأقوال والأفعال، ضبط وتفسیر: بکری حیانی، تصحیح وفهرسة: صفوان السقا، لا ط، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1409هـ.ق/ 1989م، ج3، ص99)؛ "الأناةُ مِنَ اللّهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّیطانِ" (المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقیق: إبراهیم المیانجی؛ محمد الباقر البهبودی، ط3، بیروت، دار إحیاء التراث العربیّ، 1403هـ.ق/ 1983م، ج68، ص340)؛ وکذلک عن رسول اللّهِ (ص): "إنَّما أهلَکَ النّاسَ العَجَلَةُ، ولَو أنَّ النّاسَ تَثَبَّتوا لَم یَهلِکْ أحَدٌ" (م.ن، ص340). وهی روایات مدهشة فی صراحة دلالاتها العقلیّة الحکمیّة على فساد الفکر والعمل إذا لم یکونا على أساس الرویّة والأناة والرؤیة الاستشرافیّة والالتفات إلى العاقبة والمقاصد والنتائج فی انسجام کامل متکامل بین النصّ القرآنی وسیرة النبی (ص) والأئمّة (عله).
[26] سورة القیامة، الآیة 20.
[27] سورة الإنسان، الآیة 27.
[28] سورة النحل، الآیة 107.
[29] سورة إبراهیم، الآیة 3.
[30] سورة الأنعام، الآیة 29.
[31] سورة الجاثیة، الآیة 24.
[32] ومن هنا تأتی أهمّیّة مصطلح "بغتةً" فی القرآن وصفًا للمجرمین والفجّار والفاسقین والکفّار؛ لأنّ الکافر قد ألحدَ وأنکرَ الاحتمالات المستقبلیّة؛ ما جعله أمام کلّ حادث مستقبلیّ لم یکنْ بحسبانه متفاجئًا متباغتًا لا حیلة له للقیام بشیء. هی حالة الفراغ العقلیّ والحسرة الأبدیّة. والنزعة الکفریّة لا تلحق الکافر فی القیامة فحسب؛ ولکنّه فی الدنیا -أیضًا- یعجز عن ممارسة العقلانیّة فی مواجهة الأحداث، وتمیل نفسه إلى الإنکار والاستبعاد والجحد. إنَّ ما وُصِفَ به الکفر والکافر فی القرآن خیر شاهد على هذا العمى وفقدان البصیرة والقدرة على توقّع الأحداث، فبالتالی الضیاع والضلال والخراب. وقد قُرن الکفر بالضلال فی القرآن الکریم (انظر: سورة البقرة، الآیتان 108، 258؛ سورة المائدة، الآیة 12)، وبالجحد والإنکار (انظر: سورة البقرة، الآیات 6، 258، 39، 93، ...)، وبالعجز عن التفکیر والتعقّل (سورة البقرة، الآیة 93): ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَیْنَا وَأُشْرِبُوا فِی قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِکُفْرِهِمْ ﴾؛ ففیها إشارة لطیفة إلى هیمنة الرؤیة العاجلة على قلوبهم وعدم قدرتهم على تخفیف تعلّقهم بالعاجلة وعجزهم عن الرهان على الوعد الإلهی فی الآخرة والصبر على المکروهات لأجل خیر أکبر. هو خلل منهجیّ معرفیّ إیمانیّ یحدث فجوات خطیرة فی منطق حیاة الکفّار)، وبالخسارة فی التعامل مع منجزاتهم فی الدنیا (انظر: سورة البقرة، الآیة 264 وغیرها آیات کثیرة جدًّا). هی آیات تدلّ على أنّ الکفر لیس معتقدًا یستحقّ صاحبه العذاب فی الآخرة فحسب؛ وإنّما هی نقص فی التعقّل وحمق فی التفکیر وأحکام سابقة فیها الجحد والإنکار بصرف النظر عن الأدلّة والبراهین التی تُقدّم إلیهم. وحسب التعبیر القرآنیّ فإنَّهم {سَوَاءٌ عَلَیْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا یُؤْمِنُونَ} (سورة البقرة، الآیة 6)؛ لأنّهم لا یریدون أن یسمعوا ویتأمّلوا ویتفکّروا بسبب هذا الجحد الرافض مسبقًا، وقبل أیّ حوار وتسامح مع الفرضیّات الأخرى. ویسبِّب الجحد والکفر أن یقع الشخص فی تخبّط فی التخطیط للحیاة دنیًا وعقبًا؛ لأنّ الکفر بالآیة -وهو تعبیر شامل واسع منتشر فی القرآن الکریم- یهدم علامات الهدی ویزیل الأنوار من أمام الإنسان الذی بدون الآیات الدالّة على الطریق سیتخبّط فی مشیه عشواء، وهذه ظاهرة تتّصل بمفهومنا المستقبلیّ فی القرآن الکریم.
[33] سورة الحج، الآیة 46.
[34] سورة الأنعام، الآیة 32.
[35] سورة الروم، الآیات 7-10.
[36] سورة الأعراف، الآیة 179.
[37] سورة الحج، الآیة 46.
[38] سورة الکهف، الآیات 66- 69.
[39] سورة ص، الآیات 21-24.
[40] سورة القلم، الآیات 48-50.
[41] سورة طه، الآیة 114.
[42] سورة الأنبیاء، الآیة 38.
[43] سورة الإسراء، الآیة 11.
[44] سورة الرعد، الآیة 6.
[45] سورة یونس، الآیة 11.
[46] سورة السجدة، الآیات 28-30.
[47] سورة الأحقاف، الآیة 35.
[48] المجلسی، بحار الأنوار، م.س، ج39، ص56.
[49] على الرغم من أنّ حرکة قیّمة حرّضت المسلمین على التفکیر بالنهضة والثورة ضدّ الفساد العقلیّ والعملیّ قد انطلقت من قرنین تقریبًا غیر أنّ مالک بن نبی المفکِّر الجزائریّ الشهیر بمشروعه المعروف بمشکلات الحضارة قد وضع موسوعة کبیرة من الدراسات والمحاضرات حول عناصر التخلُّف الحضاریّ للمسلمین، وقدّم أنموذجًا تأریخیًّا فی مناهج الفهم الحضاریّ والوسائل والأدوات المساعدة لتحقیقها. أرجو من القارئ الکریم الاهتمام بأنموذجه الفکریّ المقترح فی إعادة الطرح الحضاریّ للمسلمین. وکذلک ما طرحه الإمام الخمینی الراحل (قده) فی مشروعه النهضویّ قد فاق التوقّعات فی فعّالیّته ونجاحه النسبیّ؛ قیاسًا مع مشاریع النهضة العربیّة والإسلامیّة للسیِّد جمال الدین الأسد آبادیّ الأفغانیّ، والإمام محمد عبده. إنَّ درس التجارب الکبرى للنهضویّین المسلمین وأصحاب الأطروحات الجادّة فی التجدید الإسلامیّ یؤکِّد الإجماع على تهدیدین کبیرین؛ هما: الرجعیّة والسلفیّة المفرطة المسبّبة لإقصاء العقل والحکمة فی المنهجیّة المعرفیّة من جهة، والعقلانیّة المحضة المتجبِّرة المستغنیة عن الشرع والوحی والدین من جهةٍ أخرى، وبینما تمثَّل التهدید الأوَّل فی السلفیّات الإسلامیّة –مع غضِّ النظر عن المذاهب التی احتضنتها- تمثّل التهدید الثانی فی الحداثة والعلمانیّة وملحقاتها؛ کالقومیة وما شابهها من مشاریع عالقة لا هی عقلیّة علمیّة موضوعیّة، ولا هی دینیّة ذات أیدیولوجیة سماویّة.
[50] البوسنوی، أدمیر زکیتش: "الدرسات المستقبلیّة وتاریخ الدعوة"، التقریر الاستراتیجی لمجلّة البیان، مجلّة البیان، تصدر عن المنتدى الإسلامیّ، الجزیرة، الإصدار الرابع، 1428هـ.ق/ 2007م، ص5؛ وانظر: "الغیب والمستقبل"، حوار فی حلقة من برنامج الشریعة والحیاة الشهیر، 11/11/2010م، على الرابط: http://www.aljazeera.net/programs/religionandlife
[51] المتابع للقرآن الکریم ومنهجیّته المعرفیّة یشهد بالیقین على المنحى العقلیّ والمعرفیّ والعلمیّ للآیات الکریمة فیه وفی جمیع نظمه المعرفیّة أو أحکامه أو معتقداته وقِیَمِه، کما إنَّ الرؤیة المستقبلیَّة القرآنیَّة هی لضمان تأمین مصالح الإنسان فی الدنیا والآخرة وتحقیق الحُسنَى والصلاح والسعادة فیهما. هذه النزعة العلمیَّة والعقلیَّة کامنة فی جمیع السیاقات؛ بما فیها المفردات والمصطلحات العقیدیّة؛ کالکفر، والإیمان، ومفهوم التقوى، والمعاد، وهکذا فی جمیع المنظومة القرآنیّة المحکمة بالعقلانیّة والعلمیّة والإتقان.
[52] سورة الإسراء، الآیة 19.
[53] سورة النجم، الآیات 39-40.
[54] سورة الأنفال، الآیة 60.
[55] مبروک، ساحلی: "مناهج وتقنیّات الدراسات المستقبلیّة وتطبیقاتها فی التخطیط"، مقالة مقدّمة إلى الملتقى العلمیّ حول الرؤى المستقبلیّة العربیّة والشراکات الدولیّة، الخرطوم، 22-24/3/1434هـ.ق/ 3-5/2/2013م.
[56] الإشارة إلى قوله تعالى: {یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آَمَنُوا اسْتَعِینُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِینَ} (سورة البقرة، الآیة 153)؛ وکذلک الآیات الأخرى الداعیة إلى الصبر والمؤکِّدة لأهمّیّته فی تحقیق النصر.