تهدف هذه المقالة إلى التأکید على وجود روابط وصلات بین کلا الحضارتین الإسلامیّة والغربیّة. وهی تجادل فی کون هذه الصلات الوطیدة ستصیر سدًى ما لم یتمّ توطیدها؛ کما جرى فی تجارب التاریخ بعد تجاوز أخطائه، وتفادی عیوبه، والعمل على حلّ المشکلات الواقعیّة التی تعکّر صفو العلاقة بین الحضارتین.
لقد شکّل الدین قدیمًا صلة وصل بین الحضارتین من خلال علاقة تبادلیّة وتفاعلیّة متعدّدة، شملت کلّ میادین المعرفة والثقافة والفنّ والعمارة ...؛ ولکن بعد مرحلة العلمنة الشاملة التی مرّت بها الحضارة الغربیّة لم یعد ممکنًا لهذا العامل أن یقوم بدوره فی ربط الجسور مرّة ثانیة، بینما فی المقابل تتنامى الدعوات المحرّضة على العنصریّة والحرب والاستعلاء والاستبداد، ما یجعل الحیاة الکونیّة ترجع القهقرى فی یوم تمّ فیه تغییب الدین لصالح مکاسب شخصیّة ومصالح ضیّقة فذهب بالعالم إلى تجارب مأساویّة من الحروب وسفک للدماء البریئة.
والحلّ یکمن فی استرجاع الإنسان من خلال الدین، لأنّ وجوده یتحدّد من خلاله، وبخاصّة لدى الطرف الآخر (الحضارة الغربیة)؛ حیث بدایات انهیار إنسانی نتیجة التنحیة التامّة للدین فی تأطیر حیاة المواطن الغربی. ولیس الغرض هو إحیاء الصراع الدینی، ولکنّ الغرض هو إحیاء التنافس والدفع الذی تحدثه الأدیان بمقاصدها الکلّیّة المبنیّة على السلام وخدمة الإنسان بتنمیة الذات.
إنّ احتکاک الحضارة الغربیّة بالحضارة الإسلامیّة والشرع الإسلامی یساعدها فی استرجاع إنسانیّتها وربط جسور التکامل بین صرحها المادّی وکینونتها الإنسانیّة المتحیّزة بعد أن فصلهما الجمود على المعرفة الإمبریقیّة وتاریخ مؤسِف دموی بین رجالات العلم وأحبار الکنیسة. وستستفید الحضارة الإسلامیّة المؤمنة بالمقابل، بالمزید من فائض المعرفة المادّیّة التی طوّرها العقل الغربی فی القرنین الأخیرین وحصل له بها تفوّق وفتح علمی عظیم. إنّه التکامل من أجل البقاء والرخاء والتفاهم، ولیس بغیة التصارع والتضارب والتناجز.