نوع المستند : المقالة الأصلية
المؤلف
جامعة
المستخلص
نقاط رئيسية
أولًا: نحو استشراف معنویّ تکاملیّ:
1. فشل الحلول المستوردة
2. التکامل المعنویّ أساس الاستشراف
ثانیًا: محوریّة أهل البیت (علیهم السلام) فی الاستشراف
1. الإمامة الشرعیّة أساس الاستشراف الروحیّ
2. الاستشراف وحتمیّة الإمامة الشرعیّة
3. الاستشراف عبر التنصیص على الإمامة الشرعیّة
ثالثًا: فلسفة الانتظار والبعد الاستشرافیّ
1. المهدویّة واستشراف المستقبل
2. الانتظار وحتمیّة الفرج
3. الاستشراف وإیجابیّة الانتظار
الكلمات الرئيسية
الإمامة الشّرعیّة والبعد الاستشرافیّ -نحو ملامح استشرافیّة فی مدرسة أهل البیت (عله)-
الدکتور عبد الفضیل الدراوی[1]
خلاصة:
تروم هذه الدراسة الکشفَ عن الأبعاد الاستشرافیّة البانیة فی المنظومة الفکریّة العقدیّة فی مدرسة أهل البیت (عله)؛ بوصفها تتضمّن جملة من المبادئ والمرتکزات التی یمکن استثمارها لتشکیل رؤیة استشرافیّة لمستقبل البشریّة جمعاء. هذه الرؤیة أساسها الإمامة الشرعیّة؛ بما هی خطّة وَحْیانیّة تمثّل الأساس العامّ والمرتکز الأوّل والرکن الرکین لکلّ تخطیط مستقبلیّ، وتتمیّز عن غیرها من العملیّات الاستشرافیّة؛ بارتکازها إلى العقیدة؛ بوصفها أسّ کلّ حرکة ومنطلقها، وبکونها تتغیّا إیجاد البیئة المعنویّة الصالحة التی یتکامل فیها الفرد الممکن التعویل علیه لبناء المجتمع والأمّة الصالحة.
وتحوز فکرة الإمامة أبعادها الاستشرافیّة من جانب حسمها مسألة الولایة فی الحیاة العامّة والخاصّة؛ بجعلها ذات مرجعیّة عقدیّة، بحیث فصّل فیها الوحی بشکل توقیفیّ، وحدّد الأئمّة الشرعیّین وعیّنهم ووصّى لهم وبهم، وجعلهم أساس التعبّد وعنوان التسلیم والانقیاد للمعبود، وبیّن مدى قداستهم، وحتمیّة الامتثال لهم؛ قاطعًا بذلک الطریق على کلّ محاولات العبث والاستغلال البشریّة، تنبّؤًا بمخاطر ذلک على البشریّة، التی عانت وما زالت تعانی الویلات بتفریطها فی هذه المسألة!
کما تمتاز المنظومة الفکریّة العقدیة الإمامیّة بمحوریّة فلسفة الانتظار، وما یتضمّنه ذلک من طاقة ترشیدیّة توجیهیّة إیجابیّة، من خلال ربط المسیرة البشریّة -والوجودیّة عمومًا- بانتظار الفرج الموعود، عبر تأصیل الاعتقاد بقرب ظهور الإمام المصلح والمنقذ، وبضرورة التوطئة والاستعداد الفردیّ والجماعیّ الآنیّ والمخلّص؛ لملاقاة الموعود والانخراط فی صفّه، لتحقیق الهدفیّة من الوجود، والسیر به نحو الکمال المطلوب.
مصطلحات مفتاحیّة:
الإمامة، الوحی، الاستشراف، الوجود، المستقبل، الإنسان، البشریّة، التکامل، الانتظار، الظهور، القیادة، ...
مقدّمة:
تتوخّى هذه المقالة الدفاع عن فرضیّة أساس ثنائیّة الأقطاب؛ یقوم قطبها الأوّل على القول بحتمیة الاستناد إلى فکر أئمّة أهل البیت (عله) فی أیّ حرکة أو عملیّة استشرافیّة تعلن عن نفسها؛ بوصفها إسلامیّة المنطلقات والأهداف، وتحاول البحث فی سبل تکوین رؤیة مستقبلیّة تتغیّا إیجاد مخرجات للأزمات متعدّدة الأوجه التی تکابدها المجتمعات المعاصرة، وتغرق البشریّة فی لجج بحرها المخیف، وتصارع أمواجها العاتیة، وتطمح نحو تحقیق حالة إصلاحیّة آنیّة ومستقبلیّة یُرجى معها الوصول إلى نهضة حقیقیّة وشاملة تکون قادرة على أن تُخرِج المجتمعات الإنسانیّة من شرنقة التخلّف والضیاع، وتنتشلها من حال التبعیّة والاستعباد التی تعیش فیها جلّها. وبخاصّة أنّ النظام الإسلامیّ -بما هو نظام ربّانیّ وشریعة خالدة ورسالة خاتمة ومهیمنة على غیرها- ما کان لیتنکّر لحاجات الإنسان ولمطالبه الخاصّة والعامّة؛ بل إنّه جعل الإنسان فی صلب اهتماماته، وجعل تطوّره ورقیّه غایته ووسیلته. وهو قد وضع لذلک مبادئ ومنطلقات کبرى فی شکل مخطّطات واعیة تضمن صلاح شأن هذا الإنسان فی المجتمع ما دام حیًّا یتحرّک؛ سواء بوصفه فردًا ذا استقلالیّة مفترضة وهویّة مفردة قائمة بذاتها، أم بما هو مجتمع متکامل مرکّب من أفراد وجماعات، وحتّى من حیث کونه أمّة مکوّنة من مجتمعات ودول.
وقد تجلّت هذه العنایة الإلهیّة فی اختیاره -تعالى- النبی (ص) وأهل بیته المعصومین (عله)؛ وذلک بالنظر إلى فکر أهل البیت (عله)، الذی یمتلک من المقوّمات الذاتیّة والموضوعیّة ما یجعله منطلقًا لنهوض الأمّة الإسلامیّة، ومعیارًا لتنقیة صورة الإسلام من مظاهر الانحراف والتبدیل التی تنشط کلّ قوى الشرّ جاهدة من أجل أن تلحقها به، وبالنظر إلى المرکزیّة القیادیّة المعطاة للأئمّة من أهل البیت (عله) فی مسیرة المجتمعات البشریّة فی الحیاة الدنیا، وإلى حجم التوصیات الغیبیّة والتوجیهات النصّیّة الصادرة عن الوحی قطعیّ الثبوت؛ قرآنًا وسنّةً معصومة.
وأمّا القطب الثانی من الفرضیّة، فیرى -تبعًا لذلک وارتباطًا به وتتمّة له- أنْ لا نتائج مطَمْئِنة، ولا احتمال ممکن لنجاح أیّ خطّة أو استراتیجیّة استشرافیّة ما لم تتأسّس على مشروع أخلاقیّ روحانیّ تکاملیّ یراعی فی الإنسان جانبه الروحیّ ویتغیّا تنمیة الجانب المعنویّ فی الإنسان، والاعتراف به کائنًا وجودیًّا خاصًّا، وفق ضوابط وقوانین أساسها الأخلاق والالتزام والتناغم مع الفلسفة العامّة التی یسعى إلى إقامتها.
إنّ الشأن المستقبلیّ فی المنظومة الإسلامیّة لا ینفصل عن الشأن الأخلاقیّ؛ بقدر ما یتأسّس على معطیاته ویتَقَوّم بتوجیهات وضوابط تخلیقیّة تجعل کلّ حرکة أو عمل مادّیّ وکلّ شکل من أشکال الضرب فی الأرض مآله الإیمان وغایاته تحقیق التکامل المعنویّ. وعلیه، فکلّ نظام أو تخطیط استشرافیّ لا یأخذ بعین الاعتبار الشأن الأخلاقیّ یکون مآله حتمًا الفشل الذریع، ولا یمکنه بأیّ حال أن یجنیَ نتائج ذاتَ بال.
أولًا: نحو استشراف معنویّ تکاملیّ:
1. فشل الحلول المستوردة:
إنّ الوعی العالمیّ فی کلّ وقت وحین -وبشکل ملحّ فی هذا الزمن المعاصر- مدعوّ إلى رؤیة استشرافیّة تتجاوز مجرّد الوقوف عند حدود الهویّة المادّیّة الجسمانیّة المحضة والمحدودة للإنسان، وتتخطّاها إلى هویّة أکثر تعقیدًا وأبعد عمقًا وترکیبًا، تکون الروح فیها محورًا وأساسًا، فی ظلّ واقع عالمیّ وحضاریّ معقّد ومتداخل الجوانب والمصالح والأهداف، وفی ظلّ تنافسیّة عالمیّة وأممیّة حادّة غدت تستوجب أن یمتلک الإنسان -فردًا وأسرةً ومؤسّسةً ودولةً- رؤیةً مستقبلیّةً واضحة ودقیقة، تمکّن من رسم مخطّطات واستراتیجیّات واضحة المعالم ومعلومة النتائج فی سبیل بناء المجتمع وتکوین الأفراد الصالحین، الذین یمکن التعویل علیهم فی صنع مستقبل الأمّة وبناء حضارة إنسانیّة بالشکل المطلوب. وبخاصّة إذا تأمّلنا الواقع الإنسانیّ العالمیّ فی هذا الزمن المعاصر، الذی یُکثر ادّعاءاته وإعلاناته عن وضع الخطط العلمیّة والتقنیّة المحسوبة والدقیقة، وعن صرفه میزانیّات کبرى لتأمین الحیاة الکریمة للإنسانیّة، ولکنّه -حقیقة- لا یزداد إلا تعمیقًا لما یعرفه الجمیع ویلحظه من سیادة لمنطق القوّة والبطش، ومحاصرة البشریّة وغزو الحیاة بمظاهر المادّیّة والعبثیّة وعبادة الذات والتنکّر لجمیع القیم والمبادئ، حتّى إنّ البشریّة تنکّرت فیه للأجیال القادمة، وانساقت مع منطق عبادة الذات والبحث عن الرفاهیّة المادّیّة الشخصیّة، وهیمنة الأجواء المنحرفة الموغلة فی الملذّات والانسیاق مع حیاة الترف، التی أضحت بمنزلة سیاسة عامّة مخطّطٍ لها من لدن قوى الاستکبار العالمیّ وشیاطین المادّیّة المتوحّشة، فجعلت المناخ العامّ مناخ فراغٍ روحیّ ولهوٍ وعبثٍ وغفلةٍ وتردٍّ واختلاط ومیوعة شاملة فی العلاقات والفکر والثقافة والأخلاق، فانساق السواد الأعظم من البشریّة -بمن فیهم کثیر من العلماء والمثقّفین والمنظّرین الاجتماعیّین والسیاسیّین والأکادیمیّین مع الملذّات والمغریات- وبدا التیّار السیاسیّ الاجتماعیّ یجرف الجمیع فی هبوطه وانحداره المهلکِ، حتّى انشغل الجمیع بالمنحطّ والتافه من الأمور، وأقاموا على الذمیم من الفعال، لیتهدّد کیان الأمم فی وجودها، وتمسّ المجتمعات والدول فی صول المعلومة والتفنّن الإعلامیّ الإشهاریّ فی توصیلها وقدرته على غرسها فی الجماهیر، من دون مراعاة لفطرته ولا اعتبار لقیمة الآخر أو الإحساس به أو مراعاة لحاجاته. لذلک تولّدت أزمات لا حدود لها ولا حصر؛ "أزمة مناخیّة وبیئیّة، أزمات مالیّة، اقتصادیّة واجتماعیّة، أزمة فقر مزمنة، أزمة فلاحة، أزمة طاقویّة"[2]؛ ما أصبح یشکّل تهدیدًا کبیرًا وحقیقیًّا للإنسان نفسه، ویجعل السلام والأمن الخاصّ والعامّ فی مهبّ الریح.
هذا الواقع السوداویّ المخیف أضحى یفرض بإلحاح -قد یکون غیر مسبوق- ضرورة البحث عن بدیل آخر، واقتراح مشاریع مستقبلیّة، قریبة ومتوسّطة وبعیدة المدى، تعترف للإنسان بإنسانیّته، وتعید إلیه توازنه المفقود، وتُرجع إلیه حقوقَه الطبیعیّة والفطریّة التی سرقت منه بشکل مدروس ودقیق.
وتزداد حاجة المجتمعات المعاصرة إلى ضرورة تلمّس حلول أخرى ومقاربات جدیدة للمسألة الاستشرافیّة فی عالمنا الراهن، بعد أن أثبتت جمیع الحلول المستوردة فشلها، وأبانت جمیع المدارس والمذاهب الفکریّة الإصلاحیّة الحدیثة، التی لم تتّخذ من الإسلام الأصیل مرجعًا لها، عن عجزها فی تخلیص هذه المجتمعات من أزماتها المتجذّرة؛ سواء أکانت هذه الحلول آتیة من الشرق الاشتراکیّ الشیوعیّ، أم کانت مُستَقدَمة من الغرب الرأسمالیّ العلمانیّ.
لقد بقیت المجتمعات الحدیثة إلى وقت قریب تتوهّم تحقیق الرّفاه المادّیّ، وتنشد تحصیل السعادة الإنسانیّة، من خلال تصدیقها نداءات جیل من المفکّرین وزاعمی الإصلاح، من الذین ادّعوا العلمیّة والتخصّصیة، ومضوا فی التأصیل لسبل تأمین الحاجات المادّیّة للإنسان، واکتفوا بالمعالجة الجزئیّة لمطالب الفرد؛ مع غضّ النظر عن ارتباطها الوثیق بالجوانب الأخرى. لقد کان مبدأ تحریر الإنسان -ومعه تحریر السوق أو الاقتصاد- أحد أبرز مقوّمات تلکم الدعوات؛ الأمر الذی أفضى إلى وجود هوة سحیقة تفصل بین الطبقات المیسورة التی امتلکت رؤوس الأموال وتجمّعت فی یدها الثروة بجمیع أنواعها، وبین طبقات البسطاء من الناس. هذه الحالة جسّدت عدم تکافؤ وحالة من التفاوت، عبر تراکم مصادر المال ووسائل التمکّن منه، وتمرکزها فی ید مجموعة قلیلة تستفید منه کیفما شاءت، وتوظّفه فی الاستفادة من مزایا الحیاة بکلّ حرّیّة؛ وعلى مرأى من المحرومین. وکان من الطبیعی أن یقود ذلک إلى قلاقل اجتماعیّة، ینعدم فیها الاستقرار، وتهتزّ فیها شبکة العلاقات بین أفراد المجتمع أو بین طبقاته. فهی حالة "تولِّد عقدًا فی النفوس، وتبعث على ملء الصدور بالشحناء والغضب والعداوة؛ حیث تکون مستعدّة للاستجابة لأیّ نغم یعزف على مسامعها، حتى وإنْ کان کاذبًا؛ إذ المهمّ لدى هذه الطبقة المحرومة أن تجد من یتحدّث بحقوقها المهضومة، فتنهض معه على أمل أن تجد البلسم الشافی لجراحها، وما یفتح الطریق لعلاج مشکلاتها"[3].
2. التکامل المعنویّ أساس الاستشراف:
لقد نصّ المیثاق التأسیسیّ للیونیسکو فی دیباجته الأولى على قضیّة قد تُعدّ بسیطة أو بدیهیّة، لکنّها فی حقیقة الأمر تبدو خلاصة فلسفات وسیاسات وتجارب متراکمة، وتستدعی کثیرًا من التأمّل والاعتبار. وممّا جاء فی الدیباجة: "لمّا کانت الحروب تتولّد فی عقول البشر، ففی عقولهم یجب أن تبنى حصون السلام"[4]. وغیر خاف ما فی هذا الإعلان من اعتراف صریح بأهمّیّة الجانب المعنویّ من الإنسان فی أیّ عملیّة استشرافیّة یُراد منها البحث عن المستقبل الآمن للبشریّة. وفی هذا دلیل على ریادة مدرسة أهل البیت (عله) فی مجال الاستشراف المستقبلیّ؛ بالنظر إلى محوریّة القیمة الإنسانیّة فی هذه المنظومة، وبالنظر إلى اعتبار إیجاد الإنسان الحقیقیّ والکامل فیها. لقد عُدّ الإنسان الصالح؛ حقیقة وجوهرًا هو القطب والأساس والرکن الرکین، الذی لا یمکن بناء مجتمع ولا اقتراح برنامج، مهما تکن قیمته العلمیّة، ومهما تکن درجة الدقّة والضبط العلمیّ فیه، ومهما تکن نتائجه محسوبة؛ إلا إذا أُخذ فیه هذا الجانب المشرق من الإنسان بعین الاعتبار؛ بل أُعطی لهذا الجانب الأولویّة والمنطلق.
وذلک ما نجده توصیات الرسول (ص) وأهل بیته وأوصیائه (عله) جمیعًا، فی السنّة الشریفة، وفی بیاناتهم وبلاغاتهم، وفی سلوکیّاتهم العملیّة، وفی مختلف مراحل حیاتهم الشریفة؛ سواء أکانوا حاکمین أم محکومین، وسواء أکان ذلک فی العلن وعلى رؤوس الأشهاد، أم فی خلواتهم، فهم فی ذلک کلّه یضعون غایة بناء الإنسان الصالح فی صلب اهتماماتهم، ویخطّطون لکیفیّة إبقاء الإنسان على إنسانیّته، من خلال بناء روحه وتنمیة معنویاته التی هی "سرّ بقاء الإنسان وخلود الإنسانیّة؛ عندما یواجهان خطر الفناء"[5].
فتکون من الحاجات الملحَّة -والحال هذه- الحاجة إلى خطاب استشرافیّ إصلاحیّ ذی جوهر روحانیّ معنویّ، یبرمج مخطّطاته الاستشرافیّة البعیدة والمتوسّطة والقریبة المدى، ویجعل من أولویّاته ابتغاء تحصیل أنموذج اجتماعیّ یرکّز على تلطیف روح الإنسان، واستعادة العواطف النبیلة المفقودة، ویروم تعهّد الإنسانیّة والارتقاء بها نحو تکاملها المعنویّ، عبر تغذیتها بتفاصیل النبل والقیم الأصیلة؛ بما یضمن صیاغة الروح صیاغة معنویّة، وصیاغة إیمانیّة تحصّن البشریّة من الضیاع فی حیرة مدلهمّات الفتن، وترشدها إلى طریق النجاة وسبیل الفلاحَیْن المادّیّ والمعنویّ، لتسیر على صراط الله المستقیم الذی ارتضاه الخالق لمخلوقیه، ودلّهم علیه بلطفه ورحمته بالفطرة الصافیة والعقل السلیم، وأرسل من یظهر حقیقته ویحفظ منهجه، حتى تؤمن البشریّة بالمحبّة وباللطف والرقّة، وتتخلّى عن الأنانیّة المفرطة، ویکون الإنسان فیها ملتفتًا إلى إنسانیّته، لا متخلّیًا عنها وهاربًا منها، إنْ لم نقل محاربًا إیّاها.
هذا بخاصة أنّنا نعیش فی عصر -سواء أَأَحْبَبنا ذلک أم کرهنا- اخشوشن فیه کلّ شیء، وبسطت فیه المادّیّة القاسیة (المتوحّشة) سلطانها على الناس وعلى الحضارة والعلم والصناعة، بل على الفکر والفلسفة والأخلاق والفنون والآداب، وأصبح الإنسان یساق سوقًا نحو عبادة الذات والخضوع لوحشیّة أخیه الإنسان ولصور النفعیّة الضیّقة، وغدَت فئات عریضة من الناس ترزأ تحت وطأة قیم النفاق والظلم والفجائع والحروب وخمود العاطفة. ومن ثمّة لا یمکن نشدان إصلاح هذا الإنسان وتکوین شخصیّته والارتقاء به إلى مرتبات الکائن الإیجابیّ والفاعل؛ ما لم تعطَ لروحه التی بین جنبیه مرکزیّتها، وما لم تنلْ درجة السبق فی الاهتمام والعنایة، وبخاصّة إذا أدرکنا أنّ "حقیقة الإنسان تکمن فی بعده المعنویّ ولیس المادّیّ، وإنسانیّة الإنسان تتحقّق بروحه ووجدانه الأخلاقیّ وعقله"[6].
إنّ فلسفة الاستشراف فی المنظومة الإسلامیّة من منظور مدرسة أئمّة أهل البیت (عله)، حینما تتأسّس على بنیان التکامل الروحیّ، وتقترح أو توجب أولویّة تربیة الأنفس وبنائها التکاملیّ فی أیّ نهضة أو منظور إصلاحیّ؛ فهی إنّما تستهدف جوهر البناء الحضاریّ لأیّ أمّة من الأمم؛ لأنّها بذلک تؤسّس لإیجاد الکیان الذی تحفظ فیه همّة الفرد، ویمتلک فیه کلّ إنسان المروءة والصدق والشجاعة والامتناع عن الانقیاد والتبعیّة، ویترفّع أو یزهد فی مظاهر الدنیا الماتعة الزائفة، ویتسابق نحو الارتقاء فی مدارج العلم والمعرفة، وحسن التأدّب وکمال التعقّل، ویقتنع بالسعی نحو محبّة الآخرین والأخذ بأیدیهم نحو الخیر حیث کان؛ بما یضمن بناء مجتمع توحیدیّ سلیم، ویضمن وجود صیغٍ بشریّة عنوانها الصلاح والهدفیّة والأنموذجیّة وابتغاء الحقّ؛ کما أرشد إلى ذلک الأئمّة (عله): "لاَ یُؤْنِسَنَّکَ إِلّا الحَقُّ وَلا یُوحِشَنَّکَ إِلّا البَاطِلُ"[7]، "وخض الغمرات للحقّ حیث کان"[8].
ثانیًا: محوریّة أهل البیت (عله) فی الاستشراف:
1. الإمامة الشرعیّة أساس الاستشراف الروحیّ:
بناءً على ما تقدّم، لا یمکن ابتغاء تحصیل کمال هذه الروح ولا إصلاح هذه الجوانب المعنویّة والوجدانیّة والعقلیّة فی الإنسان من دون الاستناد إلى منظور الأئمّة الشرعیّین (عله) من آل الرسول (ص)، ومن دون التمسّک بنهجهم القویم فی الإصلاح والاستنهاض، وبطرقهم فی الترشید؛ بوصفهم عنوان الطهارة والصفاء المعنویّ؛ استنادًا إلى تصریحات القرآن الکریم وإرشاداته النیّرة والمضیئة طریق العقول والقلوب: {إِنَّما یُریدُ اللهُ لِیذْهِبَ عَنْکُم الرِّجْسَ أَهْلَ البَیْتِ وَیُطَهِّرَکُم تَطْهِیرًا}[9]. ففی هذا البیان القرآنیّ الخالد تحدّد للإنسان الآفاق الممتدّة فی الزمان والمکان، کی یتوجّه نحو هذه الفئة من المخصوصین بالطهارة والطهر المطلق؛ توجیهًا للأفئدة والعقول؛ کی تبتغی الصلاح منهم، وتنتهج سبیلهم المؤدّی وحده دون سواه إلى الصلاح والکمال. فالکمال الحقیقیّ للبشریّة متوقّف على حسن الامتثال والتبعیّة لتجلّیات الطهر الخالص ومصادیق الکمال الحقیقیّ، فهم القادة والزعماء والمصلحون المربّون المکلّفون بمسؤولیّة "القیادة العامّة للأمّة فی شؤون دنیاها وما یرتبط بذلک من تنظیم للحیاة الاجتماعیّة والسیاسیّة، وکذلک فی شؤون التعلیم والإرشاد والتوجیه المعنویّ والروحیّ وحلّ المشاکل الفکریّة"[10].
لقد أدرک الأئمّة من أهل البیت (عله) أن المجتمع البشریّ لا یمکنه أن یکون مجتمعًا فاعلًا وإیجابیًّا، ولا یمکن أن یُوسَم بالمجتمع الإنسانیّ، حقیقةً ولا اعتبارًا، ما لم یکن الأفراد الذین یُؤَلِّفونه متّصفین بالقدر الکافی من الفاعلیّة التی تؤهّلهم للمبادرة والمشارکة المثمرة فی بناء الحضارة الإنسانیّة، وتشیید المجتمع القائم على أرکانٍ وأسسٍ للعیش الإنسانیّ الکریم، الذی لا یتنکر فیه الإنسان لإنسانیّته.
هذا، وقد امتثل الأئمّة (عله) للرؤیة التخلیقیّة الترشیدیّة التی تحکّمت فی أنظار الأنبیاء والرسل (عله) إلى الإنسان؛ إذ "الشیء الذی یریده الأنبیاء (عله) هو الإنسان، ولا یوجد شیء آخر، فکلّ شیء ینبغی أن یتحوّل إلى صورة إنسان. فإذا تمّت صناعة الإنسان یصلح کلّ شیء"[11]؛ لذا، کان العنصر الأخلاقیّ عندهم أساس إنسانیّة هذا الإنسان، فإذا لم تکن الغایات التخلیقیّة من أولویّات الحرکة التغییریّة فی أیّ مجتمع مستنهَض؛ فإنّ الفشل یکون حتمًا حلیف هذه الحرکة.
وغیر خاف أنّ روّاد الحرکة الإصلاحیّة وزعماء الثورة فی الزمن المعاصر یشیرون إلى أنّ الخطر الأکبر المهدِّد للشعوب المستضعفة من قوى الاستکبار العالمیّ، هو "سلب الاعتقاد بالدین وبالأصول الثوریّة وبالفکر الفعّال... بهدف القضاء على جذور الثقافة والتراث الفکریّ والقومیّ للشعوب"[12]. فالخوف الحقیقیّ لقوى الاستکبار هو "من الإیمان العمیق عند الشعوب الغیورة والمعتقدة بالأصول والقیم"[13]. وأهمّ ما تعمل من أجل تحقیقه هذه القوى هو "القضاء على المفاهیم الإسلامیّة فی الأذهان"[14]. لذا؛ فإنّ جوهر العمل الاستثاری فی خطابات الأئمّة من أهل البیت (عله) قد ترکّز مبکّرًا فی محاولة صناعة الإنسان، عبر صیاغة المنظومة القیمیّة الخُلقیة الکفیلة بتکوین الإنسان القادر والفاعل فی محیطیه الخاصّ والعامّ.
أ. نحو استشراف مجتمع موَحَّد بالتوحید:
فی هذا الفضاء المعنویّ الصافیّ، یمکن أن نراهن على الإنسان الذی تنبعث فی أعماقه وفی وجدانه أحاسیس المسؤولیّة الکبیرة تجاه المجتمع البشریّ. فلا یقبل بمجتمع بشریّ یتکوّن من بنی جنسه وهو یراهم لا یسلکون سبیل التوحید؛ بما تعنیه العبارة من "رؤیة جمیع الأشیاء فی فلک واحد ٍحول محورٍ واحدٍ.. التوحید الذی یعنی الانقیاد التّام والخضوع المطلق للرّب الواحد الذی یدبّر جمیع عوالم الوجود"[15].
فبالتوحید یرى الإنسان الوجود بعین البصیرة، ویمتلک وعیًا ذاتیًّا وضمیرًا حیًّا یدرک به حقیقة الصراط المستقیم الواجب انتهاجه، ویرى الأشیاء کلّها محکومة وخاضعة لسلطة الله الإله الواحد الأحد، وکلّ شیء مظهر لوجوده وجلاله، وکلّ شیء بیده، وکلّ شیء یسبّح بحمده، ولا کمال له ولا جمال ولا قدرة إلا من الله وبالله وإلى الله.
هذا الفضاء التوحیدیّ الذی یسیر وفق صراط الله المستقیم، إنّما نخطّط لإیجاده لیتحرّک فیه الجمیع نحو هدف أسمى؛ عنوانه العریض وشعاره الوحید هو السعی نحو إیجاد مجتمع "یستطیع الإنسان فیه أن یطوی مسیرته التکاملیّة فی جمیع الأبعاد، وأن تتفجّر فیه الطاقات الخیّرة والقوى الکامنة الإنسانیّة، ومن ثمّة صیانة هذا المجتمع ونظامه"[16]. فی هذه الحال، یمکن الاطمئنان إلى بناء حضارة إنسانیّة حقیقیّة، ویمکن أن نطمع فی إیجاد مجتمع سلیم تسوده المحبّة والتآلف والتسالم بین جمیع أفراده، بعیدًا عن أجواء الحراب والبغضاء التی تتملّک القلوب جرّاء الهوس المادّیّ والفکر الجافّ البعید عن أصول الروحانیّة والخالی من الإیمان والتسلیم لخالق الخلق ومُوجِد البشریّة. ذلک الاحتراب الذی سبَّبه عدم التحرّج من اقتراف المعاصی والآثام، والاستسلام لعبادة الهوى والذات البشریّة، وما ینشأ عن ذلک من صور التفاخر والتحاسد والتباغض بین أبناء المجتمع الواحد.
وعلى العکس من ذلک، حین نُوجِد للإنسان البیئة السلیمة التی یسلِّم فیها الجمیع للواحد الأحد، ویصبح مقتنعًا فی وعیه وضمیره وقرارة نفسه بحقیقة کونه لا یرى مهیمنًا ولا سلطانًا حقیقیًّا بالاتّباع والانقیاد غیر سلطان ذی الملک والملکوت وسلطان جبّار السماوات والأرض؛ عندها، لا یمکن أن یقبل بمجتمع بشریّ لا یسلک سبیل التوحید؛ لأنّه یعنی عنده الانقیاد التامّ والخضوع المطلق للربّ الواحد الذی یدبّر جمیع العوالم ویهیمن على الوجود کلّه. وهنا، یرى الفرد الموحِّد أنّ الطریق إلى المجتمع التوحیدیّ هو توحید المجتمع، وأنّ من أبرز علامات تحقّق التوحید فی المجتمع ومصادیقه: وحدة المجتمع واتّحاده وتآلف العناصر المکوِّنة له، وتعاونه على الخیر والسلم والمحبّة والمصلحة الغیریّة، وتفضیل الآخر على الذات، وقضاء حاجاته؛ رغبة فی الارتقاء فی مدارج الکمال التوحیدیّ.
وعند ذلک یصبح الفرد یرى قیمته الحقیقیّة فی الانشغال بالواقع وبحاجات الناس وبهمومهم، وفی مشارکتهم نوائب الدهر ومکاره العیش، کما یرى أنّ الغایة الإنسانیّة الکبرى لیست فی تمتیع النفس بما تطلب وترغب فیه، وإنّما فی السعی إلى تجسید قیم الخیر والصلاح فی المجتمع. فالفرد الموحِّد حقیقةً لا یعنى بمطالبه الخاصّة، ولا یرکِّز على شؤونه الذاتیّة وهواجسه وطموحاته الفردیّة، بقدر ما یجعل من نفسه جزءًا من النسیج الاجتماعیّ، یرتبط ارتباطًا وثیقًا بالآخرین، ویعانقهم فی المشترک الإنسانیّ. فغایته أن یبنی مجتمعًا إنسانیًّا مثالیًّا تکون فیه الذات أساسًا ومنطلقًا لجمیع الفضائل والقیم الإیجابیّة المثالیّة المفتَقَدة فی ظلّ سیاسة الانحراف والغفلة التی تفرضها الرهانات المادّیّة المفتَقِدة للأساس الروحیّ فی الحضارة.
ومن هذا المنطلق، تغدو العقیدة والتربیة الأخلاقیة والکمال الروحیّ -الذی هو أساس الاستشراف المستقبلیّ للحضارة الإنسانیّة فی منظور أهل البیت (عله)- من أهمّ دعائم البناء المادّیّ للمجتمعات، ویتحقّق بها البعد التداولیّ العملیّ للعقیدة والإیمان؛ بما هما طاقة داخلیّة خلاقة، تفجِّر فی الفرد ینابیع الخیر والمحبّة والصلاح. وعندما یغدو التوحید أساس الوحدة الاجتماعیّة، تزول کلّ أشکال الاختلافات والنزاعات والصراعات المَرَضیِّة التی تضیع معها الطاقات وتُهدر القدرات وتتبدّد أحلام النهوض والبناء؛ ذلک أنّ "الوحدة الاجتماعیّة الکاملة -التی هی سرّ المدینة الفاضلة- لا تتحقّق إلا بزوال جمیع أسباب الصراع والاختلاف. هذه الصراعات التّی شهدناها ونشهدها فی حیاة البشریّة، وإنْ کانت تتّخذ أشکال النزاع الاقتصادیّ على المصالح والثروات طورًا، وأشکال النزاع السیاسیّ على الأنظمة والحکم وطرق إدارة البلاد طورًا آخر، أو شکل النزاع العقائدیّ بین الدیانات والمذاهب طورًا ثالثًا، إلا أنّ مرجع جمیع هذه الصراعات وأصلها هو هذه الأنانیّة التی تظهر بصور وأشکال مختلفة"[17].
ومن ثمّة تبدو الأهمّیّة والمرکزیّة الحاسمة للرهان الروحیّ العقدیّ فی أیّ عملیّة استشرافیّة. فهو یبدو بمنزلة المحور وقطب الرحى الذی تدور حوله باقی الأشیاء ذات الصلة بحرکة الإنسان فی المجتمع، وحرکة المجتمع فی الکون. فحین ننجح فی إیجاد الفرد الموحِّد حقیقة التوحید، المرتبط بربّه والمنقاد قیادة حقیقیّة لخالقه، لا لغرائزه وشهواته وأنانیّته المفرطة؛ حینئذٍ، یمکننا الحدیث عن إمکانیّة تحقیق نهضة اجتماعیّة وحضاریّة حقیقیّة.
إنّ الرهان یکمن فی تحقیق الوحدة الروحیّة بین أفراد المجتمع البشریّ؛ لأنّها بدایة الطریق، وشرط تحقیق الوحدة الحقیقیّة والکاملة وسبیلها[18].
هذا المطلب الذی وجب أن یکون فی مقدّمة أولویّات الباحثین والمخطّطین والساعین نحو حیاة مستقبلیّة أفضل للبشریّة؛ للبحث فیه عن کیفیّة ربط الإنسان بأصل صلاحه وکماله، الذی هو إصلاح نفسه وتحریر عقله وعقیدته من غیر حقیقة التوحید التی تتیح له الانطلاق الإیجابیّ والفعّال فی المجتمع فی مختلف أبعاده الاقتصادیّة والسیاسیّة والاجتماعیّة... وکلّ ذلک یعنی الاضمحلال والزوال لجمیع أشکال الاختلاف والتنازع التی مصدرها الأنانیّات الخاصّة والذاتیّات الضیّقة، وعبادة الأنا أو "حبّ النفس الذی هو أخطر شراک إبلیس اللعین"[19]. وبعبارة أخرى، فأساس صلاح شأن الناس وشأن المجتمعات والأمم، وأساس بناء الحضارات المرجوِّ لها البقاءُ والدوامُ والاستمراریّةُ والتکاملُ، إنّما ینطلق من مسألة إیجاد ذلک الأنموذج البشریّ الذی یتغلّب على أنانیّته ویتخطّى صنمیّة أناه، فـ"لبّ جمیع التعالیم والأحکام والأوامر الإلهیّة وشرائع الأنبیاء هو هذه الکلمة الواحدة: العبودیّة"[20].
ولا یخفى أنّ هذا الأمر على خطورته وأهمّیّته الحاسمة فی نجاح أیّ مشروع حضاریّ أو فشله، لم تلتفت إلیه برامج الاستنهاض فی العالم، ولم تضعه محور التدارس والاهتمام، ولم تتّخذه أولویّة مصیریّة وأساس النهضة؛ لأنّها تقترح البرامج العلمیّة الدقیقة القائمة على الاستنتاجات والإحصاءات العلمیّة والمؤشّرات المادّیّة الملحوظة والصحیحة ظاهریًّا، لکنّها لا تنتبه ولا تراعی خطورة الجانب المعنویّ وفعّالیّته.
ب. نحو استشراف بأمومة أَئمّة أهل البیت (عله):
غیر خاف على أیّ مهتمّ بالفکر الإسلامیّ وأصول شریعته الغرّاء المکانةُ الخاصّة لأهل البیت (عله) ولفکرهم الأصیل فی المخیلة الإسلامیّ خاصّة، وفی الذاکرة الإنسانیّة عمومًا. لقد اقتضت الحکمة الربّانیّة اصطفاء فئة مخصوصة من أهل البیت (عله)، وتنزیلهم مکانة دینیّة متمیّزة، وأسندت إلیهم وظیفة التبلیغ والإرشاد والقیادة العامّة للبشریّة، وبالمقابل ألزمت الأمّة باتّباعهم وموالاتهم؛ بوصفهم امتدادًا للنبوّة، وتشریعًا ربّانیًّا توقیفیًّا معصومًا، وتکلیفًا غیبیًّا جعلیًّا، لا مجال للاجتهاد فی قبوله أو رفضه. وبالنظر إلى أنّهم یمثّلون وحدهم المرجعیّة الحقیقیّة الصحیحة والتامّة للبشریّة؛ بمدلولاتها الفکریّة والقیادیّة السیاسیّة معًا؛ مثلما تمثّلتا فی شخص الرسول (ص)، وتکمیلًا واستمرارًا لمشروع السماء فی الأرض وبین الناس، وهو ما یفرض وجوبًا -فطرةً وعقلًا وقلبًا- ضرورة تبوُّئِهم المکانة الأولى فی مشاریع الإصلاح المستقبلیّة، وفی جمیع البرامج ذات الطابع الاستشرافیّ للأمم والحضارة.
فالأدلّة الشرعیّة تأخذ بالأعناق إلى الأخذ بمذهب الأئمّة من أهل بیت النبوّة وموضع الرسالة ومختلف الملائکة ومهبط الوحی والتنزیل[21]، والذین لا یجرؤ أحد على القول بتفضیل غیرهم علیهم فی علم أو عمل، فهم سفن نجاة الأمّة، وباب حطّتها، وأمانها من الاختلاف فی الدین، وأعلام هدایتها، وثقل رسول الله، وبقیّته فی أمّته[22]. لذا؛ أجمع المسلمون بمختلف طوائفهم ومللهم على تقدیم أهل البیت؛ لما لهم فی نفسیّة کلّ فرد مسلم ومخیّلته من تعظیم وإجلال.
"لقد بیّن الجاحظ فی إحدى رسائله عناصر هذا السبق فی صیغة تساؤل تقریریّ: "کیف یقاس بقوم منهم رسول الله صلى الله علیه [وآله] وسلم، والأطیبان: علیّ وفاطمة، والسبطان: الحسن والحسین... النجدة والخیر فیهم، والأنصارُ أنصارُهم، والمهاجرُ من هاجر إلیهم ومعهم، والصدیقُ من صدَّقهم، والفاروقُ من فرقَ بینَ الحقِّ والباطل فیهم، والحَوَارِیُّ حواریهم، وذو الشهادتین لأنَّه شَهدَ لهم، ولا خیرَ إلا فیهم ولهم ومنهم ومعهم"[23]؛ لذا، وبمعرفة منازلهم ومنازل طاعتهم ومراتب أعمالهم وأقدار أفعالهم -مضافًا إلى حقّ القرابة التی لهم من رسول الله (ص)- کان لزامًا على الأمّة والبشریّة جمعاء، بل "أدنى ما یجب -حسب الجاحظ- علینا الاحتجاج لهم"[24].
إنّ أهل البیت (عله) کما عرَّفَهم الإمام علی بن أبی طالب (ع): "هُمْ عَیشُ العلمِ ومَوتُ الجهلِ، یُخبرکُم حِلمُهم عن عِلمِهم، وظاهرُهم عن باطِنِهم، وصَمتُهُم عن حِکَمِ مَنطقِهم، لا یخالفون الحقَّ ولا یختلفون فیه، هم دعائمُ الإسلامِ، ووَلائِجُ الاِعتِصام، بهم عادَ الحقُّ إلى نِصابه، وانزاحَ الباطلُ عن مَقامِه، وانقطعَ لسانُه عن مَنْبِتِه، عَقِلُوا الدینَ عقلَوِعایَةٍ ودِرایةٍ لا عَقلَ سماعٍ ورِوایةٍ، فإنَّ رُواةَ العلمِ کثیرٌ ورُعاتَه قلیلٌ"[25]. فهم من طینة متمیّزة؛ لأنّ "مقام أئمّة أهل البیت (عله) هو فرع لمقام النبیّ الأعظم (ص)"[26]. هذه المکانة عنوانها الطّهر والقداسة التی تلیق وحدها بالخلافة عن الله تعالى، والتصدّی لبیان أحکامه، وتطبیق شریعته فی الأرض وبین الناس. وکما قال الراغب الأصفهانی: "لا یصلح لخلافة الله، ولا یکمل لعبادته وعمرة أرضه؛ إلا مَنْ کان طاهر النفس قد أزیل رجسها ونجسها، فللنفس نجاسة؛ کما أنّ للبدن نجاسة، لکنّ نجاسة البدن قد تدرک بالبصر، ونجاسة النفس لا تدرک إلا بالبصیرة... وإنّما لم یصلح لخلافة الله إلا من کان طاهر النفس؛ لأنّ الخلافة هی الاقتداء به تعالى على الطاقة البشریّة، ومن لم یکن طاهر القول والفعل، فکلّ إناء بالذی فیه یرشح"[27].
والأئمّة (عله) أفراد من الأسرة الهاشمیّة، اتّفقت کثیر من مصادر السیرة والحدیث وکتب التاریخ، على أنّهم محدَّدون ومعیَّنون بالوحی (القرآن والسنّة)[28]. أو بعبارة المستشرق أَلْفْرِد بِلْ: هم أولئک "المقرَّرون بقرار إلهیّ... ولهم مکانتهم الدینیّة... من عترة النبیّ"[29]، وهم "الوارثون لمکانته السامیة، وعلومه ومناقبه الروحیّة الخاصّة، وهم جمیعًا من ذرّیّته المباشرة من (ابنته) فاطمة، وهم إذًا، بعد علی بن أبی طالب، حفید الرسول الحسن، وبعده الحسین، وبعده سلسلة الأئمّة العلویّین التسعة"[30].
وهؤلاء هم مَنْ یُعرَفون بالأئمّة الاثنی عشر، حازوا مکانتهم المتمیّزة من جهة ارتباطهم النَّسَبِیّ بالبیت النبویّ، فضلًا عن الارتباط العقدیّ الخاصّ. وهم استنادًا إلى ذلک ذوو مسؤولیّات ترشیدیّة وتخلیقیّة یستکملون من خلالها مسؤولیّات الرسول (ص) ویتابعونه ویستلهمون منه ویقتفون آثاره. فهم مَنْ یضمن "سلامة الهدایة الدینیّة للأمّة الإسلامیّة من الناحیة الروحیّة"[31].
هذا التمیّز یقتضی بداهة أن تکون جمیع خطاباتهم وبیاناتهم وتوجیهاتهم متخَذَةً رکیزة أساسًا فی أیّ عملیّة استشرافیّة؛ لأنّها -عقلًا وشرعًا- لا یمکن سوى أن تکون معنیّةً بقضایا الإنسان، وبإصلاح المجتمعات، وبناء الجماعة البشریة الصالحة فی کلّ زمان ومکان. وهو ما یفضی إلى ضرورة أن توضع کلّ الإنتاجات المأثورة عنهم فی سیاقاتها المرجعیّة التداولیّة؛ بما یتجاوز بها حالة الدلالة السکونیّة اللازمة المقصوصة عن الفعل والتطبیق، وبما یشارف بها سیاقها الإبلاغیّ والمقصدیّ الذی یرتقی بها؛ لیجعل منها خطابًا متعدّیًا، معنیًّا بتحقیق التخلیق والإصلاح الاجتماعیّ والسیاسیّ، ونشر المعرفة السلوکیّة والعملیّة وتثبیتها؛ لتشکیل الشخصیّة الإسلامیّة الربّانیّة الصالحة والمتکاملة.
2. الاستشراف وحتمیّة الإمامة الشرعیّة:
من العناصر الأساسیّة فی الاستشراف المستقبلیّ فی منظومة التفکیر فی مدرسة أهل البیت (عله)، الاهتمام بالتنظیر لمسألة الإمامة، وجعلها مسألة محوریّة وأساس العقیدة والتدیّن. فمضافًا إلى منصب النبوّة والرّسالة ومنصب تعلیم الأحکام وتبیینها، تلحّ المنظومة الفکریّة العقدیّة الشیعیّة على ضرورة وجود منصب آخر موازٍ وملازم لها؛ هو منصب قیادة الأمّة الإسلامیّة والولایة علیها؛ "لکی تقوم المرجعیّة الفکریّة بملء الفراغات التی قد تواجهها ذهنیّة المسلمین، وتقدیم المفهوم المناسب، ووجهة النظر الإسلامیّة فیما یستجدّ من قضایا الفکر والحیاة، وتفسیر ما یَشکُل ویَغْمُض من معطیات الکتاب الکریم، الذی یشکِّل المصدر الأوّل للمرجعیّة الفکریّة فی الإسلام، ولکی تقوم المرجعیّة القیادیّة الاجتماعیّة بمواصلة المسیرة، وقیادة المسیرة الإسلامیّة فی خطّها الاجتماعیّ"[32]، وما یتفرّع عن هذا المنصب من مهام أخرى بدیهیّة؛ کالقضاء، والقیادة العسکریّة، وغیرهما من المهام الدنیویّة ذات الصلة بحیاة الناس فی المجتمع وعلاقاتهم ومطالبهم. بالشکل الذی یضمن تکمیل دور النبیّ (ص) وتطبیق تشریعاته؛ للدفع بالإنسانیّة والکائنات فی هذا الوجود المادّیّ، لتسیر نحو التکامل وتحقیق هدفیّة الخلق الأصیلة المؤسَّسة على تعلیمات صحیحة معصومة سلیمة وخالیة من الخطإ أو العبث أو الخضوع للمصلحة الفردیّة الضیّقة.
هذا الدور هو عینه الغرض الأساس والمبرّر العقلیّ والشرعیّ الموجب لمنصب الإمامة مع النبوّة وبعدها. وهو الذی تناط به جمیع هذه المهام وغیرها. وهو منصب ترى مدرسة أهل البیت أنّه منصب جعلیّ توقیفیّ، حسم فیه الوحی، ولا دخل للاختیار البشریّ فیه؛ مثله مثل منصب النبوّة والرسالة؛ أی إنّه "لا یکون إلا عن طریق العلم الإلهیّ؛ أی الوحی الذی ینزل على الأنبیاء، فإنّ الله الذی خلقنا لکی نسیر فی هذا الطریق، لا بدّ له من أن یتیح لنا مثل هذا العلم وهذه المعرفة"[33].
ومن ثمّة تکون مسألة الإمامة داخلة "ضمن المسائل الاعتقادیّة الأصلیّة فی الدین؛ لأنّها تکون بمنزلة النبوّة، وإنْ اختلفت عنها، وتکون هذه المسألة مرهونة بها النجاة یوم القیامة"[34].
هذا الأمر لا یتحقّق إلا بوجود إمام متمیّز عن غیره من باقی البشر بمعارفه وعلومه التی تمکّنه من المعرفة الدقیقة بأحوال الناس وطبائعهم ونفسیّاتهم وعقولهم وعواطفهم وحاجاتهم ومشکلاتهم الصریحة المعلنة والدفینة المضمرة، یکون على قدر من السداد الذی یجعله مأمونًا من الوقوع فی الخطإ بجمیع أنواعه؛ لِئَلاَّ یکون فی قیادته سببًا لإهلاک الآخرین وسوقهم نحو الأزمات، کما لا یکون لدیه تقدیمٌ لمصالح شخصیّة ولا لأیّ من أقربائه وعشیرته والمحیطین به، وله من الشجاعة والإقدام والجرأة ما یضمن معه تسطیر القوانین کاملة وتنفیذها بتمامها، من دون تردّد ولا خوف أو وجل من إرهاب قوّة أو شخصیّة فی المجتمع. وفی الوقت نفسه له من المحبّة والرأفة والحبّ للناس ما یجعله عطوفًا على الجمیع ومستشعرًا لآلامهم وعذاباتهم. وعطفًا على ذلک؛ یکون مبادرًا إلى مساعدتهم وإصلاح شؤونهم. وهذه من أولى سمات الإمام الربّانیّ المقترح والمنصوص علیه فی الوحی.
وبناءً على ما تقدّم، یبدو مدى تمیّز المنظومة الفکریّة العقدیّة فی مدرسة أهل البیت (عله)؛ بامتلاکها رؤیة استشرافیّة واضحة المعالم، تلامس مشکلة القیادة العامّة فی المجتمع البشریّ، وتعالج أخطر قضیّة یتأکّد یومًا بعد آخر أنّها أمّ القضایا ومحورها وعصبها؛ بوصفها العنصر الجامع لجمیع القضایا الأخرى، وعنها تتفرّع باقی الفروع الدینیّة والدنیویّة.
ولعلّها عملیّة استشرافیّة على قدر من التمیّز عن غیرها من الاستراتیجیّات المستقبلیّة المعتمدة فی تاریخ الأمم والحضارات، بالنظر إلى ترکیزها على اقتراح قیادة ربّانیّة تکون مؤهّلة لصناعة الإنسان وناظرةً إلیه فی أبعاده المختلفة، واقتراح الخطّة الشاملة القادرة على المعالجة الجوهریّة لقضایاه.
3. الاستشراف عبر التنصیص على الإمامة الشرعیّة:
من یراجع السیرة النبویّة الشریفة، وما أُثر عن الرسول (ص) من أحادیث تناقلها المسلمون بجمیع فرقهم ومذاهبهم، وتداولتها کتب الحدیث والتفسیر والسیرة والأخبار، یدرک جیّدًا محوریّة الإمامة فی الاستشراف المستقبلیّ، ومرکزیّة الإمام فی البناء المستقبلیّ للأمّة على امتداد وجودها. ویتبیّن ذلک من خلال ترکیز الرسول (ص) جاهدًا منذ انطلاق مسیرة تبلیغ الوحی للبشریّة على إعداد الرأی العامّ لهذه المسألة، ولم یألُ جهدًا فی التنبیه الملحّ على ضرورة التسلیم لسلطة الوحی بشأن مرکزیّة الإمامة الشرعیّة وضرورة حفظها والامتثال لمقرّراتها. وقد اتّخذ ذلک وجهین متلازمین؛ أحدهما الإعداد التربویّ والفکریّ الرسالیّ لشخصیّة الإمام؛ کما تجسّد ذلک فی تعامله (ص) مع الإمام علیّ (ع)، حیث تعهّده برعایة خاصّة؛ تربیّةً وتثقیفًا فکریًّا وعقدیًّا، استعدادًا لمنصب الإمامة العامّة من بعده، وتولّی مهمّة القیادة الاجتماعیّة والسیاسیّة، وترسیمًا استشرافیًّا لخطّة القیادة العامّة للبشریّة فی کلّ زمان ومکان عبر تقدیم الأنموذج الکامل لطبیعة القائد المطلوب. والأمر الثانی تهیئة الأمّة المسلمة وتربیتها فکریًّا وعقدیًّا للاقتناع بولایة الإمام علی (ع) والتسلیم بأمر الإمامة الشرعیّة وطابعها الوحیانیّ التوقیفیّ.
هذه الحقیقة الاستراتیجیّة کثیرًا ما کان الرسول (ص) یجهّز لها الأمّة فی کلّ مناسبة. ففی کلّ فرصة تتاح له، کان یهیّئ صحابته لقبول الإمامة الشرعیّة وموالاة خلفائه وأوصیائه من بعده؛ بل کان یُلحّ ویُکرّر صیغ التوجیه والتذکیر والطلب والأمر والترغیب والنهی، وینوّع فی أسالیب التوصیة بأهل البیت (عله)؛ لأنّه کان یستشرف المستقبل، ویدرک بما لدیه من علم لدنیّ ووحی ربّانیّ أنّ الأمّة سوف تبحث عن کلّ المبرّرات والأعذار، مهما تکن واهیة، من أجل أن تحاصر فکرة شریعة الإمامة النصّیّة الربّانیّة، وتستعیض عنها بشریعة الاختیار والتصدّی البشریّ لمقام الرئاسة والقیادة السیاسیّة الدنیویّة. فکأنّ إلحاحات الرسول (ص) إنّما کانت نوعًا من الاستشراف المستقبلیّ والتخطیط الاستراتیجیّ الذی کان یراه (ص) ویؤمن یقینًا أنّه وحده الاختیار والتعیین الذی یمکن أن یعوَّل علیه لحفظ الأمّة وصیانة مشروع الإمامة الربّانیّة فی الکون؛ بما هی الوسیلة المثلى والوحیدة لضمان سعادة البشریّة واستمراریّتها.
بل إنّ تأکیدات الرسول (ص)، وتواتر توصیاته بالأئمّة وبالإمامة وضرورة حفظها، وتنبیهاته وتحذیراته من مغبّة المساس بمقام الأئمّة أو مخالفتهم أو ظلمهم أو عدم موالاتهم...؛ کلّ ذلک یلفت الواعی وصاحب البصیرة إلى أنّ ثمّة استشرافًا مسبقًا منه (ص) لطبیعة المسار الذی کان یرى أنّ الأمّة سوف تتّخذه!
ومن ذلک ما جاء فی مستدرک الصحیحین: "لمّا رجع رسول الله صلى الله علیه (وآله) وسلم من حجّة الوداع ونزل غدیر خم، أمر بدوحات فقممن، فقال: کأنّی دعیت فأجبت، إنّی قد ترکت فیکم الثقلین أحدهما أکبر من الآخر کتاب الله تعالى، وعترتی، فانظروا کیف تخلفونی فیهما، فإنّهما لن یفترقا حتى یردا علیّ الحوض (ثمّ قال) إنّ الله عزّ وجلّ مولای، وأنا مولى کلّ مؤمن، ثمّ أخذ بید علیّ، فقال: من کنتُ مولاه فهذا ولیّه، اللّهم وال من والاه وعادِ من عاداه"[35].
وکثیرًا ما ردّد الرسول (ص) أنّ علیًّا (ع) سیّد فی الدنیا والآخرة؛ کما فی مستدرک الصحیحین، عن ابن عباس: نظر النبی صلى الله علیه وآله وسلم إلى علیّ علیه السلام، فقال: "أنت سیّد فی الدنیا، وسیّد فی الآخرة، حبیبک حبیبی، وحبیبی حبیب الله، وعدوّک عدوّی، وعدوّی عدوّ الله، والویل لمن أبغضک بعدی"[36].
وحین رجوع الرسول (ص) من حجّة الوداع، جمع الحجّاج جمیعهم بمکان یُقال له (غدیر خم)، وألقى فیهم خطبة شهیرة مطوّلة، أعلن فیها رسمیًّا وبشکل صریح لا لبس فیه، وبما لا یقبل التأویل ولا الاختلاف، أنّ علیًّا بن أبی طالب هو الإمام الشرعیّ للمسلمین، وهو الخلیفة والوصی بعد رسول الله، وهو ولّی کلّ مؤمن ومؤمنة. وفی الیوم نفسه وبعد هذا التعیین العلنی، نزل قوله تعالى: {الیَومَ أَکْمَلْتُ لَکُم دِینَکُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَرَضِیتُ لَکُم الإِسْلاَمَ دِینًا}[37].
ومن یتأمّل التوصیات الصریحة بالإمامة الشرعیّة، وتعیین الوحی للأئمّة بأسمائهم أو صفاتهم، ووضع علامات وآیات دقیقة؛ بوصفها معالم ثابتة وهادیة للبشریّة فی مستقبلها فی هذا الشأن، یدرک جیّدًا البعد العقدیّ لذلک، ویتَبیّن بجلاء أنّها مسألة رابطة بین الشّأن الدنیویّ والشأن الأخرویّ؛ بل إنّ ثمّة ارتباط سبب بنتیجة، مؤدّاه: أنّ المصیر فی الآخرة متوقّف على حسن الاختیار والتولّی للإمامة الصحیحة والسلیمة والشرعیّة فی هذه الدنیا، فلا نجاة ولا فلاح ولا دین یرجى له التمکّن والاکتمال فی هذه الدنیا، ولا احتمال لبلوغ العبد مرحلة الکمال الروحیّ والمعنویّ، بما یرجى معه تبرئة الذمّة والخلاص الأخرویّ؛ إلا بحسن الائتمام وبصوابیّة الاختیار.
بل إنّ ارتباط الدّنیا بالآخرة، واعتبار السّعی فی الحیاة الدنیا جزءًا من العمل للآخرة، یقتضی بداهةً ومنطقًا أن تکون ثمّة عنایة إلهیّة بشؤون الناس فی هذه الدنیا. فلا یعقل أن نعزل الدین عن الدنیا، کما لا یعقل أن تُوکَل أمور الناس وسیاسة شؤون الدنیا إلى الإنسان نفسه؛ لأنّه بذلک "تفتح الأبواب أمام الجبابرة والطواغیت والمحتالین للتوصّل إلى مطامعهم ومآربهم، وتوفّر عوامل التفرقة والانحطاط والتخلّف بین المسلمین"[38].
وعلیه، یبدو البعد الاستشرافیّ لجعل الإمامة أمرًا إلهیًّا محدّدًا بالوحی. فهذا وحده الأمر الذی من شأنه أن یقطع الطریق على تلاعبات البشر التی حصلت ولا تزال تحصل منذ أن تمّ الفصل بین النبوّة أو الرسالة وبین الإمامة، التی هی "موضوعة لخلافة النبوّة فی حراسة الدین وسیاسة الدنیا"[39]، وهی "نیابة عن صاحب الشریعة فی حفظ الدین وسیاسة الدنیا به"، و"حمل الکافّة على مقتضى النظر الشرعیّ فی مصالحهم الأخرویّة والدنیویّة الراجعة إلیها"[40].
وما حصل فی تاریخ الأمم من انحراف واضطراب فی شؤون الناس العامّة والخاصّة، إنّما مردّه إلى التفریط فی شأن الإمامة، وعدم إدراک حقیقتها أو مراعاتها، حیث سارت البشریّة نحو مجاهل وانحرافات لا حدود لها، وجَرَّ الاعتقاد بکون الرئاسة والقیادة العامّة للأمور الدنیویّة شأنًا غیرَ وَحْیانِیّ کثیرًا من الویلات والحروب والتطاحن بین الناس. وقد انعکس ذلک سلبًا على سعادة المجتمعات ومستویات معیشتها واستقرارها المادّیّ والمعنویّ.
إنّ الرسالة الخاتمة تقتضی أنْ لا یترک الرسول (ص) فراغًا فی حیاته ولا بعد مماته، فهو یعلن الإمام الشرعیّ، ویعلن بذلک کمال الدین وتمامه، ویسدّ جمیع النوافذ التی یمکن استغلالها للمساس بعالمیّة الرسالة وقدسیّتها وخلودها إلى یوم الدین؛ من خلال تعیین الإمام الشرعیّ وحارس شؤون الدین والدنیا المسدَّد والمؤیَّد بالله والوحی.
ثالثًا: فلسفة الانتظار والبعد الاستشرافیّ:
1. المهدویّة واستشراف المستقبل:
تتمیّز المنظومة الفکریّة العقدیّة فی الإسلام عمومًا، وفی مدرسة أهل البیت (عله) خصوصًا، بما یُعرف بالعقیدة المهدویّة، التی هی بحقّ "إحدى أهمّ المعتقدات الإسلامیّة"[41]؛ وهی فکرة "قارّة راسخة فی عقائد المسلمین، صنَّف فیها المسلمون ما لا یُردّ ولا یُکذَّب"[42]؛ ذلک أنّ ثمّة روایات وحیانیّة صریحة متعدّدة تداولتها أشهر کتب الحدیث والسیرة وسیر الأعلام والتراجم وکتب التاریخ والتفسیر، وغیرها من الکتب المعتبرة والرائجة بین المسلمین بمختلف مدارسهم ومذاهبهم[43]، بحیث "تبلغ حدّ التواتر"[44] وهی تشیر إلى مسألة ظهور أو خروج الإمام المهدیّ المنتظر (عج)، وتبشِّر بظهوره فی إبان مسیرة هذه الدنیا؛ لیصلح شأن البشریّة، ویکمل مسیرة البناء التکاملیّ والتربویّ للحضارة الدنیویّة، ویحقّق الوعد الإلهیّ بإقامة دولة الحقّ ونصرة دینه على الدین کلّه، وتوریث الأرض عبادَه الصالحین؛ مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَقَدْ کَتَبْنَا فِی الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّکْرِ أَنَّ الأَرْضَ یَرِثُها عِبَادِیَ الصَّالحُون}[45]، {وَنُرِیدُ أَنْ نَمُنَّ عَلى الذِینَ اسْتُضْعِفُوا فی الأَرضِ وَنَجْعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُم الوارِثین}[46].
وإذا کانت النصوص فی ذلک کثیرة ومتواترة؛ بما لا یتّسع له سیاق الکلام فی هذه الدراسة، فإنّنا نکتفی بانتقاء هذه الروایة الشریفة من قوله (ص) فیما روی عن أبی سعید الخدریّ، قال: قال رسول الله صلى الله علیه (وآله) وسلم: "لاَ تَقُومُ السّاعةُ حَتّى تَمْتَلِئَ الأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوانًا، قال: ثُمّ یَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِی أَوْ مِنْ أَهْلِ بَیْتِی، یَمْلَؤُها قِسْطًا وَعَدْلًا، کَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وجَوْرًا"[47].
فهذه الروایة -کمثیلاتها من الروایات- تبدو ذات حمولة استشرافیّة واضحة؛ لأنّها توجّه آفاق البشریّة جمعاء، بل توجّه الوجود برمّته نحو مستقبل مشرق وحتمیّ، یَعِد بإقامة الحکومة الإلهیّة على الأرض کلّها. هذا الشأن المستقبلیّ، الذی قد یبدو غیبًا محضًا، یتدخَّل فیه الوحی ویتکفّل بحسمه حسمًا إیجابیًّا وفعّالًا؛ لأنّه یضع البوصلة فی اتّجاه إیجابیّ محض؛ بما یبدّد حالات الیأس والتشاؤم، ویزیل جمیع مظاهر الإحباط أو الکلل التی یمکن أن تتسلّل إلى الوجدان البشریّ؛ جرّاء طغیان الظلم والجبروت، ورجحان کفّة الاستکبار والقهر والتسلّط على رقاب الناس. فحین ینبّئ الوحی عن الغیب المستقبلیّ للبشریّة فی هذه الدنیا؛ بحتمیّة المآل إلى الخیر، وتوافر الأجواء المناسبة لتقبّل الدین الحقّ، وحتمیّة ظهور إمام مصلح یحقّق ما کان جمیع الأنبیاء والرسل (عله) المبعوثون یسعون ویجاهدون من أجل تحقیقه فی هذه الدنیا؛ وهو إقامة الحکومة الإلهیّة العالمیّة، وتشکیل المجتمع المثالیّ القائم على أساس عبادة الله والقیم والتعالیم الإلهیّة ونشر العدل والقسط فی الأرض کلّها[48]؛ فإنّ هذا فی حقیقته یغدو مشروعًا معدودًا فی صمیم الاهتمامات الاستشرافیّة، وضمن أولى أوّلویّات أیّ تخطیط مستقبلیّ وبرمجة لحالة إصلاحیّة مرتقبة للمجتمع؛ یُراد الوصول إلیها، ویُعمل من أجلها.
إنّ الوعد بظهور الإمام المصلح استشراف حضاریّ وأمر یستوجب أن تتحفّز من أجله جمیع الهمم والإرادات، ویتطلّب أن تتحرّک نحوه جمیع الطاقات والقدرات؛ بإخلاص وحماس وتفانٍ مطلق، نظرًا إلى أنّه یجعل لحالات الحرمان والظلم نهایة حتمیّة، ومن ثمّة یدفع بالکیان البشریّ إلى ضرورة إنجاز حرکیّة حقیقیّة نحو هذه اللحظة المشرقة؛ بما یفید کون فلسفة المهدویّة والظهور فی حدّ ذاتها تخطیطًا استراتیجیًّا یسوق العالم نحو تَرَسُّم سبیل الخیر والرشاد والعمل فی اتّجاه الکینونة الحقیقیّة والعملیّة السلوکیّة مع هذا المصلح الموعود والمرتقب. وهو ما یعنی بداهةً -على المستوى الفردیّ أو الشخصیّ- ضرورة التخلّص من الأخلاق الذمیمة والصفات الردیئة، والسعی نحو حالات التکامل والطهر والتخلّق بأخلاق الصلاح والخیر، التی تؤهّل صاحبها للکینونة مع هذا الإمام (عج). والأمر نفسه على المستوى العامّ، یکمن بالسعی نحو تخلیص المجتمع من الظلم والجور والانحراف والوصول به إلى حالة النقاء والصفاء العامّ الذی یمکن معه استقبال القائد الربّانیّ الموعود. ومن هنا، ندرک قیمة الانتظار وأهمّیّة هذه العقیدة التی تُرغِّب المؤمن وتُشوِّقه لکی یکون دائمًا فی حالة یعتقد بقرب ظهور الإمام المهدیّ المصلح (عج)، الذی یملأ الأرض قسطًا وعدلًا؛ بعدما مُلئت ظُلمًا وجورًا.
2. الانتظار وحتمیّة الفرج:
ولا یخفى الطابع الاستشرافیّ الفرید والمتمیّز لفلسفة الانتظار؛ لما تشکّله من رؤیة تنویریّة ترشیدیّة وفاعلة؛ توجّه الأنظار نحو المستقبل، فهی من هذا الجانب، بلا شکّ، خاصّیّة استشرافیّة فریدة ومتمیّزة؛ لأنّها دافعة إلى صنع ذلک الإنسان الأنموذجیّ الذی یمکن التّعویل علیه، والاطمئنان إلى شخصیّته وقدراته فی الارتقاء بالمجتمع والدفع به نحو آفاق علیا من التکامل والرقی، وتحقیق الازدهارین المادّیّ والمعنویّ للمجتمع الإنسانیّ، فی الحیاة الدنیا أولًا، وتحقیق الفوز والنجاة فی الحیاة الأخرى. تلک هی خاصّیّة الانتظار بما تحمله من دلالات وأبعاد عقدیّة وتربویّة وأخلاقیّة، تطال الفرد والمجتمع. وفی مقدِّمة ذلک ضرورة تثبیت حالة شدّة التعلّق والتذکّر للإمام الشرعیّ الموعود (عج)؛ بأنّه هو وحده المصلح المنقذ للبشریّة. فلا بدّ من استمرار حالة الشعور بالوجود الفعلیّ والحقیقیّ للإمام (عج)، والتفاعل الوجدانیّ الشعوریّ معه، والارتباط بهویّته، وعدم الانقطاع أو الفتور عن ذکره. وما نجده فی المدرسة الإمامیّة من تأکید على ضرورة قراءة الأدعیة والزیارات ذات الصلة بالإمام المهدیّ (عج) یجب أن یفهم فی هذا السیاق؛ وهو العمل على ترسیخ حالة الارتباط بالإمام (عج)؛ بوصفه حقیقة عقدیّة لا بدّ من أن ترتسم فی السلوک البشریّ الیومیّ، حتّى لا یضعف الإیمان ولا یفتر، ولا یخفت تعلّق البشریّة بولیّ أمرها وتستسلم للانحراف والإعراض.
فمهما تشتدّ المحن وتعظم الابتلاءات وتستفحل صور الانحراف والفساد، فإنّ الشخص المنتظِر لا یزداد إلا تعلّقًا واعتقادًا وانشدادًا إلى الإمام (عج) الذی یکون وحده المخلِّص وعلى یده الفرج. فالنهایة هی حتمًا للصلاح والإصلاح فی الأرض، وإنّ "من السنن الإلهیّة أنّ المراحل المتوسّطة من عهود وأزمنة الأمم دومًا یکون المتغلِّب فیها کفّة الظالمین والمفسدین، ولکنّ العقبى تکون للمصلح المنجی"[49].
فلا یخفى -إذًا- ما لفلسفة الانتظار من الأهمّیّة فی بناء شخصیّة الإنسان، والدفع به نحو الأخذ بعوامل صناعة الذات وبناء الشخصیّة الإیجابیّة، التی تنحو بفکرها وبکلّ وجدانها نحو الصلاح المطلق، وتتوق نحو الکمال؛ لکی تکون مؤهّلة للتشرّف بالکینونة مع الإمام المنتظر (عج).
ولعلّ الطاقة الاستشرافیّة لمسألة ترقّب الظهور وتوقّع الفرج القریب، تکمن فی تشکیل حالة من الاعتقاد الراسخ والواعی بحتمیّة الفرج الموعود، وتعطی القناعة لصاحبها بأنّ التاریخ یتحرّک نحو هذه النقطة المضیئة فی حیاة البشریّة، وتتلخّص فی المنقذ؛ وهو إمام للمخلوقین جمیعًا، بعید عن کلّ أشکال الطائفیّة أو العنصریّة أو الحزبیّة أو المذهبیّة الضیّقة، بل على العکس فهو إنسانیّ یساند جمیع المحرومین فی العالم، فالعملیّة لا تقتصر على أحیاز ضیّقة ولا حتى على حیّز المؤمنین. والأمر یطال الکوکب برمّته ومن علیه؛ لیقود الثورة الإنسانیّة المنتظرة وینشر العدل والرحمة.
هذا الأمر من شأنه أن یکون أمررًا محرّکًا أَیَّما تحریک، للنفوس والهمم؛ لأنّ الفرد عندما یُحصّل تلکم الحالة الباطنیّة المعنویّة، التی تجعله یعتقد حقیقة قرب الظهور عملًا، ویعیش بصدق وإخلاص ممتثلًا لتوجیهات المقولة الاستشرافیّة للإمام الصادق (ع): "توقَّع أمر صاحبک لیلک نهارک"[50]، فإنّه یشمّر عن سواعد العمل، وینتفض، وینفض عنه غبار الخمول والکسل، وینطلق فی حیویّة ونشاط؛ لعلّه یکون فی مستوى التشرّف باستقبال إمامه الموعود (عج) وملاقاته.
ومن هنا، تتمیّز المنظومة الفکریّة العقدیّة فی مدرسة أهل البیت (عله) بمحوریّة الظهور، وبحتمیّة الاعتقاد أو الإیمان بمجیء الإمام المهدیّ المنتظر (عج)؛ بوصفها عقیدة راسخة تستوجب الاستعداد المخلِص، والفعل المستمرّ؛ توطیئًا وتهییئًا وإعدادًا معنویًّا ومادّیًّا، علنیًّا وخفیًّا، فردیًّا وجماعیًّا.
3. الاستشراف وإیجابیّة الانتظار:
عندما یؤمن الإنسان بأنّ الظهور قریب، ویتوقّع حصوله فی أیّ وقت وحین؛ فهو -بلا شکّ- یعیش ممتلکًا أملًا أکبر فی الحیاة؛ لأنّه یرى أنّ طبیعة الوضع البالغة الغایةَ فی الفساد والظلم -مع الإیمان بصحّة هذا الدین وأنّه الخاتم للأدیان- تقتضی ظهور المصلح لإنقاذ العالم ممّا هو فیه. فلا یمکن أن یعود الدین إلى قوّته، کما لا یمکن الخروج من متاهات البدع والتحریفات فی صور التدیّن والزیادات والنقص عبر ادّعاءات وضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، لا یمکن تجاوزها وتخطّیها إلا إذا ظهر مصلح عظیم یجمع الکلمة "ویردّ عن الدین تحریف المبطلین، ویبطل ما ألصق به من البدع والضلالات بعنایة ربّانیّة وبلطف إلهیّ، لیجعل منه شخصًا هادیًا مهدیًّا، له هذه المنزلة العظمى والریاسة العامّة والقدرة الخارقة؛ لیملأ الأرض قسطًا وعدلًا، بعدما ملئت ظلمًا وجورًا"[51]. وبخاصّة فی ظلّ افتقاد الواقع الإسلامیّ، على امتداد ما یراه المسلم أمامه، قوّته وسیطرته الموعودة؛ بسبب اختلاف معتنقیه وتناحرهم واتّهام بعضهم لبعضهم الآخر، وتشتّت قوانینهم ودساتیرهم وأحکامهم وأفکارهم.
إنّ المستشرف للظهور وفق هذه الرؤیة والمتوقّع لطلعة المنقذ فی کلّ لحظة وحین، یکون ذا رصید عالٍ من الشوق والحبّ من أجل اللقاء، حیث یترقّب باستمرار ویتوق نحو المعشوق، ویتحرّى شرف اللقاء، ویبحث عنه باستمرار؛ بلا کلل ولا ملل، ویمتلک أملًا لا ینضب ولا یتوانى، ویتّخذ ممّن ینتظر ظهوره ولقاءه قدوته، ومنه یستمدّ الطاقة والمقدرة والإرادة نحو الحرکة والفعل فی الحیاة المعنویّة الدینیّة، وبداهة فی الحیاة الدنیویّة المادّیّة المعیشة، التی لا تنفصل عن الأخرى؛ بوصفها جزءًا منها، وطریقًا أو معبرًا إلى الحیاة الأخرى.
والفرد أو المجتمع فی حالة کهذه، یکون قلبًا وقالبًا وفکرًا ومراقبةً للنفس غیر غافل أو متهاون ولو للحظة واحدة؛ لأنّه یؤمن بصدق وثقة ببشارة الوحی الاستشرافیّة أنّ أمر الإمام (عج) "لا یأتیکم إلا بغتة"[52]؛ ما یجعل الفرد فی حالة یقظة مستمرّة، وفی ترقّب دائم للرکب الذی یقوده الإمام المنتظر (عج)، یرنو إلى طلعته البهیة لمصافحته والانخراط فی صفوف جنده وخاصّته، وینال الحظوة بالانتساب والقبول ضمن أتباعه.
وتبدو الأهمّیّة البالغة لهذا الاستشراف الوحیانیّ فی ما یترتّب عنه من تحقّقات عملیّة فعلیّة، تتمثّل فی استشعار الفرد المسلم، المؤمن والمعتقد حقیقة بالظهور، والمنتظر للإمام المصلح، أنّه أبدًا "مکلَّف بالعمل بما أنزل من الأحکام الشرعیّة، واجب علیه السعی لمعرفتها على وجهها الصحیح بالطرق الموصلة إلیها حقیقة، وواجب علیه أن یأمر بالمعروف وینهى عن المنکر ما تمکّن من ذلک وبلغت إلیه قدرته (کُلُّکم راعٍ وکُلُّکم مَسؤولٌ عن رَعِیته). فلا یجوز له التأخّر عن واجباته لمجرّد انتظار المصلح المهدیّ والمبشّر الهادیّ؛ فإنّ هذا لا یسقط تکلیفًا، ولا یؤجّل عملًا، ولا یجعل الناس هملًا کالسوائم"[53].
وتأکیدًا لهذا الجانب الإیجابیّ لفلسفة الانتظار، وجدنا الأئمّة (عله) یفضّلون ویثنون على المنتظِرین، بل ویجلّونهم أیّما إجلال؛ نظرًا إلى تمیّزهم وفاعلیّتهم وطاقاتهم الخلّاقة. فعن الإمام علی بن الحسین زین العابدین (ع): "إنّ أهل زمان غیبته، القائلین بإمامته، والمنتظرین لظهوره أفضل أهل کلّ زمان؛ لأنّ الله تعالى ذکره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة، ما صارت به الغیبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم فی ذلک الزمان بمنزلة المجاهدین بین یدی رسول الله (ص) بالسیف، أولئک المخلصون حقًّا، وشیعتنا صدقًا، والدعاة إلى دین الله سرًّا وجهرًا"[54]. فهم یتحرّکون ویمضون فی الحیاة بطریقة، کأنّما صاحب الزمان بینهم، وکأنّهم یشاهدونه ویأتمرون بأوامره؛ لأنّهم یتحرَّون نیلَ رِضاه الشریف، فهم حقیقة أهل الدرایة والعقل والمعرفة الیقینیّة التی تجعلهم أفضل أهل الأرض. وهذا من شأنه أن یکون کافیًا لبناء مجتمع إنسانیّ ربّانیّ، یسیر فی طریق التکامل المعنویّ، ویجاهد فی سبیل بناء حضارة راقیة، تعترف للإنسان بإنسانیّته وتکرّمه التکریم الذی ارتضاه الله تعالى له. وتلک بحقّ عین الإیجاب فی فلسفة الانتظار الاستشرافیّ.
إنّ تعجیل حالة الظهور أمر یتطلّب مزیدًا من العمل ومضاعفة الجهد على جمیع الأصعدة؛ من أجل إیجاد الأرضیّة المناسبة لنجاح حرکة الإمام الموعود. فلا یعقل أن یقعد الفرد بلا فاعلیّة أو تظلّ حرکة المجمتع مشلولة وسلبیّة فی انتظار تحسّن الوضع. فلا ینبغی أن نتردّد فی الجزم بأنّنا ملزمون بکافّة التکالیف الشرعیّة: من طاعة الله، والجهاد فی سبیله، وطلب العلم، والدعوة إلى دینه، والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر، والصبر على الأذى فی ذلک کلّه، وغیر ذلک من الواجبات. فما یتوهّمه بعض البطّالین من أنّ ظهور المهدیّ سیکون بدایة عصر الاسترخاء والدعة والکسل باطل باطل؛ بل النصوص تشیر إلى أنّه سیکون بدایة للفتوح والجهاد والبذل فی سبیل إعلاء کلمة الله عزّ وجلّ.
خاتمة:
إنّ المنظومة الفکریّة العقدیّة فی مدرسة أهل البیت (عله)، تتمیّز عن غیرها من الفلسفات ومنظومات الفکر الأخرى، بوضعها الأسس الکبرى لأیّ رؤیة استشرافیّة، من خلال التأصیل العملیّ للإمامة الشرعیّة، وجعلها أساس العقیدة وعنوان الامتثال والتسلیم؛ بما یجعلمنها قضیّة محوریّة فی حیاة الإنسان، وبما یجعل کلّ عملیّة نهضویّة أو حرکة إصلاحیّة، أو تخطیط مستقبلیّ لأیّ بناء حضاریّ مأمول، متوقّفًا علیها ومشروطًا بصحّتها.
لذلک جاءت السنّة النبویّة الشریفة -قولیّةً وفعلیّةً، تصریحیّةً وتلمیحیّةً- غنیة بما یأخذ بالأعناق نحو ضرورة تولّی الأئمّة الشرعیّین بنحوٍ متلازم مع حتمیّة التبرّی من غیرهم، والتماسًا للنجاة، وتحصیلًا للتکامل المعنویّ، الذی یُعدّ قطب رحى القضیّة. وهو الذی لا یتحقّق فی صیغته المثلى؛ إلا بظهور الإمام الموعود (عج)، وهو بدوره یشکّل باعثًا استشرافیًّا وجب أن یترقّبه ویتوجّه إلیه الوعی والفکر والکیان البشریّ الوجودیّ بمجمله، بما یعنیه ذلک من حرکیّة وإیجابیّة وفعّالیّة یحدوها الأمل والاستبشار.
[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.
[2] غودییه، میشال؛ وآخرون: الاستشراف الاستراتیجیّ للمؤسّسات والأقالیم، ترجمة: محمد سلیم قلالة؛ قیس الهمامی، منشورات دونود (الیونسکو)، ص7.
[3] الطباطبائیّ، محمد حسین: مقالات تأسیسیّة فی الفکر الإسلامیّ، ترجمة: جواد علی کسار، ط2، مؤسّسة أم القرى، 1418هـ.ق، ص407.
[4] غودییه؛ وآخرون، الاستشراف الاستراتیجیّ للمؤسّسات والأقالیم، م.س، ص7.
[5] شریعتی، علی: الدعاء، ترجمة: سعید علی، ط1، بیروت، دار الأمیر، 2006م، ص44.
[6] مظاهری، حسین: جهاد النفس، ترجمة: لجنة الهدى، ط1، بیروت، دار المحجّة؛ دار الرسول الأکرم (ص)، 1993م، ص48.
[7] الشریف الرضی، محمد بن الحسین بن موسى العلویّ: نهج البلاغة (الجامع لخطب الإمام علی بن أبی طالب (ع) ورسائله وحکمه)، شرح: محمد عبده، ط1، قم المقدّسة، دار الذخائر؛ مطبعة النهضة، 1412هـ.ق/ 1370هـ.ش، ج2، الخطبة130، ص13.
[8] م.ن، ج3، الرسالة31، ص39.
[9] سورة الأحزاب، الآیة 33.
[10] الخامنئی، علی: قیادة الإمام الصادق (ع)، ترجمة: محمد علی آذرشب، ط2، رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامیّة، مدیریّة الترجمة والنشر، 1998م، ص70.
[11] نور الدین، عباس: بحثًا عن نهج الإمام، ط1، بیروت، مرکز بقیة الله الأعظم، 1997م، ص77.
[12] م.ن، ص50.
[13] م.ن.
[14] م.ن، ص49.
[15] الخامنئی، علی: أنوار الولایة، ط1، بیروت، مرکز بقیة الله الأعظم، 1999م، ص23.
[16] الخامنئی، قیادة الإمام الصادق (ع)، م.س، ص25.
[17] الخامنئی، أنوار الولایة، م.س، ص13.
[18] انظر: م.ن، ص14.
[19] الموسویّ الخمینیّ، روح الله: وصایا عرفانیّة، ترجمة: عباس نور الدین، ط1، بیروت، مرکز بقیّة الله الأعظم، 1998م، ص62.
[20] الخامنئیّ، أنوار الولایة، م.س، ص35.
[21] انظر: شرف الدین، عبد الحسین: المراجعات (أبحاث جدیدة فی أصول المذهب والإمامة العامّة)، تحقیق وتعلیق: حسین الراضی، مؤسّسة دار الکتاب الإسلامیّ، لا ت، ص14-16.
[22] انظر: م.ن، ص15-16.
[23] الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: مجموع رسائل الجاحظ، تحقیق: محمد طه الحاجری، بیروت، دار النهضة، 1982م، ص52.
[24] م.ن، ص59.
[25] الشریف الرضی، نهج البلاغة، م.س، ج2، الخطبة239، ص232.
[26] هانی، إدریس: الإمام المهدیّ (ع) حقیقة تاریخیّة أم فرضیّة فلسفیّة؟، ط1، بیروت، دار المحجّة البیضاء، 2011م، ص11.
[27] الأصفهانی، الحسین بن محمد بن المفضل (الراغب): الذریعة إلى مکارم الشریعة، مراجعة وتعلیق: طه عبد الرؤوف سعد، ط1، القاهرة، مکتبة الکلّیّة الأزهریّة، 1394هـ.ق، ص29.
[28] تتّفق کثیر من مصادر الفکر الإسلامیّ على نصوص دینیّة بصیغ مختلفة؛ لفظًا أو تأویلًا، تحدّد من هم أئمّة أهل البیت (عله). (انظر: الحسینی الیزدی الفیروزآبادی، مرتضى: فضائل الخمسة من الصحاح الستّة (3\3)، ط7، قم المقدّسة، مکتبة الفیروزآبادی، 1413هـ.ق).
[29] بل، ألفرد: الفرق الإسلامیّة فی الشمال الإفریقیّ -من الفتح العربی حتى الیوم-، ترجمه عن الفرنسیّة: عبد الرحمن بدوی، ط3، بیروت، دار الغرب الإسلامیّ، 1987م، ص152-153.
[30] م.ن، ص153.
[31] م.ن، ص153-154.
[32] الصدر، محمد باقر: نشأة الشیعة والتشیّع، تحقیق وتعلیق عبد الجبار شرارة، ط4، بیروت، مرکز الغدیر للدراسات الإسلامیّة، 1999م، ص85-86.
[33] الشیرازیّ، ناصر مکارم: معرفة النبوّة، ترجمة: جعفر صادق الخلیلی، ط2، بیروت، دار الصفوة، 1993م، ص13.
[34] بحر العلوم، محمد علی: الإمامة الإلهیّة (تقریرًا لبحوث الشیخ محمد السند البحرانی)، ط1، بیروت، دار الأمیرة، 2012م، ج1، ص258.
[35] الحاکم النیسابوریّ، أبو عبدالله: المستدرک على الصحیحین، طبعة مزیدة بفهرس الأحادیث الشریفة، إشراف: یوسف عبد الرحمن المرعشلی، بیروت، دار المعرفة، لا ت، ج3، ص109.
[36] الحاکم النیسابوریّ، المستدرک على الصحیحین، م.س، ج3، ص128.
[37] سورة المائدة، الآیة 3.
[38] الیزدی، محمد تقی مصباح: دروس فی العقیدة الإسلامیّة، ط1، بیروت، دار الحقّ، 1994م، ص339.
[39] الماوردی، أبو الحسن: الأحکام السلطانیّة، بیروت، منشورات محمد علی بیضون؛ دار الکتب العلمیّة، لا ت، ص5.
[40] ابن خلدون، عبد الرحمن: المقدّمة، ط1، بیروت، دار الکتب العلمیّة، 1993م، ص151.
[41] هانی، الإمام المهدیّ حقیقة تاریخیّة أم فرضیّة فلسفیة؟، م.س، ص5.
[42] م.ن، ص207.
وتجدر الإشارة إلى أنّ فکرة ظهور المنقذ العظیم فی آخر الزمان لنشر العدل وإقامة الحقّ والقضاء على الظلم موجودة لدى أهل الأدیان الثلاثة، واعتقدت بها معظم الشعوب والملل؛ حیث آمن بها الیهود؛ مثلما آمن النصارى بعودة المسیح (ع)، وآمن الزرادشتیّون بعودة براهام شاه، وکذلک الهنود والمجوس والبوذیّون، کما وجد هذا المعتقد عند قدماء المصریّین والصینیّین.
[43] یشیر الحافظ الآبری (ت: 363ه) إلى أنّه "قد تواترت الأخبار واستفاضت بکثرة رواتها عن المصطفى صلى الله علیه (وآله) وسلم، فی المهدیّ، وأنّه من أهل بیته، وأنّه یملک سبع سنین، ویملأ الأرض عدلًا، وأنّ عیسى علیه الصلاة والسلام یخرج، فیساعده على قتل الدجّال، وأنّه یؤمّ هذه الأمّة وعیسى خلفه، فی طول من قصّته وأمره". (نقلًا عن: المزّی، یوسف: تهذیب الکمال، تحقیق وضبط وتعلیق: بشار عوّاد معروف، ط1، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1413هـ.ق/ 1992م، ج25، ص149).
[44] الیزدی، دروس فی العقیدة الإسلامیّة، م.س، ص374.
[45] سورة الأنبیاء، الآیة 105.
[46] سورة القصص، الآیة 5.
[47] الحاکم النیسابوری، المستدرک على الصحیحین، م.س، ج4، ح555.
[48] انظر: الیزدیّ، دروس فی العقیدة الإسلامیّة، م.س، ص371-372.
[49] السند البحرانیّ، محمد: الإمام المهدی (عج) والظواهر القرآنیّة، تقدیم وتحقیق: مرکز الدراسات التخصّصیّة، ط1، النجف الأشرف، 1431هـ.ق، ص121.
[50] المجلسی، محمد باقر: بحار الأنوار، تحقیق: إبراهیم المیانجی؛ محمد الباقر البهبودیّ، ط3، بیروت، دار إحیاء التراث العربیّ، 1403هـ.ق/ 1983م، ج95، ص159.
[51] المظفّر، محمد رضا: عقائد الإمامیّة، ط9، بیروت، دار الصفوة، 1992م، ص111-112.
[52] المجلسیّ، بحار الأنوار، م.س، ج51، ص154.
[53] المظفّر، عقائد الإمامیّة، م.س، ص103-104.
[54] المجلسیّ، بحار الأنوار، م.س، ج52، ص122.