الفقه السننیّ فی إعمال منطق التعارف الحضاریّ - مقاربة استشرافیّة تأصیلیّة -

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

إنّ البصیر بأحکام شریعة الإسلام والواقف علىمقاصدها وغایاتها، یجد أنّ مبادئ التعارف والتعایش هی من الأصول الجوهریّة والمقوّمات الحضاریّة التی قام علیها الإسلام ولا یزال؛ بوصفها ضرورة من ضرورات استقامة العمران الإنسانیّ. ولأجل ذلک؛ فقد حرص الإسلام على إرسائها فی وسط المجتمعات الإنسانیّة منذ بدایة الدعوة الإسلامیّة، ورغّب المسلمین فی تبنّیها والتحلّی بها، لیس مع المسلمین فحسب؛ وإنّما مع المخالفین لهم أیضًا.
وقد سعت هذه المقالة إلى الوقوف على مبرّرات دعوة الإسلام إلى إقرار مبدإ التعارف والتعایش مع الأنساق العقدیّة والاجتماعیّة المختلفة، واستشراف مستقبل التعارف الحضاری الإنسانیّ؛ برؤیة تأصیلیّة من القرآن الکریم والسنّة الشریفة، واستثمارها فی إعمال منطق التعارف الحضاری والتقریب بین الشعوب والأدیان؛ انطلاقًا من التجربة النبویّة الشریفة،وکذا رصد قیم التعایش الدینی والتعارف الحضاری فی الهدی النبویّ من خلال النماذج التفسیریّة، التی شکّلت ترجمة عملیّة لهذه القیم وتمثّلها فی العلاقات الإنسانیّة والحضاریّة.
 

نقاط رئيسية

أولًا: الأنساق الحضاریّة قبل الإسلام ومبرّرات التعارف

ثانیًا: التجربة النبویّة والوعی بالمنهج السننیّ

ثالثًا: نماذج تفسیریّة للتجربة النبویّة فی إعمال سنن التعارف الحضاریّ

1. التعامل مع الیهود من خلال صحیفة المدینة

2. التعامل مع النصارى (وفد نجران)

3. مکاتبة ملوک الدول وحکّامها

الكلمات الرئيسية


الفقه السننیّ فی إعمال منطق التعارف الحضاریّ -مقاربة استشرافیّة تأصیلیّة -

الدکتور بُوعُبَید الازدهار[1]

 

خلاصة المقالة:

إنّ البصیر بأحکام شریعة الإسلام والواقف على مقاصدها وغایاتها، یجد أنّ مبادئ التعارف والتعایش هی من الأصول الجوهریّة والمقوّمات الحضاریّة التی قام علیها الإسلام ولا یزال؛ بوصفها ضرورة من ضرورات استقامة العمران الإنسانیّ. ولأجل ذلک؛ فقد حرص الإسلام على إرسائها فی وسط المجتمعات الإنسانیّة منذ بدایة الدعوة الإسلامیّة، ورغّب المسلمین فی تبنّیها والتحلّی بها، لیس مع المسلمین فحسب؛ وإنّما مع المخالفین لهم أیضًا.

وقد سعت هذه المقالة إلى الوقوف على مبرّرات دعوة الإسلام إلى إقرار مبدإ التعارف والتعایش مع الأنساق العقدیّة والاجتماعیّة المختلفة، واستشراف مستقبل التعارف الحضاری الإنسانیّ؛ برؤیة تأصیلیّة من القرآن الکریم والسنّة الشریفة، واستثمارها فی إعمال منطق التعارف الحضاری والتقریب بین الشعوب والأدیان؛ انطلاقًا من التجربة النبویّة الشریفة،وکذا رصد قیم التعایش الدینی والتعارف الحضاری فی الهدی النبویّ من خلال النماذج التفسیریّة، التی شکّلت ترجمة عملیّة لهذه القیم وتمثّلها فی العلاقات الإنسانیّة والحضاریّة.

 

مصطلحات مفتاحیّة:

          الاستشراف، الفقه السننیّ، التأصیل، التعارف الحضاریّ، التدافع التعاونیّ، التجربة النبویّة، السنن الإلهیّة، الأنساق الحضاریّة، المشترک الإنسانیّ، ...

 

مقدّمة:

ثمّة ضرورة لإعمال سنن التعارف وتفعیلها بین مختلف الأنساق الحضاریّة، وبخاصّة فی ظلّ الظروف الراهنة التی تعرف أجواءً من التنافر والتجاذب فی المواقف، تتراوح بین منطق الإقصاء والتهمیش، وبین منطق التناغم والتفاعل، وهو تدافع مطلوب؛ لأنّه ذو بعد تعاونی یروم إشراک الجمیع فی تحمّل مصیر الإنسانیّة ومستقبلها، وینقل العلاقة بین الأطراف المتدافعة من الجمود والسکون إلى الفعل الحضاریّ، وهذا من شأنه أن یفضی إلى التعارف والتعایش بین الجمیع من دون انتقاء ولا تمیّز.

وقد شکّلت التجربة النبویة أنموذجًا رائدًا فی تفعیل سنن التعارف؛ باستیعابها واستثمارها للمنهج السننی، وإعماله فی علاقاتها مع الأمم والشعوب المجاورة للدولة الإسلامیّة. فما هی إذًا حقیقة هذا التعارف والتعایش بین الحضارات؟ وما هو وجه الحاجة إلیه، خاّصة فی ظلّ استمرار تحکیم الحضارة الغربیّة للمنطق العدوانی وتزایده على البلدان والشعوب المستضعفة؟ وما هی أهمّ الإمکانات والمداخل الحضاریّة للدفع بالتعایش السلمیّ والتعارف الحضاریّ؟ ثمّ کیف نستثمر المنهج النبویّ فی التقریب بین الأنساق الحضاریّة وتحقیق التعارف والتعایش؛ انطلاقًا من المشترک الإنسانیّ؟ وکیف نستشرف المستقبل الحضاری للمجتمع الإنسانیّ من خلال رؤیة تأصیلیّة تنطلق من القرآن الکریم والسنّة الشریفة؟ هذه الأسئلة وغیرها سنحاول مقاربتها من خلال هذه المقالة.

 

أولًا: الأنساق الحضاریّة قبل الإسلام ومبرّرات التعارف:

لقد کانت العوالم الحضاریّة، إلى أنْ ظهر الإسلام، تعیش صراعات دامیة بین النظم القائمة فی بلاد الجزیرة العربیّة والبلدان المجاورة لها، على أساس النفوذ والسیطرة والتوسّع، وهو ما ترتّب عنه ذیوع الفتنة وانتشارها فی البلاد العربیّة، وزعزعة الاستقرار فیها، وافتقاد الأمن بجمیع أنواعه؛ حیث مرّت البشریّة فی ظلّ هذا الوضع المأزوم بفترات عسیرة، غابت فیها کلّ مقوّمات الحیاة السعیدة، فاضطربت الحیاة وغابت الأسس والقواعد السلیمة لبناء علاقات التعارف والتآلف والتعاون بین الأمم والشعوب.

فلم تعرف الأرض سلامًا، ولم تَعْلُ فیها رایة الأمن عبر الأطوار الکثیرة التی مرّت بها، حتى یئست البشریّة من التمتّع بالسلام، وظنّت أنّ الصراع بینها ضرب لازب، إذ افتقدوا الأمن على دینهم وأنفسهم، وبقی الأمر کذلک حتى بزغت شمس الإسلام، ببعث محمد بن عبد الله، بالرسالة الکاملة التی صدّقت على تراث النبوّات کلّها، وأعادت تقییمه کاملًا نقیًّا مصحوبًا برؤیة شاملة للکون والإنسان والحیاة، وأوضحت منطلقات الاستخلاف والابتلاء، والتسخیر، والأمانة؛ لترسی بذلک قواعد الأمن ودعائم الاستقرار ومنطلقات السلام، ولتقضی على کلّ وسائل السیطرة -سیطرة الإنسان على الإنسان- ولتبنّی ضوابط الحرّیّة والتحرّر[2]. وقد کان هذا واضحًا جلیًّا؛ حینما عمل النبی (ص)على نقل هذه القیم والمبادئ إلى فعل وممارسة من دون تحیّز إلى نسق عقدیّ دون آخر؛ وإنّما تعامل بالمنطق نفسه مع کلّ الأنماط المغایرة فی الجزیرة العربیّة، بل عمل (ص) من خلال العهود والمواثیق التی کتبها -سواء مع الیهود أم مع النصارى- على إعطائهم من الضمانات ما یبدّد مخاوفهم، ویزیل هواجسهم[3].

وقد بدا التزام التعایش بین المسلمین وأهل الکتاب واضحًا فی مقتضیات "دستور" الدولة الإسلامیّة، وکذا فی المعاهدات مع النصارى، ومن خلال معظم تلک الرسائل ومکاتبات الملوک ورؤساء الدول. ولذلک؛ فإنّ وضع التناحر والتقاتل، وفقدان کلّ معانی الأمن والسلم والتعایش بین مختلف الأنساق الاجتماعیّة والعقدیّة، جعل النبی (ص) یوجّه دعوته إلى العالمین؛ لترسیخ قیم التعایش بین الدیانات فی وفاق على کلمة واحدة. وهو ما انعکس عنه من إخراج تناحر الدیانات العالمیة من مأزقه، حیث دخل العالم فی عهد من الوئام والتفاهم والتعایش بین العقائد[4]؛ یقوم على مبدأ عظیم جاء به القرآن الکریم عندما أعلن أن {لاَ إِکرَاهَ فِی الدِّینِ}[5].

إنّ وضع التناحر الدینیّ القائم على التعصّب القومیّ والإرهاب الفکریّ، وسیادة قانون الغاب، الذی وجدت علیه المنطقة عند بعثة الرسول الکریم (ص) برسالة الإسلام إلى العالمین، جعله یسلک منهج الانفتاح على اعتبار عالمیّة الرسالة الخالدة؛ لأنّ الانغلاق والعزلة على الذات أمران مجافیان لطبیعة الإسلام الحرکیّة والاتّصالیّة المتطلّعة إلى التلاقی والتعارف، کما إنّ أمر التسلیم بالدین الجدید وبالمشروع الحضاریّ الإسلامیّ، یتطلّب أکبر قدر من الانفتاح على العالمیّة[6]؛وإنْ کان الضمیر الإنسانیّ لم یألف بعد العمل على حدود الثقافات؛ إذ تسیطر علیه عادات جذبیّة مزمنة، تدعوه إلى أن یرى الأشیاء من زاویة ضیّقة[7]،فتحرمه من التواصل والتعارف مع الثقافات المتغایرة، وممارسة دوره الثقافی فی الإسهام فی مسیرة بناء الصرح الحضاری؛ فالأمم التی اعتنقت الإسلام ودانت به هی أمم عریقة عرفت حضارات شتّى وثقافات متعدّدة، ومرّت بتجارب روحیّة ومادّیّة متنوّعة. لذلک؛ فقد اتّصل المسلمون بهذه الأمم جمیعًا کما اتّصلت بهم، فعرف المسلمون حضارة الهند، وحکمة إیران، وممارسات المتصوّفة؛ ما أعطى للحضارة الإسلامیّة مبناها ومعناها[8].

ثمّة عناصر مشترکة بین الحضارات، وبین أتباع الأدیان السماویّة التی أصبحت داخل الأمّة الواحدة، والتی یمکن أن تُشکّل أساسًا راسخًا لقیام تعاونٍ مشترکٍ بین أتباع هذه الأدیان، فجمیعها یؤمن بإله واحد، وهذا الإیمان یتضمّن سلوکًا مستقیمًا ودعوة إلى السلام والمحبّة بین الناس، وتحقیق مبدإ التسامح الدینیّ المفضی إلى التعایش والتعاون بین الأفراد والقضاء على الطبقیّة والعنصریّة، والانفتاح على مختلف الثقافات والأنماط العقدیّة الأخرى؛ بغیة إشاعة الخیر والمعروف، والحفاظ على تألّق الحضارة، ونشر ثقافة الحوار ونبذ التعصّب والصراع، واحترام کرامة الإنسان، والحرص على توفیر الأمن والسلام، والحبّ والعطاء، والعیش الودّی المشترک بین المذاهب والأدیان، والفلسفات والقیم الخُلُقیّة السامیة، ونشدان الاستقرار، وزرع الثقة بین الناس[9].

ولذلک؛ کانت الحاجة والضرورة إلى التعایش مع الأدیان والتعارف بین الحضارات ملحّة؛ لما تفرضه من الحفاظ على سلامة الکیان الإنسانیّ، وما یملیه الحرص المشترک على البقاء الحرّ الکریم فوق هذا الکوکب. ولهذا؛ یُعدّ التعایش ضرورة من ضرورات الحیاة على هذه الأرض، حیث یستجیب للدواعی الملحّة على قاعدة جلب المنافع ودرء المفاسد، ویلبّی نداء الفطرة الإنسانیّة السویّة للعیش فی أمن وسلام وطمأنینة، حتّى ینصرف الإنسان فی دَعةٍ وسکینةٍ إلى تعمیر الأرض، بالمعنى الحضاریّ والإنسانیّ الواسع لهذا التعمیر[10]. وقد کان هذا دیدن رسول الله (ص) حین وصل إلى المدینة (یثرب)، حیث شکّل وحدة سیاسیّة ونظامیّة قوامها الإخاء الإنسانیّ بین سکّانها، ونزع کلّ مظاهر الفُرقة والتناحر التی کانت سائدة فی المدینة؛ وذلک من خلال کتابة الصحیفة؛ بوصفها دستورًا ناظمًا للعلاقات الإنسانیّة بین المسلمین وغیرهم، والتی نقلت المتساکنین من نظام الأسرة والقبیلة والعشیرة والطائفة إلى نظام الأمّة الواحدة[11].

ومن هنا؛ فإنّ کلّ شعب ذی دیانات وطوائف عریقة متعدّدة سیکون محکومًا علیه التعایش والتآخی المشترک إذا ما نَشد الاستقرار، ورغب فی التقدّم والنهوض بین الأمم. ولا خیار له سوى ذلک -عاجلًا أم آجلًا- ولیس له سوى تفعیل المشترکات بین ثقافات دیاناته ومذاهبه المتعدّدة، وکذلک الحوار العقلانیّ القائم على الاحترام المتبادل حول التباینات؛ لتقریب وجهات النظر حولها أو صرف النظر عنها، والتعایش المدید مع هذه الفروقات، وتَفَهُّم حقّ کلِّ مذهب فی ممارستها من دون النفخ فیه، وجعلها وسیلة لبث الفرقة والاحتراب[12].

 

ثانیًا: التجربة النبویّة والوعی بالمنهج السننیّ:

تُعدّ التجربة النبویّة -بحقّ- مرحلة بناء الأنموذج القدوة الذی أتى على تفکیک جمیع مظاهر الحیاة الاجتماعیّة الخاطئة التی سادت البلاد العربیّة قبل البعثة، والعمل على معالجة جوانب النقص والانحراف فیها، فکانت بذلک دلیلًا على کیفیّة التعامل مع حیاة الناس جمیعًا على اختلاف عقائدهم، وتنزیل قیم القرآن علیها، وهی کالمنجم الغنی بالخامات الثمینة التی تتطلّب براعةً واجتهادًا فی تصنیعها وتحویلها إلى أوعیة للحرکة وتقدیم الحلول لجمیع النوازل، ولعلّ المساحات الکبیرة التی قدّمتها السیرة النبویّة للتعامل مع الآخر، بشتّى أنواع التعامل من التصالح والتسالم والتحاور والتعاهد والتعاقد والتحالف، تحتلّ جزءًا مهمًّا من حوادث السیرة[13].

وقد کان النبی (ص) واعیًا کلّ الوعی، ومتبصّرًا فی تصرّفاته وتحرّکاته بالسنن الربّانیّة التی تحکم حرکة التاریخ وتضبطها، وبعلاقات الاجتماع البشریّ؛ إذ التعامل مع الکون والاجتماع الإنسانیّ لا یتمّ بالصورة الصحیحة إلا بعد فهم السنن الإلهیّة التی جعلها الله مفاتیح للتعامل مع موجودات هذا العلم، والتی تتیح للإنسان فرصة الاستفادة من کنوزه وثرواته التی لا تُعدّ ولا تحصى فی آفاق الطبیعة والمادّة والنفس والإنسان والمجتمع[14].

لذلک؛ فإنّ الثقافة السننیّة المتکاملة -بما هی وعی بسنن الله تعالى فی الخلق والتسخیر والاستخلاف، وامتلاک للآلیّات المنهجیّة الفعّالة للبحث عنها فی عوالم الآفاق والأنفس والهدایة والتأیید، واقتدار متجدّد على استثمارها فی تحسین الأداء الحضارّی للمجتمع، وترقیة مستویات الاستمتاع المشترک بالرفاه الاجتماعیّ الحاصل بین جمیع أفراده- تُخرج المسلم من الوهم والخرافة والغوغائیّة، وتصله بحقائق الحیاة والوجود، وتضع یدیه على مفاتیح سنن التسخیر فی الآفاق والأنفس والهدایة والتأیید[15]،فتقوده إلى الانخراط الواعی بعد استثمار المعرفة السننیّة، وامتلاک آلیّات التغییر فی الارتقاء بالواقع الإنسانیّ إلى أعلى مستویات تکامله وانسجامه وتوازنه وأصالته وفعّالیّته، وتضمن الشروط الموضوعیّة للمحافظة على منجزات حرکة البناء والتغییر[16]؛ولکنّ الوعی بقوانین الإنجاز الحضاریّ واستثمار المعرفة السننیّة فی بناء الصرح الحضاریّ لا یتمّ دفعة واحدة، وإنّما هو بحاجة إلى "تراکم فی المعرفة والخبرة، وقراءة مستدیمة وواعیة فی تحوّلات الحیاة ویقظة التواصل"[17].

وهذا ما حرصت علیه التجربة النبویّة فی بدایتها؛ إذ عمل النبی (ص) ، قبل الشروع فی بناء المجتمع الإسلامیّ الجدید، على ترسیخ قیم الأخوّة، ومبدإ وحدة الأصل الإنسانیّ، مع استحضار ذلک البعد العمیق لجوهر الإشکالات المطروحة فی المجتمع العربیّ من التنازع والاحتراب بین القبائل المتجاورة، وما عرفته من اضطراب وافتقاد لجمیع مقوّمات العیش الکریم، من الأمن والتعایش السلمی. لذلک بادر إلى تشکیل وحدة سیاسیّة ونظامیّة قوامها الإخاء الإنسانیّ بین سکّانها، نازعًا جمیع مظاهر الفُرقة والتناحر، التی کانت ستعیقه فی الإصلاح والتغییر، إنْ هو تجاهلها وقفز عنها، لکنّ عصمته وتأییده الإلهیّ، کما یقول الله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُکُمْ وَمَا غَوَى*وَمَا یَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْیٌ یُوحَى}[18]، بَصَّراه هذه التحّدیات کلّها؛ حتى یحافظ على سلامة الکیان الإنسانیّ والتجمّع البشریّ وتقویم اعوجاجه. وقد تجلّى هذا الأمر واضحًا فی تلک المواثیق والعهود التی کتبها النبی (ص)؛ سواء فی صلح الحدیبیّة، أو فی وثیقة المدینة، أو مع وفد نجران، أو من خلال رسائله إلى الملوک والأمراء، والتی تُعد بحقّ "منارات ومعالم رئیسة لکیفیّة التعامل والتعاقد والشراکة والتعارف والتوافق مع الآخر"[19].

ومن ثمّة؛ فقد سنَّ النبی (ص) قوانین تتّسم بمنطق السماح والتجاوز مع الأمم المجاورة وغیرها، والتی لا تدین بدینها، فی الوقت الذی کانت تتعالى فیه أصوات مُشرِکة وکافرة ترید الثأر والانتقام من النبی المبعوث إلیهم بالرحمة المهداة، ومن دینه الجدید، فقابلهم بالإحسان بعد الإساءة، فاستطاع أن یحوّل ویغیّر سلوکات کثیر منهم، وینقلهم من موقع العدو اللدود إلى الولی الحمیم، امتثالًا لقول الحقّ تعالى:{وَلا تَسْتَوِی الْحَسَنَةُ وَلا السَّیِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِی هِیَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِی بَیْنَکَ وَبَیْنَهُ عَدَاوَةٌ کَأَنَّهُ وَلِیٌّ حَمِیمٌ}[20]. وقد کانت هذه القوانین بمنزلة تأشیرة تسامح وتعایش لم تعهد فی عالم ملیء بالتعصّب والتعالی، فالذی یظنّ أنّ الإسلام لا یقبل جور دین آخر، وأنّ المسلمین قوم لا یستریحون إلا إذا انفردوا فی العالم بالبقاء والتسلّط، هو رجل مخطئ؛ بل متحامل جریء[21].

لقد کان هذا السلوک قمّة فی الوعی بالمنهج السننیّ الذی استقاه (ص) من التنزیل الحکیم. وما أحوج الأمّة الیوم إلى تفعیل هذه المنظومة الأخلاقیّة، واستیعاب المنهج النبویّ الراشد واستدعائه والاقتداء به فی التعامل مع هذه التحوّلات والإکراهات التی تحول دون تحقیق ذلک التساکن والتوادّ بین الأنساق الحضاریّة فی واقعنا المعاصر وفی مستقبلنا القادم.

وقد بات من الضروری على أبناء المشروع الإسلامیّ العمل الجاد على التمثّل والاهتداء بهذه السنن التی أرشدنا إلیها الحقّ تعالى فی محکم آیاته؛ "فبیّنت أنّ الأمم ما سقطت من عرش عزّها، ولا بادت ومحی اسمها من لوح الوجود؛ إلا بعد نکوبها عن تلک السنن التی سنَّها الله على أساس الحکمة البالغة"[22]،ولذلک فمن الشروط المطلوبة الیوم لقیام الأمّة الإسلامیّة بدورها فی العطاء والإنجاز الحضاریّ، والتأهّل للوراثة الحضاریّة: إحیاء المنهج السننیّ وتأصیله؛ بوصفه مبدًا قرآنیًّا، وقد عُدّت السنن الجاریة أساس کلّ کشف واختراع وتسخیر وارتقاء وتغییر ونهوض ومداخلة وتعامل[23].

إنّ التحوّلات والتغیّرات المتسارعة فی عالمنا الیوم، فی مختلف المستویات والأصعدة، لا یمکن فهمها والإمساک بناصیتها والتحکّم فی مسارها ومآلاتها بدون فکرٍ یستند إلى نوامیس التطوّر الإنسانیّ، ویتناغم مع قوانین الرقیّ والتقدّم؛ وذلک لأنّ فقدان الفکر السننیّ، وعدم إدراک قوانین التطوّر الإنسانیّ، یؤدّیان إلى "لهاث فوضویّ وأبله، دون القدرة على التحکّم فی مسارها ومصیرها، بینما الفکر السننیّ یوفّر القدرة المناسبة للتحکّم فی مسار تطوّرات الحیاة وتحوّلاتها المستمرّة"[24]؛إذ الخروج من أیّ أزمة حضاریّة یمرّ حتمًا عبر إعادة بناء الوعی السننی المتکامل، الذی یُمکِّن المجتمع والأمّة من الاستثمار الأمثل لکلّ منظومات سنن التسخیر فی تلبیة حاجاتهما الذاتیّة، ومواجهة التحدّیات المعاصرة المحیطة بهما، وتأهیل قدراتهما الإنجازیّة، لتحقیق مواکبة أو منافسة أو ریادة حضاریّة أصیلة وفعّالة ومطّردة[25].

 ومن هذا المنطلق، ینبغی على الأمّة المؤمنة أن تهتدی إلى هذا المنهج فی علاقاتها بالأنساق الحضاریّة المختلفة، وإعمالها لقانون المدافعة، وإلا تاهت وضلّت سبیلها؛ إذ التدافع الذی لا یؤسّس الوعی بسلطان السنن الإلهیّة الاجتماعیّة، ونفوذها المطّرد فی الحیاة البشریّة، سیکون تدافعًا فاشلًا وغیر إنسانیّ وغیر استخلافیّ، یقود المجتمعات الإنسانیّة إلى مزید من التصادم الذی یدمّر أجزاء کبیرة من طاقاتها، ویحرمها من الاستفادة منها[26].

وقد تجلّى هذا الفعل الحضاری لرسول الله (ص) واضحًا، من خلال تصرّفاته فی المواثیق والعهود التی أبرمها مع الأمم والشعوب المجاورة، وکذا من خلال مکاتباته للملوک والأمراء؛ وذلک بعد استثماره للمنهج السننیّ، وإعمال سنن التعارف مع هذه الأنساق الحضاریّة؛ وهو ما انعکس عنه الفعل الإیجابیّ لکثیرٍ من أبناء هذه الثقافات، وکذا إسلام کثیرٍ من هؤلاء الملوک والأمراء.

ومن خلال محاولتنا التأصیلیّة للتجربة النبویّة ووعیها بمنطق السنن فی إعمال قانون التعارف ومقاربته، سنقتصر على بعض النماذج التفسیریّة التی کان لها الوقع الکبیر فی تغییر مسار التاریخ الإنسانیّ، وتحقیق ذلک التناغم بین مختلف الأنماط الحضاریّة. فما هی طبیعة هذه النماذج؟ وما انعکاساتها على واقع العلاقات الإنسانیّة؟ وکیف استثمرها رسول الله (ص) فی تحقیق عالمیّة الرسالة والمشروع الکونیّ الحضاریّ؟

 

ثالثًا: نماذج تفسیریّة للتجربة النبویّة فی إعمال سنن التعارف الحضاریّ:

عرفت المرحلة المدنیّة من الدعوة الإسلامیّة تحوّلات کبیرة على مستوى العلاقات الخارجیّة، وخاصّة بعد توسّع رقعة انتشار الإسلام والمسلمین فی معظم بقاع المعمورة، وهو الأمر الذی جعل النبی (ص) یفکّر فی رؤیة استراتیجیّة لاستیعاب مختلف الأنساق العقدیّة التی کانت حینئذ بالمدینة المنوّرة، وهو ما تمّ بالفعل حین حقّق (ص) ذلک الاتّصال المباشر مع الیهود، وکذا ربط العلاقات مع النصارى والمجوس بالجزیرة العربیّة عن طریق عدد من الکتب والمعاهدات. ومن خلال بنود هذه المعاهدات، بدأ (ص) یفعّل تلک القیم النبیلة والمفقودة فی المجتمع العربیّ الجاهلیّ. وإثباتًا لمنطق التعایش بین جمیع الأجناس والقبائل، نجده (ص) قد جمع حوله نفرًا من صحابته الکرام البررة، من الذین یمثّلون معظم الأجناس والتقالید الحضاریّة القدیمة، فکان ثمّة: الخباب بن الأرت، وأصله من العراق، وکان یمثّل حضارات ما بین النهرین، وصهیب الرومی؛ وهو یمثّل الجنس الرومیّ (البیزنطیّ) وحضارته البیزنطیّة، وسلمان الفارسی؛ وهو یمثّل حضارة الفرس، ثمّ ماریة القبطیّة التی کانت تمثّل حضارة مصر.

فمن الواضح -إذًا- أنّ من خصائص هذه الأمّة المستخلَفة والشاهدة أنّها ذات آفاق إنسانیّة عالمیّة تستوعب القومیّات والأعراق والشعوب کافّة، فجمعت بحبّ ووئام بین العرب والروم والفرس والترک والأحباش والأکراد والهنود والبربر والزنوج وغیرهم تحت شعار الإسلام،وقد أسهم هذا التنوّع الإنسانیّ بتنافسه الإیجابیّ وإبداعاته الخیّرة فی تشیید أعظم صرح شهدته الإنسانیّة عبر الأجیال[27].ویشهد الجمیع أنّ مرحلة الإسلام کانت مرحلة متمیّزة؛ إذ عرفت تعدّدًا وتنوّعًا وتعایشًا سلمیًّا بین الأفراد والجماعات والدیانات، واختلاطًا لأنماط الحیاة والسلوک والعبادات.

لقد کانت ثقافة السلام والتعایش والتعارف مع الآخر فی الإسلام ثقافةً راسخةً تُشخّصها ما جاءت به رسالته من استبعاد الانغلاق فی الدین والرأی والموقف والسلوک، والتعامل مع الآخر، وقبول الاختلاف، والتعایش بین الدیانات؛ وفاقًا لقول الله تعالى: {یَا أَیُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُم مِّن ذَکَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}[28]، فهو دین یقیم رابطة الأخوّة الإنسانیّة بین أبناء المجتمع حمایة وضمانًا لمبدإ السلام على أساس من المحبّة والألفة والتعاون والتضامن والإیثار ونبذ الخصومات. وبهذا کلّه "یتحقّق السلام الاجتماعیّ والأمن والسکینة، وتتوطّد دعائم المجتمع على وجه لا تصدّعه الأحداث، ولا تنال من هیبته الخطوب"[29].ومن هذا المنطلق؛ نجد الإسلام یشجّع على تدعیم العلاقات السِّلمیّة بین الأمم والجماعات؛ لتسهیل تبادل المنافع المادّیّة والاقتصادیّة، وتحقیق المقاصد الاجتماعیّة، وعقد أواصر المودّة والتعاون، وانتفاع کلّ أمة بما لدى الأمم الأخرى من ثقافة وعلم وخبرة فی سبیل خیرِ الإنسانیّة ودفعها نحو التقدّم والازدهار والسلام.

ولأجل ذلک؛ انطلقت الدعوة المحمّدیّة بالنداء الإلهیّ إلى أهل الکتاب والالتقاء معهم على کلمة سواء، وفق ما جاء فی قول الله تعالى:{قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَواْ إِلَى کَلَمَةٍ سَوَاء بَیْنَنَا وَبَیْنَکُمٌ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِکَ بِهِ شَیْئًا وَلاَ یَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ الله}[30]، فشَکَّل هذا النداء الإلهیّ أوّل نداء عالمیّ للتعایش السلمیّ بین الدیانات الموحّدة، وبین المجتمعات المختلفة[31]؛ففی الآیة الکریمة السابقة دلالة عمیقة وواضحة على مبدإ التعایش فی الإسلام، على اعتبار المساحة المشترکة الواسعة بین المسلمین وأهل الکتاب. ومن ثمّة؛ فالمسلم یعتقد أنّ الهدی الإلهیّ جاء عبر سلسلة طویلة من الرسالات والنبوّات، آخر حلقاتها الیهودیّة، ثمّ المسیحیّة، فالإسلام. فمن الطبیعی جدًّا "أن تکون هذه الأدیان الثلاثة أقرب إلى بعضها بعضًا، منها إلى سائر الأدیان"[32].

ولم یبقَ هذا النداء الإسلامیّ تنظیرًا؛ بل وجد تطبیقه فی الحیاة العملیّة لرسول الله (ص)؛ وذلک حین قنّنه، سواء فی الدستور المکتوب الذی أعلنه فی المدینة بعد هجرته، والذی سُمّی بالصحیفة، أو مع وفد نجران، أو من خلال تلک الرسائل والمکاتبات التی وجّهها إلى الملوک والأمراء؛ وذلک بعد أنْ أرسى النبی (ص) قواعد مجتمع جدید وأمّة إسلامیّة جدیدة، بإقامة الوحدة العقدیّة والسیاسیّة والنظامیّة بین المسلمین؛ إذ بدأ بتنظیم علاقاته بغیر المسلمین، وکان قصده بذلک توفیر الأمن والسلام والسعادة والخیر للبشریّة جمعاء، مع تنظیم المنطقة فی وفاق واحد، فسنّ فی ذلک قوانین السماح والتجاوز التی لم تعهد فی ذلک العالم الملیء بالتعصّب والأغراض الفردیّة والعرقیّة[33].

کثیرة هی النماذج من السیرة النبویّة العطرة التی تؤصّل لمنطق التعارف والتعایش وتؤسّسه بین مختلف الحضارات السائدة فی بلاد شبه الجزیرة العربیّة، وحسبنا -هنا- أن نقتصر على ثلاثة نماذج للتبیان والتوضیح:

1. التعامل مع الیهود من خلال صحیفة المدینة:

عندما جاء النبی (ص) إلى المدینة وجد بها یهودًا توطّنوها ومشرکین مستقرّین فیها، فلم یتّجه فکره (ص) إلى رسم سیاسة الإبعاد أو المصادرة والخصام، بل قَبِلَ -عن طیب خاطر- وجود الیهودیّة والوثنیّة، وعرض على الفریقین أن یعاهدهم معاهدة الندّ للند، على أنّ لهم دینهم وله دینه[34]، فقد کانوا أقرب إلى مجاورة المسلمین من غیرهم، وإنْ کانوا یبطنون العداوة للمسلمین؛ ولکنّهم لم یکونوا یظهرون أیّ مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسول الله (ص) معاهدة، قرّر لهم فیها النصح والخیر، وترک لهم فیها مطلق الحرّیّة فی الدین والمال، ولم یتّجه إلى سیاسة الإبعاد أو المصادرة والخصام[35]،فعملت هذه الصحیفة من خلال بنودها على استبدال مفهوم الفرقة والصراع بین الشعوب والقبائل بمفهوم الأمّة القائمة على الوفاق والتعایش مع حفظ الخصوصیّات، حیث تَکَوَّن لأوّل مرّة فی المدینة مجتمع تتعدّد فیه علاقات الانتماء إلى الدین والجنس، ولکن تتوحّد فیه علاقة الانتماء إلى الأرض المشترکة؛ أرض الوطن[36].

لقد کانت الصحیفة فاتحة الطریق أمام مرحلة جدیدة من مراحل التعارف العملیّ بین أمّة الإسلام وغیرها من أصحاب العقائد؛ کالیهود والنصارى[37]،على أساس من حرّیّة الاعتقاد، والمساواة فی حقوق المواطنة داخل الأمّة الواحدة[38]،وأثبتت رغبة المسلمین فی التعاون الخالص والمثمر مع یهود المدینة، ونشرت السکینة فی ربوع المدینة، وضربت على أیدی جمیع العادین ومدبّری الفتن، أیًّا کان دینهم[39].

وبهذا، فقد أوفى النبی (ص) بحسن الجوار مع الیهود؛ وذلک حین قدَّم لهم عهودًا وضمانات، بدّد بها مخاوفهم وأزال وساوسهم، وبخاصّة إذا استحضرنا ذلک الواقع المضطرب من التقاتل والتباغض الذی کان سائدًا حینئذ؛ ما جعله یسهم فی التأسیس الفعلی للأنموذج الراقی لإقامة تعایش سلمیّ، بعد أن قضى على جمیع أشکال الفرقة والتناحر بین النوع الإنسانیّ، بجمیع أطیافه وعقائده.

2. التعامل مع النصارى (وفد نجران):

توضح معاهدة النبی (ص) مع نصارى نجران مدى احترامه وتفهّمه وتعایشهمع الآخر، وإقرار عقیدته؛ فقد شکّلت هذه المعاهدة أنموذجًا رائعًا وخیر مثال على الحرّیّة الدینیّة فی الإسلام. وتروی کتب السیرة أنّ نصارى نجران بَعثوا ذات یوم وفدًا مکوّنًا من ستّین عضوًا إلى النبی (ص)؛وذلک بعدما استَتَبَّ لهم الأمر فی یثرب، إذ تحاوروا معه مطوّلًا بشأن رسالته، وتفهّموا مقاصدها، واطمأنّوا فی النهایة إلى صدقه، فسألوه أن یردّ على زیارتهم بإرسال مبعوث عنه إلى نجران، وقد عهد النبی (ص) إلى مبعوثه عمرو بن حزم بالقیام بهذه الزیارة التی مهّدت لإعطاء نبی الإسلام فیما بعد وثیقة أمان وسلام لنصارى نجران. فکتب لهم رسول الله کتابًا یحفظ عند أعقاب المسلمین من کان منهم سلطانًا أو غیر سلطان؛ وذلک لیدخلوا فی أبواب الوفاء، ویکونوا عونًا على الدعوة، وغیظًا لأهل التکذیب والتشکیک، ولئلا تکون الحجّة لأحد من أهل الذمّة على أحد ممّن انتحل ملّة الإسلام مخالفًا لما وضع فی هذا الکتاب، والوفاء لهم بما استوجبوا واستحقّوا من النبی (ص) [40].

وممّا ورد فی هذه المعاهدة: أنّ لنجران وحاشیتها جوار الله، وذمّة محمد النبی رسول الله على أموالهم وأنفسهم وملّتهم وغائبهم وشاهدهم وعشیرتهم وبیعهم، وکلّ ما تحت أیدیهم من قلیل أو کثیر، لا یغیر أسقف من أسقفیّة، ولا راهب من رهبانیّة، ولا کاهن من کهانته، ولیس علیهم دیة ولا دم جاهلیّة، ولا یحشرون ولا یعشرون، ولا یطأ أرضهم جیش، ومن سأل منهم حقًّا فبینهم النصف غیر ظالمین ولا مظلومین[41].

وما یجسّد فعل التسامح وحسن معاملة النبی (ص)مع وفد نجران؛ أنّهم عندما دخلوا علیه -وهو فی مسجده بعد فراغه من صلاة العصر- جلسوا معه، فلمّا حان وقت صلاتهم قاموا فی مسجده (ص)یصلّون، فَهمَّ صحابته الکرام إلى منعهم، فقال لهم رسول الله (ص): "دعوهم"، فصلّوا إلى المشرق[42]. فشکَّل هذا التصرّف النبویّ تجلّیًا حقیقیًّا من تجلّیات التعایش. والأمثلة کثیرة، وردت فی مصنّفات السیرة النبویّة.

إنّ الضمانات التی أعطاها نبی الإسلام محمد بن عبد الله (ص) للیهود؛ لإقامة تعایش سلمی بین الدیانتین، أعطى مثلها للنصارى، بمجرّد وصول الإسلام إلى وفد نجران فی الیمن، فبدّد بهذا المیثاق السلمی الذی أعطاهم إیّاه، هاجس خوف النصارى من تکرار المحرقة الیهودیّة التی ظلّ نصارى نجران یعانون منها طیلة سنوات خلت، وکان تعهّد الإسلام بالتعایش مع النصرانیّة الحلقة الثانیة فی مسلسل التعایش السلمی الذی جاءت به دعوة النبی محمد (ص)؛ وهو تعایش على أرض الواقع؛ تطبیقًا عملیًّا لنداء التعایش بین الإسلام ودیانتی أهل الکتاب من الیهود والنصارى[43].لقد کان مقصد الرسول (ص)من نشر قیم الخیر والسلام، وأخلاقیّات التعامل الحضاری طیلة حیاته الشریفة: التأکید على ثقافة التسامح لدى المسلمین، وغرس القیم النبیلة؛ الشیء الذی نتج عنه بناء حضارة إسلامیّة رائدة تستند إلى العقل، وتقوم على الاجتهاد، وتنبذ جمیع أشکال التعصّب والتطرّف والتحجّر والانغلاق.

واقتداءً بهذا المنهج، تعایش المسلمون مع معتنقی مختلف الدیانات فی المجتمع الإسلامیّ وغیرهم من الیهود والنصارى؛ حیث ضمن لهم الإسلام حقوقهم الدینیّة والسیاسیّة والاجتماعیّة، سواء فی الدستور الذی أعلنه الرسول (ص) عندما استقرّ فی المدینة، أو من خلال معاهدته (ص) لوفد نجران، فلم یکن (ص) یخشى ولا یرى أیّ خطر یهدّد دولته ومجتمعه الفتیّ من جرّاء إقرار صیغة للعیش المشترک بین معتنقیه وبین غیرهم من أتباع الدیانات الأخرى؛ بل قَدَّم مثالًا حیًّا وتطبیقًا رائعًا لهذا المبدإ؛ إذ یحقّ لنا نحن المسلمین أن نعتزّ ونفخر به على غیرنا من الأمم والشعوب التی ما زال بعضها حتى الیوم یضیق عن الاعتراف بالآخرین وبحقّهم فی ممارسة عقائدهم المخالفة[44].

3. مکاتبة ملوک الدول وحکّامها:

ولکی تکتمل صورة التعارف عند النبی (ص) ومنهجه فی التعامل مع الأمم والشعوب المجاورة، بعث برسائل عدّة إلى ملوک عصره من أهل الکتاب؛ وخاصّة المسیحیّین[45].ففی السنة السادسة للهجرة بعث برسالة إلى النجاشی، وبرسالة إلى هرقل قیصر الروم، وإلى المقوقس ملک القبط، وإلى ابنی الجلدونی حاکمی عمان وکانا من النصارى، وإلى الحارث الغسّانی صاحب دمشق، وإلى ملک الیمامة هوذة بن علی الحنفی، وإلى أسقف نجران أبی الحارث، وإلى ملک الغساسنة جبلة بن الأیهم، وإلى أسقف الروم فی دمشق، وإلى ملک القدس یوحنا بن رؤبة، وإلى أکیدر بن عبد الملک، ومزوة بن عمر والجذافی؛ وکانوا فی غالبیّتهم من النصارى. «فعن یوسف بن حمّاد المَعنی، حدثنا عبد الأعلى، عن سعید، عن قتادة، عن أنس: أنّ النبی (ص) کتب إلى کسرى، وإلى قیصر، وإلى النجاشی، وإلى کلّ جبّار، یدعوهم إلى الله تعالى، ولیس بالنجاشی الذی صلَّى علیه النبی (ص)» [46].

 ولو دقّقنا النظر فی مضمون الرسائل ومحتویاتها لوجدنا فیها عبرًا ودلالات عمیقة فی التعارف الإنسانی بین أمّة الإسلام وغیرها من الأمم، کما تُبیِّن هذه الرسائل أنّ رسول الله (ص) لم یکن له مطمعٌ بِمُلکٍ ولا جاه ولا احتلال؛ وإنّما کانت دعوته إیّاهم للإسلام للهدایة ولیعمّ السلام. وقد تجسّد فی رسائله (ص) إلى الملوک، جوهر الإسلام الذی یقدّر أصحاب العقائد الأخرى ویدعوهم إلى توحیدها لتعود إلى الإسلام الشامل الإنسانیّ العالمیّ، وقد کان سنده المتین الذی تقوم علیه رسائله هو قول الحقّتعالى: {قُلْ یَا أَهْلَ الْکِتَابِ تَعَالَواْ إِلَى کَلَمَةٍ سَوَاء بَیْنَنَا وَبَیْنَکُمُ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِکَ بِهِ شَیْئًا}[47]. إذا تأمّلنا مجریات العهد النبوی وأحداثه؛ نجد أنّ صاحب الدعوة الإسلامیّة الرسول الأکرم (ص) قد اتّخذ أسلوب الحوار فی مخاطبة الآخرین؛ أفردًا، وجماعات، ودیانات، وکُتَل سیاسیّة، وحضارات عالمیّة، ودعا إلى الاتّفاق على کلمة سواء یمکن إطلاق تعبیر "الوفاق" علیها. ومن یقل بالوفاق یقل -حکمًا- باستبعاد الانغلاق فی الموقف والرأی والسلوک، ویقرّ بالانفتاح على الآخر، والتعامل معه وفق احترام وتفاهم متبادلین[48].

ومن هنا، أدرک رسول الله (ص) -فی إطار حرکته العالمیّة وتحرّکه نحو مکاتبة الملوک والأمراء- الوشائج التی تربط الإسلام بالمعسکر البیزنطیّ-النصرانیّ؛ لأنّه ینتمی إلى دین سماویّ تنصّ مصادره الدینیّة على نبوّة الرسول (ص)، ما سیقودهم إلى تفهّم دعوته التی انطلق بها سفراؤه إلى ملوک هذا المعسکر وحکّامه.ولذلک؛ رأى النبی (ص) أن یرسل بکتبه إلى رؤساء الدول الکبرى وإلى أمراء الولایات المحتلّة على سواء، یدعوهم إلى الله ویعرض علیهم الإسلام: "أسلم تسلم"؛ کما جاء فی تلک الرسائل، مع العلم أنّ أصحاب الرسالات لا ینظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضیّق المنکور؛ إذ إنّ ثقتهم العمیقة فی سیادة فکرتهم وامتداد نطاقها تُصَغِّر العقبات المفردة فی الطریق، وتجعلها -ولو کان الشمّ الرواسیّ- هباءً منثورًا[49].

إنّ فی ذلک تدافعًا مع هذه الأنساق العقدیّة المنحرفة، حیث إنّ فی دعوتهم إلى الکلمة السواء نقلًا وتحریکًا من موقع عبادة العباد إلى موقع عبادة ربّ العباد، وإنْ کان فی هذا الأمر مخاطر، وبخاصّة إذا علمنا أنّ الملوک کانوا یخشون على رئاستهم وإماراتهم، ولکنّه (ص) ما کان یخاف فی ذلک لومة لائم، وقد اعترضه فی سبیل تبلیغ هذا الدین إلى الأمصار المجاورة عقبات تلو العقبات، ولم یتقاعس قط أو یتثاقل عن أداء رسالته؛ لأنّه حینما تکون الإرادات والعزائم قویّة؛ فإنّها تکون مدعاة إلى الإقدام، وإلى تعمیق الثقة فی الفکرة والمشروع؛ وهو ما کان له الأثر الطیّب والانعکاس الجلیّ فی ترسیخ مبدإ التعارف بین أبناء هذه المعتقدات؛ إیمانًا منه بالسعی نحو التقریب لا التنافر، والتعارف لا التناکر.

 

خاتمة:

إنّ حرص النبی (ص) -من خلال تجربته الفریدة والمتمیّزة التی لامسنا جزءًا من تجلّیاتها- على التأصیل والتأسیس لمبدإ التعایش والتعارف،وتعزیزه بالفعل المیدانیّ فی حلقاته الثلاث[50]،واضح وجلی لضمان تنفیذه وتفعیل بنوده؛ وذلک وعیًا منه وإیمانًا بحتمیّة التعایش المشترک بین معتقدات أهل المدینة ودیاناتهم فی بناء مجتمع إنسانی سلیم، یسوده الأمن والسلم والودّ والتسامح والإخاء الإنسانیّ، انطلاقًا من تلک الفطرة الکامنة فی الإنسان والمجبول علیها فی حبّ السلم والسلام، ومناشدة الأمن والأمان. وهذا ما یؤکّد أنّ المسلمین کانوا عبر التاریخ روّادًا للتعایش، وأنّهم یملکون الاستعداد الفطریّ والذاتیّ لیتعایشوا مع جمیع من یرغب من أهل الأدیان والشرائع والملل والعقائد فی التعایش معهم؛ وذلک فی جمیع الأحوال والأزمان؛ اعتقادًا منهم أنّه تعایش یخدم أغراضًا إنسانیّة سامیة، من خلال التفاهم والتعاون والعمل المشترک فی المیادین التی تحقّق المقاصد والغایات النبیلة.

 



[1] باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2]- انظر: العلوانی، طه جابر: الخصوصیّة والعالمیّة فی الفکر الإسلامیّ المعاصر، تقدیم: عبد الجبار الرفاعی، سلسلة قضایا إسلامیّة معاصرة، ط1، بیروت، دار الهادی، 1424هـ.ق/ 2003م، ص44-45.

[3] انظر: أبو طالب، عبد الهادی: "عالمیّة الإسلام، ونداؤه للسلام، ودعوته للتعایش والاعتراف بالآخر"، مجلة إسلامیّة الیوم، العدد19، السنة19، 1423هـ.ق/ 2002م، ص42.

[4] انظر: م.ن، ص41.

[5]سورة البقرة، الآیة 255.

[6] انظر: مراح، محمد: "نحو رؤیة إسلامیة لتعارف الحضارات"، ضمن کتاب "تعارف الحضارات" لمجموعة من الباحثین، ط1، دمشق، دار الفکر، محرم1427 هـ/ ینایر 2006م، ص92.

[7] انظر: ابن نبی، مالک: مشکلة الثقافة، ط4، دمشق، دار الفکر، 1994م، ص142.

[8] انظر: مرحبا، محمد عبد الرحمن: من الفلسفة الیونانیّة إلى الفلسفة الإسلامیّة، ط1، بیروت، منشورات عویدات، 1970م، ص290.

[9] انظر: الزحیلی، وهبة: "ثقافة التسامح بین الغرب والشرق"، مجلة التسامح، السنة6، العدد23، 1429هـ.ق/ 2008م، ص280.

[10] انظر: التویجری، عبد العزیز: الحوار من أجل التعایش، ط1، القاهرة، دار الشروق، 1419هـ.ق/ 1998، ص131.

[11] انظر: الشعبی، قائد: وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، تقدیم: عمر عبید حسنة، ضمن "کتاب الأمّة"، ط1، قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامیّة، العدد110، السنة25، ذو القعدة 1426هـ.ق/ ینایر 2006م، ص36.

[12] انظر: السمّاک، رضا: "الأوطان وحتمیّة التعایش الدینیّ"، مقالة منشورة على موقع الجزیرة العربیة.نت، بتاریخ: الإثنین 04 مایو 2009م/ 09 جمادى الأولى1430هـ.ق.

[13] انظر: الشعبی، وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، م.س، ص27.

[14] انظر: سعید، جودت: حتّى یغیروا ما بأنفسهم، تقدیم: مالک بن نبی، الدار البیضاء، المکتبة السلفیة، 1993م، ص173.

[15] انظر: برغوث، الطیّب: "مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة- تحلیل لأهمّیّة المعطى الثقافیّ والتربویّ"، ضمن سلسلة آفاق فی الوعی السننی، ط1، الجزائر، دار قرطبة 1425هـ.ق/ 2004م، ص39.

[16] انظر: برغوث، مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة، م.س، ص25.

[17] محفوظ، محمد: الإسلام ورهانات الدیمقراطیّة، ط1، الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی، 2002م، ص31.

[18] سورة النجم، الآیات 1-4.

[19] الشعبی، وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، م.س، ص31.

[20] سورة فصلت، الآیة 33.

[21] انظر: الغزالی، محمد: فقه السیرة، مراجعة وتعلیق: محمد ناصر الدین الألبانی، ط6 (منقحة ومحققة)، الإسکندریة، دار الدعوة، 1421هـ.ق/ 2000م، ص166.

[22] الأفغانی، جمال الدین؛ عبدو، محمد: العروة الوثقى، ط1، بیروت، دار الکتاب العربی، 1389هـ.ق/ 1970م، ص171.

[23] انظر: حسنة، عمر عبید: الوراثة الحضاریّة، ط1، بیروت، المکتب الإسلامی، 1424هـ.ق/ 2003م، ص65.

[24] محفوظ، الإسلام ورهانات الدیمقراطیة، م.س، ص27.

[25] انظر: برغوث، مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة، م.س، ص52.

[26] انظر: برغوث، مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة، م.س، ص40.

[27] انظر: الکفیشی، عامر: مقوّمات النهوض الإسلامیّ بین الأصالة والتجدید، ط1، بیروت، دار الهادی، 1427هـ.ق/ 2006م، ص333.

[28] سورة الحجرات، الآیة 13.

[29] الزحیلی، وهبة: "دعائم الأمن والسلام فی الإسلام"، مجلة حضارة الإسلام، العدد3، السنة4، 1963م، ص46.

[30] سورة آل عمران، الآیة 64.

[31] انظر: أبو طالب، "عالمیّة الإسلام، ونداؤه للسلام، ودعوته للتعایش والاعتراف بالآخر"، م.س، ص40.

[32] حتحوت، حسّان: رسالة إلى العقل العربیّ المسلم، لا.ط، القاهرة، دار المعارف، لا.ت، ص154.

[33] انظر: المبارکفوری، صفی الرحمن: الرحیق المختوم، الطبعة الشرعیّة-منقحة، المنصورة، دار الوفاء، 1424هـ.ق/ 2003م، ص180.  

[34] انظر: الغزالی، فقه السیرة، م.س، ص166.

[35] انظر: المبارکفوری، الرحیق المختوم، م.س، ص180.  

[36] انظر: الشعبی، وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، م.س، ص209.

[37] انظر: الباش، حسن: منهج التعارف الإنسانیّ فی الإسلام - نحو قواسم مشترکة بین الشعوب، ط1، لیبیا - طرابلس، منشورات جمعیة الدعوة الإسلامیّة العالمیّة، 2005م، ص37.

[38] انظر: عمارة، محمد: "الإسلام والآخر من یعترف بمن، ومن ینکر من؟"، ط1، مصر، مکتبة الشروق، 2001م، ص28.

[39] انظر: الغزالی، فقه السیرة، م.س، ص167.

[40] انظر: حمید الله، محمد: مجموعة الوثائق السیاسیّة للعهد النبویّ والخلافة الراشدة، ط6، بیروت، دار النفائس، 1407هـ.ق/ 1987م، ص185. 

[41] انظر: البلاذری، أبو الحسن: فتوح البلدان، مراجعة وتعلیق: رضوان محمد رضوان، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1403هـ.ق/ 1983م، ص76؛ حمید الله، مجموعة الوثائق السیاسیّة للعهد النبویّ والخلافة الراشدة، م.س، ص176. 

[42] انظر: الحمیری، ابن هشام: السیرة النبویّة، تحقیق وضبط وشرح: مصطفى السّقا؛ وآخرون، بیروت، المکتبة العلمیة، لا.ت، ج2، ص574.

[43] انظر: أبو طالب، "عالمیّة الإسلام، ونداؤه للسلام، ودعوته للتعایش والاعتراف بالآخر"، م.س، ص44.

[44] انظر: الأمین، حسن محمد: الاجتماع العربی الإسلامی-مراجعات فی التعددیة والنهضة والتنویر، سلسلة قضایا إسلامیة معاصرة، ط1، بیروت، دار الهادی، 11424هـ.ق/ 2003م، ص67.

[45] انظر: حمید الله، مجموعة الوثائق السیاسیة للعهد النبوی والخلافة الراشدة، م.س، ص101-140؛ المبارکفوری، الرحیق المختوم، م.س، ص304-313.

[46] انظر: النیسابوری، مسلم: صحیح مسلم، ط1، مصر، مکتبة الصفا-الأزهر، 1424هـ.ق/ 2004م، ج2، کتاب الجهاد والسیر، باب کتب النبی (ص) إلى ملوک الکفّار یدعوهم إلى الله، ح1774، ص246.

[47] سورة آل عمران، الآیة 64.

[48] انظر: أبو طالب، عبد الهادی: حقیقة الإسلام، المغرب، إفریقیا الشرق، لا.ت، ص81.

[49] انظر: الغزالی، فقه السیرة، م.س، ص306-311.

[50] حلقة التعایش الأولى مع الیهود من خلال وثیقة المدینة، والحلقة الثانیة مع النصارى من خلال وثیقة الأمان التی أعطیت لوفد نجران، والحلقة الثالثة من خلال رسائل الملوک.

[1]- انظر: العلوانی، طه جابر: الخصوصیّة والعالمیّةفی الفکر الإسلامیّ المعاصر، تقدیم: عبد الجبار الرفاعی، سلسلة قضایا إسلامیّة معاصرة، ط1، بیروت، دار الهادی، 1424هـ.ق/ 2003م، ص44-45.
[1] انظر: أبو طالب، عبد الهادی: "عالمیّة الإسلام، ونداؤه للسلام، ودعوته للتعایش والاعتراف بالآخر"، مجلة إسلامیّة الیوم، العدد19، السنة19، 1423هـ.ق/ 2002م، ص42.
[1] انظر: م.ن، ص41.
[1]سورة البقرة، الآیة 255.
[1] انظر: مراح، محمد: "نحو رؤیة إسلامیة لتعارف الحضارات"، ضمن کتاب "تعارف الحضارات" لمجموعة من الباحثین، ط1، دمشق، دار الفکر، محرم1427 هـ/ ینایر 2006م، ص92.
[1] انظر: ابن نبی، مالک: مشکلة الثقافة، ط4، دمشق، دار الفکر، 1994م، ص142.
[1] انظر: مرحبا، محمد عبد الرحمن: من الفلسفة الیونانیّة إلى الفلسفة الإسلامیّة،ط1، بیروت،منشورات عویدات،1970م،ص290.
[1] انظر: الزحیلی، وهبة: "ثقافة التسامح بین الغرب والشرق"، مجلة التسامح، السنة6، العدد23، 1429هـ.ق/ 2008م، ص280.
[1] انظر: التویجری، عبد العزیز: الحوار من أجل التعایش، ط1، القاهرة، دار الشروق، 1419هـ.ق/ 1998، ص131.
[1] انظر: الشعبی، قائد: وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، تقدیم: عمر عبید حسنة، ضمن "کتاب الأمّة"، ط1، قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامیّة، العدد110، السنة25، ذو القعدة 1426هـ.ق/ ینایر 2006م، ص36.
[1] انظر: السمّاک، رضا: "الأوطان وحتمیّة التعایش الدینیّ"، مقالة منشورة على موقع الجزیرة العربیة.نت، بتاریخ: الإثنین 04 مایو 2009م/ 09 جمادى الأولى1430هـ.ق.
[1] انظر: الشعبی، وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، م.س، ص27.
[1] انظر: سعید، جودت: حتّى یغیروا ما بأنفسهم، تقدیم: مالک بن نبی، الدار البیضاء، المکتبة السلفیة، 1993م، ص173.
[1] انظر: برغوث، الطیّب: "مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة- تحلیل لأهمّیّة المعطى الثقافیّ والتربویّ"، ضمن سلسلة آفاق فی الوعی السننی، ط1، الجزائر، دار قرطبة 1425هـ.ق/ 2004م، ص39.
[1] انظر: برغوث، مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة، م.س، ص25.
[1] محفوظ، محمد: الإسلام ورهانات الدیمقراطیّة، ط1، الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی، 2002م، ص31.
[1]سورة النجم، الآیات 1-4.
[1] الشعبی، وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، م.س، ص31.
[1]سورة فصلت، الآیة 33.
[1] انظر: الغزالی، محمد: فقه السیرة، مراجعة وتعلیق: محمد ناصر الدین الألبانی، ط6 (منقحة ومحققة)، الإسکندریة، دار الدعوة، 1421هـ.ق/ 2000م، ص166.
[1] الأفغانی، جمال الدین؛ عبدو، محمد: العروة الوثقى، ط1، بیروت، دار الکتاب العربی، 1389هـ.ق/ 1970م، ص171.
[1] انظر: حسنة، عمر عبید: الوراثة الحضاریّة، ط1، بیروت، المکتب الإسلامی، 1424هـ.ق/ 2003م، ص65.
[1] محفوظ، الإسلام ورهانات الدیمقراطیة، م.س، ص27.
[1] انظر: برغوث، مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة، م.س، ص52.
[1] انظر: برغوث، مقدّمة فی الأزمة الحضاریّة والثقافة السننیّة، م.س، ص40.
[1] انظر: الکفیشی، عامر: مقوّمات النهوض الإسلامیّ بین الأصالة والتجدید، ط1، بیروت، دار الهادی، 1427هـ.ق/ 2006م، ص333.
[1]سورة الحجرات، الآیة 13.
[1] الزحیلی، وهبة: "دعائم الأمن والسلام فی الإسلام"، مجلة حضارة الإسلام، العدد3، السنة4، 1963م، ص46.
[1]سورة آل عمران، الآیة 64.
[1] انظر: أبو طالب، "عالمیّة الإسلام، ونداؤه للسلام، ودعوته للتعایش والاعتراف بالآخر"، م.س، ص40.
[1] حتحوت، حسّان: رسالة إلى العقل العربیّ المسلم، لا.ط، القاهرة، دار المعارف، لا.ت، ص154.
[1] انظر: المبارکفوری، صفی الرحمن: الرحیق المختوم، الطبعة الشرعیّة-منقحة، المنصورة، دار الوفاء، 1424هـ.ق/ 2003م، ص180.  
[1] انظر: الغزالی، فقه السیرة، م.س، ص166.
[1] انظر: المبارکفوری، الرحیق المختوم، م.س، ص180.  
[1] انظر: الشعبی، وثیقة المدینة - المضمون والدلالة، م.س، ص209.
[1] انظر: الباش، حسن: منهج التعارف الإنسانیّ فی الإسلام - نحو قواسم مشترکة بین الشعوب، ط1، لیبیا - طرابلس، منشورات جمعیة الدعوة الإسلامیّة العالمیّة، 2005م، ص37.
[1] انظر: عمارة، محمد: "الإسلام والآخر من یعترف بمن، ومن ینکر من؟"، ط1، مصر، مکتبة الشروق، 2001م، ص28.
[1] انظر: الغزالی، فقه السیرة، م.س، ص167.
[1] انظر: حمید الله، محمد: مجموعة الوثائق السیاسیّة للعهد النبویّ والخلافة الراشدة، ط6، بیروت، دار النفائس، 1407هـ.ق/ 1987م، ص185. 
[1] انظر: البلاذری، أبو الحسن: فتوح البلدان، مراجعة وتعلیق: رضوان محمد رضوان، بیروت، دار الکتب العلمیة، 1403هـ.ق/ 1983م، ص76؛ حمید الله، مجموعة الوثائق السیاسیّة للعهد النبویّ والخلافة الراشدة، م.س، ص176. 
[1] انظر: الحمیری، ابن هشام: السیرة النبویّة، تحقیق وضبط وشرح: مصطفى السّقا؛ وآخرون، بیروت، المکتبة العلمیة، لا.ت، ج2، ص574.
[1] انظر: أبو طالب، "عالمیّة الإسلام، ونداؤه للسلام، ودعوته للتعایش والاعتراف بالآخر"، م.س، ص44.
[1] انظر: الأمین، حسن محمد: الاجتماع العربی الإسلامی-مراجعات فی التعددیة والنهضة والتنویر، سلسلة قضایا إسلامیة معاصرة، ط1، بیروت، دار الهادی، 11424هـ.ق/ 2003م، ص67.
[1] انظر: حمید الله، مجموعة الوثائق السیاسیة للعهد النبوی والخلافة الراشدة، م.س، ص101-140؛ المبارکفوری، الرحیق المختوم، م.س، ص304-313.
[1] انظر: النیسابوری، مسلم: صحیح مسلم، ط1، مصر، مکتبة الصفا-الأزهر، 1424هـ.ق/ 2004م، ج2، کتاب الجهاد والسیر، باب کتب النبی (ص)إلى ملوک الکفّار یدعوهم إلى الله، ح1774، ص246.
[1]سورة آل عمران، الآیة 64.
[1] انظر: أبو طالب، عبد الهادی: حقیقة الإسلام، المغرب، إفریقیا الشرق، لا.ت، ص81.
[1] انظر: الغزالی، فقه السیرة، م.س، ص306-311.
[1] حلقة التعایش الأولى مع الیهود من خلال وثیقة المدینة، والحلقة الثانیة مع النصارى من خلال وثیقة الأمان التی أعطیت لوفد نجران، والحلقة الثالثة من خلال رسائل الملوک.