الحرّیّة فی الفکر العربیّ والإسلامیّ المعاصر -أبو القاسم حاج حمد أنموذجًا-

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

تأتی هذه المقالة فی سیاق تتبّع تطوّر الخطاب الإسلامیّ فی مسألة الحرّیّة؛ بالترکیز على رؤیة أبی القاسم حاج حمد بوصفه أنموذجًا بارزًا من المنظّرین الإسلامیین لمفهوم الحرّیّة، فی محاولة لسدّ فراغ ظلّ تراثنا المدوّن بالعربیّة یعانیه؛ إذ لا نلمس اهتمامًا بدراسة تطوّر الخطاب الإسلامیّ فی مسألة الحرّیّة؛ فثمّة مجرّد حدیث عامّ ومجزّأ حولها، وتکاد الدراسات المعمّقة والمتخصّصة تنعدم؛ مع أنّ هذا لا یعنی عدم ورود إشارات حولها فی بعض دراسات تاریخ الفکر العربیّ الحدیث، وإن کانت تتحدّث عن المسألة فی سیاق الحدیث عن أسباب التأخّر أو التقدّم مثلًا، أو فی سیاق الحدیث عن العلاقة بالغرب، أو غیر ذلک. هذا، مضافًا إلى بعض الدراسات الأکادیمیّة التی درست المسألة بشکل یکتنفه کثیرٌ من التعمیم، وتنقصه الروح العلمیّة المنصفة، أو یغلب علیها الطابع الصحفیّ، فبقیت تلک الدراسات أسیرة لمواقف أیدیولوجیّة مسبقة، أو أسیرة لآراء متحیّزة یجری تداولها بوصفها مسلمات![1]
لقد وجدنا فی تناول أبی القاسم حاج حمد لمشکلة الحرّیّة فهمًا جدیدًا، یطرح وجهة نظر متمیّزة ومثیرة عهدناها فی کتاباته السابقة[2]؛ ما آثرنا معه تناولها بالدراسة والتحلیل والمناقشة؛ متّخذین من صورة الحرّیّة فی الخطاب العربیّ والإسلامیّ الحدیث والمعاصر أفقًا للتجاوز.



[1]  انظر: البطوش، "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، م.س، ص216.


[2] تحمل کتب أبی القاسم حاج حمد رؤیة تجدیدیّة معاصرة، تقوم على استیعاب الموروث الدینیّ والثقافیّ، والسعی إلى تجاوزه بتقدیم رؤیة بدیلة وقراءة معاصرة، تستعین بأدوات ومناهج العلوم الحدیثة لفهم النصّ الدینیّ. ویظهر ذلک من خلال آرائه الجریئة فی مقاربة النصّ الدینیّ والموضوعات المرتبطة به. فقد ناقش العالمیّة الإسلامیّة الثانیة، والأزمة الفکریّة والحضاریّة للعالم العربیّ والإسلامیّ، ومنهجیّة القرآن المعرفیّة، وإبستمولوجیّا المعرفیّة الکونیّة، والحاکمیّة، وجذور المأزق الأصولی، والقرآن وإشکالیّة المتغیّرات الاجتماعیّة والتاریخیّة، وغیرها من الإشکالات التی صاغها عناوین لمؤلّفاته العدیدة.

نقاط رئيسية

أولًا: الإصلاحیّة العربیّة الإسلامیّة وسؤال الحرّیّة

1. الحرّیّة فی فکر خیر الدین التونسیّ

2. الحرّیّة فی فکر أحمد لطفی السیّد

3. الحرّیّة فی فکر الطاهر بن عاشور

ثانیًا: الحرّیّة فی فکر أبی القاسم حاج حمد

1. الحرّیّة فی الإسلام ثمرة لوعی الإنسان ولإطلاق عقله کونیًّا

2. الحرّیّة الإسلامیّة حرّیّة روحیّة

3. حدود الحرّیّة فی الإسلام

الكلمات الرئيسية


الحرّیّة فی الفکر العربیّ والإسلامیّ المعاصر -أبو القاسم حاج حمد أنموذجًا-

الدکتور محمد الناصری[1]

مقدّمة:

تُعدّ الحرّیّة من أکثر المفاهیم الفلسفیّة أهمّیّة وخطورة فی التطوّر العامّ للتاریخ البشریّ، حیث صار البحث فی مفهومها معقّدًا إلى حدود قصوى؛ بفعل اختلاف أنظار الفلاسفة عبر التاریخ الإنسانیّ الطویل إلى حدّه وتعریفه وتعیین مستویاته ومجالاته وضوابطه وصوره المختلفة[2]. لقد طرحت مسألة الحرّیّة عبر مسار التاریخ وما زالت؛ ولکنّ مفهومها کان یختلف فی کلّ مرحلة، ومن مجتمعٍ إلى آخر، فکان طبیعیًّا أن یأتی التعبیر العربیّ والإسلامیّ عن الحرّیّة متّسقًا مع الخصوصیّة الثقافیّة والحضاریّة العربیّة/ الإسلامیّة، ومستندًا إلى المرجعیّة الفکریّة العربیّة والإسلامیّة التی یصدر عنها، کما کان من الطبیعیّ الحدیث عن تعدّدیّة فی الاجتهاد والنظر فی هذه المسألة داخل التیارات العربیّة/ الإسلامیّة[3].

    لقد أبدى التیار الإسلامیّ حرصًا على التمیّز فی التعامل مع مفهوم الحرّیّة، وفی تقدیم فهم یختلف عنه فی المجال التداولیّ الآخر الغربیّ؛ فبینما یسعى هذا الأخیر إلى تقدیم مفهوم الحرّیّة على ضوء قوانین الطبیعة وإکراهاتها، وقوانین التاریخ، والبحث عن مساره، والتساؤل عن الحتمیّة والتقدّم والهدفیّة، والعلاقة بین الفرد والمجتمع، والبحث فی علاقات السُلطة...؛ ینظر المُسلم إلى مفهوم الحرّیّة الإنسانیّة وهو یأخذ فی اعتباره -مضافًا إلى هذه المعانی- الفعّالیّة الإلهیّة فی الکون؛ فحتّى الخلاف الشهیر بین المعتزلة والأشاعرة فی قضیّة خلق الأفعال لم یُلغِ فیه أیٌّ من الطرفین الفعّالیّة الإلهیّة فی الکون؛ کما أکّدت جمیع الفرق الکلامیّة الإسلامیّة على أهمّیّة هذه النقطة.

ومن هذا المنطلق، یکمن السؤالان الآتیان: کیف سیکون وضع الحرّیّة فی إطار  المرجعیّة الإسلامیّة؟ وهل لجوء الخطاب الإسلامیّ إلى المواءمة مع الواقع الخاضع للمؤثّرات الغربیّة یجعله قادرًا على التکیّف مع المفاهیم العصریّة المطروحة فی مسألة الحرّیّات؟ وغیرهما من الأسئلة الکثیرة التی تکتسب شرعیّتها بالنظر إلى إشکالات عدّة یعانی منها التراث الإسلامیّ فی مجال الحرّیّات من جهة؛ کمسألة الردّة، وحقّ التعبیر، والحرّیّة الفکریّة، والالتباس التاریخیّ والثقافیّ عندما نضع مسألة الحرّیّة فی سیاق وجوب تطبیق الشریعة (ولنا فی الأخذ بحکم الردّة قدیمًا وحدیثًا خیر شاهد على صحّة القول). وتلک التی یعانی منها تاریخنا السیاسیّ من جهة ثانیة؛ کالإیدیولوجیا الجبریّة التی سعى المنظّرون لها إلى سلب الإنسان من کلّ قدرة على الاختیار، لیقولوا بالتالی إنّه مسیّر فی کلّ شیء، ولا بدّ من أن یطیع کلّ صاحب سلطان؛ ذلک أنّ مشیئته هی من مشیئة الله!

    وتأتی هذه المقالة فی سیاق تتبّع تطوّر الخطاب الإسلامیّ فی مسألة الحرّیّة؛ بالترکیز على رؤیة أبی القاسم حاج حمد بوصفه أنموذجًا بارزًا من المنظّرین الإسلامیین لمفهوم الحرّیّة، فی محاولة لسدّ فراغ ظلّ تراثنا المدوّن بالعربیّة یعانیه؛ إذ لا نلمس اهتمامًا بدراسة تطوّر الخطاب الإسلامیّ فی مسألة الحرّیّة؛ فثمّة مجرّد حدیث عامّ ومجزّأ حولها، وتکاد الدراسات المعمّقة والمتخصّصة تنعدم؛ مع أنّ هذا لا یعنی عدم ورود إشارات حولها فی بعض دراسات تاریخ الفکر العربیّ الحدیث، وإن کانت تتحدّث عن المسألة فی سیاق الحدیث عن أسباب التأخّر أو التقدّم مثلًا، أو فی سیاق الحدیث عن العلاقة بالغرب، أو غیر ذلک. هذا، مضافًا إلى بعض الدراسات الأکادیمیّة التی درست المسألة بشکل یکتنفه کثیرٌ من التعمیم، وتنقصه الروح العلمیّة المنصفة، أو یغلب علیها الطابع الصحفیّ، فبقیت تلک الدراسات أسیرة لمواقف أیدیولوجیّة مسبقة، أو أسیرة لآراء متحیّزة یجری تداولها بوصفها مسلمات![4]

لقد وجدنا فی تناول أبی القاسم حاج حمد لمشکلة الحرّیّة فهمًا جدیدًا، یطرح وجهة نظر متمیّزة ومثیرة عهدناها فی کتاباته السابقة[5]؛ ما آثرنا معه تناولها بالدراسة والتحلیل والمناقشة؛ متّخذین من صورة الحرّیّة فی الخطاب العربیّ والإسلامیّ الحدیث والمعاصر أفقًا للتجاوز.

 

أولًا: الإصلاحیّة العربیّة الإسلامیّة وسؤال الحرّیّة:

ما لا شکّ فیه أنّ مشکلة الحرّیّة شغلت العدید من روّاد الإصلاحیّة العربیّة الإسلامیّة، وظهرت دراسات تناقش الإشکال؛ فکانت دعوة الحرّیّة فی الوطن العربیّ منذ عصر النهضة الأولى دعوة ملحّة مدوّیة عند کثیر من الکتّاب والمفکّرین العرب والإسلامیّین عمومًا؛ ومنشؤها دعوة خیر الدین التونسیّ، وقبلها بقلیل دعوة الطهطاوی؛ حیث کانت هذه الدعوة تهدف إلى نشر الحرّیّة فی المجتمعات العربیّة، بعد أن عانت قرونًا طویلة من الظلم والتعسّف والاستبداد والقهر والتسلّط.

1. الحرّیّة فی فکر خیر الدین التونسیّ:

أظهر خیر الدین التونسیّ اعتناءً ملموسًا بمسألة الحرّیّة؛ وذلک فی متن کتابه الشهیر "أقوم المسالک فی معرفة أحوال الممالک".

ویرى بعض الباحثین أنّ الدافع لدى خیر الدین التونسیّ إلى کتابة مؤلّفه هو محاولة إثبات "أنّ السبیل الوحید فی العصر الحاضر لتقویة الدول الإسلامیّة؛ إنّما هو اقتباس الأفکار والمؤسّسات عن أوروبا وإقناع المسلمین المحافظین بأنّ ذلک لیس مخالفًا للشریعة؛ بل هو منسجمٌ مع روحها"[6]. وفی مقدّمة ذلک مفهوم الحرّیّة؛ معتبرًا الحرّیّة فطرة، وأنّ النفس البشریّة مجبولة على الحرّیّة[7].

فالملاحظ أنّ خیر الدین التونسیّ متیقّن من أنّ الحرّیّة دعامة أساسیّة من دعائم ازدهار أوروبا الحدیثة؛ إذ یعتبر الحرّیّة "منشأ سعة نطاق العرفان والتمدّن فی الممالک الأوروبیّة"[8]، وإذا کانت الحرّیّة فی الفکر الغربیّ تعنی -حسب خیر الدین- "إطلاق تصرّف الإنسان فی ذاته وکسبه مع أمنه على نفسه وعرضه وماله، ومساواته لبنی جنسه لدى الحکم؛ حیث لا یخشى الإنسان هضیمة فی ذاته ولا فی سائر حقوقه؛ وبالجملة، فالقوانین تقیّد الرعاة، کما تقیّد الرعیّة"[9]، فإنّه لا یبدی اعتراضًا على فهمهم هذا؛ بل دافع خیر الدین فی مقدّمة کتابه عن مفهوم الحرّیّة بهذا الوجه اللیبرالیّ الصریح ضدّ خصومها فی المجتمع التقلیدیّ الإسلامیّ؛ عندما أکّد بوضوح کامل أنّ الإسلام فی صمیمه دعوة حارّة إلى الحرّیّة بهذا المفهوم الحدیث المتداول فی الغرب، قائلًا: "إنّ الحرّیّة والهمّة الإنسانیّة اللتین هما منشأ کلّ صنع غریب؛ غریزتان فی أهل الإسلام مستمدّتان ممّا تکسبه شریعتهم من فنون التهذیب"[10].

 

2. الحرّیّة فی فکر أحمد لطفی السیّد:

کانت قضیّة الحرّیّة فی بدایة القرن العشرین من القضایا الحیویّة لدى تیار التحدیث اللیبرالیّ، ولن نجانب الصواب إذا اعتبرناها شعارهم الأساس، حیث اعتبروها مفتاح النهضة والإصلاح. ومن أشهر أعلام هذا التیار أحمد لطفی السیّد، الذی یُعدّ فی نظر العدید من الباحثین "صحفی الدعوة إلى الحرّیّة"[11]. ولعلّ ما یؤکّد اهتمام لطفی السیّد بقضیّة الحرّیّة هو وعیه بأنّ حرّیّتنا -حسب تعبیره- "لیست مذهبًا نستورده؛ بل حاجة نحسّها وتخصّنا"[12].

لقد دافع عن الحرّیّة دفاعًا مجیدًا، إذ اعتبرها فی کتابه "تأمّلات فی الفلسفة والأدب والسیاسة والاجتماع" أهمّ من الخبز والماء؛ حیث یقول: "لو کنّا نعیش بالخبز والماء لکانت عیشتنا راضیة؛ ولکنّ غذاءنا الحقیقی الذی به نحیا، ومن أجله نحبّ الحیاة، لیس هو إشباع البطون الجائعة؛ بل هو غذاء إرضاء العقول والقلوب؛ عقولنا وقلوبنا لا ترضى إلا بالحرّیّة"[13].

لقد ترک أحمد لطفی السید کثیرًا من الکتابات والآراء التی جمعت فی کتب عدیدة؛ هی: "المنتخبات"، "تأمّلات فی الفلسفة والأدب والسیاسة والاجتماع"، و"صفحات مطویّة من تاریخ الحرکة الاستقلالیّة فی مصر"، ولکن من أهمّ مؤلّفاته المهتمّة بفکرة الحرّیّة کتابه "الحرّیّات".

ویخصّص لطفی السید مجموعة مقالات "الحرّیّات" لتشخیص مظاهر الیأس السائدة فی أحوال عصره، سواء فی المستوى السیاسی أم فی المستوى الاقتصادی، ویرکّب بدائلها فی دعواته إلى "الحرّیّات"؛ أی فی دعوته إلى اللیبرالیّة التی ترد فی نصوصه بعبارة "مذهب الحریّین". وإذا کانت اللیبرالیّة فی أصولها تقدّم تصوّرًا عامًّا للإنسان والمعرفة والمجتمع؛ فقد ذکر لطفی السید أنّ ترجمة جوانب من هذا التصوّر فی نصوصه کانت بهدف رسم معالم الطریق الأقرب إلى تحقیق النهضة العربیّة[14]؛ حیث یقول السید فی تعریفه للحرّیّة: "خلقت نفوسنا حرّة، طبعها الله على الحرّیّة، فحرّیّتنا هی نحن... هی ذاتنا ومقوّم ذاتنا، هی معنى أنّ الإنسان إنسان، وما حرّیّتنا إلا وجودنا، وما وجودنا إلا الحرّیّة"[15].

ویحضر فی نصوص لطفی السید المتعلّقة بالحرّیّة؛ الإقرار بأهمّیّة المنظومة السیاسیّة اللیبرالیّة فی عقلنة المجتمع وعقلنة المؤسّسات؛ بل إنّ ذلک کلّه یحصل فی سیاق نظرة رومانسیّة تطابق الحرّیّة بالحیاة والحیاة بالحرّیّة، وتزداد معانی الکلمات وضوحًا بالخاصّیّات الأسلوبیّة المتمیّزة بقاموسها وسلاستها، التی کانت تتمتّع بها نصوص لطفی السید وکتاباته على وجه العموم[16].

لقد مثّلث کتابات لطفی السید عن "الحرّیّة" العنوان الأبرز فی اللیبرالیّة العربیّة، کما مثّلت الصورة الأنموذجیّة لخطاب سیاسیّ فی الدعوة إلى الحرّیّات بمختلف أشکالها: "الحرّیّة الشخصیّة (المدنیّة)؛ وهی أن تعمل ما تشاء بشرط عدم الإضرار بالغیر، وحرّیّة الرأی والتعبیر، والحرّیّة السیاسیّة"[17].

 

3. الحرّیّة فی فکر الطاهر بن عاشور:

بالانعطاف نحو تیّار الإصلاحیّة الإسلامیّة، فإنّنا نجد محمدالطاهر بن عاشور خیر من تناول مسألة الحرّیّة من رموز الإصلاحیّة الإسلامیّة المعاصرین، وذلک فی کتابیه: "أصول النظام الاجتماعیّ فی الإسلام"، و"مقاصد الشریعة"؛ ففی الکتاب الأوّل اعتبر الحرّیّة إحدى المصالح الأساس والضروریّة التی یقوم علیها المجتمع، ویجب على ولاة الأمور تحقیقها وصیانتها.

وبعد استعراضه لمفهوم الحرّیّة الذی یتضمّن معنیین؛ هما: حرّیّة الرقبة، وحرّیّة التصرّف، قال: "والحرّیّة بکلا المعنیین وصف فطریّ نشأ علیه البشر، وبه تصرّفوا فی أوّل وجودهم على الأرض؛ حتى حدثت بینهم المزاحمة، فحدث التحجیر"[18].

وقد أکّد الطاهر بن عاشور على فطریّة الحرّیّة فی مرّات عدیدة؛ إذ یقول: "إنّ الحرّیّة خاطر غریزیّ فی النفوس البشریّة، فیها (أی الحرّیّة) نماء القوى الإنسانّیة؛ من تفکیر وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلیّة متسابقة فی میادین الابتکار والتدقیق، فلا یحقّ أن تسام بقید إلا قیدًا یدفع به عن صاحبها ضرّ ثابت أو یجلب به نفع"[19]. ویؤکّد ابن عاشور على أصالة الحرّیّة وفطریّتها فی موضع آخر؛ بقوله: "والحرّیّة بهذا المعنى حقّ للبشر على الجملة؛ لأّن الله لمّا خلق للإنسان العقل والإرادة وأودع فیه القدرة على العمل؛ فقد أکنّ فیه حقیقة الحرّیّة وخوّله استخدامها بالإذن التکوینیّ المستقرّ فی الخلقة"[20].

یتجاوز ابن عاشور ذلک النقاش والتأرجح الذی عرفه فلاسفة الحرّیّة الغربیّون حول أصل الحرّیّة ومصدرها؛ وهل هو الخلقة الأولى للأفراد وما فیها من نزوع إلى حرّیّة التصرّف واتّباع هوى النفس ومیولها، أم العقل والنظر العقلیّ، والعمل بمقتضاهما؟[21].

تتجاوز الرؤیة الإسلامیّة لابن عاشور هذا التجادب الثنائیّ فی مرجعیّة الحرّیّة ومعیارها، فکون الحرّیّة صفة فطریّة غریزیّة تلقائیّة لا ینفی اعتمادها -تأصیلًا وممارسةً- على العقل والنظر العقلیّ. وهذا ما یفسّر لنا کون الحرّیّة ولدت مع الإنسان؛ ولکنّها -أیضًا- ولدت مقیّدة من اللحظة الأولى، وإن کان تقییدها الذی جاء فی البدایة رمزیًّا واستثنائیًّا. یقول ابن عاشور: "وقد دخل التحجیر فی بنی البشر فی حرّیّته من أوّل وجوده؛ إذ أذن الله لآدم وزوجه -حین خلقا وأسکنا الجنّة- الانتفاع بما فی الجنّة، إلا شجرة من أشجارها. قال تعالى: {ویا آدم اسکن أنت وزوجک الجنة فکلا من حیث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتکونا من الظالمین}[22]. ثمّ لم یزل یدخل علیه التحجیر فی استعمال حرّیّته بما شرع له من الشرائع والتعالیم المراعی فیها صلاح حاله فی ذاتهنّ ومعاشریهنّ؛ بتمییز حقوق الجمیع ومراعاة إیفاء کلٍّ بحقّه"[23].

وهکذا تتأسّس رؤیة ابن عاشور إلى الحرّیّة على أصالة مزدوجة متکاملة فیها: أصالة فطریّتها الملازمة لکلّ فرد فی خلقته، وأصالة مبدإ تقییدها وعقلنتها، باعتباره الشکل الوحید الممکن لتحقیقها وإنجاحها.

ویقسّم الطاهر بن عاشور "الحرّیّة" إلى حرّیّة اعتقاد، وحرّیّة تفکیر، وحرّیّة قول، وحرّیّة فعل[24]، مشیرًا إلى أنّ هذه الحرّیّات الأربع محدودة فی النظام الاجتماعیّ الإسلامیّ بما حدّدت به شریعة الإسلام أعمال الأمّة الإسلامیّة فی تصرّفاتهم الفردیّة والجماعیّة فی داخل البلاد ومع الأمم المجاورة[25].

ولهذا؛ شدّد الطاهر بن عاشور على أهمّیّة حمایة هذه الحرّیّات؛ باعتبارها حلیة الإنسان وزینة المدنیّة؛ فیها تنمى القوى، وتنطلق المواهب، وتتلاقح الأفکار، وتُورِق أفنان العلوم[26].

لذا؛ کان الشیخ الطاهر بن عاشور أحد الرموز الفکریّة التی انفردت بالإلحاح الفکریّ على دور الحرّیّة فی تنمیة الإنسان، وتحقیق رسالته الاستخلافیّة. ومع أنّ الطاهر بن عاشور لم یعمّق البحث فی الحرّیّة بوصفها مبحثًا وجودیًّا وإنسانیًّا واجتماعیًّا؛ نظرًا إلى ثقل الثقافة التاریخیّة وملابساتها التی کان یحملها فی ذهنه؛ بوصفه فقیهًا تقلیدیًّا کان -بحقّ- جریئًا فی طرح موضوع الحرّیّة والإلحاح علیه[27].

وبناءً على ما تقدّم، یتبیّن لنا بوضوح أنّ التیار الإصلاحیّ العربیّ الإسلامیّ فی القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرین، قد وضع أسسًا وقواعد بُنی علیها الخطاب الإسلامیّ المعاصر فی مسألة الحرّیّة. وأنجز بعض المهمّات الأساسیّة فی هذا المیدان، وقدّم إسهامًا معتبرًا فی الدعوة إلى فکرة الحرّیّة، والدفاع عنها، ومنحها مکانة مهمّة فی مشروعه النهضویّ. ومن هنا؛ فلیس من الإنصاف الانسیاق وراء مقولات مؤرّخی الفکر العربیّ الحدیث، حول غیاب همّ الحرّیّة فی الفکر الإسلامیّ، أو ادّعاء بعضهم ریادته فی الدعوة إلى الحرّیّة فی الفکر العربیّ، أو محاولته احتکار الدفاع عنها والانتساب إلیها؛ کالتیّار اللیبرالیّ، ومعه التیّار الیساریّ[28].

وبالنظر إلى سیاق المقالة وهدفها، ارتأینا تقدیم النماذج الإصلاحیّة الثلاثة ومناقشتها. ولا نرید أن یُفهم من ذلک أنّنا نتّجه إلى ترکیب مقارنة بین المشاریع الفکریّة المقترحة؛ بل إنّنا نتّجه إلى إنجاز مقاربة تروم معرفة کیفیّات تطوّر مجال التفکیر فی الحرّیّة فی الفکر العربیّ الإسلامیّ الحدیث والمعاصر، بما یسمح بإمکان مراقبة حیاة مفهوم من أهمّ المفاهیم فی فکرنا الإسلامیّ من جهة، ونوع الإضافة التی أسهم بها أبو القاسم حاج حمد من خلال کتابه "الحرّیّة فی الإسلام" من جهة ثانیة.         

 

ثانیًا: الحرّیّة فی فکر أبی القاسم حاج حمد:

لقد اتّخذت تمظهرات مفهوم الحرّیّة فی فکرنا العربیّ الإسلامیّ تجلّیات متعدّدة؛ بل تبلورت من خلال مفاهیم أخرى موصولة بنسیج الکتابة السیاسیّة... ولعلّ حضورها المتنوّع فی نتاج الفکر العربیّ الإسلامیّ المعاصر یمنحها وزنًا دالًا على حاجتنا الماسّة إلیها؛ سواء تعلّق الأمر بصیغتها الشعاریّة البرنامجیّة والنضالیّة، أم تعلّق بصیغتها النظریّة الرامیة إلى بناء تصوّرات فی الفکر، قادرة على إسناد تیّارات فکرنا السیاسیّ...

لقد اخترنا التوقّف المباشر أمام نصّ نعتبره من أهمّ النصوص التی تتیح لنا معاینة أفضل لمسار تحوّل شعار الحرّیّة فی فکرنا العربیّ الإسلامیّ المعاصر؛ وهو کتاب: "حرّیّة الإنسان فی الإسلام" لمحمد أبی القاسم حاج حمد.

بقی أن نشیر إلى أمرٍ یقتضی التوضیح، یتعلّق بالمبرّرات التی دفعتنا إلى اختیار هذا النصّ دون غیره، فی بحث یعنى برسم المعالم العامّة لتجلّیات مفهوم الحرّیّة وإشکالاته النظریّة فی فکرنا الإسلامیّ المعاصر.

ومن بین هذه المبرّرات اصطباغ المتن الفکریّ لأبی القاسم حاج حمد بالبعد المنهجیّ فی تناوله للقضایا المعرفیّة التی اشتغل علیها؛ فالمتن الفکریّ لأبی القاسم من الدراسات المنهجیّة فی الصمیم؛ حیث تجد فی سائر جوانب دراساته محاولةً متمیّزة لمعالجة مشکلات المنهج، لا فی العلوم الاجتماعیّة والإنسانیة فحسب؛ بل لمعالجة قضیّة المنهج بذاته؛ ومن حیث کونه منهجًا، بل جاوزت ذلک بفضل القرآن الکریم لتقدّم المنهج القرآنیّ البدیل عن سائر المناهج المعروفة. وهی فی الوقت ذاته دراسات فلسفیّة فی أبعادها ومرامیها وطرائق تناولها لما تتناوله[29].

وثمّة عامل آخر شجّعنا على اختیار هذا النصّ؛ وهو نوعیّة التجاوز الذی حقّقه مقارنة مع نصوص أخرى اهتمّت بمسألة الحرّیّة فی الإسلام. فقد جاء کتاب "الحرّیّة فی الإسلام" لأبی القاسم حاج حمد مستوعبًا لکثیرٍ من أفکار هذه النصوص، ومتجاوزًا لها؛ لانفتاحه على أسئلة جدیدة غیر واردة فیها.

وبناء على ما سبق؛ نمنح نصوص أبی القاسم الحاج حمد امتیاز تدشین مراجعات نقدیّة للانحرافات التی عرفها التراث الإسلامیّ فی تعامله مع منهجیّة القرآن العظیم، مراجعات نقدیّة لانحرافات شملت جملةً من المفاهیم الخطیرة التی ترتّبت عنها انحرافات فکریّة هائلة؛ أهمّها مفهوم الحرّیّة.

وینفتح نصّ "الحرّیّة فی الإسلام" على أفق العالمیّة الإسلامیّة الثانیة، الذی یسعى من خلاله أبو القاسم حاج حمد إلى تقدیم مشروع فکریّ یحمل فی طیّاته قراءة معاصرة للنصّ الدینیّ وفق ضوابط ومحدّدات تمثّل منطلقًا لاختراق السقف النظریّ الذی تبنّته أدبیّات الدعوة إلى الحرّیّة، خلال القرن العشرین.

لقد آمن الحاج حمد منذ اللحظة الأولى بکون الإسلام دین الحرّیّة؛ بل یذهب أکثر من ذلک إلى أنّ الإسلام لا یشجّع على الحرّیّة لأجل الحرّیّة فقط؛ بل ینظر إلیها باعتبارها سبیلًا للتطوّر والإبداع الإنسانیّین. إنّها باختصار السبیل لتحقیق إنسانیّة الإنسان.

ونکتشف فی ثنایا نصّ "الحرّیّة فی الإسلام" أنّنا أمام متن یعلن بوضوح تامّ عدم جدوى مواقف المقاربة أو المقارنة التی تبلورت فی کتابات عدیدة عن موضوع الحرّیّة؛ إذ یغیب فی متن "الحرّیّة فی الإسلام" التلعثم الذی ظلّ سمة ملازمة لکثیر من النصوص الفکریّة التی تناولت موضوع الحرّیّة؛ إمّا بتأثیر أفکار المقاربة التجدیدیّة التی اتّجهت إلى محایثة "حرّیّة الإسلام بالحرّیّة الدیموقراطیّة اللیبرالیّة الأوروبیّة الغربیّة الصناعیّة"[30]، وإمّا بتأثیر منطق "المقارنات" المنطلق من "مثالیّة" المبادئ المجترحة من الإسلام على نحو تمیّزه بعدالة إنسانیّة اجتماعیّة، لا هی بالرأسمالیّة ولا بالاشتراکیّة[31].

ویشیر أبو القاسم حاج حمد إلى أنّ اختلاف المنهجین کان سببًا فی نشأة الخصام بین فریق التجدید المقارب على المحایثة اللیبرالیّة، وفریق المقارنات، وإنْ کان فی داخل الفریقین من یحاول إیجاد جسور للتفاهم، لکنّها سرعان ما تنقطع وتنهار[32].

فلکی تؤدّی المقاربات فعلها، فإنّها مضطرّة إلى إعادة قراءة النصوص الدینیّة فی القرآن والسنّة والتراث وتأویلها؛ وذلک وفق طرق ومداخل معرفیّة مختلفة، غالبًا ما تمتدّ إلى إعمال الجوانب النقدیّة بتوجیه الاتّهام إلى ثقافات المجتمعات الإسلامیّة التی فرضت نفسها على النصّ القرآنیّ والنبویّ وصادرته. أمّا نهج المقارنات، فإنّه ینطلق من تأصیل الموروث لا زحزحته؛ ما جعل التأصیل مرادفًا للسلفیّة. وبهذا؛ یتجدّد فی الحاضر الخلاف التاریخیّ الماضی بین مدارس الرأی من جهة، والنقل من جهة ثانیة، ولکنْ بخلاف فی الخطاب والبراهین؛ تبعًا لمقتضیات العصر. وکما اتُّهمت معظم مدارس الرأی فی الماضی بأنّها تتساوق مع الثقافة الیونانیّة ونتاجها الفلسفیّ العقلیّ؛ کذلک تُتّهم مدرسة المقاربات المعاصرة بالتساوق مع الثقافة الغربیّة ونتاجها الفلسفیّ.

 

1. الحرّیّة فی الإسلام ثمرة لوعی الإنسان ولإطلاق عقله کونیًّا:

     یشیر أبو القاسم حاج حمد إلى أنّ کلّ مذهب فی العالم -قدیمًا کان أو معاصرًا- قد وضع مفهومه لحرّیّة الإنسان من زاویة علاقات الإنسان بغیره. وجاء القرآن بأخطر قاعدة حین ردّ مفهوم الحرّیّة إلى تکوین الإنسان نفسه بوصفه کائنًا مرکّبًا على مقوّمات الحرّیّة: {وَاللَّهُ أَخْرَجَکُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِکُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَیْئًا وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ}[33]؛ فهنا سمع لا أذن، وبصر لا عین، وفؤاد لا مضخّة فی الصدر؛ أی جعل مقوّمات الوعی التی تجعل الإنسان فی حالة تدامج وتواجد. وما السمع والبصر والفؤاد إلا أجنحة یحلّق بها الإنسان فی جوّ السماء، لیستحوذ على الکون کلّه، وقد خلق الله له ما فی الأرض جمیعًا منه، فیندمج به. فقوّة الحرّیّة فی الإنسان إنّما تکمن فی ذاته بمقوّمات التفاعل مع الکون کلّه. والحرّیّة هی المدى الذی یبلغه الإنسان فی القدرة على التفاعل، ثمّ سهّل الله المعنى، وضرب مثلًا لیوضّح هذا المعنى: {أَلَمْ یَرَوْا إِلَى الطَّیْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِی جَوِّ السَّمَاءِ مَا یُمْسِکُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآَیَاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ}[34]؛ فمثال الطیر فی جوّ السماء فیه دلالة على الحرّیّة فی أرقى مناظرها المرئیّة بالعین الناظرة؛ الطائر بجناحین، والإنسان بثلاثة أجنحة (السمع والبصر والفؤاد) وفی الکون کلّه، ولیعلم الإنسان من بعد أن أخرجه الله من بطن أمّه لا یعلم شیئًا. والطائر رمز الحرّیّة فی أدبنا المعاصر، فمن ذا الذی یفتری على الله کذبًا ویقیّد معنى الحرّیّة عند هذا الإنسان؟[35]

لقد أطلق الله کائنه (الإنسان) الذی خلقه بیدیه حرًّا طلیقًا، لیتدامج بقوّة السمع والبصر والفؤاد مع الکون کلّه بحرکته ومظاهره وآیاته؛ کما هی حالة الطیر فی جوّ السماء. لم یخلقه حجرًا مقیّدًا إلى المکان لا ینفعل إلا بآلیّة الحرارة والبرودة، ولم یخلقه نباتًا یحسّ وهو مأسور فی المکان. ولم یخلقه بهیمة تسعى فی کلّ ما حولها من الأرض، فإنْ تغیّرت البیئة الطبیعیّة انقرضت؛ لکنْ جعله إنسانًا مزوّدًا بقوّة السمع والبصر والفؤاد، ثمّ ماثل آفاق حرّیّته بحرکة الطیر فی جوّ السماء.

والإنسان کائن مقوّماته الوعی الذی یسبح فی فلک الکتاب المسطور والکتاب الکونیّ الطبیعیّ؛ کما حالة الطیر فی جوّ السماء، فالحرّیّة قمّة الحرّیّة أن یتجلّى الإنسان بالوعی حرًّا فی هذا کلّه، فإنْ حجب نفسه وأسر نفسه؛ فإنّ الله یسأله[36].

وعلیه؛ یتلخّص مفهوم الحرّیّة الإسلامیّة عند أبی القاسم حاج حمد فی الحرّیّة القائمة على قدرات الوعی لدى الإنسان، والتی تطلق عقله کونیًّا.

وهنا یردّ الإسلام "قیمة الحرّیّة" إلى "قیمة الإنسان"، فیعادل بینهما؛ فالحرّیّة والإنسان صنوان فی المفهوم الدینیّ؛ وهی حرّیّة ترفض الاتّباعیّة، إلا فی ما یقرّ به الإنسان بسمعه وبصره وفؤاده، فکلّ أولئک کان عنه مسؤولًا.

 

2. الحرّیّة الإسلامیّة حرّیّة روحیّة:

یؤکّد أبو القاسم حاج حمد أنّ الحرّیّة فی الإسلام ترجع إلى الإنسان. غیر أنّ هذا التعریف لا یکفی، ویصبح مضلّلًا فی بعض الأحیان؛ فالحرّیّة فی الأنموذج اللیبرالیّ هی أیضًا حرّیّة الإنسان، فما هو الذی یمیّز حرّیّة الإنسان المسلم عن حرّیّة الفرد فی المجتمع اللیبرالیّ الدیموقراطیّ؟

لقد کان أبو القاسم حاج حمد واعیًا إلى خطورة هذا الإشکال، وحاول تقدیم إجابة شافیة عنه بقوله: فی المجتمع اللیبرالی تقیّد حرّیّة الفرد بأخلاق المنفعة الذاتیّة؛ فالإنسان کائن منتج ثمّ مستهلک فقط، ولا یتطوّر إلا بدافع الإشباع المادّیّ؛ فلیس لدى هذا النوع من المجتمعات سوى منع التعارض مع حرّیّة الآخر بالمعادلة نفسها.

أمّا الحرّیّة الإسلامیّة فهی مقیّدة بأخلاق الروح، لا بامتدادات الجسد الحسّیّ بالمنفعة اللیبرالیّة. فی الإسلام یلتزم الإنسان بحرّیّة "البعد الرابع" فی تکوین الإنسان نفسه؛ فبینما البعد الأوّل هو البدن (وشبیهه الجماد)، والبعد الثانی هو النبات (وفیه التطوّر من الجماد إلى الحواس)، والبعد الثالث هو البهیمة والأنعام (وفیه التطوّر من الحواس إلى النفس)؛ فإنّ البعد الرابع هو الروح؛ فالروح سلطة فوق النفس والحواس والبدن، هی ناهٍ للنفس التی تحرّک فیها الحواس دوافع المنفعة واللذّة الفردیّة، فتقیّدها بمنظور آخر فی التعامل؛ فالإسلام لا یبیح لک أن تستجیب للمنفعة واللذّة حیثما اتّفقتا أو حیثما وجدتهما، والحال أنّها مشروعة بالعرف اللیبرالی.

إذًا، فالحرّیّة الإسلامیّة هی حرّیّة روحیّة أساسها السلم، ولیس تقنین الصراع بوجهه الدیموقراطیّ اللیبرالیّ؛ لأنّ علاقات الناس فی المجتمع المسلم لا تتقوّم بحدود المنفعة؛ وإنّما تخضع لضوابط التشریع الاقتصادیّ والاجتماعیّ التی تعامل الإنسان بوصفه إنسانًا، وتربطه بمسؤولیّة الرأی -سمعًا وبصرًا وفؤادًا- بالکتاب (الإمام). وتنتهی لدیه إلى قاعدة اجتماعیّة غیر متناحرة طبقیًّا[37].

وقد قاده جوابه هذا إلى طرح إشکال أخطر؛ مفاده: إنّ القضیّة الجوهریّة الماثلة أمام الحضارات العالمیّة برمّتها الآن هی: لماذا تتعارض شرعة الحرّیّة الروحیّة مع شرعة الحرّیّة اللیبرالیّة الفردیّة، وبالذات فی الجوانب الشخصیّة؟ فإذا لجأ الفقهاء إلى مداراة المسألة احتکامًا إلى نصوص الدین، فإنّ التساؤل یبقى قائمًا حول سبب التعارض بین سنّة الدین وسنّة الطبیعة. فإنْ برّر الفقهاء شرعة الدین بعادیات الطبیعة نفسها فی حالة الشذوذ؛ فإنّهم یفارقون جوهر ثقافتهم الدینیّة فی الاستدلال به، کما إنّ الاحتکام إلى الإخلال بالمبادئ الطبیعیّة تقابله حجّة الطبیعیّین بإمکانیّة معالجة أمورها[38].

إنّ الإجابة الحاسمة -حسب أبو القاسم حاج حمد- تکمن فی أمر واضح لم تحاول الأفهام الدینیّة اکتشافه فی نصوصها، فالإنسان -فی النصوص الدینیّة- لا یشرّع له من زاویة أبعاده الثلاثة (البدن والحواس والنفس)؛ وإنّما من زاویة بعد رابع هو الروح.

والروح -فی کافّة النصوص الدینیّة- من "أمر" الله؛ أی یأتی بها الله من خارج عالم التکوین الطبیعیّ، فلو کانت الروح من أصل الموجود فی المادّة الطبیعیّة؛ لأصبحت بالضرورة جزءًا من تکوین جمیع الموجودات المادّیّة الطبیعیّة. ولکنْ، لأنّ الروح هی من "أمر" الله، فهی خارج سنّة التکوین الطبیعیّ؛ أی إنّها من الله[39].

ولإزالة أی لبس، یستطرد أبو القاسم حاج حمد فی شرح ما ذهب إلیه، قائلًا: قد أوضح الله -الخلاق العلیم- هذا المعنى جیّدًا فی العلاقة مع آدم حین سوّاه خلقًا مادّیًّا وعدّله بشرًا، ثم نفخ فیه من روحه: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِیهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِیلًا مَا تَشْکُرُونَ}[40]، فالروح من خارج التکوین الطبیعیّ. ثمّ ربط الله بین السمع والبصر والأفئدة ونفخ الروح، فجعلت مسؤولیّة الإنسان فی الترقّی بقوى الإدراک هذه لیعلو على سنّة الطبیعة المادّیّة التی "تشیّأت" فیها نفسه وحواسه وبدنه، فالبهیمة تشارک الإنسان تکوینه النفسیّ، ولکنْ لأنّها لا تشارکه تکوینه الروحیّ، فقد أحلّ الله له ذبحها وأکلها؛ إذ لیست لها مقوّمات السمع وإنْ سمعت بأذنها، ولیست لها مقوّمات البصر وإنْ نظرت بعینها، ولیست لها مقوّمات الوعی وإنْ أحسّت بحواسها، فالفرق بین نفس الإنسان ونفس البهیمة أنّ ثمّة ما یعلو على نفس الإنسان؛ وهی الروح أو "البعد الرابع". ولهذا لم یحلّ الله ذبح الإنسان ولا أکله.

فالقیمة الروحیّة للإنسان، مع ترقّیه بقوى الإدراک، تجعل الإنسان متجاوزًا فی تکوینه خصائص المادّة الطبیعیّة وحرکتها؛ وبالتالی، فقد طُلِب من الإنسان أن یُخضع الطبیعة له، لا أن یَخضع لها هو؛ وهذا هو مضمون "الاستخلاف". ومن هنا، تأتی التشریعات الروحیّة المفارقة لنوازع الإنسان الطبیعیّة؛ إذ تصبح الروح هی الناهیة للنفس الطبیعیّة الأمّارة بالسوء[41].

لقد أصبح واضحًا أنّ الحرّیّة فی الإسلام -کما ذهب إلى ذلک أبو القاسم حاج حمد- تنطلق فی مفهومها من قیمة الإنسان بوصفه کائنًا یملک مقوّمات الوعی؛ کما عبّر عنها القرآن المجید فی السمع والبصر والفؤاد. وهکذا تکون حقیقة الحرّیّة الروحیّة، مبتدئة بالسمع والبصر والفؤاد، بقیمة الإنسان التی تعلو بالروح على النفس، وبالنفس على الحواس، وبالحواس على البدن، لینتهی إلى الروح، وبها یتمیّز مفهوم الإسلام للحرّیّة عن مماثلة الفردیّ اللیبرالیّ.

 

3. حدود الحرّیّة فی الإسلام:

کان أبو القاسم حاج حمد على وعی بخطورة الإشکالات المرتبطة بمفهوم الحرّیّة فی الإسلام؛ من قبیل: حرّیّة الاعتقاد، وقتل المرتدّ، انطلاقًا من إقرار فقهاء الإسلام لحدّ الردّة، القاضی بإجبار المرتدّ بالقوّة على العودة إلى الإسلام، أو قتله إذا أصرّ على عدم الرجوع إلیه؛ حمایة للدین من أیّ محاولة للاستهانة به؛ ما یجعلنا أمام تعارض بین الاعتراف بحرّیّة التدیّن وأنّه لا إکراه فی الدین، وبین الاعتراف بشرعیّة حدّ الردة؟

وتأتی هذه الإشکالات لتمثّل حلقة ضعف فی الخطاب الإسلامیّ المتعلّق بالحرّیّة، على اعتبار أنّ فی القول بحدّ الردّة نسفًا لکلّ مقوّمات الحرّیّة فی الإسلام.

لم یظلّ أبو القاسم حاج حمد جامدًا أمام نصوص تاریخیّة التبس بعضها بأحداث سیاسیّة وصراعات مذهبیّة؛ بل عمل على فرزها وتمییز سیاقاتها، فرفض ترتیب أیّ عقوبة جسدیّة أو بدنیّة على الردّة؛ مستنتجًا أنّ القرآن الکریم والمکنون یأتی بنقیض ما یتصوّره الفقهاء فی ما یختصّ بالموقف من الأفکار التی یقوّمها بعضهم بأنّها "منحرفة"  أو حتى "مرتدّة" عن الدین؛ مؤکّدًا أنّ "الله تعالى، الذی أطلق الحرّیّة للإنسان ملزمًا إیّاه استخدام السمع والبصر والفؤاد، قد شرع لأنْ تنال هذه الحرّیّة أقصى مدى، وبما یفوق حدود الحرّیّة اللیبرالیّة الدیمقراطیّة وسقفها فی مجال إبداء الرأی، فما حدّ الله حرّیّة الحواس إلا لیعطی الإنسان حرّیّة الوعی"[42].

أمّا علاقة المسلم بغیره ممّن یناقضه بأفکاره فهی علاقة تذکیر؛ أی محاورة ومجادلة حسنة من منطلق قوله تعالى: {فذکر إنما أنت مذکر * لست علیهم بمسیطر * إلا من تولى وکفر * فیعذبه الله العذاب الأکبر}[43].

وبهذا الفهم یستنکر أبو القاسم استخفاف الحرکات الدینیّة المتطرّفة بمشاعر الناس؛ لتستعلی بهم فی السلطة، مدمّرة لمفهوم الحرّیّة فی الإسلام، وناسفة لقاعدة السلم کافّة، ومعطّلة لقوى السمع والبصر والفؤاد، ومتحوّلة بالإسلام إلى وجهة محاکم التفتیش والإرهاب ضدّ أسسه الکونیّة، وموقع الإنسان فی هذه الکونیّة. وبما أنّ هذا المنحى اللاإسلامی قائم على تعطیل السمع والبصر والفؤاد، فلیس غریبًا أن تکون هذه الحرکات اتّباعیّة النهج؛ لأنّها عمیاء[44]، معتبرًا قول هذه الحرکات فی الحرّیّة "قولًا برهن حتى الآن على استهلاکیّته ونفعیّته القصیرة النَفَس، إذ لم یوضّحوا لنا حتى الآن موقع الحرّیّة الإسلامیّة إزاء الحرّیّة اللیبرالیّة والحرّیّة الطبقیّة، ولم یوضّحوا لنا حدود المواطنة المتکافئة فی دولة متباینة دینیًّا، ولم یوضّحوا لنا نوعیّة النظام الدستوریّ فی الإسلام عبر دراسة لما ینبغی أن یکون علیه المجتمع الإسلامیّ نفسه"[45].

إنّ هؤلاء الناس -حسب أبی القاسم حاج حمد- یحاولون سرقة رصید إنسانیّ کوّنه الله عبر أربعة عشر قرنًا، وعانى فیه النبی الأمّیّ ثلاثًا وعشرین سنة، واستشهد فیه الملایین، ثمّ جاء هؤلاء للقطاف مستغلّین استجابة الناس الدینیّة، وتحت طائلة التهدید بالحرمان من الآخرة، فأوقعوا الناس فی تناقض بین رحمة ربّهم الکامنة فی أعماقهم، وبین حکم اللاهوتیّین الذی لا علاقة له بهذه الرحمة الإلهیّة المتسامیة. هؤلاء یقولون للناس کلامًا طیّبًا؛ لکنّهم یخفون الخناجر خلف ظهورهم حتّى إذا ما تولّوا أمور الناس باستلامهم السلطة، سعوا فی الأرض إهلاکًا للحرث والنسل وبکلمات الله[46].

وبناءً على ما تقدّم، یمکن القول إنّ الحرّیّة فی الإسلام عند أبی القاسم حاج حمد تنطلق فی مفهومها من قیمة الإنسان؛ بوصفه کائنًا یملک مقوّمات الوعی، کما عبّر عنها القرآن المجید فی السمع و البصر والفؤاد، وکما جسّد الله حالة الحرّیّة فی شخصیّة الطائر المحلّق فی "جوّ السماء". وعلى الرغم من تأسیسه لمفهوم الحرّیّة من منطلق دینیّ، فهو یحیل ذلک إلى تکوین الإنسان؛، ولکنْ لیس تکوینه المادّیّ فقط. وهنا یأتی دور القرآن الذی یشیر إلى البعد الروحیّ فی تکوین الإنسان. والحرّیّة فی الإسلام برأیه "مقیّدة بأخلاق الروح" لا بامتدادات الجسد الحسّیّ بالمنفعة اللیبرالیّة. ومن خلال ربط حاج حمد الحرّیّة بنفخة الروح لإطلاق الوعی الإنسانیّ کونیًّا؛ یتحدّد العمود الفقریّ لمسألة الحرّیّة فی الإسلام عنده. وهذه الحرّیّة غیر مقیّدة بأیّ ضوابط تعیق استخدام الإنسان لمقوّمات وعیه؛ وإنّما هی مقیّدة بالنواحی الأخلاقیّة التی تمثّل مساحة مشترکة کبیرة بین مختلف الأدیان والفلسفات.

ویؤکّد أبو القاسم حاج حمد أنّه لا یمکن -بأیّ حال من الأحوال- إبطال حالة الحرّیّة الإنسانیّة فی الإسلام أو تعطیلها، محذّرًا من نوعین من الإبطال أو التعطیل؛ هما:

- الإبطال الذاتیّ: الذی یقوم به الإنسان نفسه، حین یستخفّ بمقوّمات الوعی لدیه -من سمع وبصر وفؤاد- فیتبع (یقفو) ما لم یحکّم فیه مقوّمات وعیه؛ فالإنسان مسؤول عن الموقف فی کلّ صغیرة وکبیرة.

- الإبطال الموضوعیّ: الذی یجهض القیمة الذاتیّة لحرّیّة الإنسان، حین تُربط مفهومیًّا بالقیود الفلسفیّة للنظام الاجتماعیّ فی شکل المفهوم "الطبقیّ" للحرّیّة أو مفهوم "النظام-الدولة"؛ فهذه الأشکال الاجتماعیّة تُقولِب حرّیّة النشاط الذهنیّ الواعی للإنسان وتجهض قیمة وعیه الذاتیّة، علمًا بأنّ هذه الأنظمة السیاسیّة هی -فی النهایة- نتیجة لنشاط الإنسان الاقتصادیّ والاجتماعیّ تاریخیًّا[47].

وقد شبّه أبو القاسم حالة الإبطال الموضوعیّ هذه بفعل الاستخفاف الوارد فی قوله تعالى: {فاستخفّ قومه فأطاعوه إنّهم کانوا قومًا فاسقین}[48]. فالاستخفاف هنا -حسب حاج حمد- تعطیل لمقوّمات وعی الإنسان؛ إذ یقول: «وقد ربط الله بین الاستخفاف والفسق؛ بمعنى أنّ القابل لأنْ یُستخَفّ بعقله هو الفاسق. وخطورة هذه الآیة أنّها لا تؤکّد على لزوم ممارسة الحرّیّة فقط؛ لکنّها -أیضًا- تؤکّد على ضرورة أن لا یخضع المسلم فی اتّخاذ قراره لموحیات أو مؤثّرات لا تحتکم إلى الوعی. وتدخل -هنا- جملة من العوامل الکثیرة المعروفة التی تجتذب الناس إلى اتّخاذ قرارات غیر موضوعیّة، ومنها ما هو فی حالتنا التاریخیّة الإیدولوجیّة الراهنة ما یمسّ الاجتذاب بالتأثیر الاتّباعیّ؛ فیقفو (یتبع) الإنسان ما یقال له، باستناده إلى سلفٍ صالح من دون أن یستوثق منه بقدرات ومقوّمات وعیه»[49].

وبمثل هذه الاجتهادات، فإنّنا لا نبالغ عندما نصف "الحرّیّة فی الإسلام" بالدراسة المنهجیّة المتمیّزة والمثیرة؛ فنحن على وعی بنوعیّة الحضور الفکریّ الذی یتمتّع به الرجل فی فضاء فکرنا المعاصر، وکیف کان أبو القاسم یغامر ببحث إشکالات وقضایا فکریّة ذات ارتباط عمیق بأسئلة التاریخ والسیاسة والفلسفة، مع یقظة فکریّة تمنح إنتاجه النظریّ قوّة وفاعلیّة، وسط فضاء ممتلئ بکثیر من التشویه والصخب واللغط والغلط، وقلیل من النظر النقدیّ الهادئ والفاحص!

صحیح أنّ کتاب "الحرّیّة فی الإسلام" مسبوق بنصوص أخرى لمفکّرین وباحثین تناولوا مسألة الحرّیّة فی فکرنا العربیّ والإسلامیّ بکثیرٍ من الترکیب العقلانیّ والنقدیّ؛ ولکنّ کلّ هذا لا ینفی المزایا المنهجیّة التی یتمتّع بها نصّ أبی القاسم حاج حمد، والتی تؤهّله للصفة التمثیلیّة التی منحناها له فی هذا العمل.

قد نختلف مع أبی القاسم فی رأی أو أکثر من الآراء التی یقول بها، وفی بعض النقاط التی أثارها فی ما یتعلّق بالحرّیّة فی الإسلام، ولکنّ هذا الاختلاف یُعدّ دلیلًا على ثراء فکره وعمق اتّجاهه، وتعبیرًا عن أهمّیّة الآراء التی ترکها لنا حاج حمد فی متنه "الحرّیّة فی الإسلام". 

 

خاتمة:       

لقد شکّلت الحرّیّة مطلبًا حیویًّا فی العالم العربیّ والإسلامیّ، فکانت الدعوة إلى الحرّیّة دعوة مدوّیة منذ عقود فی الوطن العربیّ من منطلق واقعیّ؛ وهو أنّ الإسلام دین الحرّیّة؛ وکثیرة هی الضمانات التی أحاطها الإسلام بالحرّیّة لضمان سیرورتها الفعلیّة فی المجتمع والحیلولة دون إهدارها واقعًا؛ بأیّ سبب من الأسباب، وأیّ تأویل من التأویلات.

وعلیه؛ فکیف یمکن فهم دواعی التنافی والتضادّ بین سموّ المرجعیّة القرآنیّة المؤکِّدة لتلک الضمانات والقواعد، وتدنّی الواقع المشخّص فی التاریخ السیاسیّ للإسلام قدیمًا وحاضرًا، والذی یعکس موجات متکرّرة وحالات سلبیّة شائنة من الارتداد المزری عن تلک الضوابط والقواعد بمرجعیّتها القرآنیّة، ونکوصًا عنها، وتردّیًا فی ظلمات القهر والهیمنة والقسر والإکراه والعبث بکرامة الإنسان وهدر ستار حرماته حد الاستعباد؟! وبتعبیرٍ آخر: کیف یمکن تجاوز حالة التنافر البغیض والتضادّ المنکر بین المثل العلیا القرآنیّة فی مجال الحرّیّات، وبین الواقع المضادّ حدّ المنافاة لتلک المثل السامیة؟!

 

 



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2]  انظر: زکریا، إبراهیم: مشکلة الحرّیّة، ط1، القاهرة، الهیئة المصریّة العامّة للکتاب، 2010م، ص14.

[3] انظر: البطوش، بسام عبد السلام: "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، مجلة إسلامیّة المعرفة، السنة8، العدد31-32، شتاء 2002م/2003م، ص201.

[4]  انظر: البطوش، "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، م.س، ص216.

[5] تحمل کتب أبی القاسم حاج حمد رؤیة تجدیدیّة معاصرة، تقوم على استیعاب الموروث الدینیّ والثقافیّ، والسعی إلى تجاوزه بتقدیم رؤیة بدیلة وقراءة معاصرة، تستعین بأدوات ومناهج العلوم الحدیثة لفهم النصّ الدینیّ. ویظهر ذلک من خلال آرائه الجریئة فی مقاربة النصّ الدینیّ والموضوعات المرتبطة به. فقد ناقش العالمیّة الإسلامیّة الثانیة، والأزمة الفکریّة والحضاریّة للعالم العربیّ والإسلامیّ، ومنهجیّة القرآن المعرفیّة، وإبستمولوجیّا المعرفیّة الکونیّة، والحاکمیّة، وجذور المأزق الأصولی، والقرآن وإشکالیّة المتغیّرات الاجتماعیّة والتاریخیّة، وغیرها من الإشکالات التی صاغها عناوین لمؤلّفاته العدیدة.

[6] حورانی، ألبرت: الفکر العربیّ فی عصر النهضة (1798-1939م)، ط4، بیروت، دار النهار، 1986م، ص114.

[7] انظر: التونسی، خیر الدین: أقوم المسالک فی معرفة أحوال الممالک، تحقیق: منصف الشنوفی، ط2، تونس، الدار التونسیة للنشر، 1972م، 158.

[8]  م.ن، ص210.

[9] م.ن، ص212.

[10]  م.ن، ص213.

[11]  قرنی، عزت: "العدالة والحرّیّة فی فجر النهضة العربیّة الحدیثة"، ط1، الکویت، سلسلة عالم المعرفة، العدد30، 1980م، ص98.

[12]  م.ن، ص98.

[13]  العراقی، عاطف: "دور الفکر المستنیر فی معرکة الحرّیّة"، مجلة عالم الفکر، الکویت، م33، العدد3، 2005م، ص167.

[14]  انظر: عبد اللطیف، کمال: "من الحرّیّات إلى باب الحرّیّة"، مجلة عالم الفکر، م33، العدد3، 2005م، ص97.

[15]  السید، أحمد لطفی: مبادئ فی السیاسة والأدب والاجتماع، ط1، القاهرة، دار الهلال، 1963م، ص138.

[16]  انظر: عبد اللطیف، "من الحرّیّات إلى باب الحرّیّة"، م.س، ص98.

[17]  م.ن، ص132-146.

[18] الریسونی، أحمد: "الحرّیّة فی أصالتها وأصولها"، مجلة إسلامیّة المعرفة، السنة8، العدد31-32، شتاء 2002م، ص11.

[19]  م.ن، ص11.

[20]  م.ن، ص11-12.

[21] انظر: م.ن، ص13.

[22] سورة الأعراف، الآیة 19.

[23]  الریسونی، "الحرّیّة فی أصالتها وأصولها"، م.س، ص12-13.

[24]  انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: أصول النظام الاجتماعیّ فی الإسلام، لا.ط، تونس، الشرکة التونسیة للتوزیع، لا.ت، ص170.

[25]  انظر: م.ن، ص170.

[26]  انظر: م.ن.

[27] انظر: همام، محمد: "نقد مقصد الحرّیّة فی فکر محمد الطاهر بن عاشور، ضمن أعمال المؤتمر العالمی: "قضایا الإصلاح فی فکر الشیخ الطاهر بن عاشور"، ط1، الأردن، المعهد العالمی للفکر الإسلامی، 2011م، ص298.

[28]  انظر: البطوش، "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، م.س، ص216.

[29] لقد کان أبو القاسم حاج حمد على وعی بخطورة قضیّة المنهج، فی وقتٍ کانت هذه القضیّة من الأبعاد الغائبة عن تفکیر المسلمین فی واقعنا المعاصر، وأکّد على ضرورة الأخذ بالمنهج؛ لأنّه یساعد على ضبط الفکر وتقنینه، یقول: "إنّ الضابط المنهجیّ یعنی القانون الفلسفیّ أو المبادئ الفلسفیّة الناظمة بتحدید واضح للأفکار، فالمنهجیّة تقنین للفکر، ودون هذا التقنین یتحوّل الفکر إلى تأمّلات وخطرات انتقائیّة قد تکون عبقریّة ومشرقة جدًّا وذات جدوى فی کثیر من الأحیان وتصلح للمواعظ والمجادلة الحسنة، ولکنّها لا تکون منهجیّة. فمنهجیّة الأفکار أو تقنینها بالمنهج تماثل حالة تولید القوانین من الطبیعة، فإذا لم تستند أسلمة المعرفة إلى منهج، إلى ضابط قانونیّ للفکر تتحوّل فعلًا إلى خطرات تأمّلیّة انتقائیّة. فلکلّ فکر فی حاضرنا العالمیّ المعاصر منهجه الضابط والمنظّم؛ فإذا کان هذا المنهج مادّیًّا فی تصوّره للکون؛ ینتج أفکارًا لا تکون إلا مادّیّة تغلق الوجود وحرکته على قانون الترکیب عبر وحدة المتضادّات بشکل جدلیّ مادّیّ، وفی کلّ الاتّجاهات العلمیّة من الطبیعة وإلى الإنسان، وإذا کان هذا المنهج لاهوتیًّا -ولا أقول دینیًّا- یتصوّر الوجود وحرکته فی إطار الجبریّة الغیبیّة المطلقة، ولا یحقّ له -ضمن منهجه هذا ولو أراد- أن یتفوّه بکلمة عن الحرّیّة أو الاختیار، وإلا فارق المنهج المحدّد والناظم للأفکار وأصبح انتقائیًّا وتوفیقیًّا، ولیس من سمات المنهج أن یتقبّل أیّ توفیقیّة أو انتقائیّة؛ تمامًا کالقانون فی الظاهرات الطبیعیّة؛ فلا یمکن أن نقول إنّ الحرارة تمدّد الأجسام، ثمّ نقول فی الوقت ذاته إنّ الأجسام تتمدّد بذاتها. وهذه هی أزمة الفکر الانتقائیّ فی کلّ أشکاله؛ بما یشمل أولئک الوضعیّین الذین قبلوا الأخذ بفلسفة العلوم الطبیعة، ثمّ رفضوا نتائجها المادّیّة فی التاریخ والمجتمع والأخلاق. وکذلک هی أزمة کثیر من مدارس المتکلّمین الإسلامیّین الذین قالوا بالجبریّة واضطربوا فی تحدید مسؤولیّة الإنسان عن أعماله، أو الذین قالوا بالاختیار واضطربوا فی مطلق الهیمنة الإلهیّة، أو الذین قالوا بالاثنین معًا. إنّ المنهجیّة لا تقبل التوفیق ولا التوسّط، فهی قانون محدّد لإنتاج الأفکار، وحین نقول بالأسلمة المنهجیّة للمعرفة؛ فإنّنا لا نغفل هذا القانون الصارم، ونسدّ أمامنا -منذ البدایة وأمام الباحثین أیضًا- ذلک النمط من (الراحة العقلیّة) التی تأخذ من الأمور أوسطها، وتوفّق بین ما یبدو متعارضًا بانتقائیّة واضحة. إنّ المنهجیّة لا تعنی (الأحادیّة) فی التفکیر؛ بمعنى أنّ قانون الأفکار لا یستوعب ما یبدو متناقضًا ومتعارضًا؛ کمثال الجبر والاختیار، أو المادّیّة والوضعیّة الانتقائیّة، ولکن ثمّة فارق کبیر بین معالجة ما یبدو متناقضًا ومتعارضًا فی إطار الضابط المنهجیّ نفسه لقانون الأفکار ودون توفیقیّة، وبین معالجة ما یبدو متناقضًا ومتعارضًا دون منهج، ومن خلال التأمّل العقلیّ فقط. وهذا هو معنى المنهجیّة بوصفها ناظمًا مقنّنًا لإنتاج الأفکار ذی النسق الواحد؛ فکلّ فکر تتعدّد مقولاته وتتضارب إنّما هو فکر غیر منهجیّ؛ ولو التزم فی إنتاجه الذهنی بإطار مرجعیّ أرقى منه، فالقرآن الکریم -مثلًا- یحمل ضمن وحدته الکتابیّة العضویّة منهجیّة کاملة، غیر أنّ الجهد البشری المبذول فی التفسیر -انطلاقًا من النصوص المجزّأة، وتبعًا للمقاصد الموقوفة على أحکام بعینها- لا یمنح المفسّرین صفة المنهجیّة، وینطبق القول نفسه على إعمال مبادئ عقلیّة، وقیاسًا أو استدلالًا منطقیًّا فی موضوعات مختلفة؛ لتولید مفاهیم لا تشکّل فی اختبار کلّیّتها نسقًا واحدًا، فالمنهجیّة التی نعنیها هی خروج العقل من حالة التولید الذاتیّ للمفاهیم إلى اکتشاف النسق المرجعیّ الذی یحاکم هذه المفاهیم نفسها، ویؤطّر لإنتاجها؛ حیث یحکّم التطبیقات فی مختلف الحقول الأخرى؛ فالمنهج هو خلاصة قوانین تحوّلت إلى نظریّات تحوّلت بدورها إلى إطار مرجعیّ، ولیس مجرّد صیاغة موضوعیّة للتفکیر". (حاج حمد، أبو القاسم: منهجیّة القرآن المعرفیّة: أسلمة فلسفة العلوم الطبیعیّة والإنسانیّة، ط1، بیروت، دار الهادی، 2008م، ص32-33).

[30]  حاج حمد، أبو القاسم: الحرّیّة فی الإسلام، ط1، بیروت، دار الساقی، 2012م، ص19.

[31]  حاج حمد، أبو القاسم: تشریعات العائلة فی الإسلام، ط1، بیروت، دار الساقی، 2011م، ص15.

[32]حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص20.

[33]سورة النحل، الآیة 78.

[34]  سورة النحل، الآیة79.

[35]  انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص23.

[36]  انظر: م.ن، ص39-40.

[37]انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص41.

[38]  انظر: م.ن، ص43.

[39]انظر: م.ن، ص44.

[40]  سورة السجدة، الآیة 9.

[41]  انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص45.

[42]  حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص50.

[43]  سورة الغاشیة، الآیات 21-24.

[44]  انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص22.

[45]  م.ن، ص 23.

[46]م.ن، ص24.

[47]  انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص49.

[48]  سورة الزخرف، الآیة 45.

[49]  انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص50.

[1] انظر: زکریا، إبراهیم: مشکلة الحرّیّة، ط1، القاهرة، الهیئة المصریّة العامّة للکتاب، 2010م، ص14.
[1] انظر: البطوش، بسام عبد السلام: "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، مجلة إسلامیّة المعرفة، السنة8، العدد31-32، شتاء 2002م/2003م، ص201.
[1] انظر: البطوش، "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، م.س، ص216.
[1] تحمل کتب أبی القاسم حاج حمد رؤیة تجدیدیّة معاصرة، تقوم على استیعاب الموروث الدینیّ والثقافیّ، والسعی إلى تجاوزه بتقدیم رؤیة بدیلة وقراءة معاصرة، تستعین بأدوات ومناهج العلوم الحدیثة لفهم النصّ الدینیّ. ویظهر ذلک من خلال آرائه الجریئة فی مقاربة النصّ الدینیّ والموضوعات المرتبطة به. فقد ناقش العالمیّة الإسلامیّة الثانیة، والأزمة الفکریّة والحضاریّة للعالم العربیّ والإسلامیّ، ومنهجیّة القرآن المعرفیّة، وإبستمولوجیّا المعرفیّة الکونیّة، والحاکمیّة، وجذور المأزق الأصولی، والقرآن وإشکالیّة المتغیّرات الاجتماعیّة والتاریخیّة، وغیرها من الإشکالات التی صاغها عناوین لمؤلّفاته العدیدة.
[1]حورانی، ألبرت: الفکر العربیّ فی عصر النهضة (1798-1939م)، ط4، بیروت، دار النهار، 1986م، ص114.
[1] انظر: التونسی، خیر الدین: أقوم المسالک فی معرفة أحوال الممالک، تحقیق: منصف الشنوفی، ط2، تونس، الدار التونسیة للنشر، 1972م، 158.
[1] م.ن، ص210.
[1]م.ن، ص212.
[1] م.ن، ص213.
[1] قرنی، عزت: "العدالة والحرّیّة فی فجر النهضة العربیّة الحدیثة"، ط1، الکویت، سلسلة عالم المعرفة، العدد30، 1980م، ص98.
[1] م.ن، ص98.
[1] العراقی،عاطف: "دور الفکر المستنیر فی معرکة الحرّیّة"، مجلة عالم الفکر، الکویت، م33، العدد3، 2005م، ص167.
[1] انظر: عبد اللطیف، کمال: "من الحرّیّات إلى باب الحرّیّة"، مجلة عالم الفکر، م33، العدد3، 2005م، ص97.
[1] السید، أحمد لطفی: مبادئ فی السیاسة والأدب والاجتماع، ط1، القاهرة، دار الهلال، 1963م، ص138.
[1] انظر: عبد اللطیف، "من الحرّیّات إلى باب الحرّیّة"، م.س، ص98.
[1] م.ن، ص132-146.
[1]الریسونی، أحمد: "الحرّیّة فی أصالتها وأصولها"، مجلة إسلامیّة المعرفة، السنة8، العدد31-32، شتاء 2002م، ص11.
[1] م.ن، ص11.
[1] م.ن، ص11-12.
[1]انظر: م.ن، ص13.
[1]سورة الأعراف، الآیة 19.
[1] الریسونی، "الحرّیّة فی أصالتها وأصولها"، م.س، ص12-13.
[1] انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر: أصول النظام الاجتماعیّ فی الإسلام، لا.ط، تونس، الشرکة التونسیة للتوزیع، لا.ت، ص170.
[1] انظر: م.ن، ص170.
[1] انظر: م.ن.
[1] انظر: همام، محمد: "نقد مقصد الحرّیّة فی فکر محمد الطاهر بن عاشور، ضمن أعمال المؤتمر العالمی: "قضایا الإصلاح فی فکر الشیخ الطاهر بن عاشور"، ط1، الأردن، المعهد العالمی للفکر الإسلامی، 2011م، ص298.
[1] انظر: البطوش، "الحرّیّة فی الخطاب الإسلامیّ الحدیث"، م.س، ص216.
[1] لقد کان أبو القاسم حاج حمد على وعی بخطورة قضیّة المنهج، فی وقتٍ کانت هذه القضیّة من الأبعاد الغائبة عن تفکیر المسلمین فی واقعنا المعاصر، وأکّد على ضرورة الأخذ بالمنهج؛ لأنّه یساعد على ضبط الفکر وتقنینه، یقول: "إنّ الضابط المنهجیّ یعنی القانون الفلسفیّ أو المبادئ الفلسفیّة الناظمة بتحدید واضح للأفکار، فالمنهجیّة تقنین للفکر، ودون هذا التقنین یتحوّل الفکر إلى تأمّلات وخطرات انتقائیّة قد تکون عبقریّة ومشرقة جدًّا وذات جدوى فی کثیر من الأحیان وتصلح للمواعظ والمجادلة الحسنة، ولکنّها لا تکون منهجیّة. فمنهجیّة الأفکار أو تقنینها بالمنهج تماثل حالة تولید القوانین من الطبیعة، فإذا لم تستند أسلمة المعرفة إلى منهج، إلى ضابط قانونیّ للفکر تتحوّل فعلًا إلى خطرات تأمّلیّة انتقائیّة. فلکلّ فکر فی حاضرنا العالمیّ المعاصر منهجه الضابط والمنظّم؛ فإذا کان هذا المنهج مادّیًّا فی تصوّره للکون؛ ینتج أفکارًا لا تکون إلا مادّیّة تغلق الوجود وحرکته على قانون الترکیب عبر وحدة المتضادّات بشکل جدلیّ مادّیّ، وفی کلّ الاتّجاهات العلمیّة من الطبیعة وإلى الإنسان، وإذا کان هذا المنهج لاهوتیًّا -ولا أقول دینیًّا- یتصوّر الوجود وحرکته فی إطار الجبریّة الغیبیّة المطلقة، ولا یحقّ له -ضمن منهجه هذا ولو أراد- أن یتفوّه بکلمة عن الحرّیّة أو الاختیار، وإلا فارق المنهج المحدّد والناظم للأفکار وأصبح انتقائیًّا وتوفیقیًّا، ولیس من سمات المنهج أن یتقبّل أیّ توفیقیّة أو انتقائیّة؛ تمامًا کالقانون فی الظاهرات الطبیعیّة؛ فلا یمکن أن نقول إنّ الحرارة تمدّد الأجسام، ثمّ نقول فی الوقت ذاته إنّ الأجسام تتمدّد بذاتها. وهذه هی أزمة الفکر الانتقائیّ فی کلّ أشکاله؛ بما یشمل أولئک الوضعیّین الذین قبلوا الأخذ بفلسفة العلوم الطبیعة، ثمّ رفضوا نتائجها المادّیّة فی التاریخ والمجتمع والأخلاق. وکذلک هی أزمة کثیر من مدارس المتکلّمین الإسلامیّین الذین قالوا بالجبریّة واضطربوا فی تحدید مسؤولیّة الإنسان عن أعماله، أو الذین قالوا بالاختیار واضطربوا فی مطلق الهیمنة الإلهیّة، أو الذین قالوا بالاثنین معًا. إنّ المنهجیّة لا تقبل التوفیق ولا التوسّط، فهی قانون محدّد لإنتاج الأفکار، وحین نقول بالأسلمة المنهجیّة للمعرفة؛ فإنّنا لا نغفل هذا القانون الصارم، ونسدّ أمامنا -منذ البدایة وأمام الباحثین أیضًا- ذلک النمط من (الراحة العقلیّة) التی تأخذ من الأمور أوسطها، وتوفّق بین ما یبدو متعارضًا بانتقائیّة واضحة. إنّ المنهجیّة لا تعنی (الأحادیّة) فی التفکیر؛ بمعنى أنّ قانون الأفکار لا یستوعب ما یبدو متناقضًا ومتعارضًا؛ کمثال الجبر والاختیار، أو المادّیّة والوضعیّة الانتقائیّة، ولکن ثمّة فارق کبیر بین معالجة ما یبدو متناقضًا ومتعارضًا فی إطار الضابط المنهجیّ نفسه لقانون الأفکار ودون توفیقیّة، وبین معالجة ما یبدو متناقضًا ومتعارضًا دون منهج، ومن خلال التأمّل العقلیّ فقط. وهذا هو معنى المنهجیّة بوصفها ناظمًا مقنّنًا لإنتاج الأفکار ذی النسق الواحد؛ فکلّ فکر تتعدّد مقولاته وتتضارب إنّما هو فکر غیر منهجیّ؛ ولو التزم فی إنتاجه الذهنی بإطار مرجعیّ أرقى منه، فالقرآن الکریم -مثلًا- یحمل ضمن وحدته الکتابیّة العضویّة منهجیّة کاملة، غیر أنّ الجهد البشری المبذول فی التفسیر -انطلاقًا من النصوص المجزّأة، وتبعًا للمقاصد الموقوفة على أحکام بعینها- لا یمنح المفسّرین صفة المنهجیّة، وینطبق القول نفسه على إعمال مبادئ عقلیّة، وقیاسًا أو استدلالًا منطقیًّا فی موضوعات مختلفة؛ لتولید مفاهیم لا تشکّل فی اختبار کلّیّتها نسقًا واحدًا، فالمنهجیّة التی نعنیها هی خروج العقل من حالة التولید الذاتیّ للمفاهیم إلى اکتشاف النسق المرجعیّ الذی یحاکم هذه المفاهیم نفسها، ویؤطّر لإنتاجها؛ حیث یحکّم التطبیقات فی مختلف الحقول الأخرى؛ فالمنهج هو خلاصة قوانین تحوّلت إلى نظریّات تحوّلت بدورها إلى إطار مرجعیّ، ولیس مجرّد صیاغة موضوعیّة للتفکیر". (حاج حمد، أبو القاسم: منهجیّة القرآن المعرفیّة: أسلمة فلسفة العلوم الطبیعیّة والإنسانیّة، ط1، بیروت، دار الهادی، 2008م، ص32-33).
[1] حاج حمد، أبو القاسم: الحرّیّة فی الإسلام، ط1، بیروت، دار الساقی، 2012م، ص19.
[1] حاج حمد، أبو القاسم: تشریعات العائلة فی الإسلام، ط1، بیروت، دار الساقی، 2011م، ص15.
[1]حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص20.
[1]سورة النحل، الآیة 78.
[1] سورة النحل، الآیة79.
[1] انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص23.
[1] انظر: م.ن، ص39-40.
[1]انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص41.
[1] انظر: م.ن، ص43.
[1]انظر: م.ن، ص44.
[1] سورة السجدة، الآیة 9.
[1] انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص45.
[1] حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص50.
[1] سورة الغاشیة، الآیات 21-24.
[1] انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص22.
[1] م.ن، ص 23.
[1]م.ن، ص24.
[1] انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص49.
[1] سورة الزخرف، الآیة 45.
[1] انظر: حاج حمد، الحرّیّة فی الإسلام، م.س، ص50.