لا تزال مقولة (صدام الحضارات) المزعومة تلقی بظلالها القاتمة على علاقة العرب والمسلمین بالغرب المسیحی على أساس التحدّی العربی الإسلامی المفترض للغرب، فی وقت قدّم أکادیمیّون فی کلّ من الغرب والشرق تصریحات وآراء متناقضة دارت کلّها حول (صراع الحضارات)، و(حوار الحضارات) وأضحت هذه المسألة محلّ اهتمام دولی، وقضیّة یرکّز علیها کثیر من رجال الفکر والسیاسة فی أوروبا وأمریکا، فضلًا عن بعض المسؤولین السیاسیّین، بینما یعیش العالم الیوم متغیّرات کثیرة، أنتجت تحدّیات عدیدة، وصراعات ضاریة؛ امتدت إلى جمیع مناحی الحیاة: الاقتصادیّة والسیاسیّة والاجتماعیّة وحتّى الفکریّة والثّقافیّة، دون أن یصل أحد إلى تفسیر موضوعی حاسم لحقیقة ما یجری، هل هو (صدام أم صراع حضاری)؟
إنّ ما یحاول بعض الغربیّین إشاعته حول الخوف من الإسلام، واعتباره الخطر القادم، (الخطر الأخضر) کما سمّاه بعضهم، وترشیحه لیکون العدوّ البدیل بعد سقوط الاتّحاد السوفیتّی ما هی إلّا محاولات لإبقاء الحضارة الغربیّة والغربیّین محبوسین فی إطار دائرة الحقد القدیمة الموروثة من الحروب الصلیبیّة.
ولا شکّ أنّ تراکمات أحداث 11 سبتمبر 2001م ألقت ظلالًا کثیفة على العلاقة بین الغرب والإسلام، بحیث ساهمت بوضع الإسلام فی خانة العدوّ الأوّل للغرب؛ باعتباره تهدیدًا مباشرًا للقیم والمبادئ التی یؤمن بها الغرب ویسعى لنشرها.
ولا شکّ أنّ الخیار البدیل للصراع یبقى هو الحوار؛ باعتباره فریضة شرعیّة وضروریّة بشریّة حتمیّة، وظاهرة کونیّة، وجزء أساس من دینامیّة التحوّل وواقع التنوّع والتفاعل داخل المجتمعات الإنسانیّة، ووسیلة ناجعة لالتقاء الحضارات وتکاملها.