نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولًا: مقدّمات عامّة
ثانیًا: منطلقات قرآنیّة وسؤال المستقبل
1. الغیب المطلق والغیب النسبیّ
2. الرؤیة القرآنیّة والأسئلة النهائیّة الکبرى
ثالثًا: أهمّیّة الوعی بالسُّنن فی استشراف المستقبل
1. سنن إلهیّة مرتبطة بالنظر الاستشرافیّ
2. أهمّیّة السنن الإلهیّة فی استشراف المستقبل
3. سُنّة التدافع والتغیّر الحضاریّ المطلوب
الكلمات الرئيسية
قبسات من المنظور القرآنیّ فی النظر الاستشرافیّ -أهمّیّة معرفة السّنن فی حرکیّة التاریخ-
الدکتور محمد علا[1]
خلاصة المقالة:
تحاول هذه المقالة مقاربة موضوع استشراف المستقبل فی ضوء الإشارات القرآنیّة المتعلقة بالسّنن الإلهیّة وحرکیّتها فی التاریخ والاجتماع البشریّ. کما تبیّن أنّ استشراف التغیّر الحضاریّ القادم یفرض استحضار منظومة نسقیّة متکاملة ترتبط بمحدّدات ورکائز تحتلّ فیه السنن الإلهیّة بؤرة مرکزیّة، إلى جانب الوعی بالشروط الموضوعیّة للواقع، وتجدید آلیّات النظر والتفکیر، وتقویة البحث العلمیّ، وإعطاء الجانب الروحیّ والقیمیّ المکانة اللازمة فی ظلّ واقع حضارة متغلّبة مادّیًّا أفرزت إشکالات عالمیّة على مستوى الکینونة الآدمیّة والأسرة والمجتمع والبیئة والکون؛ ما یمهّد لبروز مساهمات مراکز حضاریّة جدیدة تجعل من التدافع التعاونیّ منهجًا لتدبیر شؤون الکون؛ بدل الصراع التناحریّ القائم فی عدد من بلاد المعمورة!
مصطلحات مفتاحیّة:
القرآن، الاجتماع الإنسانیّ، التاریخ، المستقبل، الاستشراف، السّنن الإلهیّة، حرکیّة التاریخ، التغیّر الحضاریّ، التدافع.
مقدّمة:
لا شکّ فی أنّ من میّزات الاشتغال على الواجهة الفکریّة: انفتاحها على أنساق معرفیّة مختلفة، وارتباطها بعلائق متداخلة ومرکّبة؛ یتفاعل فیها العقل والخبرة البشریّة مع الواقع المتغیّر والمتجدّد عبر تراکم التجارب التاریخیّة. غیر أنّ الانطلاق من مرجعیّة محدّدة وفق أهداف واضحة، فی الفضاء الاستخلافیّ الموهوب، یعبّد طریق الاشتغال، ویسهّل عملیّات التفکیک والتحلیل والترکیب واقتراح سبل التنفیذ والتنزیل أثناء مواجهة إشکالیّة معیّنة، بعد رسم الأولویّات والمنطلقات، فی ضوء تحدّیات هذا الواقع وإکراهاته، وما یتوافر فیه من فرص متاحة وممکنة مرحلیًّا؛ عاجلة کانت أم آجلة.
تنطلق هذه المقالة من مسلّمة فکریّة؛ مفادها: أنّ "التحیّز أمر حتمیّ"[2]، وتفترض أنّ مناهج البحث خاضعة بالضرورة لخلفیّات مرجعیّة وقناعات قبلیّة تدفع بالبحث العلمیّ إلى أن یسلک مسارًا معیّنًا دون آخر. ومن ثمّ، فإنّ استشراف المستقبل من وجهة النظرة الإسلامیّة سیکون محکومًا -بالضرورة- بخصوصیّات هذه النظرة؛ وما تمتلکه من فلسفة وجودیّة حول الکون والحیاة والغائیة والمصیر، وسیکون متمیّزًا عن غیره بمیّزات الرؤیة الحضاریة الکلّیّة للوجود؛ ومنها: مرکزیّة الدین والعقیدة وتکریم الإنسان، ومرکزیّة القیم والأخلاق فی مختلف مجالات الحیاة. فی حین أنّ النظر الاستشرافیّ الغربیّ یقف وراءه نظریّات وموجّهات مادّیّة غربیّة لا تصلح أن تکون فی کثیر من منطلقاتها ومظاهرها مجالًا للقدوة والاحتداء؛ على الرغم من السبق المعرفیّ الغربیّ فی هذا الحقل المعرفیّ المهمّ.
وأمّا الحالة موضوع الدراسة فی ضوء هذا الأنموذج؛ فتروم البحث فی جانب من جوانب النظر الاستشرافیّ نحو المستقبل؛ من خلال التعرّف على بعض المحدّدات المنهاجیّة التی دلّت علیها نصوص الوحی، والتی تشکّل منارات هادیة فی الوعی الکلّیّ للحیاة وفی التخطیط للمستقبل واکتشاف معالمه والوعی بمتغیّراته.
والأسئلة التی تعالجها المقالة تدور حول الإجابة عن الإشکالات الآتیة: ما هی أهمّ المعطیات المنهجیّة التی تتوافر علیها الرؤیة القرآنیّة لاستشراف المستقبل؟ وما هو موقع العلم بالسّنن الإلهیّة ودورها فی حرکة التاریخ عمومًا؟ وبأیّ معنى یمکن اعتبار الإرادة الإنسانیّة هی الفاعل المرکزیّ فی صنع المستقبل؟
أولًا: مقدّمات عامّة:
قبل الشروع فی مقاربة الإشکالات السابقة، أشیر إلى بعض المقدّمات الممهِّدة؛ وهی:
1. إنّ استشراف المستقبل هو اجتهاد بشریّ منظَّم، یتوخّى الوعی بجملة متطلّبات الواقع وحاجیّات المستقبل القریب ومتغیّراته المحتملة؛ بما یدفع إلى حسن التنظیم وتوفیر المعطیات والمعلومات لواضعی البرامج والمخطّطات الاستراتیجیّة لاتّخاذ القرارات الملائمة فی الوقت المناسب؛ بغیة الاقتراب ما أمکن من البدیل الأفضل للمستقبل. وهو أمر مطلوب ومحمود ودلیل على وعی إنسانیّ راقی، یمکّن من المحافظة على المکتسبات والتخطیط لمواجهة الأزمات الحاصلة أو الممکن حصولها. ولیس همّنا فی هذه المقالة الخوض فی الآلیّات الإجرائیّة الجزئیّة للتنبّؤ بالاحتمالات الممکنة فی مجال أو تخصّص معیّن، وإنّما محاولة الوقوف على بعض الموجِّهات الکبرى المبثوثة فی الوحی والتی تمکّننا من فهم الوجود عامّة وفهم منهجیّة السیرورة التاریخیّة وقوانینها المتحکّمة.
2. من أهم میّزات المنهجیّة الإسلامیّة ارتکازها على خطّین متوازیین؛ هما: خطّ الثبات الذی یضمّ القواعد الکلّیّة، والمقاصد العلیا، والأصول المرجعیّة، والثوابت التأسیسیّة التی تُعدّ بوصلة للهدایة والإرشاد، وخطّ المرونة والتغیّر الذی یضمن تفاعل النصوص مع الواقع المتغیّر. وهذا مجال واسع للکسب البشریّ لإبداع مناهج الإصلاح وتجدید وسائله. ولا شکّ فی أنّ النظرة الاستشرافیّة للمستقبل ینبغی أن تهتدی بالضرورة بتلک الأصول، وتسترشد بتلک الضوابط التی هی جزء لا یتجزّأ من المنهجیّة الإسلامیّة ورؤیته الحضاریّة التی تنطلق من الکرامة الآدمیّة وتبتغی الخیر للإنسانیّة جمعاء.
3. التحدّی الذی تواجَه به الأمّة الإسلامیّة فی کلّ عصر هو إیجاد جواب أو أجوبة للسؤال النهضویّ المرکّب الآتی: ما مدى تفعیلها لإمکاناتها وقدراتها فی ظلّ شروط عصرها وظروفه؟ وهل الأصل الاستعانة بهذه الإمکانات لصدّ الهجمات الخارجیّة وردّها؟ أم إنّ الأصل هو استثمارها وفق الرؤیة الکلّیّة الاستخلافیّة للوحی لإعادة تشکیل الأمّة الشاهدة؟ وهل لا زالت إمکانات الأمّة المعنویّة مفعمة ومفعّلة بالوهج نفسه الذی ظهرت به فی زمن النبوّة وما تلاها من قرون قریبة، أم إنّ سوء استثمار إمکاناتها المعنویّة نتج عنه بالضرورة خلل فی توازن إمکاناتها المادّیّة؟
4. صحیح أنّ "الآخر" الحضاریّ کان له دور هامّ فی المنزلق الفکریّ والحضاریّ الذی تتخبّط فیه الأمّة (صدمة الحداثة الأوروبیّة، التدخّلات المباشرة وغیر المباشرة فی الشأن الداخلیّ للأمّة، والعولمة الجارفة)، وهذا أمر طبیعیّ؛ بحکم التفاعل البشریّ، والتدافع الحضاریّ، وسعی الآخر إلى إبراز وجوده وفرض هیمنته، ولکنّ الأمَرّ هو سهولة سقوط الفکر العربیّ والإسلامیّ، عن طریق نخبه وجماهیره، فی هذا الشّرَک المشوَّک والمشوِّک، القائم على التبعیّة والرکون، والخضوع للإملاءات والإذعان لها، ومعاداة الذات والتاریخ والتراث، فیُسقِط هذا الفکر على تجربته الأمر نفسه الذی عانت منه تجارب حضاریّة أخرى فی بنائها وتشییدها، ومن ثمّ ترسّخت لدیه قناعة ضرورة نهج الطریق ذاته للنهوض والبناء والتقدّم؛ على الرغم من تباین السیاق من مختلف جوانبه، وتوافره على إمکانات الهیمنة والاستیعاب والتجاوز لتسدید مسار الحضارة والتجربة الإنسانیّة بصفة عامّة. وفی قانون صعود الحضارات وأفولها دلالة على أنّ لکلّ أمّة نهضتها الخاصّة، وبصمتها المتمیّزة فی سُلّم الإنسانیّة، لا یمکن أن تکون نسخة طبق الأصل لنهضة أخرى؛ مهما تنوّعت عملیّات النقل، مستوردة کانت أو مفروضة، کما إنّ أقصى ما یمکن أن یحصل هو تأثیرات جانبیّة ستزول بزوال مسبّباتها.
وعندما یتعلّق الأمر بأمّة إسلامیّة لها خصائصها الممیّزة؛ من عالمیّة وختم وشهود، فضلًا عن إمکانات مادّیّة وبشریّة هائلة؛ فإنّ المسؤولیّة ستزداد أکثر؛ لأنّنا حینئذ سنکون أمام عملیّتین متکاملتین: استیعاب کلّ منجزات الحضارات المعاصرة، ثمّ دمجها فی قالب یعطیه خاصّیّة العالمیّة، لیجد الکلّ نفسه فی هذه الحضارة المخرجة؛ لأنّها قضاء الله الغالب، وقدره الذی لا یُردّ.
5. تشکّل الطفراتالنوعیّة فی التقدّم البشریّ والتغیّر الحضاریّ تحدّیًا حقیقیًّا أمام الدراسات الاستشرافیّة، حین تحدث بشکل فجائیّ من دون أسباب ممهِّدة أو سابق إنذار، ویبقى الوعی المسبق بنقطة التحوّل (الطفرة) التاریخیّة هذه أمرًا مهمًّا؛ لأنّ ذلک بدایة طریق البحث عن الاستقرار فی خضمّ منعطف حضاریّ استثنائیّ وفق رؤى تتّخذ أشکالًا متعدّدة من الصراع أو التدافع الذی هو سُنّة الله تعالى فی الکون. وإذا حدث أنْ کانت المنبّهات الخارجیّة هی سبب الوعی بالطفرة الحضاریّة؛ فلأنّ السیرورة الداخلیّة للشعوب والحضارات تتّسم بالسلاسة والسکینة، ولا تنتفض على الذات؛ إلا إذا حصل الخناق والقهر والاستبداد. والناس فی میل دائم إلى الحیاة الهادئة الآمنة المطمئنّة؛ مع غضّ النظر عن الوسائل ومستوى العیش المألوف والمتعارف علیه. ولکنّ الوقوف على أنموذج آخر فی العیش بأنماط جدیدة ووسائل متطوّرة (مثال النمط الغربیّ) سبّب إزعاجًا للسکینة السائدة، والتی انقلبت إلى توتّر أمام أوهام واقع متخلّف، فی مواجهة واقع أکثر إغواءً وإغراءً. وقد شکّلت لحظة الوعی بهذا الوضع بدایة فترة انتقالیّة جدیدة، وبدایة تفاعلات حضاریّة بین نمط غربیّ یسعى إلى فرض هیمنته ومرکزیّته، ونمط إسلامیّ یسعى بخطى حثیثة إلى بناء نهضة جدیدة، والسعی نحو تحقیق عالمیّة ثانیة بإحیاء روح التحدّی، وتجدید الفهم لعالمیّة الإسلام وهیمنته وقدرته على التجدید والإبداع، لیس فقط من باب المسایرة وإیجاد الأحکام الفقهیّة للنوازل المستجدّة؛ وإنّما باقتراح بدائل متجاوِزة ومتقدّمة، وإیجاد حلول لمشکلات العصر المستعصیة.
ثانیًا: منطلقات قرآنیّة وسؤال المستقبل:
إذا کان الوحی هو العمود الفقریّ للمرجعیّة الإسلامیّة؛ فإنّه مبنیّ على محدّدات منهاجیّة کبرى وقواعد کلّیّة تشکّل بوصلة للهدایة والإرشاد؛ کما إنّه مؤسّس لمفاهیم جدیدة، ومصحّح لمدلولات مفاهیم أخرى، ومن الضروری لکلّ متحدّث من داخل المرجعیّة العلیا أن یمتلک الخریطة الأساسیّة لهذا الجهاز المفاهیمیّ القرآنیّ؛ وإلا سیکون مضمون خطابه فی جانب والمراد القرآنیّ فی جانب آخر، أو على الأقلّ سیجانب مراد هذا الکتاب المطلق. فللمفاهیم القرآنیّة خصوصیّاتها المطلقة، ولها هیبتها وهیمنتها وقداستها وشمولها وتعالیها عن مؤثّرات الزمان والمکان؛ لأنّ طبیعتها تقوم على البناء والتأسیس والرعایة والتوجیه؛ لذلک کانت قیمًا حاکمة للفکر والثقافة والسلوک والعمران؛ عکس المفاهیم التاریخیّة المرحلیّة المتأثّرة بالزمان والمکان، والمرتبطة بتیارات أو مدارس معیّنة، أو بقضایا وإشکالات جزئیّة.
وتشکّل المحدّدات المنهاجیّة والمرجعیّة، المتناثرة فی القرآن الکریم، معالم کبرى یمکن أن یقاس فی ضوئها کثیر من ظواهر الفکر والثقافة والحضارة والمعرفة؛ وهی بمنزلة معیار لمقاربة إشکالیّات وقضایا مختلفة، ومنطلق لتحلیلها ودراستها. والمتأمّل فی الجهاز المفاهیمیّ القرآنیّ یجده نسقًا متحرّکًا، مفعمًا بالحیویّة، ومعتبرًا للواقع، ومستشرفًا للمستقبل.
فالحاضر هو امتداد للماضی، والمستقبل سیکون امتدادًا للحاضر، ومن ثمّ، فإنّ استشراف المستقبل رهین بدراسة الماضی ومعرفة موقع الذات فی الحاضر، والقرآن الکریم یدعو إلى النظر والتدبّر فی حرکة التاریخ لأخذ العبرة فی الحاضر والمستقبل: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِکُمْ سُنَنٌ فَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَانظُرُوا کَیْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الْمُکَذِّبِینَ}[3]؛ ومن مقاصد هذا النظر: تأسیس رؤیة حضاریّة واضحة للواقع الإنسانی تمکّن من امتلاک زمام المبادرة للرقی به نحو الأفضل.
وقد أولت النصوص التشریعیّة لمفهوم الزمن اعتبارًا خاصًّا؛ حیث "تتردّد فی القرآن الکریم کلمات (الدهر، الغد، الحین، الوقت، قبل، وبعد)؛ وجمیعها یدعو إلى الالتفات إلى الزمن والاهتمام المستقبلی، کما تتردّد کلمات (البصر، البصیرة، رأى، الرؤیا، والحلم)؛ وهی تدعو إلى النظر فی ما هو قادم مقبل"[4]. فما مرّ منه هو الماضی الذی لا یعود، غیر أنّه یترک لنا تجارب وآثار للعظة والاعتبار فی الحاضر والمستقبل. فمهما بلغت خسائر الماضی، فلا ینبغی -بحال من الأحول- أن تکون سببًا للغرق فی التفکیر والمبالغة فی الندم وطول التحسّر الذی قد یصل إلى الیأس والقنوط والانقطاع عن الحیاة. ولذلک؛ نجد الإسلام یشجّع على التوبة والعودة والأوبة، فیتجاوز الخالق عن سجِلّ الماضی؛ بشرط العزم على إصلاح الحال فی الحاضر والمستقبل. والمتأمّل فی تشریعات الوحی -قرآنًا وسنّة- وفی أحکامهما ونظمهما، یجدها مفعمة بالإیمان والتفاؤل والتخطیط ووضع استراتیجیّات لمستقبل أفضل؛ وهو توجّه موافق للنزعة الإنسانیّة التوّاقة إلى المستقبل؛ بغیة تحقیق العیش الکریم فی الدنیا، والفوز بالنعیم یوم القیامة.
وینبّه القرآن الکریم -بتعبیرات وأسالیب ومنهجیّات مختلفة- إلى جملة من القضایا والمواضیع التی یُعدّ الوعی بها مفتاحًا لفهم جوانب من النظر الاستشرافیّ المبثوث فی القرآن الکریم بتعابیر وأسالیب ومنهجیّات مختلفة، ومن بین أهمّ هذه القضایا: قضیّة الغیب، وأهمّیّة الرؤیة الکلّیّة للوجود فی التعامل مع الواقع، وأهمّیّة الوعی بالسّنن الإلهیّة فی التخطیط للمستقبل.
1. الغیب المطلق والغیب النسبیّ:
من المعلوم من الدین بالضرورة اختصاص الله عزّ وجلّ بعلم الغیب المطلق (فی الماضی والحاضر والمستقبل)؛ وهو العلم الذی غاب عن البشر، ولا تملک العقول طریقًا للتوصل إلیه، ومن أمثلة ذلک: الملائکة، والجنّ، والیوم الآخر بتفاصیله وأحداثه، وغیرها من الأمور الغیبیّة غیر القابلة للدراسة والبحث: {قُلْ لَا یَعْلَمُ مَنْ فِی السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَیْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا یَشْعُرُونَ أَیَّانَ یُبْعَثُونَ}[5]، فعلمه تعالى غیر محدود، وهو تامّ ومطلق وذاتیّ. ومن الغیب ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما أطلع علیه بعض خلقه، والاطّلاع لیس هو العلم الیقینیّ بالحقیقة الکاملة.
أمّا الغیب النسبیّ؛ فهو الغیب الذی یمکن أن یتکشَّف عن طریق الخبر الصادق من الوحی، أو عن طریق التجربة والاجتهاد والتوسّل بسبل العلم المُوصِلَة إلیه؛ فهو من مُتعلّقات عالم الشهادة. ولا شکّ فی أنّ الواقع المعاصر یشهد بأمثلة کثیرة لأمور وجودیّة وحقائق علمیّة فی مجالات الحیاة؛ کانت فی علم الغیب النسبیّ عند جیل أو أجیال سابقة، وأصبحت، بعد حین من الدهر، من المعلوم من شؤون الحیاة بالضرورة عند الأجیال المعاصرة. وتشکّل هذه المعرفة غیبًا نسبیًّا تحقّقت معرفته بأسباب مادّیّة أزالت الحجب عنه. ولا زال الاختراق العلمیّ لهذه الحجب مستمرًّا، مع العلم أنّ قوله تعالى: {وَمَا أُوتِیتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِیلًا}[6] سیظلّ آیة حاکمة على العلم البشریّ، ودالّةً على عظمة الخالق وبدیع قدرته وعلمه.
وعلاقة استشراف المستقبل بالغیب هی جزء من ثنائیّة وجودیّة کبرى تتعلّق بعلاقة الخالق بالمخلوق، علاقة أساسها التکلیف والاستخلاف والعمل والکدح والاجتهاد والإتقان. فسیرورة العالم المستقبلیّة هی، فی علم الله، واضحة جلیّة، وسعی الإنسان لیکون فاعلًا فی مستقبله -تخطیطًا وممارسة- هو من مقتضیات التکلیف وموجبات الجدّ والاجتهاد، وخاضع لمیزان الخطإ والصواب.
2. الرؤیة القرآنیّة والأسئلة النهائیّة الکبرى:
حدّدَت کثیر من التوجیهات القرآنیّة والأحکام الشرعیّة صراحة جملة من الغایات التی من أجلها وُجِدَ الخَلْق والإنسان والحیاة؛ وفی ذلک دلیل على غائیّة النظام الکونیّ وتنزیه الوجود عن العبثیّة: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاکُمْ عَبَثًا وَأَنَّکُمْ إِلَیْنَا لَا تُرْجَعُونَ}[7]، {أَیَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ یُتْرَکَ سُدًى}[8]. أمّا النصوص التی تفصِّل هذه الغایة وتبیّنها؛ فهی کثیرة متضافرة؛ کلّ نصّ منها یشیر إلى جانب مهمّ من جوانب هذه الغائیّة؛ فقد خلق الله الإنسان لیکون خلیفة له فی الأرض: {وَإِذْ قَالَ رَبُّکَ لِلْمَلَائِکَةِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی الْأَرْضِ خَلِیفَةً}[9]، خلافة أساسها العبادة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ}[10]، وعلى ضوئها تظهر أکبر تجلّیات الخلق؛ وهو معرفة الله تعالى؛ خالق الإنسان والوجود، ومقدّر سننه وقوانینه، لذلک کان "من الغایات القصوى لإیجاد الخلق: حبّ الله أن یُعرَف وأن یکشف عن نفسه، بعد أن کان کنزًا مخفیًّا. وهذه المحبوبیّة لیست ارتجالیّة تتعلّق بکلّ شیء؛ بل إنّ متعلّقها خلیفة الله فی الأرض؛ وهو الإنسان"[11].
کما إنّ "مضمون الخلافة فی الأرض یشتمل على عنصرین أساسین؛ أولهما: ترقیة الذات الإنسانیّة متمثّلة فی الإنسان الفرد؛ بتزکیته فی نفسه وفکره وجسمه، وأعلى ما یکون ذلک بتقویة صلته بربّه الذی خلقه، ومتمثّلة -أیضًا- فی الإنسان الجماعة؛ بتزکیة الهیئة الجماعیّة؛ بالتراحم والتعاون والتکافل والتحابب والوئام. إذًا، فالإنسان -فردًا وجماعة- یرتقی فی سلّم الإنسانیّة إلى أعلى الدرجات، کادحًا إلى ربّه کدحًا یقترب به منه، ویبتعد به عن سائر المخلوقات التی لیست محلّ تکلیف. وثانیهما: التعمیر فی الأرض؛ عملًا بقوانینها، واستثمارًا لخیراتها، وارتفاقًا لمقدّراتها فی غیر سرف ولا عبث ولا إخلال بنظامها الموزون"[12]. وبذلک لم تکتفِ توجیهات الوحی بسرد هذه الغائیّة وتوضیحها؛ وإنّما جعلها جزءًا من نظام متکامل یوضّح الأهداف والغایات، وینبّه إلى الوسائل والمنطلقات، المراعیة لطاقات الإنسان وقدراته عبر الزمان والمکان.
ومن مضامین هذه الغائیّة استشراف الآمال المستقبلیّة والمعانی والرغبات، وهذه میزة خُصّ بها الإنسان عن غیره من المخلوقات التی لا تعیش إلا لحظتها، یبتدئ بإحساسه "فی نفسه بحسب الفطرة من أنّ لحیاته غایة، ولوجوده معنًى مستقبلیًّا یتجاوز به لحظته الراهنة إلى أمد مقبل، وهذا المعنى لا تخلو منه نفس بشریّة، مهما یکن المدى الذی تمتدّ إلیه غایة الحیاة فی النفوس؛ طولًا وقصرًا فی الزمن، وقوّة وضعفًا فی المعنى، ولعلّ شواهد ذلک أنّنا لا نجد إنسانًا إلا وهو یدّخر من یومه لغده، ومن حاضره لمستقبله، مهما اختلفت أنواع المدّخرات فی طبائعها وأحجامها ومناهجها وآمادها"[13].
ومن واقعیّة الإسلام أنْ جعل من أعظم غایاته تحقیق سعادة الإنسان فی الدارین؛ دنیا وآخرة، وفق معادلات وقوانین مضبوطة ترتکز على الإیمان والعمل الصالح والقیام بالتکالیف والکدح فی الحیاة، وهی أعمدة الاستخلاف والعبودیّة، نجملها فی الآتی:
- مصدر الوجود هو الخالق تعالى؛ وهو المقدّر لسنن الکون ونوامیسه.
- تأکید حقیقة المغایرة الکاملة للخالق عن المخلوقات.
- تأکید حقیقة تفرّد الإنسان وتمیّزه عن الطبیعة.
- الغایة من الخلق: العبودیة وتحقیق الاستخلاف بما یرضی الخالق ویُسعد الإنسان.
- تُشکّل الرسائل السماویّة -وآخرها الإسلام- أقوم المناهج لتحقیق هذا الاستخلاف.
- حیاة الإنسان فی الدنیا حیاة مرکّبة تتّسم بالأسرار والثغرات والانفلاتات.
- من أکبر تجلّیات هذه الأسرار تأرجح الإنسان وترحاله بین ثنائیّات مختلفة؛ إرادیًّا واضطراریًّا، والعبرة بالخواتم[14]. والحیاة الخالدة تقسیم ثنائیّ صارم لا ثالث له (جنّة/ نار).
- الفناء الدنیویّ مصیر محتوم على الجمیع.
- الحشر بدایة لحیاة جدیدة لا نهایة لها.
- الحیاة الخالدة فی حقیقتها نتیجة لسلسلة ثنائیّات متتالیة؛ منذ الحیاة الأولى، وعلى الرغم من معادلاتها الصارمة؛ فقد تتّسم -أحیانًا- بالترکیب والاستثناء:
|
إیمان ، تقوى، صلاح ... حسن خاتمة جنّة
کفر، فجور، فساد ... سوء خاتمة نار
فالرؤیة القرآنیّة للوجود تشکِّل نسقًا متکاملًا مستوعبًا لکلّ الأسئلة النهائیّة الکبرى التی تعترض الإنسان؛ إذ تمکّنه من القدرة على إیجاد الأجوبة الشافیة الکافیة المقنعة المطَمئنة، کما تمتدّ خیوط هذا النسق لتتکامل مع مختلف القضایا العلمیّة والعملیّة على مستوى الفکر والواقع، فکلّما کانت الرؤیة القرآنیّة هی الأساس؛ قلّ الخلاف وضاقت دائرته، وتکامل الغیب مع الشهادة، وکلّما نُوقشت فی إطار مرجعیات وضعیة مادّیّة؛ اتّسع الخلاف وزادت حدّته.
ثالثًا: أهمّیّة الوعی بالسُّنن فی استشراف المستقبل:
ما لا شکّ فیه أنّ موضوع السُّنن الإلهیة من أکثر الموضوعات التی حفل بها القرآن الکریم ووجّه إلى أهمّیّتها وضرورتها القصوى فی فهم حرکة الوجود، وقوانین الکون، وطبائع الحیاة، وسنن العمران والتاریخ، ومناهج الاستخلاف، وسبل التحضّر[15]. ودراسة مدخل السنن فی استشراف المستقبل من الموضوعات المهمّة التی تحتاج إلى مواکبة مستمرّة للواقع المتغیّر. والمقصود بالسنن "هی القوانین التی أقام الله علیها نظام الکون ونظام المجتمع، وهی سنن وقوانین لها صفة العموم والشمول، کما لها صفة الثبات والدوام"[16]، وبعبارة أخرى: إن السّنن هی تلک "الأنساق القانونیّة التی بثّها الله عزّ وجلّ فی کلّ المفردات الکونیّة؛ لتخضع له سبحانه فی اطّراد وانتظام"[17].
1. سنن إلهیّة مرتبطة بالنظر الاستشرافیّ:
إنّ السنّة فی القرآن إمّا سنّة کونیّة وإمّا سنّة شرعیّة؛ فالأولى یسیر علیها نظام الکون، والأخرى یسیر علیها نظام الشرع. واعتماد العلماء الطریقة العلمیّة فی دراسة جمیع الظواهر النفسیّة والاجتماعیّة مبنیٌّ على التسلیم بأنّ الظواهر محکومة بسنن؛ فثمّة سنن طبیعیّة وأخرى اجتماعیّة یخضع لها الإنسان بصورة صارمة. وتتمیّز السّنن الإلهیّة بأنّها تشکّل نسقًا متکاملًا، ویمکن تقسیمها إلى أنواع؛ منها: السنن الکونیّة، السنن النفسیّة والاجتماعیّة، والسنن التاریخیّة.
فالسنن الکونیّة هی التی تتعلّق بالکون وما یجری فیه، واکتشافها تجلٍّ من تجلّیات تفاعل العقل مع الکون؛ ومن هذه السنن: "قانون الجاذبیّة"، ومختلف قوانین المادّة، التی ساهم اکتشافها فی تطوّر العلوم، وإحداث نقلة نوعیّة فی نمط الحیاة وطرائقها؛ مثل: علوم الطبّ، الهندسة، الفلک، الفیزیاء، والکیمیاء... وسبر أغوار المادّة والأشیاء وقوانینهما هو فعل إنسانیّ محض لا علاقة له بالمعتقد ولا بالدین ولا بالعرق ولا بالجنس؛ وإنّما هی مرتبطة بالحسّ والمشاهدة والتجربة وممارسة الجهد العلمیّ والمعرفیّ.
والسنن النفسیّة والاجتماعیّةهی السنن التی ترتبط بالنفس وخلجاتها، وما یرتبط بالاجتماع البشریّ وتفاعلاته. واکتشافها تجلٍّ من تجلّیات تفاعل العقل مع الوحی والواقع، وهی سنن متداخلة مترابطة؛ منها: سُنّة "التعجیل": {خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ}[18]، {وَکَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا}[19]، ومنها: "حبّ المال والتملّک": {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا}[20]، {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَیْرِ لَشَدِیدٌ}[21]. ومن السنن الاجتماعیّة: سنة "التعارف"[22]: {یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُم مِّن ذَکَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیر}[23]، ومن هذه السّنن "سنة الفتنة والابتلاء":{وَنَبْلُوکُم بِالشَّرِّ وَالْخَیْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَیْنَا تُرْجَعُونَ}[24]، {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن یُتْرَکُوا أَن یَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا یُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَیَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِینَ صَدَقُوا وَلَیَعْلَمَنَّ الْکَاذِبِینَ}[25]. وحدیث الوحی عن هذه السّنن یمکّن من فهم أعمق للإنسان وخلجاته ولمکوّنات الواقع وتفاعلاته، فحرکة الحیاة والأحیاء تسیر وفق منهج سننی؛ إذ "إنّ بؤرة الرؤیة المستقبلیّة ونقطة الانطلاق الأساس فی النهوض وإبصار المستقبل من خلال مقدّماته، أو التمکّن من تشکیل المستقبل والمداخلة فی بنائه؛ إنّما تتحقّق من خلال اعتماد المنهج السننی، ومحاولة الکشف عنه وملاحظة اطّراده فی الحیاة، ومن ثمّ تأتی مرحلة التسخیر والقدرة على المداخلة فی المقدّمات من خلال القانون ذاته"[26].
والسنن التاریخیّة هی الضوابط والقوانین والنوامیس التی تتبدّى فی سیرورة التاریخ بمقدّمات ونتائج فی فترات زمنیّة قد تطول وقد تقصر[27]: {سُنَّةَ اللَّهِ فِی الَّذِینَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِیلًا}[28]، {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِکُمْ سُنَنٌ فَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَانظُرُوا کَیْفَ کَانَ عَاقِبَةُ الْمُکَذِّبِینَ}[29]. ولعلّ القصص القرآنیّ یتوافر على مادّة علمیّة غنیّة بمضامینها وعبرها لاکتشاف هذه السنن، غیر أنّه یمکن التأکید أنّ القصص القرآنیّ "لم یُدرَس بعد دراسة سننیّة متکاملة، تضعه فی عمق سیاقه المعرفیّ الحقیقیّ، الذی یتجاوز نطاق التأریخ، إلى نطاق فلسفة التاریخ والحضارة؛ بل یتجاوز نطاق التقریر المباشر للأحکام الفقهیّة والآداب الشرعیّة، إلى نطاق تلمّس الأبعاد والدلالات السننیّة الکامنة والفاعلة باطّراد"[30].
2. أهمّیّة السنن الإلهیّة فی استشراف المستقبل:
تحتلّ مفردات التأمّل والتفکّر والبصیرة والاعتبار والنظر حیّزًا مهمًّا فی ثقافتنا الإسلامیّة، فلا قطیعة لدینا بین الحاضر والماضی والمستقبل. والقرآن -عبر منهجیّته المعرفیّة- یؤسّس لنظر تکاملی بین هذه الأزمنة الثلاثة. فالتاریخ مستودع لتجارب حضارات مختلفة ذات دیانات وأعراق ولغات متباینة، ضمّت سیروراتها وحقبها أحداثًا وتفاعلات غزیرة، تحتاج منّا إلى التأمّل والدراسة والتحلیل، وإلى عملیّات الفرز والتصنیف وتحدید المسؤولیّات والأسباب والتمظهرات والمحفّزات والمثبّطات، وأیضًا استقراء الفترات اللازمة لتشکّل مظاهر معیّنة وانعکاساتها الإیجابیّة أو السلبیّة على واقع البشریّة فی أزمنتها. والنظر الزمنیّ فی التاریخ یخرجنا من ضیق أعمارنا، وینبّهنا إلى طبیعتنا الاستعجالیّة، ویضعنا أمام حقائق وسنن تقاس بالقرون ومئات السنین. وقد تکون أمثالها سننًا جاریة فی أنفسنا وواقعنا، فنحتاج إلى الوعی بها، ومعرفة النقطة التی نتموضع فیها؛ إذ لا تشکّل أعمارنا، بمقیاس الزمن السننیّ، إلا مرحلة قصیرة فی سیرورتها[31].
فالمقصد العامّ للسنن التاریخیّة هو الوعی والعبرة والاتّعاظ من تجارب السابقین، "والاعتبار -فی أبسط معانیه- هو عبور الإنسان من إحدى ضفتی النهر (الحاضر) إلى الضفة الأخرى (المستقبل) وتعدیة الرؤیة، والوصول إلى نتیجة؛ مفادها: أنّ الذی یفعل المقدّمات یقع بالنتائج"[32]. وهو ما أکّد علیه القرآن الکریم: {فاعتبروا یا أولی الأبصار}[33].
إنّ سرد أحداث من التاریخ فی القرآن (القصص القرآنیّ)؛ على الرغم من أنّه ضمن مجال الغیب الذی مضى وانقضى واختفى، فقد تَرَکَ قوانین وقواعد تشکّل منارات هادیة للزمن المستقبل، فالدنیا محلّ ابتلاء وتکلیف واختبار، والمقصد الأساس من إیراد تلک القصص والنماذج العملیّة والتطبیقیّة هو الوقوف على أحوال السابقین واستخلاص کلّیّات الوعی الحضاریّ وفنون التسخیر ومناهجه، وأخذ العبرة والمقاربة والمقایسة والتقدیر لأبعاد المستقبل والانتظام مع هذه السنن؛ بالوقوف على ما آلت إلیه الأحوال لأسباب معیّنة (انحرافات خاصّة، معاندة، تکذیب، طغیان، فساد...)، فتتبصّر الأجیال الحاضرة والمقبلة طریقها، وتعرف مسیرتها، وتصحّح رؤاها ونُظمها، وتدرس خططها، وتثبّت خطاها على طریق السلم والأمن والعافیة والأمان. "ودروس التاریخ وعِبَره فی هذا واضحة نیّرة، فما اهتدت أمّة إلى جادّتها، وما صلح فکرها ومنطلقاتها؛ إلا اندفعت طاقتها وجموعها کالسیل الهادر، تشقّ طریقها فی الأداء والإنجاز بما لیس معهودًا من سابق قدرتها وحرکتها وأداء أبنائها، فلا یمضی وقت طویل إلا وقد تغیّر حالها، وصلح أداؤها. وکهذا حساب الزمن، یمتدّ ویتطاول على العاجز والضالّ، ویقصر ویتلاشى أمام القدرة والعزیمة"[34].
وإذا کان للنظر فی التاریخ أهمّیّته واعتباره، فإنّ للنظر فی الکون أهمّیّة أخرى تتکامل مع مکوّنات النظر الکلّیّة فی القرآن الکریم. ومن القواعد التی قرّرها القرآن الکریم: أنّ الکون مسخّر للإنسان؛ بشرط أن یعرف سننه، ولا شکّ فی أنّ السنن فی مجال المادّة أظهر منها فی مجال المجتمع والتاریخ. وقد نبّه القرآن على أنّ للسنن الاجتماعیّة صرامة السنن الطبیعیّة نفسها، ولکنّ طریقة عمل کلّ منهما تختلف عن الأخرى؛ للفرق الحاصل بین حرکة المادّة وحرکة الإنسان[35]، فالتعامل الحکیم والفعل الرشید مع الطبیعة لیس بالأمر الهیّن؛ لأنّه مبنیّ على ضرورة معرفة "کلمة السرّ" المناسبة؛ وهی السنن الکونیّة وتعامله معها بعلم وموضوعیّة، حیث یؤکّد سبحانه قائلًا:{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِی قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِیلًا}[36]. ولذا؛ أوجد الخالق سبحانه الطبیعة على خاصّیّة أن لا تطیع الإنسان إلا إذا دعاها عن طریق "المعرفة السننیّة"، فإذا جهل هذا الطریق أو سلک غیره؛ فلا تستجیب له.
والنهوض الحضاریّ هو فعل إنسانیّ خاضع لسنن الله فی الوجود؛ نظرًا إلى ارتباطه بفضاء الاستخلاف ودرجة التعقّل والمنهج المتّبع، "وحرکة النهوض لن تتحقّق إلا بمعادلة ثلاثیّة الحدود:
- لا نهوض من غیر تسخیر لخامات الطبیعة.
- لا تسخیر لخامات الطبیعة من غیر علم صحیح ینطق بالحقّ.
- لا علم صحیح من غیر معرفة تامّة بسنن الکون والحیاة.
فالسّنة قانون الله فی الکون، والعلم هو معرفة هذه السنن وحسن التعامل معها، والتسخیر هو الثمرة العملیّة لهذه المعرفة"[37]، مع العلم أنّ معرفة هذه السنن کتاب مفتوح أمام جمیع الناس؛ مع غضّ النظر عن دینهم أو عرقهم أو جنسهم، فإنْ رافق ثمرة تلک المعرفة إیمان بالله تعالى؛ کان ذلک طریق الکمال المنشود:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَکَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْیِیَنَّهُ حَیَاةً طَیِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِیَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا کَانُوا یَعْمَلُون}[38].
إنّمفهوم السّنن یشکّل بعدًا محوریًّا فی فهم الإنسان ووظیفته[39]، فالإنسان هو صانع حرکة الحیاة ضمن السّنن الکونیّة والاجتماعیّة[40]. إنّه ملزم بسنن النظام الکونیّ؛ لکنّه حرّ فی اختیار اتّجاهه فیها، فالمجال مفتوح أمامه لممارسة دوره فی النهوض والتغییر، وهی حرکة تزداد فیها حرّیّته کلّما تمکّن من اکتشاف سنن هذا النظام وعمّق التفقّه فیها، غیر أنّ فعله مشروط بجزاء إلهیّ سننیّ یقابله. لهذا؛ کانت "علاقة الإنسان مع قوى الطبیعة علاقة تعرّف وصداقة، لا علاقة تخوّف وعداء؛ ذلک أنّ قوّة الإنسان وقوّة الطبیعة صادرتان عن إرادة ربّانیّة ومشیئة إلهیّة واحدة. وکلّما تعرّف الإنسان على قانون من قوانینها تفتّحت أمامه أبواب جدیدة للنهوض، وتیسّر له قدر جدید من الرقی والراحة والمتاع"[41]؛ علمًا أنّ "الاستمتاع بهذا التسخیر (بعد معرفة سننه) لا یتمّ إلا بالإیمان: {بَلِ الَّذِینَ لَا یُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِی الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِید}[42]"[43]، "فإذا کان الإنسان على غیر هدى من الله، فلیس له إلا ما تمتّع به فی دنیاه، أمّا فی الآخرة؛ فلیس له من عمله إلا العذاب، کما قال تعالى:{مَّثَلُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ کَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّیحُ فِی یَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا یَقْدِرُونَ مِمَّا کَسَبُوا عَلَىٰ شَیْءٍ ۚ ذَٰلِکَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِیدُ}[44]، {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}[45]، وإنْ اکتشفوا ما اکتشفوا، وأنجزوا ما أنجزوا، وأفادوا البشریّة ما أفادوها؛ فی مختلف المجالات العلمّیة، والخدمات الاجتماعیّة، والمصالح العمومیّة، وعلى جمیع المستویات الدنیویّة"[46].
إنّ معرفة الإنسان الدقیقة بهذه السنن أمرٌ فی غایة الأهمیة، فهی عبارة عن منارات هادیة وأنوار ساطعة تنیر سبل النجاة وتمکّن من التبیّن من أنواع الجزاء الناتجة عن التوجّهات والاختیارات، فعندما یکون جزاء أیّ سُنّة أو قانون لا یتّفق مع المصلحة أو الهدف المنشود، فالخیار الحکیم حینئذ یکون بالعمل على الحیلولة دون وقوعه، والامتناع عن توفیر شروطه؛ إذ "بتغّیر المحتوى الداخلیّ الفکریّ والإرادیّ للأفراد، نحو الأهداف الصالحة أو الطالحة، یتحقّق الشرط الموضوعیّ الذی تتفاعل معه السنن التاریخیّة، فیستجیب له الواقع الخارجیّ، الذی یمثّل البناء العلویّ لحرکة التاریخ"[47].
ومن ثمّ، فإنّ إرادة الإنسان وفعله تنعکس آثارهما على حرکة التاریخ، فالإیمان، والتقوى، والصبر، والشجاعة، وحب الخیر، والتعاون، والإیثار، والإنصاف، والعبادة الصحیحة، والأعمال الصالحة، والتقید بموجبات الأنظمة الأخلاقیة، والانصراف إلى العمل والإنتاج، ومکافأة المحسن، ومعاقبة المسیء،...؛ کلّها علامات نهوض اجتماعیّ، ورقی إنسانیّ، فلا یمکن أن تؤدّی إلا إلى الطمأنینة، والابتهاج بالحیاة، والسلام، والرخاء. بینما تکون آثار الکفر، والنفاق، والطغیان، والغرور، والظلم، والترف، والإسراف، والجبن، والضلال، والمکر، والخدیعة، وفساد الأخلاق، وانحراف السلوک، ...؛ کلّها وخیمة جدًّا على ذات الإنسان، وحرکة التاریخ[48].
ونستنتج من ذلک أنّ لإرادة الإنسان وفعله أثر موجّه فی حرکة التاریخ نحو المستقبل، "فالإنسان فی نظر الإسلام مخلوق مکلّف مسؤول، سیّد الکون، عبد الله، استخلفه فی الأرض، لیعبده فیها، ویعمرها ویُجمّلها، ویقیم فیها الحقّ والعدل. وهو الذی یصنع مصیر نفسه بیده؛ بما أودع الله فیه من طاقات، ومنحه من مواهب:{مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا یَهْتَدِی لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا یَضِلُّ عَلَیْهَا}[49]، وقادر على تغییر ما حوله بقدر ما یغیّر بنفسه: {إِنَّ اللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}[50]"[51]؛ بناءً على نهج واضح یقدِّر الإنسان فیه مسؤولیّته، ویعی أهدافه وغایاته؛ حتّى یکون سیره سیرًا غائیًّا قاصدًا، لا عوج فیه ولا تخبّط، وعلى بیّنة من أمره فی جمیع تصرّفاته واختیاراته.
3. سُنّة التدافع والتغیّر الحضاریّ المطلوب:
إنّ التغیّر الحضاریّ سیرورة حتمیّة لجمیع المجتمعات والشعوب. والتخطیط للتغیّر المدروس یقی من الوقوع فی شباک التغیّر المفروض، الذی یسعى من خلاله الآخر إلى فرض هیمنته واستمرار قبضته. والمنطق الحضاریّ الذی یؤسّس له القرآن (القائم على التعاون والتعارف والتدافع السلمیّ التعاونیّ) لا نجد صداه عند أغلب التشکیلات الحضاریّة الأخرى؛ وبخاصّة التشکیل الحضاریّ الغربیّ المادّیّ الذی جعل هدفه الهیمنة والسیطرة، وفرض مرکزیّة أحادیّة تقوّض من تأثیر الحضارات المجاورة. ویؤکِّد ذلک عدد من الإنتاجات النظریّة الفکریّة الغربیّة التی یغلب علیها منطق الصراع الحضاریّ والنزعات الرأسمالیّة الإمبریالیّة ومقولات نهایة التاریخ ونهایة الإنسان.
ولا شکّ فی أنّ الضربات القویّة التی تعرَّض لها عالم المسلمین فی الفترات المعاصرة تؤرِّخ لفترة حَرِجَة من مسلسل التدافع الحضاریّ الذی زاد من حدّته العولمة الجارفة، وحدّة التسلّح، وسلطة الإعلام والمال.
فالتدافع سُنّة کونیّة، وقانون أساس فی التصوّر الإسلامیّ لنظام الوجود، وبخاصّة فی جانب التکلیف الإنسانیّ والبناء الحضاریّ، وقد أشار الله -تعالى- إلى ذلک بحکم عامّ فی قوله عزّ وجلّ: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَکِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِینَ}[52]، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِیَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ یُذْکَرُ فِیهَا اسْمُ اللَّهِ کَثِیرًا ۗ وَلَیَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن یَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِیٌّ عَزِیزٌ}[53].
وللتدافع أشکال متنوّعة وصور مختلفة، "وبهذا یمکن تعریف سنّة التدافع بأنّها طریقة الله تعالى فی توجیه التفاعل بین القوى المتعدّدة؛ حیث یؤثّر کلّ منها فی الآخر ویتأثّر به؛ إیجابًا وسلبًا؛ وذلک بصورة مستمرّة ومتتابعة، تسهم فی تحقیق التوازن بینهما أولًا، وتنتهی بظهور بعضها على بعضها الآخر"[54]. والظهور الذی ینشده المنظور القرآنیّ هو تحقیق الخیر والعدل والصلاح ومدافعة الشرّ والظلم والفساد. ولن یتمّ التّمکین لذلک والمحافظة علیه إلا من خلال تفعیل آلیّات التدافع ومناهجه.
ومن المعانی التی یحملها مفهوم "التدافع": تفاوت القوى والقدرات والطاقات، واختلاف الأطراف المتدافعة وتباینها، ولا یقتصر التدافع بین الحقّ والباطل کما هو مشهور؛ بل یمکن أن یکون التدافع بین حقّین متفاوتین "تدافعًا إیجابّیًا" ینتهی بظهور حقّ على حقّ أضعف منه، کما یمکن أن یکون التدافع بین باطلین متصارعین "تدافعًا سلبیًّا تصادمیًّا" ینتهی بظهور باطلٍ على باطلٍ أهون منه، أو تحقیق توازن بینها جمیعًا. علمًا أنّ الباطل بجمیع تنویعاته فی تدافع مستمرّ مع الحقّ فی جولات کبرى متکرّرة تنتهی بأنْ یدمغ الحقّ الباطل وینتصر علیه:{وَیَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَیُحِقُّ الْحَقَّ بِکَلِمَاتِهِ}[55]،{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَیَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}[56]، {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ کَانَ زَهُوقًا}[57]. وقد تقرّر عند بعض العلماء "أنّ من المستحیل واقعًا وشرعًا أن یسلّط الله على البشریّة ظالمًا واحدًا، یتحکّم فی مصیرها، لفترة طویلة؛ ذلک أنّ التدافع یکون بین الظلمة أنفسهم، وبینهم وبین الحقّ؛ وهذا سنّة جاریة فی الحیاة، حتّى یتوقّف التاریخ، ویتغیّر نظام الکون"[58].
وقد تتعدّد أشکال التدافع بین مختلف التشکیلات المجتمعیّة، غیر أنّه کلّما ابتعدت عن التصادم والصراع والخصام المبنی على العنف والفجور (التدافع التناحریّ)، واقتربت من التفاهم والحوار والتوافق (التدافع التعاونیّ)؛ تنزّلت برکات الخیر والإصلاح على الجمیع؛ وهذا هو التدافع القرآنیّ المطلوب المؤسّس على السلم والتعاون. وکلّ مجتمع یعیش فی ظلّ هذه القیم هو مجتمع ینمّ عن نضج فکریّ واختیار حضاریّ راق، ولا شکّ فی أنّ الأزمات الطارئة سیتمّ تصریفها بأقلّ الخسائر الممکنة[59]. یقول محمد عمارة: "فالتدافع الحضاری الذی هو حراک وتنافس وتسابق، یحافظ على التعدّدیة، ویتوسّط بین الصراع وبین السکون، وهو فلسفة الإسلام وسبیل حضارتنا الإسلامیة فی العلاقات بین الحضارات"[60].
ویرتبط بالتدافع سنن أخرى قد تکون ملازمة له وقد تأتی على شکل حصیلة له أو نتیجة، نذکر منها:
- سُنّة التعدد والتنوع، وهی أساس التدافع؛ لأنه لا تدافع بدون تنوع واختلاف. وعلى عکس المرکزیة الغربیة ذات التوجّه الواحدی، نجد فلسفة الحضارة الإسلامیة تقوم على الاعتراف بأحقّیة الحضارات الأخرى فی الوجود بخصائصها وممیّزاتها، وإمکان الإفادة والاستفادة منها فی إطار محدّدات التعاون والأخذ والعطاء.
- سُنّة التداول، قال تعالى: {وَتِلْکَ الْأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیْنَ النَّاسِ}[61]، ویفید تحلیل الواقع المعاصر أنّ شروط التداول الحضاریّ متوافر لبروز قوى حضاریّة جدیدة تخفّف من حدّة الأزمات القائمة التی أفرزتها الرؤیة الکونیّة للحضارة الغربیّة[62]، وبخاصّة مع صعوبة تخلّیها عن معدّلات الاستهلاک والإنتاج والرفاهیّة، وتصریف منتجات التسلّح المفرط. فالفرصة متاحة، بل مفروضة، أمام مساهمات الحضارة الإسلامیّة لوضع استراتیجیّات مستقبلیّة تستفید من قوّة منظومتها القیمیّة والروحیّة، وترشید إمکاناتها المادّیّة فی أفق تأسیس تداول حضاریّ جدید.
- سُنّة التغییر؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ}[63]، فأوضاع العالم سائرة نحو التغیّر بأشکال متسارعة، ومن لم یضع خطط مدروسة لیکون فاعلًا فی معادلة التغییر التدافعیّ؛ سیجرفه -لا محالة- تیّار الصراع التناحریّ.
- سُنّة التفاضل والتمایز والسبق إلى أعلى الدرجات؛ قال تعالى: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِی الرِّزْقِ}[64]، {کُنتُمْ خَیْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[65]؛ فالشهادة القرآنیّة بخیریّة الأمّة الإسلامیّة تعدّ مسؤولیّة عظیمة مُلقاة على عاتق کلّ جیل لیحقّق نسبة من هذه الخیریّة. والتفاضل مظهر من مظاهر الاختلاف، فالأصل أن تکون مرتبة القیادة والتوجیه من نصیب الأفضل والأحسن والأنفع والأکثر خیرًا، وإذا تحقّق العکس کان ذلک دلیلًا على وجود خلل فی البنیة الاجتماعیّة والسیاسیّة برمّتها. وأسباب ذلک عدیدة متنوّعة قد ترتبط بالاستبداد والتجبّر والطغیان، وقد تتعلّق بالخنوع والذلّة والصغار، وقد ترتبط بالهروب والتقوقع والانعزال، ولکلّ حالة مظاهرها ونتائجها المقرّرة فی السنن الشرعیّة.
- سُنّة "الفناء"؛ قال تعالى:{کُلُّ مَنْ عَلَیْهَا فَانٍ،وَیَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّکَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِکْرَامِ}[66]، {وَلِکُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا یَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا یَسْتَقْدِمُونَ}[67]، فسُنّة الفناء حاکمة على الإنسان والأمم والحضارات. وأفول الحضارات وسقوطها کتاب ملیء بالسّنن والعبر والعظات، یبقى مفتوحًا للتأمّل وأخذ الدروس.
إنّ مختلف السنن السابقة تدلّ على أنّ التدافع سُنّة کلّیّة ترتبط بها سنن أخرى، تکون سببًا له أو نتیجة، والتدافع التعاونیّ أفضل منهج وأسلم طریق لحفظ العقول والأرواح والأبدان والأمکنة، والذی یعطی أفضل الثمار وأینعها، ویجعل الزمان والمکان الذی وقع فیه أنموذجًا فریدًا لباقی الأمکنة والأزمنة والعصور. کما إنّ تحقیق الفهم بالسّنن المرتبطة به ومعرفة تفاعلاتها وتنزیل العمل بها على الوجه الحسن لیس بالأمر الهیّن؛ بل یحتاج إلى وعی وفهم وتربیة وحسن تنزیل. یصدق ذلک فی التدافع الأکبر بین أمّة الإسلام وغیرها من الأمم؛ کما یصدق فی التدافع الأصغر داخل بنیة المجتمع المسلم بین مختلف مکوّناته وتیاراته؛ السیاسیّة والفکریّة والدینیّة والثقافیّة.
خاتمة:
إنّ المؤشّرات الحقیقیة التی یزخر بها الوحی، فی ما یتعلّق بالنظر المستقبلیّ، هی الدافع الرئیس لمقاربة هذا الموضوع من زاویة شرعیّة وواقعیّة وکونیّة ونفسیّة واجتماعیّة وتاریخیّة وحضاریّة. والمقصد الأساس هو أنْ یستفید کلّ جیل من تجربة الجیل السابق، وأن یبنی علیها للتأثیر والتغییر نحو الأفضل، ولا شکّ فی أنّ الأجیال المعاصرة قد وقفت على تراکمات کثیرة وتجارب حضاریّة عدیدة؛ أبرزها ما أثبته الوحی من قصص السابقین للاعتبار؛ ومنها: التجارب المدوّنة فی کتب التاریخ والسیر، فضلًا عن الثورة العلمیّة والتقنیّة والتکنولوجیّة والرقمیّة التی فتحت آفاقًا رحبة فی مجال الکون والحیاة.
إنّ "إمکانات" الأمّة الوفیرة؛ المعنویّة والمادّیّة، وواقع الأزمة المعاصرة یفرض الوقوف على أسباب وقوع هذه المفارقة واستمرارها؛ حیث إنّ الأصل فی الإمکانات أن تبرز تلقائیًّا على هیئة بناء متکامل قادر على التأثیر والتغییر، أو ردّ فعلٍ قویّ اتّجاه سیلٍ من التحدّیات والأزمات المعرقلة للنهوض الحضاریّ للأمّة؛ بغیة تجاوزها.
فتاریخ الأمّة الإسلامیّة هو تاریخ الإمکانات والممکنات[68]، تاریخ التحدّیات والمنجزات، ومستویات تفعیل القدرات والموارد والطاقات؛ بحکم توافرها على ما لم یتوافر لغیرها من الأمم (مساحة جغرافیّة ممتدّة ومتنوّعة، ثروات نفیسة، إمکانات مادّیّة وبشریّة، وتعدّد عرقیّ ولغویّ...)، فضلًا عن الإمکانات الروحیّة والمعنویّة التی تعتبر بحقّ مفخرة هذه الأمّة ومصدر عزّها وقوّتها، ونقصد بذلک دین الإسلام بعقیدته السمحة، وبقیمه الأخلاقیّة والإنسانیّة، وبمنظومته الفکریّة والتشریعیّة والحضاریّة... وهی القیم التی أمدّته بإمکانات هائلة استطاع من خلالها مواجهة مختلف التحدّیات التی هدّدت کیانه وزلزلت وجوده؛ من مثل: هجمات التتار والمغول والحروب الصلیبیّة والنزاعات الداخلیّة...
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ التوافر على إمکانات النهوض لا یعنی حتمًا تحقُّق هذا النهوض؛ وإنّما لا بدّ من منهجیّة معیّنة وشروط خاصّة لتحقیق فاعلیّة هذه الإمکانات، وإلا ستظلّ معطّلة أو سیستفید منها الآخر لتکریس سلطته وهیمنته.
وأهمّ القیود المکبّلة لانطلاق هذه الإمکانات وتفعیلها؛ هی القیود المعرفیّة والمنهجیّة ذات الصناعة التاریخیّة القائمة على الارتجالیّة وتغییب قواعد البحث العلمیّ المهتدیة بسنن الله فی خلقه، التی سیؤدّی الوعی بها إلى تکسیر الأوهام وتجاوزها واکتشاف البوصلة الهادیة لبناء تصوّر سلیم قادر على الوعی بالذات وما تتوافر علیه من إمکانات وقدرات اجتهادیّة وإبداعیّة، وطاقات وموارد روحیّة ومادّیّة، تستدعی یقظة دائمة وبحثًا مستمرًّا عن سبل تفعیلها واستثمارها وفق منهج ینطلق من الواقع ویراعی سننه فی التغییر والإصلاح والنهوض؛ للرقی به نحو الأفضل، ویبتعد عن التنظیر المثالیّ الهلامیّ الملیء بالأحلام والمتمنّیات.
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.
[2] انظر: المسیری، عبد الوهاب: العالم من منظور غربی، لا.ط، لا.م، دار الهلال، 2000م، ص48.
[3] سورة آل عمران، الآیة 137.
[4] الدجانی، أحمد صدقی" "الدراسات المستقبلیّة وخصائص المنهج الإسلامیّ"، فصلیّة المستقبلیّة، تصدر عن المرکز الإسلامیّ للدراسات المستقبلیّة فی بیروت، العدد2، 2001م، ج2، ص28.
[5] سورة النمل، الآیة 65.
[6] سورة الإسراء، الآیة 85.
[7] سورة المؤمنون، الآیة 115.
[8] سورة القیامة، الآیة 36.
[9] سورة البقرة، الآیة 30.
[10] سورة الذاریات، الآیة 56.
[11] نصر، حسین: قلب الإسلام، قیم خالدة من أجل الإنسانیّة، تعریب: داخل الحمدانی، ط1، بیروت، مرکز الحضارة لتنمیة الفکر الإسلامیّ، 2009م، ص23.
[12] النجار، عبد المجید: مقاصد الشریعة بأبعاد جدیدة، ط2، بیروت، دار الغرب الإسلامیّ، 2008م، ص103.
[13] م.ن، ص101.
[14] بعبارة أخرى: سیرورة الحیاة نسق مفتوح على کلّ الاحتمالات؛ لا یدلّ الکفر والفجور والفساد على نتیجة دخول النار مباشرة، وإنّما تبقى إمکانیّات التوبة والعودة والأوبة وتصحیح المسار خیارات واردة.. کما لا تدلّ الطاعة والإیمان والتقوى والصلاح على دخول الجنّة مباشرة، وإنّما تبقى مخاطر التبدیل والتغییر وفساد النیّات احتمالات واردة، فالعبرة بالخواتم، والنماذج من تجارب السابقین کثیرة فی هذا الباب، کما إنّه یخرج من النار من کان فی قلبه مثقال ذرة من إیمان حسب بعض الآثار النبویّة.
[15] انظر: برغوت، عبد العزیز: "قضیّة السنن الإلهیّة فی الفکر الإسلامیّ المبکر بین التأسیس النظریّ والوعی والثقافة السننیّة" ضمن مجلة "إسلامیّة المعرفة"، العدد44، السنة 11، ص59.
[16] القرضاوی، یوسف: العقل والعلم فی القرآن الکریم، القاهرة، مکتبة وهبة، 1416هـ.ق/ 1996م، ص279.
[17] حیدوسی، عمر: "السنن الإلهیّة وتفسیر القرآن الکریم فی العصر الحدیث"، بحث مقدَّم لنیل درجة الدکتوراه فی العلوم الإسلامیّة، جامعة الحاج لخضر باتنة، الجزائر، 2011م/ 2012م، ص192.
[18] سورة الأنبیاء، الآیة 37.
[19] سورة الإسراء، الآیة 11.
[20] سورة الفجر، الآیة 20.
[21] سورة العادیات، الآیة 8.
[22] یرتبط بسنّة "التعارف" ثنائیّة کبرى؛ وهی ثنائیّة المعروف والمنکر؛ باعتبار أنّ التعارف قد یکون على معروف أو على منکر (بمفهومیهما الواسع)، ورکیزة المعروف التفاهم والتوافق والتراضی. ویقترح طه عبد الرحمن جملة من الخطوات لضبط هذه الثنائیّة فی إطار الخطّ التعارفیّ، حین یذهب إلى أنّ "حدّ التخلّق التعارفیّ هو أنّه التخلّق الناتج عن تعاون الأشخاص والأمم على المعروف، لا عن تعاونهم على المنکر؛ وتندرج فی المعروف جمیع المنافع التی من شأنها أن ترتقی بإنسانیّة الإنسان أو على الأقلّ تحفظها؛ فی حین تندرج فی المنکر جمیع المنافع التی من شأنها أن تنحطّ بهذه الإنسانیّة؛ ومتّى اتّخذنا التخلّق التعارفیّ معیارًا؛ صار کلّ مستحدث یحفظ أخلاقیّة تعامل الأشخاص والأمم بعضهم مع بعض - وبالأولى زاد فی هذه الأخلاقیّة- نتاجًا مقبولًا؛ وکلّ مستحدث نقص من هذه الأخلاقیّة، نظرنا فیه؛ فإنْ کان هذا النقص لا یُخرج تعامل الأشخاص والأمم إلى إمکان تعاونهم على المنکر؛ کان المستحدث مقبولًا، وإنْ کان هذا النقص یُخرج إلى مثل هذا التعاون؛ کان هذا المستحدث مردودًا" (عبد الرحمن، طه: الحقّ الإسلامیّ فی الاختلاف الفکریّ، ط2، الدار البیضاء، المرکز الثقافّی العربیّ، 2009م، ص294-295.
[23] سورة الحجرات، الآیة 13.
[24] الأنبیاء، الآیة 35.
[25] سورة العنکبوت، الآیتان 2-3.
[26] بلکا، إلیاس: استشراف المستقبل فی الحدیث النبویّ، تقدیم: عمر عبید حسنة، سلسلة کتاب الأمّة، قطر، مرکز البحوث والدراسات، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامیّة، العدد44، مقدّمة الکتاب، ص12.
[27] انظر: الکفیشی، عامر: حرکة التاریخ فی القرآن الکریم، ط1، بیروت، دار الهادی، 1424هـ.ق/ 2003م، ص227-228.
[28] سورة الأحزاب، الآیة 62.
[29] سورة آل عمران، الآیة 137.
[30] برغوث، الطیب: مدخل إلى سنن الصیرورة الاستخلافیّة على ضوء نظریّة التدافع والتجدید، دمشق، مرکز الرایة للتنمیة الفکریّة، 2006م، ص129.
[31] یمکن أن نمثّل لذلک بالهدف النبیل الذی ینشده کلّ مسلم؛ وهو انتصار الأمّة المسلمة وخروجها من أزمات التخلّف والتراجع التی تعانی منها حالیًا، بل وشهودها على باقی الأمم وحملها لواء الریادة من جدید، وإذا قدّرنا، على سبیل المثال، أنّ تحقیقه فی قرنین أو ثلاثة قرون، فإنّ الجیل الذی سیشهد هذا الإنجاز وینعم بخیراته النفسیّة والمادّیّة هو جیل لحظة التتویج التی کدّ من أجلها أجیال عدیدة من الآباء والأجداد ومن سبقوهم. وبالتالی؛ فهذا إنجاز حضاریّ جاء تتویجًا لتراکمات أجیال متعاقبة کلّ جیل ساهم بمقدار معیّن وأرسى لبنة من لبناته.
[32] من تقدیم لعمر عبید حسنة لکتاب "استشراف المستقبل فی الحدیث النبوی"، م.س، ص16.
[33] سورة الحشر، الآیة 2.
[34] أبو سلیمان، عبد الحمید: أزمة العقل المسلم، ط2، فیرجینیا، المعهد العالمی للفکر الإسلامی ، 1430هـ.ق/ 2009م، ص236.
[35] انظر: توفیق، محمد عزّ الدین: التأصیل الإسلامیّ للدراسات النفسیّة، ط2، دار السلام، 1418هـ.ق/ 2002م، ص75.
[36] سورة الفتح، الآیة 23.
[37] الکفیشی، "مقوّمات النهوض الإسلامیّ بین الأصالة والتجدید"، م.س، ص217.
[38] سورة النحل، الآیة 97.
[39] انظر: برغوت، عبد العزیز: "ملاحظات حول دراسة السنن الإلهیّة فی ضوء المقاربة الحضاریّة"، مجلة إسلامیّة المعرفة، السنة13، العدد49، صیف 1428هـ.ق/ 2007م، ص17.
[40] انظر: محفوظ، محمد: أوّلیّات فی فقه السنن فی القرآن الکریم، ط1، مرکز الرایة للتنمیة الفکریّة، 1426هـ.ق/ 2006م، ص11.
[41] الکفیشی، مقوّمات النهوض الإسلامیّ بین الأصالة والتجدید، م.س، ص215.
[42] سورة سبأ، الآیة 8.
[43] سعید، جودت: الإنسان کلاّ وعدلًا، ط1، بیروت، دار الفکر المعاصر، 1414هـ.ق/ 1993م، ص44.
[44] سورة إبراهیم، الآیة 18.
[45] سورة الفرقان، الآیة 23.
[46] عبد النور بزا: ط1، مصالح الإنسان، مقاربة مقاصدیّة، المعهد العالمی للفکر الإسلامیّ، 1429هـ.ق/ 2008م، ص374.
[47] الکفیشی، حرکة التاریخ فی القرآن الکریم، م.س، ص249.
[48] انظر: م.ن، ص252.
[49] سورة الإسراء، الآیة 15.
[50] سورة الرعد، الآیة 11.
[51] القرضاوی، یوسف: فقه الوسطیّة الإسلامیّة والتجدید "معالم ومنارات"، ط1، القاهرة، دار الشروق، 2011م، ص38-39.
[52] سورة البقرة، الآیة 251.
[53] سورة الحج، الآیة 40.
[54] أبو الفتح، معاذ بن محمد عبد الله بیانونی: "سنّة التدافع من منظور إسلامیّ"، ضمن "مجلة الإسلام فی آسیا" المجلد8، العدد1، یونیو 2011م، ص135.
[55] سورة الشورى، الآیة 24.
[56] سورة الأنبیاء، الآیة 18.
[57] سورة الإسراء، الآیة 81.
[58] القدیری، أحمد: الإسلام وصراع الحضارات، تقدیم: عمر عبید حسنة، سلسلة کتاب الأمّة، قطر، مرکز البحوث والدراسات، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامیّة، العدد44، المقدّمة، ص11.
[59] نذکر هنا نماذج من الصراع الطائفیّ فی عدّة بلدان إسلامیّة أزهقت بسببه مئات الأرواح وشرّدت آلاف الأسر؛ نظرًا لتعنّت الطوائف المتصارعة، وإقصاء بعضها بعضًا، ورفضها الجلوس للتحاور والتوافق.
[60] عمارة، محمد: الحضارات العالمیّة تدافع أم صراع، ط1، مصر، مکتبة نهضة، سلسلة التنویر الإسلامیّ، العدد24، 1998م، ص18-19.
[61] سورة آل عمران، الآیة 140.
[62] أصبحت المشکلات التی أفرزها التقدّم المادّیّ قضایا شبه عالمیّة، یئنّ تحت وطأتها مجموع سکّان المعمورة؛ وأهمّها: تناقص المساحات الخضراء، التلوّث الهوائیّ والمائیّ والأرضیّ والباطنیّ، التزاید الحراریّ، ثقوب الأوزون، انتشار الأسلحة النوویّة، الحروب والصراعات المستمرّة، الفشل الذریع فی التخلّص من النفایات النوویّة وغیر النوویّة، استنزاف الثروات الطبیعیّة، والتسرّبات النفطیّة فی البحار والمحیطات؛ فضلًا عن "تآکل الأسرة، تراجع التواصل بین الناس، زیادة الأمراض النفسیّة فی المجتمعات الحدیثة، تزاید الإحساس بالاغتراب وبالوحدة والغربة، ظهور الإنسان ذی البعد الواحد (العقلانیّ)، هیمنة النماذج الکمّیّة والبیروقراطیّة على الإنسان، تزاید العنف والجریمة، انتشار الإباحیّة، تعدّد السلع التافهة، تضخّم قطاع اللذّة، ازدیاد قدرة الإعلام وغزوه حیاة الإنسان الخاصّة، ودوره الضخم فی صیاغة صورة الإنسان وطموحاته وأحلامه، تزاید الإنفاق على التسلّح، تهدید إنسانیّة الإنسان، وتأکید الفردانیّة المفرطة التی تبتر الإنسان عن أبعاده الإنسانیة" (المسیری، عبد الوهاب: العلمانیّة والحداثة، تحریر: سوزان حرفی، ط1، دمشق، دار الفکر، 1430هـ.ق/ 2009م، ص232). وکلّها أشکال مرضیّة خطیرة تستدعی معالجة عاجلة، ظهر هذا کلّه بعد مئة أو مئتی عام فقط من الإنتاج الصناعیّ؛ الأمر الذی یدعو إلى القلق بخصوص الظروف التی ستواجهها الأجیال المقبلة؛ إذا استمرّ الوضع على الوتیرة نفسها والتوجّهات نفسها.
[63] سورة الرعد، الآیة 11.
[64] سورة النحل، الآیة 71.
[65] سورة آل عمران، الآیة 110.
[66] سورة الرحمن، الآیتان 26-27.
[67] سورة الأعراف، الآیة 34.
[68] بین مفهومی "الإمکانات" و"الممکنات" نوعٌ من العلاقة التضمّنیة، إذ یمکن أن تکون الإمکانات متعدّدة، ولا یمکن تفعیلها کلّها؛ نظرًا إلى غیاب عدد من الشروط والأسباب المساعدة... فهنا نتحدّث عن الممکن تحقیقه؛ أی مجموع العناصر الممکن تحقّقها فی مرحلة معیّنة حین تتوافر الشروط والأسباب لتحقیقها. وبعبارةٍ أخرى، قد یتمّ تفعیل مختلف الإمکانات المتوافر علیها، وقد یتمّ الاقتصار على تفعیل بعضها دون الآخر؛ وهنا نتحدّث عن إمکانات جزئیّة أو الممکنات المتاحة.