غادامیر.. نحو هرمینوطیقا أنطولوجیّة وجدلیّة

نوع المستند : المقالة الأصلية

المؤلف

جامعة

المستخلص

عام 1960، وبعد ثلاث وثلاثین سنة من ظهور کتاب هیدغر: "الکینونة والزمان"، ظهر فی ألمانیا کتاب "الحقیقة والمنهج" لصاحبه هانز غیورغ غادامیرH.G. Gadamer  (1900- 2002)؛ الفیلسوف الهرمینوطیقیّ الذی عمّر طویلًا، وأبدع ضمن خانة الوعی التأویلیّ. لقد سلک غادامیر مسلک هیدغر فی نقد الهرمینوطیقا التقلیدیّة المهووسة بالمنهج، واعتبر أنّ القضیة الأساس لا تکمن فی الطریق المیتودولوجی للفهم بقدر ما هی فهم الفهم نفسه، وکشف مساراته التاریخیّة والسیاقیّة والجمالیّة. یقول غادامیر فی السیاق ذاته: "وجدتُ -من جانبی- المنطلَق الأوّل فی نقد المثالیّة (Idealismus) والمنهاجویّة (Methodologismus ) اللتین میّزتا عهد نظریّة المعرفة. امتداد مفهوم الفهم إلى "الوجودیّ" عند هیدغر؛ بمعنى التصمیم الحاسم “للدازاین” (الوجود -فی- العالم) «Dasein»، یعبّر عندی عن مرحلة حاسمة؛ إذ  حملنی هذا المفهوم -بحکم تحریضه- على مجاوزة مناقشة المشکلات المرتبطة بنقد المنهج لتوسیع مسألة التأویل فی ما وراء حقل العلم وإدراج تجربَتی الجمال والتاریخ"⁽[1]⁾. هذا الاستشهاد غایة فی الأهمّیّة؛ لأنّه یبیّن مدى تأثیر هیدغر البالغ فی هرمینوطیقا غادامیر من خلال مفهوم الدازاین ذی الحمولة الأنطولوجیّة الصرفة، ویبیّن کذلک المسار الذی سیسلکه غادامیر فی الهرمینوطیقا والمُؤَسَّس على نقد المنهج والعلمویّة وتدعیم موقع التاریخ وزمانیّة الفهم، وکذا قلب التصوّر حول الفنّ الذی اختزلته الإستطیقا إلى إنتاج جمالیّ فقط. والحقیقة أنّه یعبّر عن حقیقة حیّة ومستقلّة هی التی یجب على التأویلیّة رصدها، على اعتبار أنّ الحقیقة الفنّیّة أجدر بالبحث والفهم من غیرها.
ویبدو أنّ سؤال الفهم هو الذی یمکن أن یوجّه هذه المحاولة، ویبیّن بالموازاة مع ذلک تمفصلات الهرمینوطیقا الغادامیریّة، ولاسیّما أنّ الأسئلة کثیرة هنا؛ أسئلة تفصح عن طابع إشکالیّ أصیل؛ من قبیل: ما الفهم عند غادامیر؟ وما موقف التأویلیّة عنده من قضایا التراث واللغة والتاریخ؟ وهل یدشّن العقل الهرمینوطیقیّ عند صاحب "الحقیقة والمنهج" لما یسمّى بـ "فوضى المعنى"، أم یشکّل قاعدة أصیلة للفعل التأویلیّ؟ وما موقف غادامیر من مسألة المنهج والحقیقة: هل هما متعالقان أم منفصلان؟ وأسئلة أخرى تنظر إلى الهرمینوطیقا الفلسفیّة فی ظلّ علاقاتها بالفنّ والجمال والأحکام المسبقة...



[1]⁾ ⁾ غادامیر، هانس غیورغ: فلسفة التأویل، الأصول، المبادئ، الأهداف، ترجمة: محمد شوقی الزین، ط2، بیروت، الدار العربیة للعلوم؛ الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی؛ الجزائر، منشورات الاختلاف، 2006، ص175.

نقاط رئيسية

أولًا: تأسیس الفهم ونقد المنهج

ثانیًا: الفهم والأحکام المسبقة

ثالثًا: جدلیّة الفهم وانصهار الآفاق

رابعًا: الفهم واللغة

الكلمات الرئيسية


غادامیر.. نحو هرمینوطیقا أنطولوجیّة وجدلیّة

الدکتور محسن مونا[1]

مقدّمة:

عام 1960، وبعد ثلاث وثلاثین سنة من ظهور کتاب هیدغر: "الکینونة والزمان"، ظهر فی ألمانیا کتاب "الحقیقة والمنهج" لصاحبه هانز غیورغ غادامیرH.G. Gadamer  (1900- 2002)؛ الفیلسوف الهرمینوطیقیّ الذی عمّر طویلًا، وأبدع ضمن خانة الوعی التأویلیّ. لقد سلک غادامیر مسلک هیدغر فی نقد الهرمینوطیقا التقلیدیّة المهووسة بالمنهج، واعتبر أنّ القضیة الأساس لا تکمن فی الطریق المیتودولوجی للفهم بقدر ما هی فهم الفهم نفسه، وکشف مساراته التاریخیّة والسیاقیّة والجمالیّة. یقول غادامیر فی السیاق ذاته: "وجدتُ -من جانبی- المنطلَق الأوّل فی نقد المثالیّة (Idealismus) والمنهاجویّة (Methodologismus ) اللتین میّزتا عهد نظریّة المعرفة. امتداد مفهوم الفهم إلى "الوجودیّ" عند هیدغر؛ بمعنى التصمیم الحاسم “للدازاین” (الوجود -فی- العالم) «Dasein»، یعبّر عندی عن مرحلة حاسمة؛ إذ  حملنی هذا المفهوم -بحکم تحریضه- على مجاوزة مناقشة المشکلات المرتبطة بنقد المنهج لتوسیع مسألة التأویل فی ما وراء حقل العلم وإدراج تجربَتی الجمال والتاریخ"⁽[2]⁾. هذا الاستشهاد غایة فی الأهمّیّة؛ لأنّه یبیّن مدى تأثیر هیدغر البالغ فی هرمینوطیقا غادامیر من خلال مفهوم الدازاین ذی الحمولة الأنطولوجیّة الصرفة، ویبیّن کذلک المسار الذی سیسلکه غادامیر فی الهرمینوطیقا والمُؤَسَّس على نقد المنهج والعلمویّة وتدعیم موقع التاریخ وزمانیّة الفهم، وکذا قلب التصوّر حول الفنّ الذی اختزلته الإستطیقا إلى إنتاج جمالیّ فقط. والحقیقة أنّه یعبّر عن حقیقة حیّة ومستقلّة هی التی یجب على التأویلیّة رصدها، على اعتبار أنّ الحقیقة الفنّیّة أجدر بالبحث والفهم من غیرها.

ویبدو أنّ سؤال الفهم هو الذی یمکن أن یوجّه هذه المحاولة، ویبیّن بالموازاة مع ذلک تمفصلات الهرمینوطیقا الغادامیریّة، ولاسیّما أنّ الأسئلة کثیرة هنا؛ أسئلة تفصح عن طابع إشکالیّ أصیل؛ من قبیل: ما الفهم عند غادامیر؟ وما موقف التأویلیّة عنده من قضایا التراث واللغة والتاریخ؟ وهل یدشّن العقل الهرمینوطیقیّ عند صاحب "الحقیقة والمنهج" لما یسمّى بـ "فوضى المعنى"، أم یشکّل قاعدة أصیلة للفعل التأویلیّ؟ وما موقف غادامیر من مسألة المنهج والحقیقة: هل هما متعالقان أم منفصلان؟ وأسئلة أخرى تنظر إلى الهرمینوطیقا الفلسفیّة فی ظلّ علاقاتها بالفنّ والجمال والأحکام المسبقة...

 

أولًا: تأسیس الفهم ونقد المنهج:

إنّ الإجابة عن تلک الأسئلة تقتضی لزامًا معرفة العدّة المفاهیمیّة الغنیّة التی یتوسّل بها غادامیر؛ سواء فی "الحقیقة والمنهج"، أم حتى فی "فلسفة التأویل". ویبدو أنّ تأویلیّة غادامیر تنطلق فی الوهلة الأولى من هدم فکرة المنهج، فقد ظلّ المنهج منذ شلایرماخر ودلتای -وبضغط من العلوم الطبیعیّة- صلب التفکیر ضمن المشکلة التأویلیّة ومرکز الاهتمام، لکنّ الحقّ أنّ "المشکلة تعود إلى أبعد من حدود مفهوم المنهج؛ کما وضعها العلم الحدیث"⁽[3]⁾، وینبغی عدم التغاضی أبدًا عن أنّ الانصراف إلى سَجن الممارسة الهرمینوطیقیّة ضمن المیتودولوجیا یقتل تلک الممارسة ویسلبها معناها الإنسانیّ الذی یجب أن تعبر علیه؛ بل إنّها تعبر علیه فی الواقع. ونجد غادامیر نفسه یؤکّد على "أنّ الظاهرة التأویلیّة لیست أساسًا مشکلة منهج على الإطلاق، وهی لا تعنى بمنهج للفهم بوساطته تُخضِع النصوص لبحث علمیّ؛ مثل جمیع موضوعات التجربة الأخرى. إنّها لا تُعنى ابتداءً ببناء المعرفة المُثَبَّتة، حتى تفی بمطالب النموذج المنهجی للعلم؛ مع أنّها تُعنى بالمعرفة والحقیقة أیضًا"⁽[4]⁾، فالفهم الهرمینوطیقیّ لیس مناقضًا للحقیقة بقدر ما یتّجه نحو التساؤل حول الحقیقة التی نریدها؛ لأنّ تحلیل النصوص یقود بالضرورة إلى بلوغ حقائق، ولکنّ التأویلیّة تلفت نظرنا دائمًا إلى أنّ ثمّة حقائق ضمنیّة لا یکشفها العلم، تکون مختفیة بین حدود الکلمات، فی ثنایا السلوکات الظاهرة، وفی "لاشعور" المتلفّظ. تلک الحقائق هی التی یعتبرها الفهم موضوعه الأساس والمرکزیّ، ویشکّل الفنّ بجمیع أنماطه أهمّ مصدر ومنبع لها.

          بناءً على ذلک، فإنّ الفهم لیس مرتبطًا بشکل قطعیّ مع قضیّة المنهج، ولکنّه فاعلیّة إنسانیّة تسمو على الخضوع للمنهاجویّة القسریّة؛ فـ "الفهم هو إجراء وساطة بین الحاضر والماضی، وتطویر فی الذات لکلّ السلسلة المرتبطة بالمنظورات التی یحضر عبرها الماضی ویتوجّه إلینا"⁽[5]⁾، ولیس الفهم وسیطًا بین أفقی الماضی والحاضر فحسب؛ وإنّما هو استیعاب رمزیّ للکون یشمل مختلف العناصر الثقافیّة التی تساعد الإنسان على کشف أسرار محیطه وعالمه. إنّه أنسنة الإنسان عبر اللغة التی بها تُفهم الأشیاء ومن خلالها، والفهم هو بالضرورة تأویل من زاویة رؤیة معیّنة للأشیاء حسب تمّثل معیّن لها، وبما أنّ الدازاین دائم التساؤل حول جمیع قضایا الکینونة؛ فالفهم حینئذٍ یجب أن لا یُنظر إلیه لحظةً عابرة مؤقّتة؛ بل على أنّه سیرورة زمنیة یتسرّب عبرها الإنسان إلى ذاته ویعرفها. وبالتالی، یرتوی بالإنسانیّة الصمیمة الممیّزة له کنهًا حصریًّا.

لقد جاء غادامیر فی سیاق مراجعته للفلسفة منذ أفلاطون وأرسطو، وصولًا إلى هیغل وکانط ونیتشه ومارکس، لکی یؤکّد أنّ الفهم لیس مجرّد معرفة أو فکرة حول علاقة ذات بأخرى، أو علاقة مؤوّل بنصّ، أو علاقة حاضر بماضی؛ وإنّما هو جوهر الکینونة (کما یقول هیدغر)؛ فأنْ تفهم یعنی أنّک کائن وموجود هنا، فی الراهن وفی العالم.

إنّ الفهم عند غادامیر هو الذی یؤکّد على أنّ الوجود الإنسانیّ لیس عفویًّا على غرار وجود الأشجار والأحجار، ولن یکون کذلک ما دام ذلک الإنسان یفهم، یتحاور، یختلف، یرفض وینتقد، والفهم "فی سیاق الهرموسیّة (الهرمینوطیقا) یتعلّق بما یطلق علیه غادامیر القدرة على “استیطان عالم”، والعیش فیه بانسجام أو بتنافر مع محیط مادّیّ لا یتکلّم إلا من خلال هذا الاستیطان ذاته"⁽[6]⁾. إذًا، فالفهم استدلال على الوجود هنا، وإثبات للکینونة؛ سواء فی انسجام مع المحیط، أو فی تنافرٍ معه، المهمّ أنّه موقف یثبِّتنا فی العالم فی قلب واضح للکوجیتو الدیکارتی من "أنا أشکّ، أنا أفکّر، إذًا أنا موجود"، إلى "أنا أفکر، أنا أفهم، إذًا أنا موجود"؛ فالتفکیر والفهم واللغة عناوین بارزة لهرمینوطیقا الجدل عند غادامیر. وإذا کان الفهم قدرة على استیطان عالم؛ فهو "بذلک لا یمکن أن ینفصل عن التأویل الذی لا یکتفی بالتقاط معنى جاهز؛ بل یقوم ببناء سیاقات هی وحدها الحاضنة للمعنى والقادرة على الکشف عنه. إنّ الفهم -بصیغة أخرى- یغطّی مجموع النشاط الإنسانیّ"⁽[7]⁾.

          وبما أنّ الفهم یغطّی مجموع النشاط الإنسانیّ، فلا جرَم فی تحدید جملة من الأطروحات والمقولات التی تتحکّم فیه؛ بوصفه سیرورة زمنیّة من زاویة واقعیّة بعیدة عن المعیاریّة والمنهاجویّة المفروضة، ومن أبرز تلک المقولات مقولة الحکم المسبق والتراث، فأیّ علاقة یمکن أن تربط الفهم بالحکم المسبق والتراث حسب غادامیر؟

ثانیًا: الفهم والأحکام المسبقة:

یرى غادامیر أنّ "الأحکام المسبقة شروط للفهم"⁽[8]⁾، وتحتلّ تلک المقولة صدارة النقد الرادیکالیّ الذی وجّهه صاحب "الحقیقة والمنهج" للأنوار وعصر التنویر الذی لم یتوقّف عن التشکیک فی الحکم المسبق والدعوة إلى تجاوزه وتقویضه باسم الحداثة والانتصار للحقیقة! وإلى جانب ذلک، فقد اعتُبِرت الأحکام المسبقة مناقضة للبداهة والیقین حسب دیکارت، ولذلک وجب عزلها، وهنا "یتساءل غادامیر بحقّ: ألیس هذا الإقصاء الذی تعرّضت له الأحکام المسبقة هو فی ذاته نتاج “حکم مسبق” عملت الأنوار على إخفائه؟"⁽[9]⁾. نعم، إنّه تنبیه فلسفیّ عمیق یکشف بشکل دقیق عن قصور واضح فی تصوّر الأنوار التی دعت إلى اجتناب تقلید طبّقته نفسها بإدراک أو بغیر إدراک، فقد کان رهان فلسفة التنویر بشقّیها العلمیّ والتاریخیّ هو إبعاد الأحکام المسبقة ووضعها بین قوسین بلغة فینومینولوجیّة؛ بوصفها شائبًا من شوائب الموضوعیّة ومعکّرًا للإدراک البدیهیّ للأشیاء، واعتُبِر التراث مصدر الأحکام المسبقة. "لهذا السبب اعتبر کانط أنّ الأحکام لا تنفّک عن نمط فی السلطة ینبغی التندید به؛ لأنّه ضدّ الاستعمال الحرّ والمسؤول للعقل. غیر أنّ هذه الفکرة تنمّ عن وهم حسب غادامیر"⁽[10]⁾، لماذا وهم؟ لأنّ "ما یبدو حکمًا مسبقًا محدّدًا من وجهة نظر البناء العقلیّ الذاتیّ المطلق ینتمی فی الحقیقة إلى الواقع التاریخیّ نفسه"⁽[11]⁾؛ ما معناه أنّ کانط أو غیره من أعلام الأنوار؛ حینما یستبعدون الحکم المسبق من دائرة الفهم یتناسون أو لا ینتبهون إلى أنّ ما ینعتونه بالسلطة الخارجیّة عن العقل لیس فی جوهره مقولة خارجیّة؛ وإنّما هو من صمیم الواقع التاریخیّ للعقل نفسه، لذلک "لو أردنا أن نفی تناهی الوجود الإنسانیّ وتاریخیّته حقّهما، فمن الضروریّ إعادة الاعتبار الأساسیّ للحکم المسبق، والإقرار بوجود أحکام مسبقة مشروعة"⁽[12]⁾.

إنّ تأویلیّة غادامیر تقوّض التصاق الحقیقة والفهم بالمنهج؛ سواء أکان تاریخیًّا أو علمویًّا، وبالمقابل تنادی بإعادة الاعتبار إلى الحکم المسبق؛ بوصفه بدیلًا إنسانیًّا ینتمی إلى الإنسان نفسه، ولکنّ غادامیر حینما یقول بضرورة الإقرار بوجود أحکام مسبقة مشروعة؛ فإنّه -أوتوماتیکیًّا- یسلّم بوجود أحکام أخرى غیر مشروعة، فکیف تُعرَف الأولى من الثانیة؟

یمیّز غادامیر بین نوعین من الأحکام المُسبقة؛ هما:

-       الحکم المسبق بوصفه حکمًا سابقًا لأوانه (Prématuré): وهذا الصنف یعرقل الوصول إلى الحقیقة أکثر ممّا یفیدها، ویجعل من الفهم محدّدًا قبلیًّا فی شکل معیّن؛ قبل المواجهة مع الموضوع؛ ویمکن أن تکون الحقیقة هی(x)، ولکنّ هذا النوع لا یقبلها؛ لأنّه مصمّم على أنّها (y)، وهو بالتالی مرفوض.

-       الحکم المسبق بوصفه فهمًا أوّلیًّا (Précompréhension): وهذا النوع من الأحکام یفصح عن نفسه؛ بوصفه توجّهًا فکریًّا أوّلیًّا دون أن یفرض نمطًا وثوقیًّا (Dogmatique) للحقیقة، أو فهمًا متطرّفًا. هذا النوع من الأحکام هو الذی ینادی به غادامیر، ویحثّ على إعادة الاعتبار له، إنّه یرى أنّ الخلل لیس فی الحکم المسبق؛ وإنّما فی موظِّفه -السیّئ- الذی لا ینظر إلیه إمکانًا تقدیریًّا للفهم. والحقّ أنّ الحکم المسبق عند غادامیر "مجرّد رأی أوّلیّ أو تخمین حول مسألة لم یتمّ البتّ فیها، فهو على غرار الأحکام القضائیّة التی لا یتمّ الجزم فیها إلا بعد الإقرار الفعلیّ للوقائع"⁽[13]⁾. إذًا، فالحکم المسبق هو أداتنا للفهم، ویستعمل غادامیر الأداة بدل المنهج حتى یتلافى التناقض بین الفهم الذی ینازعه والذی یدعو إلیه بشکل واقعیّ لا معیاریّ - رومانسیّ.

 

ثالثًا: جدلیّة الفهم وانصهار الآفاق:

 یقول غادامیر فی التراث: "إنّ ما یقرّه التراث والعرف یتمتّع بسلطة مجهولة، ویتمیّز وجودنا التاریخیّ المتناهی بحقیقة أنّ السلطة التی یتمتّع بها ما وصلنا عبر التراث یمارس على مواقفنا وسلوکنا نفوذًا قویًّا دائمًا"⁽[14]⁾، فالتراث شیء لا غنى عنه فی الفهم، وهو الذی یحدّد مواقفنا وشرعیّة أفعالنا الأخلاقیّة، وتبنّی التراث فعل حرّ وبصیر؛ ما دام ذلک التراث لیس ماضیًا؛ وإنّما ملازمًا للدازاین فی الحاضر أیضًا.

یتشکّل الفهم من جملة من العلاقات الرابطة بین الکلّ (المجتمع) والجزء (الفرد)، أو بین الذات والتراث فی معنى مُعدَّلٍ لما یُسمّى بـ "الدائرة الهرمینوطیقیّة" (فهم الکلّ بمقتضى الجزء، وفهم الجزء بمقتضى الکلّ)، والفهم هاهنا یتحدّد بوصفه "مسافة تاریخیّة أو زمنیّة" بین المؤوّل والتراث، مسافة معقولة لا تتّسم بالقرب المفرط؛ کما لا تتّصف بالبعد المفرط.

وبناءً علیه، فإنّ الأحکام المسبقة والتراث عنصران لا محید عنهما فی عملیّة الفهم (التأویل) القائمة عند غادامیر بوصفها شکلًا من أشکال الحوار (Dialogue) والجدل (Dialectique)⁽[15]⁾ بین المؤوّل وموضوع التأویل (النصّ)، وللحوار هنا دلالة عمیقة فی إطار الفهم دائمًا، والتی تکمن أساسًا فی أنّها تعکس إرادة نقدیّة فی مجاوزة الطرح الهرمینوطیقیّ الکلاسیکیّ للحقیقة أو تجاوز التطابق بین الذات/الموضوع. فإذا کانت الحقیقة -عادة- تفید تطابق ما فی الأذهان مع ما فی الأعیان، أو تطابق الفکر والواقع؛ فإنّ غادامیر یرى أنّ العلاقة بین الفکر والواقع أو الوعی (المؤوّل) والشیء (النصّ) هی علاقة مناسَبة، ولیست علاقة مطابقة. ماذا یعنی هذا للهرمینوطیقا؟ یعنی أولًا أنّ الحقیقة والمعنى نسبیّان؛ هذه قاعدة. ثمّ یدلّ على أنّ الهرمینوطیقیّ والنصّ فی ظلّ التجربة التأویلیّة یتواجهان الندّ للندّ دون تفاوت أو رجحان لکفّة أحدهما على حساب الآخر، ومن ثمّ فإنّ الأوّل لا یمتلک ولا یسیطر على الثانی؛ کما إنّ الثانی لا یفعل ذلک؛ لا استحواذ ولا امتلاک؛ وإنّما حرّیّة وحوار، أو تحاور وتلاقٍ بین آفاق الذات/الموضوع، الوعی/الشیء، المؤوّل/النصّ، التراث/الحداثة، الماضی/الحاضر، وهذا ما سمّیته بـ"انصهار الآفاق"⁽[16]⁾، هذا الانصهار یتحقّق بأکثر من الحوار والفهم؛ یتحقّق بالتحاور والتفاهم عبر أنموذج السؤال/الجواب؛ النصّ یسأل المؤوّل، والأخیر یجیب، والعکس صحیح، وهکذا یغدو الفهم عبارة "عن أمشاج من الآفاق المتداخلة، آفاق الوعی والشیء، أو الحداثة والتراث، أو الحاضر والماضی؛ ما دام التأویل یشتغل فی (البین - بین) لهذه الوقائع التاریخیّة؛ أی فی (البرزخ) النظری الجامع بین الحقائق المتعدّدة"⁽[17]⁾. وتلکم هی النار التی یستوی علیها الفهم فی هرمینوطیقا غادامیر؛ نار الجدل الخلاق بین نظرة المؤوّل ودلالة النصّ، حیث یلتقیان فیولّدان شرارة الفهم، الذی هو فنّ ونباهة فکریّة وحکمة عملیّة، فالفهم یستلزم شخصیّة ابن طفیل "ابن یقظان"؛ لأنّه حیّ و یقظان، ولأنّ الفهم لیس مسألة منهج علمیّ أو أداة موضوعیّة کما ترید له الوضعیّة، ولیس انفعالات نفسیّة کما تدّعی الرومانسیة؛ إنّه سلسلة تراثیّة-تاریخیّة من الوقائع التی تظهر ضمن سیاقات خاصّة، إنّه حسّاسیّة وتشکیل وتطبیق؛ لأنّ "الفهم هو تطبیق دائمًا"⁽[18]⁾، والتطبیق معناه القدرة والنباهة فی إنتاج دلالات جدیدة فی الحاضر؛ بناءً على آثار تنتمی إلى الماضی، ووفقًا لذلک یکون الفهم عبارة عن تطبیق دقیق. والعلوم الإنسانیّة فی نظر غادامیر یجب أن تتبنّى الفهم بوصفه تطبیقًا وإتقانًا، ولیس إملاءً وتلقینًا للمعاییر الموضوعیّة العلمیّة للفهم.

ولکن ینبغی التساؤل هنا؛ بما أنّ الأسئلة فی الفلسفة أهمّ بکثیر من الأجوبة -کما یرى یاسبرز-؛ فإذا تبیّن أنّ هرمینوطیقا غادامیر جدلیّة تنطلق من الأحکام المسبقة والتراث والاعتراف بتجربة الإنسان التاریخیّة، وإذا تأکّد بأنّ الفهم تطبیق وإتقان، فما موقف الهرمینوطیقا عند صاحب "الحقیقة والمنهج"؛ بما هی فنّ الفهم وشروطه الممکنة من مسألة اللغة؟

 

رابعًا: الفهم واللغة:

إنّ موقع اللغة فی هرمینوطیقا الجدل عند غادامیر یکاد یکون نفسه ضمن هرمینوطیقا الوجود عند هیدغر، فکما یوجد الإنسان من خلال فهمه الراهن للتاریخ والفنّ، کذلک لا یمکن تجاهل أنّه یعیش فی اللغة ویتنفّس بها وفیها. فـ"غادامیر یرفض -مثل هیدغر- الوظیفة الدلالیّة للغة، ویؤکّد على العکس؛ أی على أنّ اللغة لا تشیر إلى الأشیاء؛ بل الأشیاء تفصح عن نفسها من خلال اللغة"⁽[19]⁾. فاللغة وسیط مرکزیّ عند غادامیر بین الإنسان والوجود. وهذا الأخیر لا یمکن أن ینکشف -عند هیدغر- إلا لغةً، والإنسان کلمة/لغة، فـ "فی البدء کانت الکلمة". وعبر أنموذج المحادثة یبرهن غادامیر على أنّ اللغة لها حقیقة خاصّة بها ومستقلّة تجعلها أکثر من مجرّد أداة للتعبیر، فی المحادثة بین طرفین عبر کلمة من هنا وکلمة من هناک، یجد الطرفان نفسهما متورّطین ومقتادین للمحادثة والتحاور، و"یبیّن هذا کلّه أنّ للمحادَثة روحها الخاصّة، وأنّ اللغة التی تُجرى بها المحادثة تحمل حقیقتها الخاصّة ضمنها؛ أی إنّها تتیح لشیءٍ ما أن یتجلّى ویکون موجودًا منذ الآن"⁽[20]⁾. وبهذه الصیغة أصبحت اللغة فی هرمینوطیقا غادامیر بدورها مبحثًا رئیسًا؛ مضافًا إلى مبحث الوجود، فقد أصبح الهمّ -هنا- هو کینونة اللغة وکینونة الدازاین معًا؛ فالإنسان یعیش فی اللغة کما تعیش السمکة فی الماء وفق منظور غادامیر. أمّا العلاقة الخالصة بین الفهم واللغة، فیُمکن إجمالها فی کون اللغة هی ذلک الوسط الشمولیّ الذی تتمّ فیه عملیّات الفهم ذاتها، کما إنّ العلاقة بین الفهم واللغة یجب أن یسودها أنموذج تأویلیّ سمّاه غادامیر أنموذج اللعبة؛ حیث یتحاور الفهم وینخرط فی تضاریس اللغة؛ باعتبار الأوّل لاعبًا، والثانی لعبة تمتلک منطقها الداخلیّ الخاصّ بها.

خاتمة:

وعلیه، فقد تبین أنّ تأویلیّة غادامیر جدلیّة-تحاوریّة بین الذات والموضوع، وبین الحاضر والتراث. هرمینوطیقا انطلقت من هدم المنهج وتأسیس نسبیّة الحقیقة، وقد ارتکزت على الاکتشافات الوجودیّة لهیدغر الأستاذ الذی تجاوز المیتودولوجیا الموروثة إلى الخوض فی البنیة الوجودیّة للفهم. ویعتبر غادامیر أنّ الأحکام المسبقة شروط لا غنى عنها لأجل الفهم؛ باعتبارها رأس مال شرعیّ وعملة قابلة للتصریف؛ استنادًا إلى ما یقدّمه النصّ مع التقدّم فی تأویله وفهمه، والفهم -کما تمّ التنبیه إلى ذلک- لا یتحدّد بوصفه لحظةً أو صدمةً؛ وإنّما هو سیرورة وصیرورة للتاریخ والمعنى؛ ضمن تحاور بنّاء لا تفاوت فیه بین الماضی الذی ینتمی إلیه النصّ والحاضر الذی فی ضوئه یُقرَأ، بین النّص نفسه بوصفه موضوعًا، والمؤوّل نفسه بوصفه وعیًا یتبادل الأسئلة والأجوبة مع ذلک النصّ کذلک، ووفق ذلک یبتعد الفهم عن أیّ نزوع معیاریّ، ویتبدّى تطبیقًا عملیًّا أساسه المهارة والفطنة والحساسیّة وفنّ التشکیل؛ التشکیل داخل اللغة؛ لأنّ الإنسان بدوره یحیا بین تضاریس تلک اللغة التی تنکشف عبرها ومن خلالها الأشیاء لأوّل مرّة.

هذه هی التأویلیّة عند غادامیر، والتی بنى کثیرون فلسفتهم علیها، کما انتقدها فریق آخر ظنًّا منه أنّ المعرفة والمنفعة متعالقان، وأنّ اللغة لم تکن یومًا بریئة؛ وإنّما کانت معبّرة عن أیدیولوجیا السلطة والعلم والتقنیة... کما یقول یورغن هابرماس الذی خاض معرکة حقیقیّة⁽[21]⁾ مع غادامیر؛ قوامها الاختلاف.



[1]  باحث فی الفکر الإسلامیّ، من المغرب.

[2]⁾ ⁾ غادامیر، هانس غیورغ: فلسفة التأویل، الأصول، المبادئ، الأهداف، ترجمة: محمد شوقی الزین، ط2، بیروت، الدار العربیة للعلوم؛ الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی؛ الجزائر، منشورات الاختلاف، 2006، ص175.

[3]⁾ ⁾ غادامیر، هانز غیورغ: الحقیقة والمنهج، الخطوط الأساسیة لتأویلیّة فلسفیّة، ترجمة: حسن ناظم؛ علی حاکم صالح، طرابلس، دار أویا، 2007م، ص27.

[4]⁾ ⁾ م.ن، ص27.

[5]⁾ ⁾ غادامیر، فلسفة التأویل، م.س، ص58.

[6]⁾ ⁾ بنکراد، سعید: سیرورات التأویل، من الهرموسیّة إلى السمیائیّات، الرباط، دار الأمان؛ الجزائر، منشورات الاختلاف؛ بیروت، الدار العربیّة للعلوم ناشرون، 2012م، ص131.

[7]⁾ ⁾ م.ن، ص131.

[8]⁾ ⁾ غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص382.

[9]⁾ ⁾ الزین، محمد شوقی: الإزاحة والاحتمال، صفائح نقدیّة فی الفلسفة الغربیّة، بیروت، الدار العربیة للعلوم ناشرون؛ الجزائر، منشورات الاختلاف، 2008م، ص73.

[10]⁾ ⁾ م.ن، ص73.

[11]⁾ ⁾ غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص382.

[12]⁾ ⁾ م.ن، ص382-383.                                                   

[13]⁾ ⁾ الزین، الإزاحة والاحتمال، م.س، ص73.

[14]⁾ ⁾ غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص387.            

[15]⁾ ⁾ أرسى غادامیر هرمینوطیقیّته فی الفنّ، والتاریخ، والفلسفة على أساس جدلیّ متأثّرًا بجدلیّة هیغل وباکتشافه بأنّ الفهم هو الوعی بشیء معیّن هو الذات، ولکنْ فی المقابل انتقد غادامیر فریدریک هیغل صاحب "جدلیّة العبد والسیّد" وفلسفته المثالیّة؛ لأنّه یسجن الوعی فی نوع من التعالی المفرط للذات بحکم الصراع على نزع الاعتراف. بینما الجدل عند غادامیر جدل لا یعترف أصلًا بالتفاوت أو قوّة طرف وضعف آخر، الجدل بوصفه توترًا (Tension)  إیجابیًّا، ومنشّطًا لتفاعل وتحاور أفقی الحاضر والماضی، بین المؤوّل والنصّ.

[16]⁾ ⁾ غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص497.

[17]⁾ ⁾ الزین، الإزاحة والاحتمال، م.س، ص81.

[18]⁾ ⁾ غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص420.

[19]⁾ ⁾ أبو زید، نصر حامد: إشکالیّات القراءة وآلیّات التأویل، ط7، الدار البیضاء؛ بیروت المرکز الثقافی العربی، 2007م، ص42.

[20]⁾ ⁾ غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص505.

⁽[21]⁾  لمزید من التفصیل، انظر: مصطفى، عادل: فهم الفهم، مدخل إلى الهیرمینوطیقا، نظریة التأویل من أفلاطون إلى غادامیر، القاهرة، رؤیة للنشر والتوزیع، 2007م. 

غادامیر، هانس غیورغ: فلسفة التأویل، الأصول، المبادئ، الأهداف، ترجمة: محمد شوقی الزین، ط2، بیروت، الدار العربیة للعلوم؛ الدار البیضاء، المرکز الثقافی العربی؛ الجزائر، منشورات الاختلاف، 2006، ص175.
[1]غادامیر، هانز غیورغ: الحقیقة والمنهج، الخطوط الأساسیة لتأویلیّة فلسفیّة، ترجمة: حسن ناظم؛ علی حاکم صالح، طرابلس، دار أویا، 2007م، ص27.
[1] م.ن، ص27.
[1] غادامیر، فلسفة التأویل، م.س، ص58.
[1] بنکراد، سعید: سیرورات التأویل، من الهرموسیّة إلى السمیائیّات، الرباط، دار الأمان؛ الجزائر، منشورات الاختلاف؛ بیروت، الدار العربیّة للعلوم ناشرون، 2012م، ص131.
[1] م.ن، ص131.
[1] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص382.
[1] الزین، محمد شوقی: الإزاحة والاحتمال، صفائح نقدیّة فی الفلسفة الغربیّة، بیروت، الدار العربیة للعلوم ناشرون؛ الجزائر، منشورات الاختلاف، 2008م، ص73.
[1] م.ن، ص73.
[1] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص382.
[1] م.ن، ص382-383.                                                     
[1] الزین، الإزاحة والاحتمال، م.س، ص73.
[1] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص387.              
[1]أرسى غادامیر هرمینوطیقیّته فی الفنّ، والتاریخ، والفلسفة على أساس جدلیّ متأثّرًا بجدلیّة هیغل وباکتشافه بأنّ الفهم هو الوعی بشیء معیّن هو الذات، ولکنْ فی المقابل انتقد غادامیر فریدریک هیغل صاحب "جدلیّة العبد والسیّد" وفلسفته المثالیّة؛ لأنّه یسجن الوعی فی نوع من التعالی المفرط للذات بحکم الصراع على نزع الاعتراف. بینما الجدل عند غادامیر جدل لا یعترف أصلًا بالتفاوت أو قوّة طرف وضعف آخر، الجدل بوصفه توترًا (Tension) إیجابیًّا، ومنشّطًا لتفاعل وتحاور أفقی الحاضر والماضی، بین المؤوّل والنصّ.
[1] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص497.
[1] الزین، الإزاحة والاحتمال، م.س، ص81.
[1] غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص420.
[1] أبو زید، نصر حامد: إشکالیّات القراءة وآلیّات التأویل، ط7، الدار البیضاء؛ بیروت المرکز الثقافی العربی، 2007م، ص42.
[1]غادامیر، الحقیقة والمنهج، م.س، ص505.
[1] لمزید من التفصیل، انظر: مصطفى، عادل: فهم الفهم، مدخل إلى الهیرمینوطیقا، نظریة التأویل من أفلاطون إلى غادامیر، القاهرة، رؤیة للنشر والتوزیع، 2007م.